تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأجاب أما مسألة الماء فالواجب إعداده للموضع الذي يعلم أنه إذا دخل الوقت لا يجده فيه يقضى بهذا الحكم عندهم مسألة المسافر تطهر امرأته من الحيض وهي معه فلا يطؤها حتى يكون عنده من الماء ما تغتسل به هي ثم يطؤها ثم يغتسلان منه جميعا. وهذا في الوقت وقبل الوقت مع وجود الماء وتيسر حمله ومع التعذر ومشقة الحمل يراعي حاله في الوقت. وأما مسألة الرجانة في اعضاء الوضوء حائلة فتجب إزالتها أولا حتى تتخلص الأعضاء منها ثم يتوضأ إن وجد ماء وإلا يتيمم. وترد ما يكفيه للإزالة وللوضوء إذا علم أن لا ماء في الموضع وتيسر حمله. وإن قدر على أن تكون الإزالة بغسل الوضوء حتى تكون هي والوضوء بماء واحد لقلة الماء, فقد قيل بذلك في إزالة النجاسة. وأما المار بموضع الماء أول الوقت ويعلم العدم بعد حمله فوظيفته إن يتوضأ ثمة أو يحمل من ذلك الماء ما يتوضأ به, وهي من المسألة السابقة.

[الخف المغصوب]

وسئل الفقيه أبو عبد الله بن عقاب عما وقع في المشهور من أن المحرم العاصي(¬1) يلبس الخف لا يمسح, فهل لا قيل ذلك في الخف المغصوب إذ هو أيضا في كل زمن غاصب وعاص بتماديه. وليس لقائل أن يقول النهي ها هنا عن الخف بخصوصيته وإلا فالمحل قابل للخف طردي والنزاع في الخف لخصوصيته كما أن النزاع في ذلك الزمن بخصوصيته أيضا.

فأجاب ما قلتم من معارضة القول المشهور في المذهب أن المحرم لا يمسح على خفه بقول أهل المذهب يمسح على الخف المغصوب بجامع العصيان فأصل هذه المعارضة لصاحب الذخيرة وقد أجاب عن ذلك بأن الغاصب مأذون له في الصلاة بالمسح على الخفين في الجملة والحج بالمال المغصوب بخلاف المحرم فإنه يشرع له بالمسح البتة.

[

كان كل يوم يسمي باسم ذلك اليوم المشار اليه في نذره فقد حصل يقينا

الوفاء , كما لو قال لله علي صوم يوم الخميس شهرا قاذا صام كل خميس

اشتمل عليه الشهر فقد أجزأ , وكذلك لوجعل مكان الشهر عاما فصام كل

خميس بالعام فانه يطهر انه قد وفي بنذره, كما لو حلف لأزورنه يوم الخميس

عاما أو شهرا فانه يبرأ اذ كان يزوره كل خميس في العام أو في الشهر , ولو

فال علي أن أصوم هذا اليوم حياتي لأجزأ صوم كل يوم سمي بأسم ذلك

اليوم الذي أشار اليه في نذره , فتأملوا هذا وانطروا ما عندكم فيه.

فأجاب الذي يطهر لي في حكم الفرع الذي نقله التونسي عن

ابن سحنون, ونقله الشيخ عنه ايضا في النواادر أنه انما ألزمه في قوله لله علي

أن أصوم هذا الشهر يوما , يوما من الشهر المذكور لأن هذا اللفط يحتمل ثلاثه .

[90/2]

[91/2]

معان , أحدهما أن يكون هذا الشهر مفعول أصوم واليوم بدل منه يدل بعض

من كل كما ذكرتم والعائد محذوف أي يوما منه , الثاني أن يكون الشهر طرفا

لليوم ويوما مفعول أصوم , الثالث عكسه وهوأن يكون يوما هو الطرف الواقع

فيه الصوم وهذا الشهر هو المفعول , ولا يحتمل اللفط من حيث الطاهر غير

هذه المعاني . ولما كان المعني الثالث محالا عقلا تعين الحمل علي احد الأولين

والازم علي كل منهما انما هو صوم يوم واحد من ذلك الشهر . واما نذره ان

يصوم هذا اليوم شهرا فانما الزمهان يصوم مثل ذلك اليوم ثلاثين لأن هذا

اللفط يحتمل أن يكون معناه أصوم كل يوم يوافق اسم هذا اليوم من الشهور

كما ذهبتم اليه , أو أصوم مثل هذا اليوم مرة واحده في شهر أو يكون شهرا

بدلا من هذا اليوم بدل كل من بعض عكس ما هو المشهور من بدل البعض

من الكل قاله بعضهم في قوله امريء القيس . كأني غذاة البين يوم تحملوا .

