الحمد لله, وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وقفت- شرح الله صدركم ورفع بطاعته قدركم- على مضمن جوابكم النبيل, وفرقكم الحفيل, فرأيته من حيث الجملة كلاما صحيحا, ومغزى مليحا, إلا أنه إن اعتبر في سبيل الجدل ربما يتوهم فيه خلل, لقائل أن يقول: لما اعتبر في الجامع الدخول في المأمور به على وجه صحيح كان الحق في الصورتين لله تعالى لأمره بالدخول فيهما على ذلك الوجه, والاستدلال بلا تبطلوا يتناولهما, فبأي وجه افترقا؟ وتخصيص الأول بأنه عمل لا يبطل ينافي الجمع بأنهما مأمور بهما, والفرق بأن الصلاة حق لله والعدة حق للآدميين ممنوع, بل الثاني لله أيضا إما مجردا وإما لازما, سلمنا لكنه فرق بالصورة والجامع سالم فيهما, فإن اقتضى الدوام ففيهما وإن لم يقتضه ففيهما. وأم اقتضاؤه الدوام في الول وعدمه في الثاني من غير اعتبار زائد ولا جهتين فتناقض, وما اختير من تعليل حكمين بعلة بمعنى الباعث مغاير لهذا سلمنا عدم الالتفات إلى هذه المباحث, لكن حاصل الفرق المذكور أن حق الآدمي أقوى فيرجع فيه إلى الأقوى عكسه الأول. والقاعدة الشرعية أن حق الله أقوى, ولذا يسقط
[
ما يجب عاي الأنصف عمل أجير وحلف لا يدفع غير ذلك وحلف الخر لياتين
برجل نطير الول .
فأجاب يجب عليه أن يأتي برجل لمقابلة عمل صاحبه ويحنث , فان
تطوع رجل باخراج ذلك فان قصد الحالف أنه لا يدفع الا نصف رجل
لاجا أنه ما عنده غير ذلك فلا حنث عليه , وان قصد عدم اخراج الرجل
راسا لما حصل عنده من اللجاج حنث , فلم أراد أن يزيدعلي نصف اجره
الرجل ويأتي برجل فقال ان كان قصده أنه لا يخرج الا نصف الجره خاصه
شحا منه علي متاعه فلا حنث عليه .
[77/2]
[78/2]
من استحلفه اللصوص علي مال بيده أنه له والحال أنه مال قراض
وسئل عمن استحلفه اللصوص علي مال بيده أنه له فحلف لهم وهو
مال قراض .
فأجاب . ان كان له في مال القراض ربح فهو كماله والا فهو كمال
الغير والمشهور أنه ليس باكراه .
من حلف علي أمرأته لا تخرجالي دار أبيها الا في فح أو حزن
وسئل بعضهم عمن حلف لأمرأته لا تخرج لدار أبيها الا في قرح
أوحزن قتزايد لوالدها ولد.
فأجاب . زيادة الولد عنده فرح , وموته بعد ذلك حزن , وموت عبده
النفيس ليس بحزن لأن الأيمان لم تقع علي هذا ,قاله سحنون .
من حلف لا يجتمع مع أخيه في فرح أو حزن
فلا شيء عليه اذا حضر جنازته
وسئل ابن البرا عمن خطب البن اخيه من أخيه فلم يسعفه فحلف
لا حاضره في فرح ولا حزن , فمات المحلوف عليه , فهل للحالف حضور دفنه
وتكفينه وتعزيته أم لا .
قأجاب بأنه يحضره بعد الموت اذا قصد الحالف ايالم نفس اخيه قي
عدم أجتماعه معه فيما جرت العادهلائتلاف القرابه به , فاذا مات فلا ايلام ,
الا أن يزيد بقوله لا حاضره ولا حضر كل ما ينسب اليه قصد المباعده والقطيعه
فحضور جنازته هو مما ينسب اليه .
