ثم أجاب السيد الشريف الفاضل المذكور عن الخلل المتوهم في جوابه فقال ما نصه: الحمد لله وحده. أقول في الجواب عن هذا الذي يتخيل في جوابنا على طريقة الجدل: قوله كان الحق في الصورتين لله تعالى لأمره بالدخول فيهما على ذلك الوجه, لا يلزم من الأمر بالشيء ان يكون الحق فيه للآمر. وبيان ذلك الحد في القذف, فإن الله امر به والحق فيه للمقذوف, فإما مجردا وإما لازما. وكذلك قتل النفس بدليل عفو الأولياء.
[62/1] قوله: والاستدلال بلا تبطلوا يتناولهما, فبأي وجه افترقا؟ قلت: بما ذكرناه في الجواب من الرجوع إلى الأقوى وعدمه.
قوله: وتخصيص الأول بانه عمل لا يبطل ينافي الجمع بانهما مأمور بهما بناه على ما تقدم من أن المر بالشيء يستلزم أن يكون الحق فيه للآمر, وقد تقدم بطلانه ولا يلزم من كون الشيء مأمورا به أن لا يكون مبطلا. وإذا كان كذلك صح الجمع. ومن ذلك قوله بل الثاني لله أيضا إما مجردا وإما لازما. نمنع الأول لأن العدة إنما شرعت حفظا للأنساب فصار الحق فيها لغير الله. وأما الثاني فقد يسلم لكن غاية ما يفيد أن العدة فيها شائبتان لله وللأدمي, ولابد من مراعاتها معا. فمراعاة حق الله امتثال أمره, ومراعاة حق الآدمي هي حفظ الأنساب, فحق الله مستوفى الحيض والشهور, وحق الغير مخلف فيهما. إذا الحيض أقوى ولا نزاع فيه, فيجب أن يرجع إليه, لاستوائهما في حق الله واختلافهما في حق الآدمي.
قوله: فرقا بالضرورة والجامع سالم, سلمنا ان الجامع سالم, لكن عارض معارض وهو الرجوع إلى الأقوى.
قوله: إن اقتضى الدوام ففيهما, وإن لم يقتضه ففيهما, وأما اقتضاؤه الدوام في الأول وعدمه في الثاني من غير اعتبار زائد ولا جهتين فتناقض, نختار الثالث وهو اقتضاؤه في الأول وعدمه في الثاني.
قوله: من غير اعتبار زائد, بل الاعتبار الزائد الرجوع إلى الأقوى وهو موجود في الثاني دون الأول.
من حلف علي رجل لياكلن بر بثلاث لقم
وسئل عمن حلف علي رجل ليأكلن .
فأجاب بأنه يبرا بثلاث لقم وقيل ان كان أول الطعام فلا تبرئه الثلاث
وان كان في اخر ابرأته .
وسئل : عمن حلف لا يعمل الا ما يعمل الشرع .
فأجاب لا يخبر القاضي بيمينه , ولا يترك شيئا بما يحكم له به .
وسئل عمن حلف أن لا يأكل عن فلان ولا هذه ورفع شيئا من
الأرض .
فأجاب بأنه قد خرج مخرج المبالغة ومقصوده ان لا يأكل عنه قليلا
ولا كثيرا , فان أكل فقد حنث .
من حلف لا يعيد مع أهله خرج عن بلده
ورجع في ثاني عيد الفطر ورابع الأضحي
وسئل عمن حلف أن لا يعيد مع أهله .
[80/2]
[81/2]
فأجاب يخرج من بلده الي بلد اخر ولو قربت مسافته , ولا يرجع الا في
اليوم الثاني ان كان عيد الفطر , وان كان عيد الأضحي فلا يرجع الا بعد ثلاثه أيام .
من حلف لا أكل ما خبزته زوجته
وسئل عمن حلف لا أكل لزوجته خبزا فأكل ما خبزته قبل اليمين .
فأجاب ان كانت نيته فيما يستقبل فلا شئ عليه والا حنث .
