تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: كلام هذين الفاضلين يدل دلالة واضحة على أنهما لم يطلعا على نص في المسألة للمتقدم من أصحابنا وفي مختصر ابن عرفة رحمه الله مانصه: وفي الصلاة لا يبطله ونقل الطراز عن بعض الأصحاب ابطاله, نقله الكافي معللا بالقياس على معتدة الشهور ترى دما أثناء العدة. قال ومال إليه سحنون وهو صحيح نظرا واحتياطا. ابن عرفة والقياس يرد بأن نظير الدم أثناء العدة وجود الماء أثناء التيمم انتهى. فما في الطراز والكافي عاضد لنظر الشريف, وتنظير ابن عرفة عاضد لنظر الشيخ والصواب مع الشيخ رحمهم الله ونفعنا ببركتهم.

[من تيمم للحدث الأكبر فصدر منه ناقض قبل العبادة]

وسئل قاضي الجماعة بتونس ومفتيها الشيخ أبو عبد الله بن عقاب رحمه الله عما لأهل المذهب في المتيمم للحدث الأكبر يصدر منه ناقض بأثر التيمم قبل الصلاة, قالوا يتيمم ثانية بنية الحدث الأكبر, والجاري على قواعدهم أنه يتيمم بنية الأصغر إذ الطهارة لا ينقضها إلا موجبها. وقد يتمسك بهذا الأصل في الحائض من قال لا توطأ بالتيمم. هذا ومن المعلوم انتقاض الطهارة بالأسباب التي هي مقدمة الجماع, وقيل يتيمم بنية الأصغر جريا على الأصل المذكور.

فأجاب أما مسألة المتيمم من الحدث الأكبر يصدر منه ناقض الحدث الأصغر فما نسبت فيها لأهل البمذهب من انهم قالوا يتيمم بنية الحدث الأكبر فهي مسألة مختلف فيها في المذهب. قال اللخمي اختلف المذهب فيها هل ينوي بالتيمم الثاني الحدث الأصغر او الجنابة. قال والظاهر من المذهب أنه ينوي بالثاني الجنابة,

[

بصدقة مثله الايمان , وهي أعلم بما قصدت اليه , فان ايقنت أنها لم تقصد الي

شئ , فما تصدقت به علي من يستحق الصدقة فهو يجزيها ان شاء الله .

من حلف بصدقه ثيابه وهو فقير أمسكها وأخرج قيمتها شيئا فشيئا

وسئل عن امرأة ذكرت أنها فقيرة وتمسكنت وبكت حلفت بصدقة ازارها

لا تلبسه ابنه لها فلبسته وجعلت تذكر فاقتها وحاجتها .

فأجاب بأن قال لها قوميه ثم أمسكيه وأخرجي قيمته شيئا فشيئا كلما

وجدت شيئا , ثم قد أفتي به " أبو الفضل " رجلا أتاه ذكر أنه حلف بصدقة ثيابه

فحنث وهو فقير , فقال له أخرج قيمتها شيئا فشيئا كلما وجدت شيئا وتيسر

لك .

من حلف لا يشهد وتعينت في حقه شهادة أداها وحنث في يمينه

وسئل عن رجل رأي ما الناس عليه من الشهادات اذا شهدوا ومن

التشدد عليهم , فحلف أنه لا يشهد شهادة أبدا ولم يذكر في وقت يمينه

التعديل والتجريح , ولو ذكرهما لأدخلهما في نيته , فهل له أن يعدل أو يجرح

فأجاب تعديله وتجريحه للبينات شهادة , لأن مقالته انما تكون عند

الحاكم أو عند من ينقلها الي الحاكم عنه , وقد كانت يمينه خطأ منه اذا لزمته

شهادة وليس من يقوم بها الاهو ولا ينفع فيها الا شهادته , فعليه أن يؤدي

شهادته ويحنث في يمينه ما كانت , والله ولي التوفيق .

[84/2]

[85/2]

من علق فعل طاعه علي اراده شخص لزمته

وسئل سيدي " محمد بن مرزوق " عمن قال لله علي صلاه أو صوم

أو حج ان شاء زيد , فان المنصوص للشافعيه عدم اللزوم ان شاء زيد .

