فإن علم وتحقق في ملف خاص أنه صنع بشحم الخنزير أو علم من اهل افقليم أو جميع من يصنع الملف أنه يصنعه بذلك عادة مطردة وأمرا متقررا, واشتهر ذلك وثبت ثبوتا لا شك فيه, لم يصل فيه إلا بعد تطهيره. والتطهير كما وصفه أهل المذهب بالماء خاصة لا يلزم غيره, لكن حتى تذهب النجاسة كلها ولا يبقى شيء منها, وذلك بان يخرج الماء صافيا. فإذا خرج الماء صافيا ليس فيه شيء من النجاسة فقد تمت طهارة المغسول. قالوا ولا يضر بقاء الرائحة ولا اللون إن عسر قلعه بالماء. وقد أباح العلماء لبس ما صبغ بالبول, وكان ابن شهاب يلبسه, ولا أثر أكثر من هذا. وقال عياض في الاكمال, في شرح حديث عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الصلاة في الثوب فيه أثر غسل المني, يحتمل أن يريد أثر المني بعد غسله, وفيه حجة أن النجاسة إذا غسلت حتى ذهب عينها لا يضر أثرها ولونها, وكذلك ترجم البخاري على هذا الحديث. وقد جاء في دم الاستحاضة: لا يضرك أثره. قال ابن بطال ولا نعلم خلافا في هذا إلا ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا وجد دما في ثوبه فغسله فبقي أثره دعا بجلمين(¬1) فقطعه. وروي عن عائشة أنها صلت في ثوب كان فيه دم فغسل وبقي أثره. وروي مثله عن عثمان رضي الله عنه. وقد انتهى القول عندي فيما سألت عنه والله سبحانه أعلم.
[7/1] وسئل سحنون عمن اشترى ثوبا فوجده لنصراني.
فأجاب بأن قال: إن كان جيدا ينقصه الغسل رده, وإن كان رديا لا ينقصه الغسل فليس بعيب.
وسئل ابن مريم عمن اشترى ثوبا لبيسا من نصراني, فقيل له لا تحل لك الصلاة فيه حتى تغسله.
فأجاب إن لم يعلم أنه لبس نصراني رده, وإن علم وجهل أنه لا يصلي به إلا بعد الغسل فلا رد له.
[موت الخنزير في مطمورة الزرع]
11/2]
[عمل الذكاة في منفوذ المقاتل]
*وسئل الأستاذ أبو سعيد فرج بن لب هل تعمل الذكاة في المنخنقة إذا ذكيت، فوجدت منفوذة المقاتل، وما معنى انتثار الدماغ والحشوة؟ وما هي الحشوة والقصب والمعاء؟ ومات معنى قول العلماء المقاتل خمسة، ولم يذكروا القلب فيها؟ والمشاهد أنه أسرع موتا إذا أصيب من غيره، وكذلك الكلا والرئة، وما وجه اختلافهم في شق الودجين وإلى حيث ينتهي المصير العلى؟ وبماذا يتميز من الأشفل؟ وما ذكر ابن رشد في المشقوقة الكرش عن ابن مرزوق من بيع الجزار لها إذا بين ما وجهه تبيين الجار؟ وكيف يكون لفظ التبيين، وهل رض النخاع كقطعة؟ أو الثقب اليسير فيه كالقطع؟
=فأجاب: اما المفوذ المقاتل من تلك الأسباب المذكورة في الآية فقد اختلف المذهب وأهل العلم وخارج المذهب في إعمال الذكاة فيه قولين:
فقال في المدونة في الشاة يخرق السبع بطنها، أو يشق أمعاءها لا توكل، لأنها لا تلحق على حال.
قالوا وقد روي عن ابن القاسم أنها توكل وإن انتثرت الحشوة وبهذا المذهب كان يفتي كثير من فقهاء الأندلس كابن لبابة وابن خالد وغيرهما بناء على قوله تعالى في الآية ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ استثناء متصل، ومعنى انتثار الدماغ أن ينتثر المخ الذي في الصفاق ويبرز عنه شيء منفصلا عنه.
ومعنى الحشوة التي يسميها الناس الدوارة وأصلها في جوف مصرانها من الأثقال، ومعنى انتثارها: خروج تلك الأثقال بقطع شيء من تلك المصران أو بشقه الشق الفاحش الذي يبرز عنه ما فيه من الحشوة، وقيل: انتثارها عبارة عن خروج الدوارة من البطن وعن محلها من الجوف بشق البطن.