من حلف لا يحضر وليمة امتنع عليه أكل أي طعام صنع لها
وسئل عمن حلف أن لا يحضر وليمة .
فأجاب لا يحضر في الصباح ولا في الثالث ولا فيما يفعل من الطعام
لأجل الوليمة .
وسئل عمن خرق لرجل ثوبا وحلف ليغرمنه .
فأجاب لا يبرأ الا بالقيمة يوم الخرق لا بغيرها , ويجوز بعد معرفة قيمه
الثوب أن يعطيه ما راضيا عليه بالقيمة وأكثر منها ولا يجوز بدونها الا أن تكون
له نية .
وسئل عمن يقول لأصحابه ان فعلت كذا فأنا أشبعكم ففعل .
فأجاب يندب الي ذلك ولا يقضي عليه .
يكفي الناذر لصدقه أو صوم اخراج درهم وصوم يوم
وسئل عمن نذر صدقه ولم يقدرها .
فأجاب يجزئه درهم : وكذلك نذر صوم يجزئه يوم ويستحب ثلاثه
أيام , الا أن تكون عادة الحالف صوم العام .
لا محذور في زيارة العلماء وقبور الصالحين واثارهم
وسئل عمن نذر زيارة قبر رجل صالح أو حي .
[81/2]
[82/2]
فأجاب يلزمه ما نذر وان عمل فيه المطي . " ابن عبد البر " : كل
القضية رفع أيديكم منها وعزلكم عنها ، واستئناف النظر فيها عند غيركم ممن يراه السلطان نصر الله أهلا لذلك ، وقد قال الشيخ أبو القاسم بن الجلاب رحمه الله إذا ذكر الحاكم أنه حكم(¬1).
=وأجاب : الفقيه أبو فارس سيدي عبد العزيز بن محمد القيرواني أكرمكم الله وإيانا بطاعته ، قد تصفحت ما رستم فوقه من ذكر المسألة المعضلة التي لم يتوهم بقاؤها إلى الآن ، وما وقع فيها من الأمر الشنيع ، والفعل القبيح ، فرأينا فيما احتوت عليه وجوها اقتضت كلها فساد النكاح ، وجريانه على غير سنن الشريعة ، ودلت على الانحراف عنها .
منها عزل الأب من ولاية ابنته البكر الثابتة له عليها ؛ لأنه ليس للإمام أن يزوجها إذا ثبت عضله لها وإضراره بذلك حتى يقول له : إما أن تزوج وإلا زوجناها عليك كما نص عليه مالك في المدونة ، فكيف وقد ذكرتم أن بيده عقدا يتضمن نفي عضله إياها .
ومنها : أن شهود الإضرار الذين نسب إليهم العلم بذلك ، قد أنكروا أن تكون لهم بذلك شهادة ، فهم أولى بشهادتهم إذا لم تكن عليهم بينة على أدائها عن القاضي .
[64/3]ومنها : عدم الإعذار لوالدها في البينة التي تضمنت شهادتها سقوط إجبار الأب عليها ، إذا لم يؤجله فيها إلا يوما أو يومين ، وهذا الأجل لا يكتفي به في غير هذه النازلة ، فكيف بهذه ، فهو في حكم من لم يعذر له في الحكم ، والإعذار في الحكم لازم لا يتم إلا به ، وإلا فهو كلا حكم ، مع أنه كان في الأيام التي ندب القاضي إلى ترك الجلوس فيها للفصل بين الناس لتعذر جلب البينات فيها على الناس ، فكيف بهذا في السجن وكان سجنه في هذا الحال ظلما عليه وحيفا ، إذ هو طالب لا مطلوب .
فإن قلت: ولم كانت كنايات الظهار تنصرف بالنية إلى الطلاق، ولا تنصرف كنايات الطلاق إلى الظهار بالنية على المشهور، مع أن الجميع كناية؟
قلت: لأنه يتهم بصرف ما لا يصح رفعه وهو الطلاق إلى ما يصح رفعه بالكفارة وهو الظهار، ولا تهمة في العكس، وأيضا الطلاق يفيد معنى لا يفيده الظهار، وذلك أنه يقطع العصمة، فكانت رتبته أرفع من رتبة الظهار، فلم يصح أن تنصرف كنايته إلى الظهار لأنه دونه في المرتبة، فلا ينصرف الأقوى إلى الأضعف، وصح انصارف كنايات الظهار إلى الطلاق، لانها تنصرف إلى ما هو أعلى منها.
