65/1] وعلى ما قاله ابن شعبان أن له أن يصيب الحائض إذا طهرت ويتيمم وينوي بالثاني الحدث الأصغر, ويؤخذ من المدونة مثل قول ابن شعبان لقوله فيها في الحائض تعدم الماء تتيمم قال ابن القاسم ليس لزوجها أن يصيبها لأن التيمم طهر لما كانت فيه, فليس لزوجها أن يدخل عليها ما ينقض ذلك. قال اللخمي فأوقع على التيمم اسم الطهارة وأن اللمس ينقضها فدل على ان التيمم يرفع الحدث هذا معنى كلامه. وتخريجه مردود بان منعه في المدونة إنما هو لأن التيمم لا يرفع الحدث, لا لأنها طهرت منه, إذ لو طهرت منه لزم إذا حضرتها صلاة أخرى قبل أن يحدث أصغر لا تتيمم, وليس كذلك, بل لابد من تيممها. فإذا تيممت فلا يمكن أن تنوي الحدث الأصغر هنا لأنه لم يقع, فثبت أن التيمم الثاني يكون بنية الحدث الأكبر, قاله بمعناه شيخنا ابن عرفة. وقال ابن العربي: المتيمم للجنابة إذا بال يجوز له أن يقرأ, لأن الحدث الأصغر لا يبطل التيمم إلا فيما هو من احكامه لا من أحكام الحدث الأكبر وكلام ابن العربي هذا كقول ابن شعبان وتخريج اللخمي يحصل في المسألة قولان, فعلى قول ابن شعبان وابن العربي وتخريج اللخمي فلا معارضة, وعلى القول الآخر فلا تتقرر المعارضة على الوجه الثاني, لأن قولك الجاري على قواعدهم أنه يتيمم بنية الأصغر إذ الطهارة لا ينقضها إلا ما يوجبها غلط أو مغالطة, إن ثبت ذلك على أنه طهارة فلا يندرج تحت قولك الطهارة لا ينقضها إلا ما يوجبها, وانظر كيف تمسك اللخمي بلفظ طهر في كلام المدونة وأخذ من ذلك أن التيمم يرفع الحدث حسبما تقدم.
والحاصل أن المعارضة التي ذكرت لا تتقرر على المذهب من أن التيمم لا يرفع الحدث, وتقييد الحدث بكونه قبل الصلاة ظاهر كلام اللخمي وغيره أن المسألة أعم من ذلك والله أعلم.
[من تيمم ووجد الماء بعد الشروع في الصلاة]
العبادات علي مشيئة أحدهما , فاذا شاء لزمه ذلك , فان طاعتهما في ترك هذه
فواضح , وان عم فمشكل .
فأجاب لا شك أن مقتضي المدونه اللزوم كما ذكرتم , من ذلك قوله في
كتاب الأيمان والنذور , ولا استثناء في طلاق ولا عتاق ولا مشي ولا صدقة ,
ولو قال في ذلك ان شاء فلان لم يلزمه شئ حتي يشاء فلان انتهي . ومن
تمليك المرأة بقوله لها ان شئت أو شاء فلان , ومن ذلك قوله في العتق الأول .
من قال انها طالق ان شاء الله لزمه الطلاق حالا
وسئل " ابن القاسم " عمن قال لأمته انت حرة ان رضيت أو هويت
أو شئت أو أردت حتي متي يكون لها ذلك
فقال : ذلك لها وان قاما من مجلسهما , مثل التمليك في المرأة . ثم قال
بعد : وان قال لها أنت طالق ان شئت أو شاء فلان لم تطلق حتي ينطر ما شاء
فلان , ولو قال ان شاء الله لم ينفعه وطلقت مكانها انتهي . ولم تقع هذه في
الكتاب , أعني قوله طالق ان شئت , علي أن الاسناد للمتكلم الاهنا .
فان قلت : ليس الطلاق والعتق من النذر حتي يذكر دليلا علي لزوم
النذر المعلق علي مشيئة فلان وبمشيئته .
قلت : بل حكم الجميع واحد . ألا تري الي قول " ابن الحاجب والنذور "
[85/2]
[86/2]
والطلاق والعتق علي صفة فيهن تسمي يمينا وهي في التحقيق تعليق انتهي .