وقد سئل مالك عمن حلفت لا تحضر لأختها محيا ولا مماتا , فماتت بنت
أخنها فأرادت أنتطارها عند باب المسجد لتصلي عليها , ويمينها بالمشي الي
مكه , فكره مالك ذللك لها وهي لم تعز ولم تهن ولم تحضر مشهدها , والحنث
ولما ورد جواب اليزناسني ووقف عليه والدها ، أشهد على نفسه بإسقاط حقه وطيب نفسه ، وكتب ذلك عليه في رسم وبقيت الزوجة مع زوجها إلى الآن ، ثم إن والدها قام الآن وكتب لكم سؤالا محرفا لم يذكر فيه ثبوت العضل ، ولا ثبوت الضرر ، ولا أني حكمت مستندا لتلك الأركان المنصوصة ، فأفتيتموه رضي الله عنكم بأن النكاح يفسخن وجاء أيضا متشكيا للمولى نصره الله ، فوعده برجوعي من الزكاة ويعيد له مجلسا يجمع فيه الطلبة معي ، وتعلمون رضي الله عنكم أن أبا الوليد بن رشد قال في البيان إن القاضي إذا[62/3]قلد قول قائل وحكم به لا ينقصه لتقليد قول آخر ، وأنه لا يرجع من تقليد إلى تقليد ، وإنما يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد ، وهذا الحكم مستند لنص ابن الجلاب الذي فيه الخلاف ، والعضل الذي هو نص المدونة وغيرها ، وإلى الضرر الذي هو أيضا منصوص ، وكل واحد من هذه كاف في الحكم ، وقد اشتدت بعض الأركان ببعض ، وانظروا رحمكم الله ذلك بنظركم السديد ، فإن رأيتم ثبوت النكاح فصرحوا بالجواب في صدر هذا الكتاب ، لئلا يحرم فرج حلال بكذبه في سؤاله ، واستحالة المسألة على خلاف ما وقعت عليه ، وهل يلزمه الأدب في كذبه في السؤال وبتلبيسه عليكم أم لا ؟ وإن رأيتم فسخ النكاح فبينوا لنا وجهه ليرجع إليه ويعمل عليه ، والله يوفق الجميع بمنه والسلام عليكم من محبكم عيسى بن محمد الترجالي ورحمة الله تعالى وبركاته .
وسئلت عمن سألت منه زوجه أن يصيرها كأمه فقال لها: أنت مثل أمي
[64/4]
[65/4]
أو كأمي إلى عشرة أشهر، ولا نية له في طلاق ولا ظهار، هل اللازم له طلاق أو ظهار؟
فقلت مجيبا بما نصه: الحمد لله تعالى وحده، الجواب: والله سبحانه ولي التوفيق بفضله: أن تعلم أولا أن اللفظ الصادر من الرجل المذكور جوابا عن سؤال زوجه المذكورة هو من كنايات الظهار الظاهرة، لا أعلم لأئمتنا فيه اختلافا، والقاعدة المذهبية في كناية الظهار انها لا تنصرف عن الظهار إلى الطلاق إلا بنية، وحيث فقدت النية فيما أو في أحدهما كفرض النازلة فاللازم الظهار، وقال في الجلاب: ولو قال لها: أنت علي كأمي، أو مثل، وأراد بذلك الظهار كانت له نية أو لم تكن له نية في ظهار ولا طلاق كان مظاهرا، ولو أراد بذلك الطلاق، كان مطلقا البتة. انتهى.
فقوله: في ظهار ولا طلاق يريد ولا بر ولا إكرام، قال ابن الحاجب: أما لو قصد مثلها في الكرامة فليس بظهخار، وحكى الباجي عن أبي حنيفة والشافعي أنهما حملا ذلك مع عدم النية على البر والإكرام، والمذهب كله ما قدمناه، قال في المدونة: إن قال لها: انتعلي حرام مثل أمي أو حرام كأمي ولا نية له فهو مظاهر، فهذا لا اختلاف فيه. انتهى.