ويستفاد في المدونه اللزوم وهو مشكل , لأن هذه عبادة لأجل الناس , وكل

عبادة أجلهم باطلة , لأن الحامل له عليها مشيئة فلان , ولا معني لايقاع

العبادة لأجلهم الا نحو هذا . وأما بيان الكبري فالشريعة طافحة بأن من

شرط العبادة الأخلاص . نعم يمكن أن يكون المانع من الحج مثلا أو الجهاد

أو صوم الدهر المحافطة علي قلب الأبوين , فيعلق الولد شيئا من هذه

وبالجملة : إنه لا خفاء بفساد هذا النكاح ووجوب فسخه ، وإذا كان الحكم فيه الفسخ ، فإنه يجب على القاضي المتعقب للحكم أن يفسخه لكونه ابتدأ النظر في المسألة ، فيجب عليه تمامه ولا يرفع إلى غيره ، وإن توقف في الحكم من كونه صار شاهدا على الزوج بقيام العذرة ولا يحكم بعلمه ، فلا ينبغي له أن يتوقف في ذلك إذا وجب فسخه من الوجوه المذكورة آنفا ، نعم لو لم يجب فسخه إلا من هذا الوجه الذي صار القاضي فيه شاهدا ولم يستقل الإقرار لغيره ممن حضر مجلسه ، لوجب عليه أن يرفع شهادته إلى غيره ، وإذا رفع شهادته إلى غيره تعين أن يكون الغير الفقيه المكرم أبا عبد الله بن عطية ، لكونه قدمه السلطان أيد الله ونصره على النظر في المسألة ، خصوصا وقيل التقديم ونظر فيه ، وليس له أن يأبى بعد القبول والنظر فيه ، كما قالوا في الوكيل إنه ليس له عزل نفسه بعد أن قاعد خصمه مرارا عند القاضي ، والله الموفق ، وكتب محمد بن عبد الكريم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

=وأجاب : الفقيه الصالح أبو سالم إبراهيم بن عبد الله اليزناسني أكرمكم الله ، سؤال الزوج هل دخل بالزوجة وهي بكر أو ثيب ، لا فائدة له ؛ لأن كلا الأمرين غير مسقط للإجبار ؛ لأن الثيوبة إن كانت من فاحشة فهي لا تسقط الإجبار على المذهب ، وأما كون القاضي يقول : أنا شاهد ، فلم يقم للشهادة بل للأحكام ، فإن كان معه من يشهد غيره وكمل نصاب الشهادة فليحكم ، وإن كان إنما يكمل به فليحكم الغير ، ويكون الحاكم من أقيم للمسألة وهو الفقيه أبو عبد الله بن عطية الذي قدمه السلطان أيده الله ونصره على الحق وأعانه عليه ، وهذا لا خفاء به والله الموفق ، وما منعنا من كتب الاسم إلا أنا لم نقل شيئا ؛ لأن السؤال لا يحتاج على جواب ، والمجيب أسوأ حالا من السائل ، وكتب براءة بخطه وهذا نصها :

[

ابن القاسم: وتقول هي في إنكار الحمل: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين وما زنيت، هكذا في الأربع، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم تقع الفرقة بينهما ولا تحل له أبدا، وله السكنى إلى أن تضع حملها ولا نفقة لها، والذي قاله ابن القاسم في نفسه الحمل: أشهد بالله لزنت، وتقول هي: أشهد بالله ما زنيت، وقال عنه سحنون في غير المدونة: يقول: أشهد بالله ما هذا الحمل منه، وقال سحنون: وهذا أحب إلي، فهذا ما في كتاب ابن المواز والمدونة وغيرهما، وإنما استحب أن يزيد أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إني لمن الصادقين في الأيمان كلها، وكذلك المرأة، وإنما قت: يتعرى للمرأة ببينة بعلمه بالحمل أو بإقراره، إذ قد تجهل المرأة ذلك والله الموفق للصواب.

وأجاب ابن قحطان: الذي قاله أولا لازم له، ولا يسمع منه ما قاله آخرا من دعوى الاستبرا، هكذا كتب بيده وليس بصواب عند أرباب الإعراب لأنه من الممدود فمحال قصره بكل حال.

وأجاب ابن عبد الصمد إثر القوليك ما أداك اجتهادك إليه وأخذت به بعد الاستخارة كان لك الحكم به سابقا، وهذه المسألة هي مسألة عبد الرحمن بن محمد مع زوجته فاطمة والله ولي التوفيق والرشاد.