فإن قيل: هذا المعنى موجود في صريح الظهار، ومع ذلك فإنه لا ينصرف إلى الطلاق.
قلت: المعتبر في الصريح اللفظ، واللفظ لا يصح صرفه إلى غير ما وضع له إلا على طيق التجوز والكناية المعتبر فيها معناها دون اللفظ، والله سبحانه أعلم وبالله التوفيق، وهذا ما ظهار لمحبكم في المسألة الآن، والله المستعان، قاله وخطه: العبد الفقير إلى الله أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي.
[من قال لرجل: أنت علي حرام كأمي وزوجتي]
وسئل القاضي ابن عبد السلام عمن قال لرجل: أنت علي حرام كأمي وأختي وزوجتي، ما يلزمه في زوجته؟ وهل هي منصوصة أو لا؟
فأجاب: لا أعرف فيها نصا، والظاهر عندي لزوم التحريم في الزوجة لاحتمال عطفها على المبتدأ الذي هو أنت، فكأنه قال: أنت وزوجتي، ويحتمل عطفه على المجرور بالكاف، لكن على الاحتمال الأول يلزم الظهار لا الطلاق، وعلى الثاني الطلاق، ويكون عكسه التشبيه ولعل الأقرب تحليف القائل أنه ما نوي الطلاق، ويكلف بحكم الظهار.
[67/4]
[68/4]
[من أنكر الحمل وادعى أنه اعتزل امرأته سبعة أشهر قبل طلاقها، تلاعنا]
حكم شراء ما تجب فيه الزكاة ممن لا يزكي]
وسئل الشيخ أبو عبد الله الزواوي عن الشراء من الأعناب التي يعلم أن أربابها لا يزكونها.
فأجاب: بأن قال: ما يباع من العنب والرطب التي تجب الزكاة فيه إن هو بقي لكونه إذا زبب العنب ويبس الثمر كان فيه خمسة أوسق فيخرج جواز البيع وعدمه إذا كان أرباب ذلك لا يخرجون الزكاة من ثمن ذلك ولا من جنس ما بيع على الخلاف في الرقيق إذا كان لا ينقسم أخماسا وإنما يباع ويقسم الثمن فعلى رأي أبي مصعب يجوز ههنا وعلى رأي سحنون لا يجوز، وأما الحب مثل القمح والشعير والتمر وشبهها إذا علم أن أرباب ذلك لا يزكونه فلا يجوز شراء ذلك لأن الزكاة تؤخذ من غير ذلك.
قال أبو الوليد في الرقيق إذا كان ينقسم أخماسا ثم قال وهذا يتضح على القول بأن الزكاة لا تتعلق بالذمة، وهو القول بأن الفقراء شركاء في المال المزكي وأما على القول الآخر وهو أن الزكاة متعلقة بالذمة لا بعين المزكي ففيه نظر لأجل أن هذا المزكي كالمرهون بالزكاة حتى تؤدي والله أعلم. في سماع عيسى من زكاة الماشية أن الصدقات والعشر لا يحل الاشتراء منها إذا كانوا لا يضعون أثمانها في مواضعها.