فإن قلت: كيف يستقيم لك نفي الخلاف، وابن الحاجب ومتبوعه جمال الدين ابن شاس حكيا عن بد الوهاب إطلاق القول في قوله: أن حرام كأمي أنه طلاق، ولم يشترط نية، ولا ينعقد الاتفاق لمخالفته.
قلت: الذي حكاه الباجي عنه خلاف ما حكياه، وهو أرجح وأولى، ولفظه في ذلك: وإن قال لها أنت أمي أو مثل أمي حكى القضاي أبو محمد أنه يكون ظهارا ولم يشترط نية. انتهى.
فإذا كان اللازم له في مسألة المدونة ظهارا مع التصريح بلفظ الحرام الصالح للطلاق والظهار، فلأن يلزمه الظهار فقط، إذا عراه عن لفظ التحريم والنية لضعفها رتبة عنه، أحرى أولى.
[65/4]
[66/4]
كنت وعدت بوجه فيه الجواز غير أنه لا يتصور مع إضافة ابن العطار مسألتي الثمرة قبل الإبار لنهي المختار صلى الله عليه وسلم، ومما يظهر منه الجواز مسألة وقعت في العتبية فيمن باع تمرا واستثنى من الكيل ما يجوز له أن يستثنيه فإنه يبيعه قبل أن يقبضه، وإنما كره من ذلك ما كان على وجه الاشتراء فأما الاستثناء فليس باشتراء، ولا أرى به باسا. ابن رشد والاختلاف في هذا جار على اختلافهم في الاستثناء هل هو مبقي على ملك البائع أو هو بمنزلة المشتري؟ فهذه الرواية على أنه مبقي على ملك البائع وهو أظهر، القولين، ومسألة أخرى: من اشترى زيتونة على أن يقطعها فتوانى في قطعها حتى أثمرت لمن تكن (كذا) الثمرة، قال المشترى الشجرة ابن رشد والمعنى فيها أنه اشتراها ولا ثمرة فيها أو فيها ثمرة لم تبلغ حد الابار، وقال ابن عبدوس إن كان البائع اشترط الأغصان فالثمرة له، وقاله سعيد بن حسان، قال ابن لبابة على قياس ما قلناه لو اشترى عمود الزيتونة واشترى آخر الفروع ثم استونى (كذا) بقطعها حتى أثمرت فإن الثمرة لصاحب الفروع، وعليه كراء العمود،
[67/5]
وسئل بعض الشيوخ عن مسألة وهي إذا استشعر الناس قطع السكة وحصل منها شيء عند أحد من الناس هل يجوز له أن يسرع في إخراجها قبل قطعها أم لا؟ وكذلك إذا وجبت لأحد فامتنع من أخذها هل يجبر القاضي على قبضها أم لا؟
فأجاب: لا يجوز الإسراع في إخراجها ويلم عليه جبر من أباها. وعندي إنها تتخرج على مسألة قضاء المديان إذا أرادوا أن يفلسوه فمن يجيز
[76/6]
الأخذ منهم خشية التفليس يجيز هذا. ومن يمنع يمنع هذا. ومن يقول إذا تحدثوا في تفليسه فلا يجوز، لا يجوز هنا إذا تحدث في قطعها إخراجها وإاذ لم يتحدث يجوز.
[إذا وقع البيع على شرط أن يحفظ المشتري أولاد البائع بعد موته]
وسئل اللخمي عمن قال في مرضه أبيع ربع جنتي من ابن أخي لحفظه أولادي بعد موتي بأقل مما أعطيت فيه، فقال المشتري: ليس هذا في أصل الشراء، فأقام أولاد البائع شاهدا واحدا بهذا الشرط، وقد فاتت الجنة بالغرس لطول المدة وهي ثمان سنين.