فأجاب: رضي الله عنه عن ذلك بما نصه: تصفحت عصمنا الله وإياك سؤالك هذا ووقفت عليه، فإن كانت هذه الماشية بأيدي هؤلاء القوم من القبائل: قد توارثوها عن آبائهم وأجدادهم كما ذكرت، وهي في الأصل مغصوبة، ولا يعلم اليوم لقدم العهد أصحابها الذين غصبت منهم ولا ورثتهم، ولا يمكن صرفها إلى أصحابها بأعيانهم ولا صرف شيء منها إلى صاحبها بيعينه للجهل به فحكمها بأيدي الذين هي بأيديهم بما ذكرت من الميراث عن آبائهم وأجدادهم حكم اللقطة بعد التعريف والأياس من ربها الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لواجدها شأنك بها، فيستحب لهم التصدق بها، ولا يجب عليهم ذلك فرضا واجبا، لا سيما إن لم تكن هي

[71/5]

وعلى ذلك وقع الجواب فيمن اشترى عبدا أو دارا وقال إنما ابتعت ذلك لولدي بماله، ولم يعرف له مال، ثم توفي الأب قال: لا يحكم للولد بما ابتاع له أبوه بأنه يتهم في ذلك أنه إنما أراد إسقاط الحوز فعلى ذلك يحمل الإيداع، ويحمل عليها أنها إنما أشهدت خوفا مما ذكرت وأرادت أن تبقى ساكنة في الدار. ولو أشهدت لقيل لها: فلم لم تحوزي له؟ فيبطل مقصودها. فإن قيل: إنما تبطل الهبة بترك الحوز بوفاة الواهب، وهو هنا حسي: فالجواب أن المطلوب ما يثبت هبة، فإذا سلم أنها هبة، ثبت الإيداع وبطلت. وأما إشهادها أنها سلمت ما اشترته من حماها ومن المحاجير لولدها ولم تذكر أن ذلك من ماله، ولا عطفته على الاشهاد الأول، فهذا التسليم حكمه كالهبة إذا لم تذكر أنه بمال ولدها، وأما تسليمها ما ورثته عن زوجها، وقوله إنه كان الدين ترتب لولدها وتصرفت فيه ولزم ذمتها فسلمت له في ذلك ما تصير لها بالمورث في نصف الدار فيبطل أيضا من وجهين: أحدهما أنه لا يعرف له مال. الثاني على تسيلم أن له مالا. من شرط صحة تسليم ما سلم أن يقبض ذلك في الحال لئلا يكون فسخ دين في دين. وهذا كله لأن قبضه للدار إنما كان بعد إشهادها أنها سلمت له ذلك فيما لزمها من دين له. وأما الشهادة على الولد بأن والدته إنما اعترفت له بما اعترفت إلا لما ذكرته، وأنه ليس لي في الدار إلا مورثه من أبيه. فإذا صحت الشهادة بطل طلبه. فإن قال إنما اعترفت بذلك وهو محجور عليه، لم يطلق من الحجر، فإن شهد أنه في ذلك التاريخ الذي اعترف فيه بصحة قول والدته: أن حاله حال الرشد، فيحكم عليه باعترافه، سواء أطلق أولم يطلق. وهذا مشهور قول ابن القاسم وأخذ قولي مالك.

[82/6]

[إقرار المرأة بدين لابنتها يعد توليجا]

وأجاب: القاضي أبو القاسم بن زيتون(¬1) عن قريب من هذه بما نصه:

فأجاب أرى والله الموفق أن تغيير مثل هذا واجب على من له أمر, ولا يتركه بحال إلا من عجز عن ذلك لخوف فاعله فذلك المعذور لا يلام, وهذا جل ما سكت أهل العلم والدين على تغيير المقام الذي اتخذها ذوو السطوة من ملوك الإسلام مع إنكارهم أمرها ومنعهم للصلاة بها على ما بسط في كتب أيمتنا, ولم تكن من أيمة الهدى والخلفاء الراشدين, وإنما اتخذها بعضهم لخوفهم على أنفسهم حين قتل من الخلفاء من قتل عند خروجه للصلاة, وجرح من جرح وهذا له عذر, وبعضهم أيضا يكبر عند الاختلاط بالناس, وكل هذا تغيير لما شرط الله في المساجد, ومن تعظيمها وإباحتها للناس كافة, ولزوم التواضع فيها والتذليل لقول الله تعالى: ﴿ سواء العاكف فيه والبادي ﴾ وإن كان [72/7] هذا وارد في مسجد مكة, فقد أجمع المسلمون أن حرمة سائر المساجد وحقها كذلك في أنه لا يتملك أحد منها شيئا ولا يحجره على الناس, وأن جميعها مباح لجميع الناس وقال تعالى: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ﴾ وقد شرع في الصلاة التواضع والتمكن والخشوع ولها بنيت المساجد, فكل ما نافى ذلك وضاده فيجب تغييره, وأن تطلق المساجد للمسلمين ولا تقطع الصفوف التي هي أحد(¬1) عليها مع أن ضرورة المساجد بناء الأساطين والمواجل تحت سقفاتها, وقد رأى أهل العلم أن جميع صفوف المقصورة ليس بمحسوب في الصف الأول, وقد اختلف في المنبر هل يقطع الصف فلا يحسب صفه ويكون الصف الأول ما بقي لدونها أم لا ؟ لكن قطعه جائز بخلاف المقصورة(¬2) فهذه الذي اتخذها واحد لنفسه فيجب تغييرها ومحو رسمها(¬3)