فجعل يوما بدل من غداه . أو يكون بدل الشيء من الشيء , أو يكون

بدل البعض من الكل, علي أن يكون معني اليوم الزمان الخاص الذي

وأما ما ذكر عن بعض المبرزين أن أباها حمل إلى موضع ذكر له أن ابنته فيه ترضع الولد الذي ولدته من زنى ولم يسم الشاهدين ، فإن ذلك ريبة منه ؛ لأن ابن المواز قال : كان مالك وأصحابه يقولون : إذا قال القاضي ثبت عندي شاهدان بحق على فلان ، فلا يقبلا عليه حتى يشهدا عليه بين يديه ويعرفه إياهما . ومن كتاب ابن المواز نقل ابن يونس هذا المعنى . وأما ما وقع من[71/3]جواب بعض الفقهاء أن ثبت ذلك وسواء بت ذلك أو قال الجواب فقط ، فإن الحكم فيه سواء ؛ لأن المراد بالقسم الثاني هو القسم الأول . واستدل بعض الفقهاء على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : « خذي ما يكفيك أنت وولدك » . قالوا فيه إطلاق بجواز الفتيا ، والمراد تعليقها بثبوت ما يقول الخصم ، قال الإمام المازري رحمه الله في المعلم : "ولهذا لا يقول كثير من الناس المفتين إذا ثبت ذلك ويحرفونه اختصارا ، ويدخل في هذا الحكم أيضا شهادة الأبداد(¬1)قال ابن الهندي في النسخة الكبرى من وثائقه : وروي في شهادة الأبداد أنها لا تقبل إذا شهد كل واحد منهم بغير نص ما شهد به صاحبه ، إن كان معنى جميع شهادتهم واحدا حتى يتفق منهم شاهدان على نص واحد ، فقد أبطل شهادة الأبداد في هذه الرواية وإن اتفقت في المعنى وما يوجبه الحكم حتى يتفقا في اللفظ والمعنى وما يوجبه الحكم . وفيه أيضا معنى الدعائم ولذلك أعذر في السبعة مع وجود المبرزين ، فكأن النكاح لم يستقل بهما عنده حتى يدعمه عنده السبعة, وفي مثل هذا قال أبو عمر الأشبيلي رحمه الله بالدعائم تستباح الدماء ، فيكون الحكم باطلا من هذا الوجه والله أعلم .

ومن أجل ذلك قال له ها هنا ليس للبينة في شيء من هذا ذكر كان ما لا ينتفع فيه إلا البينة ما سئل عن مدة شهر ولا عن غيرها، قربت المدة أو بعدت، ولا كان يقول مالك مقيم معها ببلد يرى حملها، وإن كان لا يثبت هذا إلا بالبينة

[74/4]

[75/4]

فما تغني هذه الشروط، وهي لو عدمت وشهدت عليه البينة، لأخذ بالشهادة وكان اقرب في العذارة وأبين للمرأة، ولكنهم رحمهم الله علموا أن من طال مقامه مع امرأته يشاهدها بغير حائل بينها وبينه لا يخفى عليه ما حدث بها، لأنه في كل يوم ينمي ويظهر حتى يعرفه منها غير زوجها.

فإذا كان كذلك فدعوى الزوج أنه ما رأى ولا علم به خلاف لما جرى عليه أمر الناس أجمعين، ومن ادعى خلاف هذا الظاهر من أمره فهو الذي يكلف البيان عن قوله، وما أغرب من تكلم في هذه المسألة عن البينة، ولكنه أمسك عنها في مكان يستغنى عن ذكرها فيه، يذكر ما هو أوكد منه، وهو طول مقامه معها يشاهدها، فلما سئل عن مشاهدة نقل المقام فيمن بين، قيل لابن القاسم: فإن رأى يوما أو يومين فسكت، ثم إنه قد رآه فلم ينكره أو أقر ثم جاء بعد ذلك ينكر لم يكن له ذلك، فأي شيء أبين من هذا عن العوام، على أن ابن المواد قد ذكر أن مالكا قال: إنما له إنكار الولد حين علم بالحمل أو بالولادة، فأما بعد علمه بذلك ويقيم اليوم واليومين لا يتكلم ولا ينكر ثم ينكر بعد ذلك فليس ذلك له.