فأجاب: إذا لم تشهد البينة على المشتري أنه عقد البيع عليه، وإنما شهدت على قول البائع خاصة، فالبيع جائز. وإن شهدت البينة أن البيع وقع كذلك، فهو فاسد، ينقض ما لم يتغير المبيع في نفسه أو سوقه بحوالة، أو تطول السنون فتكون فيه القيمة.
[إذا سرق المبيع بعد قبض ثمنه]
وسئل بعضهم عمن باع كساءه أو رداءه وقبض الثمن فقال له البائع: أبلغ إلى الدار وآخذ لنفسي كساء أو رداء وآتيك بكسائل فاختلس الكساء. ممن ضمانه؟
فأجاب: ضمانه من المشتري.
[من باع إلى أجل وأخذ حميلا أو رهنا مخافة أن لا يجد قضاء عند الحلول]
وسئل عمن باع ضيعة بثمن إلى أجل، فبعد خمسة أشهر ظهر من المشتري اختلال، فأراد أخذ جميل أو رهن بالثمن إلى حلول الأجل فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: إذا تبين من المشتري خلاف ما كان يظهر منه وخشي إن بقي الأمر على حاله أن لا يجد عند الأجل قضاء فمن حق البائع أخذه بوثيقة من
[77/6]
68/7] يقتضيه رسم التحبيس, والجواب عن ذلك أنه إنما يعمل على ما يقتضبه رسم التحبيس, لأنه الأصل المرجع إليه المعول عليه, وإنما أضطر إلى الاسترعاء لما عدم رسم التحبيس, وكان كانه نائب منابه وعوض منه, فمنذ وجد الأصل لا معنى لغيره, وهذا فيما يتعارض فيه الرسمان من صفة التحبيس والمحبس عليه, وأما ما انفرد به رسم الاسترعاء من الفصول التي لا تنافي رسم التحبيس, فيجب أن يعمل بها لثبوتها بشهادة العدول وتسجيل القضاة بصحتها مع عدم المعارض لها. المسألة الثانية هل يجب على القوم الذين استحقت الأملاك المحبسة من أيديهم غرم غلتها أو لا يجب؟ وهذا هو المقصود من السؤال فيجب أب يبسط فيه المقال, فإنه يحتاج إلى تمهيد أصول وتحرير فصول, وذلك أن من استحق من يده شيء فهل تجب عليه غلته وخراجه أم لا ؟ ينبغي ذلك على أصلين: الأول أنه من وجب عليه الضمان سقط عنه الخراج لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "الخراج بالضمان" وإن لم يجب عليه الضمان وجب عليه الخراج عملا بمفهوم الحديث. الأصل الثاني أن من وضع يده بشبهة فلا خراج عليه, ومن وضعه بغير شبهة فعليه الخراج.
فأجاب: ليست هذه المسألة كمسألة المرأة تلد في الحج، إنما هي كمسألة ولادة الغنم التي استوجر على رعايتها. والجواب هنا إن كان عرف حمل بحبسه، وإلا لم يلزم الراعي رعيها إلا بحقها، ولا عرف ها هنا يعلم، فيلزم الرايس المذكور حمل أولاد الشياة المذكورة بكراء مثلها لا على أصل كراء الأمهات وبالله التوفيق.
[محجورة عند أخيها، شهد له وصيها أنه أنفق عليها من ماله كذا]
وسئل رحمه الله عن يتيمة كانت عند أخ لها ولها وصي فأشهد الوصي لأخيها أنه أنفق عليها من ماله كذا وكذا. هل يؤخذ بقول الوصي أم لا؟ نزلت.
فأجاب: يؤخذ في مثل هذا بقول الوصي وليس هذا من الاعتراف الذي فيه الاختلاف، بل قول الوصي ها هنا عامل مأخوذ به، إذا كان ذلك من الإنفاق الذي لا بد له منه، ومن جهاز مهرها به، وهم قائم كانت في حضانته أو في حضانة من له حضانة قبله أو بعده، وإن كان الجهاز فائتا ففيه
[64/8]
[65/8]اختلاف وهذه مسألة يستدعي شرحها كراسة، ولكن هذه النكتة كافة على طريق الاقتصاد في الجواب والله الموفق للصواب.