وكذلك نص عليه ابن بشير وغيره , وهذا ايضا من النصوص الدالة علي لزوم
مثل هذا النذر , ومثله لابن الجلاب . ولا اشكال في لزوم مثل هذا النذر اذ
لا فرق بينه وبين ما لزمه الشافعية من قولهم ان شفاء الله مريضي في كونه
معلقا علي مجهول الوقوع محتمله , فكما يلزمه ان وقع شفاء المريض يلزمه ان
وقعت مشيئة زيد , لأن كلا منهما وقت للصوم الملتزم , ولو كان الصوم عندما
يشاؤه زيد لزيد لكانم الصوم عندما يشفي المريض , لشفاء المريض , لكن الصوم
المريض لا معني له فكذلك الصوم لزيد , وانما المعني أصوم لله ان شفي
المريض , وأصوم ان شاء زيد ذلك , فالصوم لله لمشيئته زيد ذلك , كما أن من
66/3]الحمد لله وحده أكرم الله تعالى الفقيه أبا عبد الله محمد ابن الشيخ المرحوم أبي العباس بن عطية بتقواه ، وصرفه من العمل فيما يرضاه ، وذلكم أعزكم الله بطاعته ، أن إبراهيم بن العنبكي رغب إلي في الكتب في حقه إليكم ، وذكر أن بيده ظهيرا بأنكم تحكموا (كذا) في مسألته مع ابن الترجمان ، والمسألة ظاهرة بما جرى فيها من سؤال وجواب ، ولم يبق إلا الحكم بما يقتضيه الشرع ، ولا كتبنا له إلا تأكيدا لما علمنا من فضلكم ودينكم ، ولا يخيل عليكم بالباطل ، فإنا نعلم أنكم ممن لا يخدع ، فاحكم وأنت مأجور مشكور ، وكتب بذلك مريد الخير إليكم محبكم إبراهيم اليزناسني .
نسخة سؤال آخر في المسألة بعد موت القاضي الترجالي رحمه الله نصه :
الحمد لله وحده سيدي رضي الله عنكم ، جوابكم في مسألة وهي أن قاضيا كان زوج على رجل ابنته البكر في حجره ، لزعمه أنه ثبت عنده ضرر الأب لها وعضله إياها عن النكاح ، وأنها ثيب من زنى في رسم استرعاء ، وأنه أعذر للأب المذكور في حل الرسم المذكور فعجز عن ذلك ، ثم توفي القاضي المذكور وولي بعده قاض آخر ، فقام الأب المذكور يطلب فسخ هذا النكاح ، وزعم أن الضرب والعضل وسائر فصول رسم الاسترعاء المذكور لم نثبت عليه ، وأن عنده بينة تشهد على اعتراف الزوج المذكور الذي زوجها منه القاضي المذكور ، أنه وجد البنت المذكور بكرا عذراء ، فهل يجب فسخ هذا النكاح بتقدير إثبات الأب ما يناقض فصول رسم الاسترعاء الذي زوجها به القاضي المذكور على كل من يقدر على فسخه أم لا ، فبينوا لنا ذلك مشكورين مأجورين والسلام الأتم ورحمة الله تعالى وبركاته .
وأجاب عبد الله بن مالك: يا سيدي وولي ومن وفقه الله وسدده، قال الله عز وجل: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية، وقال: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ الآية، فما كان به الأجنبي في هذه الآية راميا، كان به الزوج في الآية الأخرى لزوجه راميا، قال أبو عبيد: ونفي الحمل أشد الرمي ومن أبلغ القذف، فاللعان في هذه القصة واجب، وإن ألغينا دعواه الاستبراء، وهذا بين في كتاب الله عز وجل مما ذكرت له من تساوي الرمي في الآيتين، وكل ما كان به راميا لها فقد أفتانا فيه القرآن وكفى فيه النظر؛ وهذا أحسن قول مالك وابن القاسم، ولقد كان من يصغي إلى قوله من سلف الأمة يقولون إنه ينفى الولد عنه باللعان متى شاء وإن كان قد أقر به قبل ذلك، وإن كنا لا نقوله ولكن نراعي الخلاف، فهذا يؤكد وجوب اللعان في المسألة، حملك الله على الصواب وإيانا بمنه، والسلام.