75/5]

ذهبه ومثل وزنه لا أقل ولا أكثر وهو أحسن لأنه إذا أخذ قطعة مثل ذهبه ووزنه كان قد ترك فضل السكة وذلك معروف منه ولا تدخله مبايعة انتهى، ونقل ابن يونس عن محمد تصويب قول أشهب، وعلله بأن الباقي بعد أخذ بعضه عرضا أو ورقا وذهبا وإلا لما جاز الاقتضاء الأول لإيجابه صرفا مؤخرا انتهى.

فإن قلت قد أوضحت بما تقدم من النصوص حكم الدينار القائم إذا اتحد وما حكم الدنانير القائمة إذا تعدد ما في الذمة منها هل يجوز اقتضاء الورق أو العرض عن بعض أفرادها والذهب عن بقيتها كالدينار المجموع على ما تقرر فيه فقهاء أم يجري المتعدد منها مجرى المتحد؟

قال ابن عات في طرره عن المشاور: وإن ابتاع الأب أملاكا وكتب باسم ابنه، ولا يعلم للابن مال، فإن مالكا يلزمه إقراره ويجعلها للابن. وإن اعتمرها الأب أو سكنها حتى مات. وهو الصحيح وبه العمل، لأنه قد يكون للابن مال، بحيث لا يعلم وأصبغ يجعله تاليجا وليس بشيء.

قلت: لا يلزم من جعله قول أصبغ ليس بشيء في صورة الشراء من غيره أن يكون في اشترائه من نفسه كذلك، وإنما كان قول أصبغ ليس بشيء في صورة اشتراء الوالد لولده من غيره، لما ذكر من أنه قد يكون للابن مال بحيث لا يعلم، يريد أو يكون ذلك المال هبة من الأب لابنه فإخراج الثمن

[89/6]

من يده إلى يد البائع حوز حسبما نص عليه الموثقون والحكام وأصحاب النوازل والأحكام.

قال ابن مغيث وغيره: وابتياعه له بمال وهبته إياه جائز وإن لم تعرف الهبة قبل ذلك، لأن إخراج الثمن عن يده للبائع حيازة، وبه مضى العمل عند الشيوخ. وقول القاضي سدده الله ليس في مسألتكم إلا قول الأخوين: من ابتاع من نفسه نصف ماله لابنه الصغير، ولا يعلم للابن مال، فمات الأب وقام الورثة وقالوا: إنه تاليج فلا قيام له، وذلك للابن نافذ.

وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عن رجل كان يجاوره فرن للجامع الأعظم وتهدم الفرن المذكور, وبقي ترمى فيه الأزبال, وكذلك بجواره دار تهدمت وبقي بها بيتان, ثم إن رجلا ممن وراء الدار والفرن بنى الحائط الذي بالزقاق وفتح لهما بابا لداره واستعمل البيت الواحد لرباط بقره, وآخر جعل فيه يبنا وغرس في الفرن أشجار تين وفتحه لعرصته, فقيل له تعطي جزاء ذلك فامتنع, وقال: لا حاجة لي لذلك, وإنما بنيت الحائط صونا لهما من الأزبال وما استغل, فهل تبقى تباعته في ذمته أم يحكم عليه بكراء المثل ؟ لكونه غرس وانتفع بالبيتين؛ وهل تكون جرحة فيه عن امتنع من إعطاء ما استغل أم لا ؟ ورجل آخر كان في استيجار والده قويعتين في عرصة وزعم أن أمد الاستيجار انصرم, وقال للناضر في الأحباس لا حاجة لي بذلك وقبل منه ذلك, لكن بقي الحائط الذي بالعرصة عليها ( )(¬1) ولم يخرجها من عرصته ولا عين له القويعتين أصلا إلا بزعمه عين له طرفا من عرصته, وقال: هذا لكم عندي حبس ولا بينة له على قوله, وهو موافق على قاعة بيتين عنده وعند والده قبله, فهل يلزمه جزاء ذلك ؟ لكونه لم يخرجهما من عرصته ولا علم بهما أحد ليكريهما, وطلبه الناظر بذلك فامتنع. فانظروا يا سيدي ما يخلص الناظر والمستأجر, بينه لنا يعظم الله أجركم. ومن تمام كلام الناظر أن قال له: أقم لي بينة تشهد بمقالتك وأما انا فما تقول إلا الذي هو مغترس بالأشجار هو الحبس, وما منعك من هدم الحائط, وتعين لي ما زعمت أنه حبس, وله مدة تزيد على العشر سنين ما أعطى درهما, وهي باقية على حالها كما كانت بيد والده قبله, بينوا لنا الحكم في ذلك مأجورين مشكورين والسلام عليكم.