[من أسلم في سلعة سلما فاسدا]
وسئل عمن أسلم في سلعة سما فاسدا ثم باعه بيعا صحيحا، هل ذلك فوت؟ وما الحكم في ذلك؟ وإن باعها المبتاع قبل قبضها كيف الحكم؟
فأجاب: أما إن باعها المبتاع بعد قبضها فلا شك في أنه فوت، وأما إن باعها قبل قبضها وقد حل الأجل وتمكن من القبض ففيه اختلاف بين ابن القاسم وأشهب، فابن القاسم لا يجعله فوتا، والصحيح أنه ليس يفوت. وأما إن لم يحل الجل فلا خلاف أنه ليس يفوت وبالله التوفيق.
[من حلف على ابن له ليقتلنه إلا أن يقدر عليه]
وسئل رحمه الله عمن حلف على ابن له وقع بينه وبينه كلام ليقتلنه إلا أن لا يقدر عليه يعني إن لم يجده في المقام، فهرب الابن وفات بنفسه. نزلت.
وسئل هاشم بن أحمد عمن استأجر رجلا ليصلح له سقف حانوته وقال لصاحب الحانوت أمسك فروى حتى أهبط فاحتاج صاحب الحانوت القيام بحاجته وقال يا فلان انظر الحانوت والفرو حتى نأتي فضاع الفرو.
فأجاب بأن قال: الضمان على صاحب الحانوت وهي تأتى على الوديعة إذا استودعها غيره ضمن إلا أن يكون عند إرادة سفر.
[مسألة أخرى من الوديعة]
وسئل عمن أراد سفرا إلى الجزائر بزيت فأودعه قوم زيتا للبيع فوصل وخلط جميع الزيت في خوابي وكتب اسمع على جميعها فاعترضه بعض من يعرف أن جميع الزيت ليس له فقال بمحضر جماعة يشهدون إن جميع
[76/9] الزيت لي ليس لأحد معي فيها حق بوديعة ولا غيرها فشرع في بيع الزيت فباع بعضه واشترى سلعا ورقيقا وبعث بذلك للمرية وسبتة، ثم سافر إلى سبتة وترك رجلا يبيع له باقي الزيت ثم رجع فباع ما بقي وأخذ ثمن ما تحصل ثم أخذ في الانصراف إلى سبته فادعى أن الروم أخذوه بما معه من بقية ثمن الزيت وقال لأصحاب الزيت ثمن الزيت هو الذي أخذ الروم، فانظر هل يكون خلط للزيت تعديا مع اختلاف أنواعه وبإنكاره أنه ليس لأحد في الزيت حق.
فأجاب: إذا خلط الزيت بمثله على وجه الدفع والحفظ فلا ضمان عليه.
[من دفعت لأخرى دنانير على أن تدفع منها لابنتها وأختها ثم ماتت]
وسئل التونسي عن امرأة دفعت لأخرى مأمونة دنانير على أن تدفع لابنة ابنتها كذا ولأختها كذا، فأقامت الدافعة مدة وماتت وأقامت الدنانير عند المودعة إلى أن قاربت الحفيدة البلوغ وتزوجت واشترت لها ببعض تلك الدنانير بعض ما يزين عليها وزعمت أنه قصد الدافعة فقام عليها ورثتها وأنكروا هذه العطية ولم تزل الشورة وبقيت الدنانير بيدها فلمن يجب ذلك؟
ابن راشد : والعمل عندنا اليوم بإفريقية على ما كان عليه السلف في القديم من الشهادة على خط القاضي ، فيكتب القاضي تحت شهود الوثيقة كائنة ما كانت : أعلم بثبوت الرسم المقيد أعلاه فلان بن فلان ، والسلام على من يقف عليه ورحمة الله تعالى وبركاته . وبعضهم
[62/10] يكتب : أدى شهيداه شهادتهما فيه وهما برسم القبول وأعلم بذلك فلان بن فلان والسلام على من يقف عليه . ثم يأخذ صاحب الحق ذلك الرسم ويأتي به هو أو وكيله إلى قاضي بلد آخر ، ويأتي به بعدلين يشهدان أنه خط فلان يومضي ما فيه . ولو كلفوا رب الحق أن يأتي بشهيدين يشهدان على القاضي لتعذرت الحقوق لخوف الطرقات وغير ذلك . انتهى .