فإن قلت : حقق لي الفرق بين الوجهين الأولين من تقسيم اللخمي ، فإن الظاهر ببادي الرأي رجوعهما إلى نوع واحد ؛ وهو ما لا يضر بالزوجة ، فإن التزوج عليها والتسري وإخراجها من بلدها ، كل ذلك مما يضر بها .
[10/3]قلت : إلا أن الفرق أن الأول ضرر لم يأذن فيه الشرع ، والثاني مأذون فيه ، ويدل عليه ما في سماع أصبغ حين سئل عمن اشترطت على زوجها ألا يسيء إليها ، فإن فعل فأمرها بيدها ، فتزوج عليها أو تسرى أهذا من الإساءة ؟ قال : لا أراه منها ألا أن يكون ذلك مرجع ما يشترطون في عرفهم ، قيل : فإن ضربها ضربا مبرحا أو غيره ، أهو من الإساءة ؟ قال إن ضربها ضربا خفيفا في أمر تستأهله أدبا فلا أراه من الإساءة بها ، ولو ضربها على غير ذلك مرارا أو جاء من ذلك أمر مفرط ، وإن كان مرة واحدة رأيته إساءة . انتهى مختصرا . قال ابن رشد : هذا كما قال في النكاح والتسري ؛ لأن الله تعالى أذن في ذلك وأباحه بقوله تعالى : ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية . ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم﴾ إلى غير ملومين . ومن فعل ما أبيح له فليس بمسيء ، ولا حجة للمرأة عليه في ذلك بشرطها إلا أن يعلم أنهما قصدا ذلك بسبب أو بساط . وكذا الضرب الخفيف للأدب ليس من الإساءة ؛ لأن الله تعالى أذن فيه بقوله : ﴿تخافون نشوزهن﴾ الآية . وهذا إن علم سبب ضربها ببينة أو أقرت به ، وإلا لم يصدق الزوج وكان لها الأخذ بشرطها بعد يمينها أنه ضربها على غير سبب استوجبت عليه الأدب ، إلا الرجل الموثوق بدينه فيصدق . وأما الضرب المفرط المكرر فمن الإساءة ، إلا أن يتبين أنها استأهلته انتهى ببعض اختصار .
فأجاب: الحمد لله وحده أكرمكم الله، الجواب فيما ذكرتم فوقه أن الرضاع داخل في المؤن، بل هو معظمها، وإنما تتولى ذلك بنفسها، إذ العرف يخصص ما أبهمه المتعاقدان ويعين مرادهما، ومذهب ابن القاسم لها أن تتزوج إلا أن يضر ذلك بالولد وهو منسوب إلى المدونة، فإن أضر به فله المنع، فإن كانت فقيرة عاجزة عن القيام بنفسها كان على الزوج أن يعطي أجر الرضاع
[8/4]
[9/4]
ثم يتبعها إذا أيسرت أو يأذن لها في النكاح، والله اعلم، وكتب عبد العزيز بن محمد القيرواني، وفقه الله.
[ من تحمل الإنفاق على صغير في طلاق ومات أخذ من تركته ]
وسئل شيوخ شيوخنا القاضي أبو عثمان العقباني رحمه الله عمن خالع زوجته على أن تحملت له هي وأمها مؤنة ابنته منها ما دامت عندها، ثم ماتت الجدة بعد مضي عام، وطلب ورثتها قسم تركتها، وطلب المخالع ما يجب فيها لابنته بسبب التحمل.
فأجاب: تقدر النفقة إلى سقوطها عن الأب تقديرها وسطا لا شطط فيه ولا تقصير، ثم يؤخذ نصف المقدر من التركة ويوقف بيد موثوق به ثم ينفق على الابنة نصف نفقتها، ثم متى خرجت الابنة من حضانة أمها وسقطت نفقتها عن الاب وقد بقي شيء من الموقوف صرف على الورثة.