[69/4]
[70/4]
ابن سهل: وكان أبو حنيفة يقول: إذا ولدت فنفاه يوم يولد أو بعد يومين لاعن وانتفى الولد، وإن لم ينفه إلا بعد سنتين لاعن ولزمه الولد، وقال أبو يوسف: إن قدم يوم مغيبه (¬1) فله نفيه ما بينه وبين مقدار النفاس أربعين ليلة من يوم قدم ما كان في الحولين، فإن كان قدم بعد الحولين لم ينتف عنه أبدا.
المغصوبة بأعيانها، وإنما هي أنسالها، فيجوز شراؤها منهم لمن أراد من الناس أن يشتري شيئا منها، وما أهدوا منها لأمير المؤمنين أدام الله أيامه فوهبه لأحد ساغ لمن وهبه له أن يأخذه وحل له تملكه ولم يكن عليه في ذلك إثم ولا حرج إن شاء الله، ولأمير المؤمنين أدام أيامه أن يثيب من أهدى إليه منهم شيئا من بيت مال المسلمين إذا كان إنما يقبل ذلك منهم ليصرف في مصالح المسلمين، وأما ما يهدون لوالي أمير المسلمين عليهم فلا يسوغ له قبولهم منهم لما جاء من أن هدايا الأمراء غلول، إلا أن يكافئ عليها، وإن كافأ عليها بقيمتها من الثواب وأهدى منها شيئا لأمير المسلمين أدام الله تأييده وتوفيقه فأعطاه لأحد صح له بعطيته وساغ له، وسواء كان الغاصبون لهذه الماشية قد غصبوها لمن لم يغصبهم أو لمن غصبهم أو غصب آباءهم قبلهم إذا كانت القبيلة قد غصبتها القبيلة فلم يعلم كل واحد بعينه أنه أخذ مال من صار إليه ماله بعينه، وأما إن كان هؤلاء القوم الذين هذه الماشية بأيديهم قد غصبوهاهم أو من ورثوها عنهم من آبائهم وأجدادهم ممن غصبهم أو ممن لم يغصبهم يعرفون أربابها الذين غصبت منهم ويمكنهم أداؤها بأعيانها إليهم وإلى ورثتهم فالواجب المتعين عليهم اللازم لهم أن يصرفوها على أربابها، إذ لا يحل لهم أن يتمسكوا بشيء منها ولا أن يقبلها أحد منهم ولا ممن صارت إليهم من قبلهم بأي وجه صارت إليه، فإن فعل شيئا من ذلك وهو عالم كان حكمه في ذلك حكم الغاصب، وبالله التوفيق.
إقرار الأم لابنتها بدين عليها في صحتها نافذ، إلا أن تكون الابنة المقر لها غير معروفة بكسب ولا فائدة من ميراث أو غيره، وأقر لها بما لا يشبه حالة البنت، فإقرارها توليج. وإن أقرت بما يشبه حال البنت، ووقع البيع بما لا يشبه أن يكون ثمنا للمبيع أو يشبه ولم تعاين البينة الثمن كما في السؤال، ولم يزل المبيع في يد البائعة إلى موتها فهو توليج.
وعن ابن القاسم فيمن باع من ولده الصغير أرضا بعشرة دنانير وثمنها مائة دينار فلا تزال في يد الأب إلى موته، فهو موروث عن الأب وللولد العشرة. وقال من أشهد صحته: إني بعت منزلي هذا من امرأتي أو ابني أو ولد ابني ولم ير الشهود الثمن، ولم يزل المنزل في يد الأب حتى مات، إنه لا يجوز وهو توليج.
وأجاب: الشيخ أبو محمد عن قريب منها أيضا بما نصه:
إذا كان للولد مال معروف، وما باعه منه الوالد بثمن لا غبن فيه، وأقر بقبض الثمن في صحته، فالبيع تام. وإن شاء باقي الورثة يعينه أن ما جرى على الصحة ونقد الثمن صحيح. لا على الهبة، فذلك لهم. وإن لم يعرف للولد مال فالبيع باطل وليجة لا تصح إلا بالحيازة من جائز الأمر. وحيازة الأب مع سكناه باطل في الصغير، إلا أن يسكن بيتا من دار عظمى فيمضي الجميع.