[حكم الشراء من العرب المعروفين بالنهب]
وسئل بعض الشيوخ عن نازلة نزلت بأفريقية يوم ولاية الأمير أبي حفص بها، وذلك أن أبا حفص لما حصر تونس تفرق حينئذ العرب على قراها وحاصوا طعامها (كذا) وقطعوا طرقها فغلا السعر في تونس لأجل ذلك، فلما ولي الأمير أبو حفص جلب العرب الطعام إلى البلد في اليوم الذي ولي فيه وأرادوا بيعه، فتوقف أكثر الناس عن شرائه، فسئل من بها من العلماء فأجاب بعضهم بأن الشراء منهم لا يجوز، وأجاب الشيخ أبو محمد عبد الله بن بختي الزواوي رحمه الله بجواز الشراء منهم، فأخذ الناس بفتواه، فلما سمع الذين أفتوا بالمنع تحدثوا في ذلك ووجه إليه بعضهم وهو كبيرهم وأفضلهم وسأله عن
[69/5]
فأجاب: لا يجوز حتى يرى لغريمه أنه يحلف، وإن ظهر له أن الغريم لا يحلف فلا يصالح، إذ لعله لا يحلف ويعرف عزيمته وعدمها. بقرائن الأحوال والأمارات والكلام ونحو ذلك.
[الزيادة المهمة في المبيع بعد السمسرة والبيع وقبض الثمن]
وسئل ابن عرفة عمن باعت زيتونا بحلقة من البائعين عند باب دارها واجتهد في ذلك السمسار حتى وقف على سوم معلوم، ووصف لها ذلك، وانقطع المزايد من تلك الحلقة فباعت وقبضت ثم جاء من زاد على الثمن زيادة لها بال.
فأجاب: ينقبض بيع الأول ويأخذه الثاني محتجا بأن المرأة ما تعلم حقيقة ما تبيع إذا لم تشاهد ذلك، ولا هناك من يصف لها صفة تقوم مقام العيان بقدرها.
[من باعت لزوجها وأشهدت بقبض الثمن ثم توفيت فقام ورثتها على الزوج]
وسئل القاضي ابن عبد السلام(¬1) عمن باع لزوجته دارا بخمسة وعشرين دينارا كبيرا وأشهدت البائعة بقبض الثمن، وحاز المشتري الدار المذكورة. وذلك كله في حال الصحة والطوع والجواز، بشهادة عدلين ثم توفيت البائعة بعد ذلك بنحو أزيد من شهر، فطلب ورثتها المشتري بدفع الثمن. وذكروا أن القبض لم يكن بمعاينة الشهود. فهل القول قول المشتري أو ورثة البائعة؟ وإذا كان الأول فهل يلزمه يمين في ذلك أم لا؟
فأجاب: لا يقام لورثة البائعة في الثمن، إذ ذلك خلاف ما شهد به الشهود في صحتها وطوعها وجواز أمرها منذ أزيد من شهر.
[79/6]
[بيع الخادم بالمرض المتصل بالوفاة]
وسئل ابن الحاج وغيره عمن أشهد في مرضه المتصل بوفاته ببيع خادم سوداء له من زوجه، وله ولدان: ذكر وأنثى من غيرها ثم مات فاعترض المقدم على الولدين البيع، وقال: إنه توليج ولم يتضمن عقد البيع معاينة قبض الثمن، وتخاصموا عند القاضي ابن حمدين(¬2).
فأجاب أبو محمد بن عتاب وابن الحاج: لا ينفذ(¬3) البيع ويجب رجوعها ميراثا.
69/7] المدونة. وهذه الأقوال الثلاثة تجري في النازلة التي وقع السؤال عنها, إلا أن القول الأخير ضعيف, لتفرقته في الاستغلال والسكنى, وقد قال القاضي أبو الوليد بن رشد: لا فرق في ذلك بين الاستغلال والسكنى. وأما القولان الأولان فكل واحد منهما قوي من وجه, أما رواية ابن القاسم عن مالك فهي مشهور المذهب, لأن القول المشهور في معنى قول العلماء قول مشهور هو ما روى ابن القاسم عن مالك لطول صحبته له وتأخير زمانها عن صحبة غيره, فتعد روايته كأنها ناسخة لما روى غيره عن مالك من الأقوال, إذ المتأخر ناسخ للمتقدم. وأما رواية علي بن زياد عن مالك فهي قوية من طريق النظر, لأنها مبنية على الأصل في الضمان وذلك الأصل مستند إلى حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , بخلاف الأصل الأخير وهو النظر إلى الشبهة, فإنها مستندة إلى الاستحسان, وقد قال القاضي أبو الوليد بن رشد رواية على بن زياد هي القياس والله أعلم, فيجوز للقاضي الذي وقعت هذه النازلة في علمه أن يحكم فيها برواية ابن القاسم فيقضي على من استحق الحبس من يده أن يؤدي الغلة لمن استحق الحبس, ويجوز له أن يحكم بأداء الغلة لوجوه أخر, وهو أنه قد تقرر في الفقه أن من وضع يده على غلة وفائدة وجب عليه غرمها اتفاقا, وإنما الخلاف في وضع اليد على الرقاب هل تغرم الغلات والفوائد أم لا ؟ وهذه النازلة الأشبه فيها أن المستحق من يده إنما أخذ غلة الأملاك المحبسة وفائدها لا رقابها, لأن رقابها لا يملكها أحد من المحبس عليهم لانتقالها من بعضهم إلى بعض والله أعلم.