الحمد لله -قول ابن الحاجب: وبعد بدو الصلاح يصح من كلام القاضي لا عناد بينهما، لأن القاضي إنما تعرض لبيع الكتان الأصل دون البزر إذ هو مسمى الكتان، فهو قد باع الكتان واشترط بقاءه على المشتري إلى أن يبلغ بزره وقوله لأن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح أي من واديها للعلة الجامعة بينهما، وإنما قال بيع الثمرة لأن النص جاء فيها، وأما قوله فيجوز له ذلك إذا كان قد استغنى، فاعل استغنى الكتان، والإشارة عائدة إلى الكتان الأصل، ولا يريد أنه باعه مع البزر فاستثنى البزر، وإنما هو بمثابة من قال: بعتك الكتان إلا البزر، ولا محذور يتقي فيه، وإنما منع بيع الكتان واستثناء حبه لاشتراطه على المشتري أن يبقيه إلى بلوغ حبه وجفافه، فهو تحجير، ولا فرق في بيع الثمر وما ألحق به قبل بدو صلاح على شرط التبقية بين أن يقع الشرط من البائع أو من المشتري لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك البائع والمبتاع، وقد علم أن بدو الصلاح في المبيعات مختلف، فصلاح كل شيء بحسب كماله الذي يراد منه.
وكلام ابن الحاجب الذي أقول به ولا أرى غيره أنه يستر براء فهو يقول: وبعد بدو الصلاح يصح مطلقا اشترط القطع أو التبقية أو سكت إلا أن يوقع في غرر وجهالة كبزر الكتان، واحترز بذلك من نحو العنب والتمر من البارز، وأما نسخة النون فتكاد لا تصح لأن العقدة إن كانت: بعتك الكتان ولا أبيعك بزره، أو استثنيت بزره، فلا مانع هنا، وإن كان اللفظ: بعتك إلا بزره وكأنه الذي يريد ابن عبد السلام فقال يظهر منعه على القول إن المستثنى مشتري، فلعله يقرب بعض قرب لو لا أن في جعله مندرجا تحت قاعدة المستثني هل هو مبقي أو مبيع نظر (كذا)، لأن ذلك إنما يكون في متصل الاستثناء لا في منقطعه، إذ هذا منه، وإن كلامه ومراده أن يقول مثلا:
[10/5]
بالقصد إلى ذلك؟ منها إعراضه عن تسمية صاحب الدنانير المذكورة ونسبته إلى أبيه أو قبيلته أو بلده أو تعريفه بما أمكنه مع تمكنه م ذلك. ومنها ادعاؤه أن ربها أمره بالتصدق بها عنه مع أنه من لا يقصد إليه عادة بتفريق الصدقات عليه يديه. ومنها كتب اعترافه في رسم عهده. ومنها بقاء الرسم المتضمن لذلك تحت يديه حتى مات. ومنها عداوته مع أخيه. وهذه كلها قرائن تقتضي محاباته لنفسه بذلك المال وإخراجه عنه بعد وفاته من رأس ماله.
10/7] جميعها على كل من له حق فيها من أرباب المرتبات, وأخذكم ذلك تخصيصا لا يحل لكم بوجه ولا حال, وإن كان يحصل لكم في المحاصة إن وقعت بينكم ذلك القدر فأكثر, لأن المحاصة لم تقع بعد, فالواجب عليكم رد ما أخذتم إما ليصرف في البناء الذي وقف له ذلك, وغما في المرتبات بالمحاصة إن استغني عنها البناء. وأما مسألة الإمام ابن عمر فلا فرق بينكم وبينه في وجوب المحاصة بقدر ما لكل منكم, وانا لم أفت بأن يختص بشيء دون من يشاركه في أحباس المدرسة, هذا باعتبار الظاهر, وأما على ما في علمي فالذي أتحققه أن راتب المدرس والنحوي في المدرسة الجديدة إنما كان في الربع القديم لا من أحباسها. وهكذا في ظهير أبي رحمه الله تعالى حين كان مدرسا بها, وإنما أحدث المرتب فيها من أحباسها بعد ذلك بشهادة من لا يخاف الله عز وجل لمن لا يخاف الله عز وجل, وقد قدموا هذا الإثم في حياتهم وبقيت آثام بعد وفاتهم, وغالب ظني أن الإمام إنما زيد له ما زيد صلحا بينه وبين أرباب المرتبات قبلكم, فقد طال عهدي, بذلك, والله سبحانه أعلم. وأما ما وقف زائدا على الأوقيتين فلا يجوز سلفه فب بناء الجامع الأعظم ولا في غيره. إذ لا يجوز تسلف الأحباس بعضها من بعض على قول من أجاز ذلك, إلا إن كان الحبس المتسلف منه غنيا من وفره لا من المرتبات ولا من البناء ولا يخاف احتياجه في الاستقبال قبل أن يرد إليه ما تسلف منه, وذلك معدوم في المدرسة والجامع لافتقار كل واحدة إلى غلتها الافتقار التام, وكذلك ما تسلف الجامع من غلة المدرسة الواجب رده من غلة الجامع عليها حتى يصرف في مصالحها. وقد بلغني أنه تهدم بعض سقفها وأنه إن لم يبادر بإصلاحه تهدم ما بقي منها, وإنما اختلافهم في التوفير وعدمه فينظر, فإن كان إذا احتيج إلى البناء لا يقوم ما يثقف حينئذ به فيثقف قبله بمدة بحيث يجتمع فيها ما يقوم به عنك(¬1)
وتقيد بعقب هذا من جواب الفقيه أبي إبراهيم إسحاق بن يحيى الورياغلي، والفقيه أبي الفضل راشد الوليدي ما نصه: اعلم وفقكم الله للصواب مسألة قوم لهم ماء عليه أرحية وجنات ومنازل على قديم الزمان، لا يعلم كيف كان أوله لطول الزمان وانقراض الأجيال، فأراد الأعلون قطعه على الأسفلين.