إلزام المرأة أن تتجهز بصداقها لزوجها لا أهل له في المذهب]

[حكم من أصدقت مائتي دينار وطلبت أن تشتري بها دارا وغيره]

وسئل عن امرأة أصدقت مائتي دينار فطلبت أن تبتاع دارا وخادما وثيابا تفترشها فمنعها الزوج وقال بل يبتاع بها ثياب لي ولك، فهل يؤخذ بقول الناكح أم لا؟

فأجاب: اعلم أن إلزام المرأة أن تتجهز بصداقها إلى زوجها مسألة لا أصل لها في المذهب إلا الجري على حكم العرف، وجل الناس يخالفوننا

[77/8]

[78/8]فيها. وقد كان بعض من تقدم من المالكيين بالأندلس لا يفتي بلزومها. ومذهبي في ذلك أنه لا يلزم المرأة من ذلك إلا من غلب تعارفه، حتى كأنه قد ثبت تواصفه. وما انحط عن هذا القدر فإنه خارج عن اللزوم وبالله التوفيق.

[مسائل من الصفقة]

فأجاب: إذا ثبت أنه خطه وعرفه من عنده الوديعة فلا شيء عليه وكذلك إذا كان لفظه ادفعها إلى حامل كتأبي إليك أو للموصل كتأبي إليك فلم يتعد وأما لو قال: ادفعها إلى رسولي لضمن إذا دفعها لموصل الكتاب قيل أما عدم الضمان فلأنه جنى على نفسه حين لم يذكر اسم الرسول فأشبه من عوض عن صدقته جهلا وظنا أن ذلك يلزمه، وعلى أحد القولين إذا أقر بجناية تحملها العاقلة فظن أن ذلك يلزمه وأما ما ذكره من الضمان في لفظ الرسول فيجرى على الاختلاف في المجتهد هل يعذر لخطئه أم لا؟

[88/9] [مسألة في الوديعة يتسلمها الرسول بأمارة ثم ينكر ربها بعث الرسول]

وسئل عمن أودع وديعة أو نحوها وقال إن أتاك رسولي بأمارة فادفعها له ففعل ثم أنكر رب المال البعث وأقر الرسول وقال ضاعت.

فأجاب: القول قول رب المال ويحلف فله تضمين من شاء وقد اختلف إن أقر المودع فهل له رجوع على الرسول أم لا؟ واختار إن كان حين دفع إليه مصدقا له فلا رجوع، وإن لم يعلم صدقه فله الرجوع.

وفي العتبية روى يحيى في المودع يأذن له رب الوديعة أن يدفعها لمن جاء بأمارة ذكرها له فجاءه بها فدفع إليه المال ثم مات ربه وقام ورثته على الرسول الذي قبض بالأمارة فقالوا ما صنعت به؟ فقال: صنعت به ما أمرني به ربه، فقالوا وما الذي أمرك به؟ فقال: ليس على أن أخبركم، قال يحلف لقد صنع ما أمره به ويبرأ وقال ابن القاسم.

[مسألة في ضمان الوديعة]

وسئل عن صبي في رفقة بيده مال خاف اللصوص فدفعه إليهم لبعض أهل الرفقة ليحصنه ثم زال الخوف فرده للصبي.

فأجاب: بأنه يضمن المال لأنه رده ممن لا يجوز أن يعطاه.