قال ابن عبد السلام : وما يفعله أهل الزمان من كتب القاضي خطه في الإعلانات والاكتفاء بالشهادة على خط دون إشهاد القاضي عليه خارج عن نصوص المتقدميين ، وإن كان قد وقع لسحنون وابن كنانة الاكتفاء بكتب أمنائه من أعراض البلد ، فجعل ذلك بعض المتأخرين أصلا في قبول إعلام القاضي إذا شهد على خطه .
وقال أيضا : وجرت عادة قضاة إفريقية في غير تونس أنهم يطلبون البينة على خط القاضي وإعلامه اكتفاء منهم بالقول الثاني ، وقبول الشهادة على خط الشاهد ، فأجروا حكم القاضي ذلك المجرى . وأما قاضي تونس وهو قاضي قضاة إفريقية فربما فعل هذا أو ربما اكتفى بمعرفة خط القاضي ، لأنه والله أعلم يرى كان ذلك القاضي الذي كتب أمينا من أمنائه لما كان لقاضي تونس النظر في تولية قضاة إفريقية وفي عزلهم ، وشبهوه بما كان سحنون يفعله في كتبه مع أمنائه من أعراض البلد وما قاربها، لكنه كان يطلب البينة على كتب قضاته ، وإن كان له فيهم من النظر ما لقاضي تونس اليوم من النظر في قضاة إفريقية . انتهى .
لما ينشأ عنها من المصلحة. قال عز الدين رضي الله عنه : وإنما يمنع صوت النشيد إذا قرن بأصوات الملاهي ونغمة الغنا لما في النفوس من حظ في طيب النغمات.
وأما قراءة الشفا وشئ من كتب الوعظ فمن أحسن الحسن، لما فيه من
[62/11] التعريف بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك والمواظبة عليه رسوخ الإيمان وزيادة الحب في رسول الله صلى الله عليه وسلم الباعث على التقوي والإحسان والاستقامة. وما فيه الرضوان والوعظ بمنثور الكلام أحلى منه بمنظومه وقد قال أيمة العلم في رتب من تحضرهم المعارف والأحوال والأسباب بحسب ما يستمعونه: أفضل المتسموعون بالقرآن، لأن سببهم في إحضار الأحوال أفضل الأسباب، ويليهم من لم يسمع الوعظ والتذكير، إذ ليس للنفوس فيه غرض حاصل من الأوزان المطربة، ويليهم من يستمع الشعر لما فيه من حظ النفوس بلذة سماع موزون الكلام، فإنه يلتذ به المؤمن والكافر، والبر والفاجر. ولذة النفوس بذلك ليست من الدين في شيء أما من يستمع المطربات المحرمات فغلط من المتشهبين المتجرئين على رب العالمين هذا وإن أثار في بعض السامعين حبا وخوفا ورجاء فهو يشين مع ذلك لذة بعث نفسانية لسبب محرم، فكان مازجا الخير بالشر، والنفع بالضرر مرتكبا لحسنة وسيئة، وولعل حسناته لا تفي بسيئاته وقد يقع من بعض رقص وتصفيق بخفة وطيش ويزعم مع ذلك أنه طاش لله، وذهب قلبه وإنما يصدر مثل هذا من الغبي الجاهل ولا يصدر من العاقل الفاضل.