فأجاب الفقيه أبوإبراهيم، الجواب أعاننا الله وإياكم على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه، أن الماء يبقى على ما هو عليه، ولا حجة للأعلين فيه، إلا أن يقيموا عقودا قديمة فيه بالارتفاق، أو عارية إلى مدة معلومة، وأما عارية مطلقة فهي في هذا الباب مؤبدة، لأن الحوز مع طول الزمان حتى جهل كيف أصله، فإنه يقطع دعوى كل مدع، مع أنه تقدم زمان الموحدين والناس متمكنين (كذا) من الإيصال إلى حقوقهم، مضت الدهور على ذلك ولا نكير، فكل من يدعي غير هذا، فقد ادعى أنه أعلم ممن مضى وأعدل، فهو مدع للباطل، والعادة تكذبه، وماذا بعد الحق إلا الضلال، وبهذا مضت أجوبة المالكية رضوان الله عليهم، ﴿أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون﴾، وإياكم والبغي فإن صاحبه مهزوم، وبذلك قضى الرسول عليه السلام أن يجعله الله دكا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكتب محبكم إسحاق بن إبراهيم الورياغلي (كذا).
[10/8]
[
وسئلت: عن قوم لهم زرع استأجروا من يحرسه فأبي بعضهم من ذلك وزرع كل واحد منهم على حدة فاستأجروا من يحرس وأبي هو من الدخول معهم ولم يحرس له أحد حتى كمل الزرع أنهم يرجعون عليه بما ينوبه من الأجرة. قال القاضي أبوعبدالله: وأما الأجرة على الصلاة للإمام، فمن أباها من الجيران لم يجبر عليها ولا يحكم عليه بها لأن الأجرة على الصلاة مكروهة في ( )(¬1) ولأن مشاهدتها في الجماعة سنة لا فريضة، وينبغي في أجرة الجمعة أن تلزم من أباها لأن شهود الجمعة فرض.
[12/9] ... ... [مسألة فيمن فتح حانوتا قبالة أسطوان درا جاره]
وأما من كان على رأس المائة الرابعة فمن أولي الأمر القادر بالله ، ومن الفقهاء أبو حامد بن أبي طاهر الأسفرايني من أصحاب الشافعي ، وأبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي من أصحاب أبي حنيفة ، وأبو محمد عبد الوهاب بن نصر من أصحاب مالك ، وأبو عبد الله الحسن بن علي بن حامد من أصحاب أحمد ؛ ومن الإمامية المرتضى الموسوي أخو الرضي الشاعر ؛ ومن المتكلمين القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ، والأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن أبو فورك ؛ ومن المحدثين محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم بن اليسع ، ومن القراء أبو الحسن علي بن أحمد الحمامي ؛ ومن الزهاد أبو بكر محمد بن علي الدينوري .
وأما من كان على رأس المائة الخامسة ، فمن أولي الأمر المستظهر بالله ، ومن الفقهاء الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي من أصحاب الشافعي ، والقاضي فخر الدين الإرسابندي المروزي من أصحاب أبي حنيفة ، وأبو الحسن علي بن عبد الله الداغوني من أصحاب أحمد ، ومن المحدثين رزين بن معاوية العبدري ، ومن القراء أبو العز محمد بن الحسين بن بندار القلانسي . هؤلاء كانوا المشهورين في هذه الأزمنة المذكورة . وقد كان قبل [10/10] كل مائة أيضا من يقوم بأمور الدين ، وإنما المراد بالذكر من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور مشار إليه انتهى .