[مسألة من مسائل الوديعة إذا تلفت]

ولا شك أن ذكر القاضي ثبوت شهادة عنده على غائب ليس بقضية مختصة ولا نقل محض ، بل هو مشوب بالأمرين ، فينظر أولاهما به فيسند إليه ، فلاق لي : نقلك عن المازري أن قول القاضي ثبت عندي أنه كالقضية المنفذة عند بعضهم بعيد ، فإنه ألف جزءا خطأ فيه من زعم أن قول القاضي ثبت عندي حكم ، فوقفته بعد انقضاء مجلس الدرس على قول المازري المتقدم ، فدخل منزله وأخرج لي الجزء الذي ذكره المازري وأنا أذكر لبابه مختصرا ، فإنه تقيد فيه بخطابات أدبية لا يحتاج لذكرها هنا قال : حدث سؤال أفتيت فيه أنا وجميع من يستفتى بالمهدية بجواب واحد ، وعلى أن ما خالفه باطل فاسد ، فظن بعض من نشأ هنا ممن ينسب للفقه أنه خفي شأنه ، وأخمله زمانه ، فأراد أن يعلم إخوانه لمخالفته إيانا محله ومكانه . ولا بد من ذكر السؤال بنصه ، [71/10] وإيضاح مكنونة وكشفه ، وهو أن بعض القضاة أنفذ كتابا لقاض ذكر فيه : وثبت لدي أن فلانا وفلانا اشتريا من فلان في عقد واحد كذا وكذا منهما بثمن سماه ، ثم ذكر بعد ذكر هذا وما يتعلق به ، فسألني الحامل لهذا الكتاب إنهاء جميع ذلك للقاضي ليفعل فيه موجبه ، فاتفق رأي الجماعة الذين استرشدوا فه على أنه لا يوجب نقل ملك البائع فتتعلق به الأحكام التابعة لنقل الملك من الشفعة وغيرها ، وعن تعلق الشفعة وقع الكلام . والدليل على أن هذا الكتاب لا يوجب على الشريك أخذ الشفعة أو تركها ، أنها لا تجب إلا بعد انتقال الملك ، لأن بيع الخيار لا تجب فيه شفعة ما لم يبت . والملك قد انتقل فيه على أحد القولين عندنا ، والملك لا يثبت انتقاله إلا إذا اعترف به المتعاقدان أو حكم به عليهما عند الإنكار . وهذا الكتاب لم يذكر فيه اعتراف البائع بالبيع ، ولا صرح من بعثه بأنه حكم بالبيع وقضى به ، بل أورد لفظا محتملا بالحكم ولما سواه ، ولا تلتزم القضايا والأحكام بلفظ فيه إشكال وإبهام . وهذا مما لا يختلف فيه أحد على ذوي الأفهام .

71/11] سألتم عنها من مسح الوجه باليدين عقب الفاتحة هي من المسح في الرقا حتى لا يحتاج إلى تخريج(¬1) ثم نقول: ولو كان هذا المسح بإثر الفراغ من الدعاء لكان جوابه أنه سائغ حسبما جاء في صحيح الترمذي عن عمر رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. قال أبو عيسى حديث صحيح غريب. فأنت ترى هذا الخبر الصحيح كيف أثبت المسح. ومع ثبوت الخبر لا تسع مخالفته، لا سيما والإمام رضي الله عنه إنما قال لما سئل عنه: ذلك ما علمته. وكذا فهم الشيخ أن إنكاره لما لم يأت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أثر فحمل الأمر من مالك رضي الله عنه أنه لم يبلغه الخبر، أو بلغه ممن لم يثق به. فلما وجد أبو عيسى من يوثق به وجب المصير إليه كما قال الشافعي رضي الله عنه: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإلا فاضربوا بمذهبي عرض هذا الحائط.

وممن أخذ بهذا الخبر غير من أشار إليه ابن رشد أبو حامد الغزالي ومحي الدين النووي فإنهما لما أخذا في عد آداب الدعاء ذكر أيمتا رفع اليدين ويمسح بهما وجهه في آخره. وبذلك أخذ كثير من المتأخرين، ورأيت لعز الدين بن عبد السلام إنكار المسح عقب الدعاء، والتغليظ فيه، حتى قال: لا يفعله إلا جاهل. وعجبت له كيف قال ذلك مع ثبوت الخبر. والأمر معه يدور بين الإباحة والترغيب.

وقد تبين مما حصلنا في مسألة المسح عقب الدعاء أنه مختلف فيه. وإنما الراجح، ما وافق الخبر الصحيح من ذلك وهو استعماله. لا يقال إنما رأي أهل النظر في الأقاويل والترجيح بينها للمجتهد، أما المقلد فلا لوجهين: أحدهما إنما نمنع التقليد في هذه القضية فيمن اطلع على دليلها. إذ حقيقة التقليد هو قبول قول الغير من غير حجة، كقبول العامي قول المفتي عند بعضهم. أما ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس تقليدا لأنه

[

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٨٦