70/8]فأجاب: إذا شهد شاهد ثان لم يعلم به ولا علم ببقاء الرجل مع زوجته من بعد الطلاق، فإنه يلفق مع الأول باتفاق. وإن كان الشاهد الثاني قد علم ببقاء الرجل مع زوجته وسكت عن أداء الشهادة ولا عذر له فإنها جرحة فيه، وإن كان له عذر فإن شهادته مقبولة وملفقة مع الأول. والصبي عذره في مسألتك واضح. وأما الذي قال إنه غير مقبول فإنه إذا كان كما وصف فإنه كالصبي. وأما إن شهد الشاهد الأول عليه بطلاق امرأته ثانية فإنه يحلف أيضا بسبب شهادته. وإن لفق إليه آخر عمل التطليق، وبالله التوفيق.

[من أوصى لمن يقرأ على قبره بدنانير فلم يعرف واستؤجر آخر]

وسئل عن ميت أوصى لمن يقرأ على قبره أسبوعه بخمسة دنانير فلم يعرف ذلك الموصى كذا فاستأجر الموصى له بأقل، هل ينفذ له الجميع أم لا؟

فأجاب: لا يخلو أن يكون القارئ معينا أو غير معين، وفي كل واحد من هذين الأصلين قولان. غير أن الأصح عندي في المعين أن تكمل له الوصية، وفي غير المعين أن ينفذ الاستيجار بما وقع، ففي الفرق بينهما طول وتدقيق بنكتة الجواب، والله الموفق للصواب.

[من كتب شهادة خلع بمراضاة وهو يعرف أن الزوجة مكرهة]

وسئل عمن كتب شهادته في مباراة امرأة، وتضمنت المباراة أنها تركت له ما تركت طائعة متبرعة، ثم قال عند أداء الشهادة إنها كانت مكرهة مضطرة، هل ذلك جرحة خيفة أن يموت قبل أداء الشهادة فيشهد على خطه على القولة التي تضمنت فيها بالشهادة على خطوط الشهود الأموات؟

فأجاب: لا جرحة فيها ولا يضره ما ذكرت إن شهادته عليها بأنها لا تدعي ضررا إعانة لها على التخلص من حال الزوج الظالم لها، فهو أمر لها لا عليها، وليس قوله من ذلك أنها مكرهة مضادة لذلك، كما أن دعواها الإكراه ليس بمضاد لما تقدم من نفيها إياه إذ هي مضطرة إلى ذلك فكذلك الشاهد

[70/8]

[

ولعل القاضي يصلح بين الخصمين لأجل الاختلاف والأحكام بالصحيح عنده من القولين، وأما من شهد بأن صاحب الوديعة كان يسأل عن المركب الذي كان فيه المودع فليست بمستقلة حتى يشهدوا بأن صاحب الوديعة علم بأنها السفرة التي وقع فيها النزاع، وقد حكى غيرهم بأن المودع قال لم يخرج هذا المال من يدي إلى أحد وهذا يقبل قوله فيه لكن تناقضه شهادة الأول أني أودعت هذه الصرة عند فلان فيسأل عند اختلاف هذا القول فإن قال أودعتها لغير عذر ضمن وإن ذكر عذرا نظر فيه، وهذا إذا ذكر أن الصرة هي المختلف فيها وإلا ففي لفظ الشهادة اختلال وإن كان السياق يقتضى أنها هي.

قيل ما أشار إليه من اختلاف قول ابن القاسم وأشهب هو تبعيض الدعوى، فابن القاسم يبعضها وأشهب لم يبعضها، وهو أصل مختلف فيه في

[81/9] الوديعة والقراض والحدود والغصب، وقد وقه في بعض مسائل هذا الأصل ما يوهم اختلاف قول ابن القاسم وأشهب.

[مسألة فيمن ادعى على رجل أنه أودع عنده قمحا ... إلخ]

وسئل عمن ادعى على رجل أنه أودع عنده قمحا وفولا في زمن ماض وقال بيني وبين ولده خصومة فإن ادعت طلبه قام على ولده حتى تفرغ من خصومتي وأنكره المطلوب وقال تقدم غلاء السعر والطالب فقير ولم يقل شيئا حتى جرت الخصومة بينه وبين ولدى واعترف الطالب أنه لا خلطة بينه وبينه ولكن بينه وبين ولده.