[تمجيد أبي فارس عبد العزيز الحفصي ملك افريقية]
وسئل أيضا عن حديث معاذ في الترمذي في دخول أهل الجنة جردا مردا أبناء ثلاث وثلاثين سنة. وفي بعض كتب الفارسية إن لإبراهيم الخليل ولأبي بكر الصديق لحية في الجنة. فما الحكمة في ذلك؟ وهل صح ذلك أم لا؟
فأجاب: بأنه لم يصح أن للخليل ولا للصديق لحية ولا أعرف ذلك في شيء من كتب الحديث المشهورة ولا الأجزاء المنثورة. وعلى تقدير ورود ذلك فيظهر لي أن الحكمة في ذلك: أما في حق الخليل، فلكونه منزلا منزلة الوالد للمسلمين لأنه الذي سماهم بهذا الاسم وأمروا باتباع ملته. وفي حق الصديق فينتزع من نحو ما ذكر في حق الخليل، فإنه كالوالد للمسلمين إذ هو الفاتح لهم باب الدخول إلى الإسلام. لكن أخرج الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بسند ضعيف: أهل الجنة جرد مرد إلا موسى عليه السلام فإن له لحية تضرب إلى سرته. وذكر القرطبي في تفسيره أن ذلك ورد في حق هارون أيضا. ورأيت بخط بعض أهل العلم أنه ورد في حق آدم. ولا أعلم شيئا من ذلك ثابتا والله تعالى أعلم.
[إدخال الأنعلة للمسجد غير مستورة]
وسأل الشيخ أبوعلي القروي الشيخ الفقيه الصالح أبا الحسن المنتصر عن إدخال الأنعلة للمسجد غير مستورة فقال يا سيدي: ألم تخبرني أن سيدي أبا محمد الزواوي رآك وضعت نعلك غير مستور بإزاء سارية فقال لك: إنكم(¬1) أيها الرهط يقتدى بكم فلا تفعلوا؟ فكان القروي بعد ذلك يقول: حدثني المنتصر عن الزواوي كرهه. ووقع البحث فيها من بعض الفضلاء وهي أن
[10/11] بعضهم دخل المسجد فوضع نعله أمام قبلته فأحرم في الصلاة فأنكر عليه صاحبه، وقال: لا تعمل النعل في القبلة فإنه مكروه أو لا يجوز.
فأجاب الآخر فقال: هذا باطل لقول المدونة لا بأس بالصلاة وبين يديه جدار مرحاض.
فإن قلتم رضي الله عنكم لهذا المقلد أن يقلد من شاء من علماء مذهبه إمامه ر، فبينوا لنا كيفية التقليد ، هل على سبيل التخيير والتشهي بما يوافق غرضه ؟ ولا حرج على المكلف إذا وافق غرضه العلم . ويشهد لهذا المعنى
[9/12]
[10/12]
ظاهر الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ، ويشهد أيضا من كلام العلماء ظواهر إطلاقاتهم في تفاريعهم ، من ذلك قولهم : من قلد عالما فقد برئى مع الله ، وقولهم اختلاف العلماء رحمة ، وربما نكت بعضهم بقوله حجرت واسعا إذا اقتصر على المشهور في جميع تصرفاته ، وكقولهم في الخصمين أيضا إذا تراضيا بتقليد غير المشهور إن رضاهما به بمنزلة حكم الحاكم ، ويرفع رضاهما الخلاف عن المسألة بالكلية ، وتصير المسألة حينئذ في حقهما إجماعية ، لا سيما ومن أصل مذهب إمام هذا المقلد ومبناه مراعاة الخلاف . ولم يزل أعلام العلماء رضي الله عنهم وعنكم يتساهلون في المسألة المختلف فيها قديما وحديثا لا سيما بعد النزول ؟ أم لا سبيل إلى تخيير هذا المقلد بل لابد أن يشترط فيه ما يشترط في المجتهد ؟ فكما يجب على المجتهد عند تعارض الأدلة أن يأخذ بأقوى الأدلة عنده وأرجحها في نظره ويحرم عليه أن يتخير منها دليلا يوافق غرضه ، فكذلك هذا أنه إذا تعارض عنده قولان في مذهب إمامه لا يحل له أن يأخذ إلا بقول الأعدل والأعلم منهما في نظره ، أو غاية ذلك أن يندب إلى الأخذ بقول الأعدل والأعلم منهما على سبيل الورع ، واتباع الأفضل هذا غير ما أفتى به عز الدين .