[ضعف حبس مسجد لا يخول لإمامه أخذ حبس آخر]
فأجاب: له أن يتزوجها بعد زوج، وسواء جاء مستفتيا أو حضرته بينة. وذلك أن الطلاق على مشهور المذهب إنما يلزم باللفظ لا بالنية. هذا في الطلاق المبتدأ وقد اقترنت به نية مستصحبة، فكيف باليمين بالطلاق وقد أنكرت نيته عن استرسالها واستصحابها؟ فأين هذا من ذلك عند من يميزها هنالك؟ وقد وقع في كتاب محمد: من قال لامرأته طالق وكان على أن يقول ثلاثا أو البتة ثم سكت عن ذلك في يمين أو غير يمين، فلا يلزمه الثلاث حتى يريد بقوله أنت طالق أو يريد بتلك الكلمة البتة. وهذا هو لباب المذهب في هذا الباب، وفيه دليل على ما وقع به الجواب، والله الموفق للصواب.
[66/8]
[67/8][بيع النمس للاصطياد]
وسئل رحمه الله عن بيع النمس للاصطياد، هل هو كالهر أو يجعل من جملة السباع؟
فأجاب بأن قال: النمس يأخذ شبها من الكلاب ومن الهر ومن السباع فيما تقتضيه أحكام الكل، إلا أنه أقرب شبها للهر في المعنى فبيعه عندي جائز كبيع الهر وبالله التوفيق.
[ورثة مقارض ادعوا تلف المال بعد موته]
وسئل رحمه الله عن ورثة مقارض ادعوا تلف المال بعد موته، هل يقومون مقام موروثهم إذا كانوا أمناء ثقاة؟
فأجاب: نعم يقومون مقامه، وسواء تصرفوا فيه بعد أن حكم لهم أو من قبل الحكم وهم مشهورو الأمانة، اللهم إلا أن تكون أمانتهم غير مشهورة فتصرفوا في المال قبل ثبوتها، ثم ثبت من بعد فإنهم يضمنون ما كان من قبل، وهذا كله في ضمان التصريف وأما ضمان التوقيف، أعني توقيف المال عندهم ريثما ينظر في أمره، فادعوا تلفه من خلال ذلك(¬1) كيفما كانوا، وبالله تعالى التوفيق.
[من جرح جرحا فاحشا ودمي عليه، هل يلزمه القيد أو السجن فقط؟]
وفي أحكام الشعبي من أكرى بيتا في داره أو حيث يسكن لخزن الطعام فضاع كله أو بعضه لا شيء على صاحب البيت ولا يمين إن كان صالحا، وإن كان متهما حلف قيل لأن مجرد الحفظ لا تصرف فيه فأشبه حارس الأندر ونحوه بخلاف حامل الطعام، والفرق أن له الإذن في التصرف فيه ومثله اليوم خزان الطعام في المطر والعرف بالكراء فهو مثل ما في أحكام الشعبي وتجرى في دعوى النقص والتلف على أيمان التهم، وهو اختيار اللخمي أيضا وبنحوه أفتى الشيخ أبومحمد فيمن رفع عنده شعير بأجرة فادعى أنه تغيب عليه وضاع لا ضمان عليه إلا بعد يمينه.