فأجاب: الدعوى في الوديعة المعتبرة فيها تطرق الشبهة، فإن أتى المدعى بوجه يليق ويشبه توجهت اليمين، وإن لم يكن ولم يشبه انتفت اليمين.

[مسألة في رجل توفي وقد أوصى وصايا فيها أنه تحت يد زوجته ...]

قال ابن عرفة : ونزلت هذه المسألة في عام خمسين وسبعمائة من هذا القرن الثامن وقت نزول الطاعون الأعظم أيام أمير المؤمنين أبي الحسن المريني في خطاب ورد من قاضي فاس لتونس ، فوصل خطاب قاضي فاس وقت تقرير علم موته بتونس ؛ فطرح خطابه فشكا من وصل به إلى أمير المؤمنين ، فسأل إمامه ومفتيه شيخنا أبا عبد الله السطي ، وكان حافظا ، فأفتى بإعمال خطابه ، واحتج بنحو ما ذكره ابن المناصف عمن نازعه ، فوقفه أصحابنا على كلام ابن المناصف هذا ، فرجع إليه وظهر أنه لم يكن شعور . انتهى .

ابن المناصف : وتجوز خطابات قضاة الإمام بعضهم لبعض ، ولو ولى بعض قضاة الإمام قضاة في عمله لبعد المحل عنه صح مخاطبته إياهم [66/10] ومخاطبتهم إياه ومخاطبة بعضهم بعضا إن أذن لهم في ذلك ، وإن قصرهم على مخاطبته لم تجز لأنهم وكلاؤه ، فلا يتعدوا ما حد لهم . ولا ينبغي أن يخاطبهم قاضي إقليم غير الذي ولاهم ، ولا يخاطبونه هم إلا أن يكون ذلك بإذن من ولاهم . وإن كان تقديم القاضي قضاته بإذن الإمام الذي ولاه جازت خطاباتهم مطلقا فيما بينهم وبين غيرهم . انتهى .

ابن عرفة الشيخ عن سحنون في رجل من بعض كور تونس أراد أن يثبت بكورته حقا له على رجل بمصر ليكتب له قاضي كورته ، قال لا يكتب قضاة الكور إلى قضاة البلدان ، وليكتب قاضي تونس إلى قاضي القيروان ، فيكون هو الذي يكتب إلى قاضي مصر . ولا يجوز كتب ولاة الكور وولاة المياه إلى قاضي بلد آخر ، وأنكر ما روي عن مالك من ضرب ولاة المياه أجل المفقود إلا بعد الكتب إلى البلدان ، وولاة المياه لا يجوز كتبهم إلى البلدان . انتهى .

ابن عرفة : وشرط قبول خطاب القاضي صحة ولايته ممن تصح ولايته بوجه ، احترازا من مخاطبته قضاة أهل الدجن ، كقاضي مسلمي بلنسية وطرطوشة وقوصرة عندنا ونحو ذلك .

وأما الحمد بعد إطعام الطاعمين، فنعمت العبادة لأنه دليل رضى العبد بنعمة ربه. وفي ذلك من الجزاء رضى الله عن عبده. في صحيح مسلم: "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر وكان صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيرني ربي بأن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت لا يا رب ولاكن أشبع يوما وأجوع

[65/11] يوما. أو قال: ثلاثا أو نحوها. فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك". فاتضح بهذه الأخبار مشروعية الحمد عقب الأكل والشرب، بل والترغيب فيها، وحسبك من فضلها حفظ النعمة وازديادها بسببها، وترتب رضى الله عنه هو أجل العطايا بهما. وفي الصحيح في عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول: لكم عندي أفضل من هذا فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا". ووقع في العتبية في وجوب حمد الله على كل حال قال مالك دخل أبو الدراداء على رجل وهو يموت فجعل الرجل يحمد الله فقال له أبو الدرداء: قد أصبت إن الله يوتي الرجل العلم ولا يوتيه الحلم، ويوتيه الحلم ولا يوتيه العلم. وإن أبا يعلى شداد بن أوس ممن آتاه الله العلم والحلم. ففي هذا ما يدل لك على أن الحمد من العبد مما يوجب الرضى من الرب سبحانه. وحسبك من فضيلته ثناء أبي الدرداء على شداد بن أوس بسببه. قال مالك أبو يعلى ابن عم حسان بن ثابت. قال أبو عمر بن عبد البر: هو ابن أخي حسان لا ابن عمه.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٧٩