[قيام الغائب بالغبن بعد البيع عليه]
وسئل: ابن البرا(¬1) عمن عليه دين وغاب وله دار حاضرة فباعوها عليه في الدين وأخذوا ديونهم ثم قدم فادعى أن في بيعها غبنا كثيرا، فهل يمكن من ذلك أم لا؟
[83/6]
فأجاب: إذا ثبت أن في بيعها غبنا قدر الثلث فأكثر، فلا يمنع القادم من طلب حقه واستيفائه هو ومن يعلم من ذلك الحاضرين فيمن يبيع عليه، أو انتقل الملك إليه بالإرث بعد وليه.
وكتب إلى الفقيه أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الغصاوي(¬2) من بني برطال(¬3) بسؤال مقيد تحت رسم وأحال فيه عليه.
نص الرسم المذكور: الحمد لله نسخة رسم نصه:
ويتوب إلى الله فاعلها ولا يعود ولا يحتج في جواز هذا لاتخاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه الأبنية للإعتكاف, فإن ذلك إنما كانت في أخريات المسجد, وما حكمه بحكم أبنيته ولم يكن بناء بخشب ولا لبن إنما كانت حجر بالمسوح والحصر, هذا ما يجب عندي في ذلك والذي لا ريب فيه, وبالله التوفيق لا إله غيره, قاله ابن عياض.
[قاعة بعضها حبس وبعضها ملك وجهل ما لكل فحمله على التساوي]
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب عن قاعة دار فيها حبس وحق الغير, لا يعلم حد الحبس ولا حد الحق للغير لا بتحيز ولا حدود.
فأجاب أما القاعة التي جهل فيها حق الحبس وقدره وقدر حق الغير, فمحمل الاشتراك المعلوم مع جهل القدر عند الفقهاء على التسوية حتى يظهر خلافه قاله فرج ابن لب.
[73/7] [أحباس أهل الذمة لا حرمة لها, ويجوز تحويلها إلى بيت مال المسلمين]
وسئل القاضي أبو الفضل عياض عن أحباس حبسها نصارى معاهدون على كنيسة لهم وكان القسيسون يستغلونها وينفقونها في مصالح كنيستهم وما فضل منها يأخذونه لأنفسهم فبقيت كذلك ما شاء الله إلى أن أجلاهم الأمير من ديارهم, فرد المسلمون الكنيسة المذكورة مسجدا تصلى فيه الصلوات الخمس ويختطب فيه أيام الجمع فبقيت الأحباس المذكورة على ما كانت عليه على حالها يكسى منها المسجد ويستغل الأئمة الباقي, فبقيت كذلك أزيد من ثمان عشرة سنة؛ لم تتعرض بشيء من الأشياء إلى أن قام عامل من عمال بيت المسلمين وأراد ضمها لبيت المال من غير أن يستظهر بظهير من عند الأمير بضمها, فهل له أكرمك الله أن يضمها لبيت المال من غير أن يأمره الأمير بذلك أم لا سبيل له إلى ضمها على هذا الوجه المذكور؟ وكيف إن أمره الأمير بضمها لبيت المال هل يجوز له ذلك ام لا ؟ بين لنا وفقك الله وجه الحكم في هذه المسألة إلى أن يستتم الناظر فيها بيانا شافيا مأجورا موفقا إن شاء الله.
71/8]على المنحى تحمل شهادته، وأيضا فإن الشاهد في المباراة إنما شهد على إقرار المرأة، وشهادته بالإكراه إنما هي شهادة بعلمه، فهما أمران لا يتضادان اللهم إلا أن يكون قادرا على رفع الإكراه عنها ولا يفعل، فحينئذ تكون جرحة فيه وبالله التوفيق؟
[حكم من تحمل شهادة وهو فاسق ثم تاب هل تقبل شهادته أم لا...؟]
وسئل عن شاهد كتب شهادته وهو فاسق غير مرضي، ثم تاب وحسنت حالته وشهد في العدالة فعلن خط يده، هل تجوز شهادته؟ وقال بعض الطلبة إنه لا يؤديها ولا تقبل منه.
فأجاب: لا أعلم في قبول هذه الشهادة التي وصفت اختلافا، وذلك أن التحمل للشهادة ليس بأداء ولا شبه أداء فيعتبر بالحال التي تحملت فيه الشهادة، وإنما ترد شهادته إذ أداها في حال فسقه فردت ثم صار مرضيا فأعادها للظنة اللاحقة له من أنه يريد تصحيح الأداء الأول وليس كذلك حالة التحمل، واختلف إذا أشهد عليها شهودا عدولا وهو في حال فسقه فلم يؤدها أولئك إلا وهو عدل، فقيل تجوز وقيل لا تجوز، والأشبه جوازها وبالله التوفيق.
[بينة شهدت بحق لم تبين قدره]
وسئل عن بينة شهدت لرجل أن الجمل الفلاني لأبيه، وأنه أحاط بميراثه في علمهم إلا أنا نعلم أن لأمه فيه صداقا ولا نعلم مقدار ما لأمه ولا لأبيه، والأم قد باعته وهو بيد مبتاع.
فأجاب: هذه شهادة مبهمة. وقد اختلف في هذا الأصل في المذهب، واختلف فيه قول ابن القاسم أيضا، والذي أراه في مسألتك بعينها أنها غير عاملة ولا موجبة شيئا إلا ما توجبه مجرد الدعوى من تحليف البائع والمبتاع أنهما ما يعلمان للمدعي في ذلك ملكا ولا حقا وبالله التوفيق.
[71/8]
[72/8][من قتل زوجته ولها منه ابن ومن غيره ابن هل يقتل؟ أم يرفع عنه القتل؟]
وسئل البرزلى عمن توفي وقد أوصى بوصايا وفيها أنه تحت يد زوجته في صندوقه أسبابا ذكرها ثم ثبت أن الزوجة كانت محجوزة في حجر وصى لها ثم ثبت رشدها بعد عامين من هذا وطلب الآن الورثة الانفصال في تركة الميت فاعترفت بالأسباب وأنها باعت بشيء آخر بعد رشدها وقالت كل ما ضاع أو بعته في زمن حجري لا يلزمني منه شيء، وهو كان عالم (كذا) بحجرها حينئذ، ودفع إليها وكيل مفوض إليه ما كان يقتضيه فأقرت به وذكرت أنها أتلفته، واستظهر الوكيل بشاهد على الميت أنه أذن له بدفع ما يقتضى لهذه الزوجة ويبرأ، فهل يلزمها شيء مما أتلفته أم لا؟ وهل يلزم الوكيل ما كان يدفعه إليها بغير موجب أم لا؟
فأجاب: إذا ثبت ما ذكر فإن الزوجة تحلف على هذا وما أهلكته في زمن سفهها إن كانت من أهل التهم، فإن حلفت برئت وإلا توجه عليها الحق
[82/9] وما دفع الوكيل فإن ثبت دفعه لها بمعاينة بينة برئ إذا كمل العقد بيمين وإن لم تعاين البينة الدفع لم يبرأ.
[مسألة في وديعة توفي صاحبها وكان المودع عنده لا يعرفه إلا بالعين]
وسئل ابن الحاج عن عرض كان بيد إنسان أزيد من أربعين سنة كان يقول إنها عنده وديعة لرجل لا يعرفه إلا بالعين، ثم مات الرجل وترك الغرض، وورثته لم يقسموه واعترفوا بأنها وديعة مجهولة عند بنيهم، ثم مات الورثة المذكورون فسلم ورثتهم ذلك وطلبوا الخلاص منه وهو لا ترجى معرفة صاحبه ولا يعلم اسمه ولا بلده.
فأجاب: أرى أن يوقف العرض سنة بأمر القاضي فإن انقضت السنة ولم يأت له مستحق أنفذ البيع في بعد ثبوت السداد عنده في ثمنه ثم يتصدق بالثمن على الفقراء والمساكين ويتوخى بذلك أهل الستر منهم ومن لا يكشف وجهه بالسؤال وينوى بالصدقة بذلك على صاحبه الذي أودعه، وهذا سبيل الخلاص منه لمن هو عنده ويكتب بذلك ظهير عن القاضي وفقه الله يكون بيد الورثة وبالله التوفيق.
[مسألة في الوديعة لا يعرف صاحبها فيريد صاحب بيت المال أخذها]
ابن المناصف : وشأن قضاة وقتنا رسم الخطاب بأسفل وثيقة ذكر الحق ، وقد يكون في ظهر الصحيفة أو أحد عرضيها إن عجز أسفلها ، وربما كان في ورقة ملصقة بالوثيقة إن تعذر الموضع ، ويستحب أن يبدأ باسم الله الرحمن الرحيم ، واستحب قضاة زماننا ترك ذلك في صدور مخاطبة والوثائق ، وأراه لاكتفائهم بالاستفتاح الواقع في صدر العقد ، وإعادة ذلك أولى ، لأنه ابتداء فصل غير الأول .
ابن عرفة : وهذا كما ذكر هو عمل أكثر الناس في ابتداء كتب الوثائق ، وذكر بعض المؤرخين أن وثيقة وقعت بيد بعض القضاة غير مصدرة ببسملة ولا تصلية ، فطرحها وقال ؛ أين كتبت هذه ؟ أكتبت ببلد كذا ؟ فعين بعض بلاد الكفر ، فقيل له إنها بخط ابن مجاهد ، فرفعها وقبلها . قال وكيفية [67/10] الكتب أن يكتب : أعلم بصحة الرسم المقيد فوق هذا على ما يجب الشيخ الفقيه الأجل أبا فلان ، أدام الله توفيقه وتسديده ، وليه في الله تعالى ومؤثره فلان بن فلان ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وذكره تاريخ المخاطبة أحسن وأحوط لاحتمال كون القاضي الكاتب عزل ولم يبلغه العلم بعزله فخاطبه على القول بسقوطه ، فعد الوكيل بنفس عزله ساقط ، وعلى القول بعدم سقوطه عامل ، ولأن البينة التي خاطبه بقبولها وبثبوت الحق بها انتقلت أحوالهم بعد ذلك إلى جرحة لم تكن ، فإذا تأخر العمل بذلك الخطاب ثم أعذر لمن ثبت عليه ذلك الحق ولم يكن تاريخ إبطاله ، أمكنه بإثبات جرحة البينة الآن ، ولا يمكنه ذلك مع ذكر التاريخ لسلامة وقت الأداء والقبول من الجرحة الحادثة . وإنما قدموا في التخاطب مفعول أعلم وهو اسم المكتوب إليه على الفاعل الكاتب برا بالمكتوب إليه .
وأما الطيب بعد فحسن أيضا مرغب فيه، لأن الطيب مندوب إليه في الشريعة لمن قصد به مقاصدها من امتثال أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك في الأعياد والجمعة، ومجامع الناس ليدفع عن نفسه ما يكره من الروائح. وليدخل على المسلمين بذلك رائحة، ويرفع عنهم مضرة. ولما يوافق الملائكة في ذلك المساجد ولحلق الذكر وغيرها، ولتقوية الدماغ، وإنه ليصلح الخاطر ويطيب النفس، ويعين على ما يحتاج إليه من أمور النساء. فله في ذلك من التأثير ما لا ينكر حتى قال العلماء: لذلك منع المحرم إذ هو محرك لشهوة النساء، وهو ممنوع منهن. ومما يقع الترغيب في الطيب لأجله رائحته عند أهله وإخوانه المؤمنين ولتظهر نظافته. وقد بني الإسلام على النظافة. والمنهي عنه من الطيب أن يفعل فخرا ورياء واختيالا بالدنيا ومباهاة بها ﴿والله لا يحب كل مختال فخور﴾ ومن الطيب المنهي عنه، استعطار المرأة
[66/11] لتمر على القوم فيجدوا ريحها، ولو جعلت ذلك في دارها لمتعة زوجها لكان حسنا وقصدا مستقيما.
وحسبك في فضل الطيب حب الرسول صلى الله عليه وسلم إياه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة". وعن عائشة رضي الله عنها: "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطيب ما نجد حتى نجد وبيص الطيب في لحيته ورأسه". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عرض طيب فلا يرده، فإنه طيب الريح، خفيف المحمل" وقال عليه الصلاة والسلام: "ثلاث لا ترد الوساد والدهن واللبن، وإذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده، فإنه خرج من الجنة" قال أبو عيسى: الدهن الطيب وفي البخاري: "عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب". والبداية في ذلك بالأيمن فالأيمن مستحبة.