[مسألة في اليتيم الصغير تقدم عليه أمه ثم تموت بعد أعوام]
وسئل المازري عمن توفي وترك أولادا أصاغر وأكابر فقدم القاضي الأم على الأصاغر فشورت البنات وأدخلتهن وفيهم صغير وقد أخذت بضائع صارت له بالقسم وقد ذكرت أنها تسلفت دنانير من مال الصغير لشورة إحدى
[78/9] البنات أنفقتها عليها وأنفقت على الولد في حياته ثم توفيت بعد الأعوام فلم يوجد للولد شيء مما صار له في القسمة ولا علم لبيعها ولا أثمانها هل يلزم تركتها قيمة تلك البضائع يوم القبض أو يوم الموت أو يحمل على أنها أكلها؟ وقد قام ورثتها وأرادوا إلزامه ما كانت أنفقت عليه في هذه المدة المذكورة في حياته.
فأجاب النظر يقتضى أن الأمانة لا تتعلق بذمة الميت لكن في المدونة وهو المشهور عن جماعة الأئمة وغيرهم تعلقها بتركة الميت، وعلله حذاق الأصحاب بأنه يحمل على أنه تسلفها وذكرها مقدار السلف دليل على عدم اعتبار السلع قبل السلف إذ لو تسلف السلع لذكرتها مع هذه الدنانير فإذا حملت على البيع فلا يلزمها إلا أقل الأسعار على ظاهر مذاهب الأئمة إذ الزائد على أقل الأسعار مشكوك فيه ولا تعمر الذمة بالشك، وأما ما أنفقته على الولد فكل ما هو فضول مما لا يبيح الشرع نفقته عن اليتيم في شيء من ذلك فلا يحاسب به.
[مسألة فيمن بعث حليا ... الخ]
قلت : ثبوته بالشهادة على خط القاضي أقوى من ثبوته بالشهادة على خط البينة بشهادتها على القاضي ، لأن ثبوته بالشهادة على خط القاضي مآله توقفه على مجرد الشهادة على الخط فقط ، وثبوته بالشهادة على خط البينة مآله توقفه على الشهادة على الخط مع شهادة البينة على القاضي ، وما توقف على أمر واحد فقط أقوى مما يتوقف عليه مع غيره ، لتطرق احتمال وبين ذلك الغير ، كاحتمال فساد البينة أورقها في نفس الأمر . قال وإذا ثبت وجه العمل بذلك ، فإن ثبت خط القاضي ببينة عادلة عارفة بالخطوط وجب العمل به ، وإن لم تقم بينة بذلك والقاضي المكتوب إليه يعرف خط القاضي الكاتب إليه فجائز عند قبوله بمعرفة خطه ، وقبول سحنون كتاب أمنائه بلا بينة يدل على ذلك . وليس ذلك من باب قضاء القاضي بعلمه الذي لا يجوز له القضاء به ، لأن ورود كتاب القاضي عليه بذلك الحق كقيام بينة عليه بذلك ، فقبوله الكتاب بما عرف من خطه كقبوله بينة عرف من عدالتها . ويحتمل أن يقال لا بد من الشهادة عنده على خطه . انتهى .
وقال ابن عرفة : نحوه قول ابن سهل إن أثنى بخير على شهيدي كتاب القاضي وإن لم يكن تعديلا بينا أو زكي أحدهما أو توسم فيه صلاح ، وخطه
[64/10] وختمه يعرفه المكتوب إليه ، استحسن إنفاذه لعمل صدر الأمة بإجازة الخاتم انتهى .
63/11] قلت يا رسول الله: أرأيت إن أدركت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. وقال تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾. وقال: ﴿واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما﴾. وقال: ﴿لذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾. وقال تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾. وقال: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾. وقال: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ إلى غير ذلك من الآي. وكذلك الأخبار النبوية. وقال ابن عمر: إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة قبل أن يقوم: "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم". وقال صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب". وكذلك تلاوة: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾. هو خالق التوابين. وقال الحسن بن أبي الحسن في قوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾ الكلمات:.