الحمد لله حمدا يتجدد ويتوالى. السيادة السامية السرية, المعظمة المحترمة الأبية, حفظ الله على سماء المعالي نور كمالها, وبلغها من الغايات مقتضى آمالها, سيادة السيد الذي بسيادته اتضح فلك العلوم, وسطع بدره فغارت حياء له النجوم, شيخنا وبركتنا ووسيلتنا إلى الله تعالى سيدي محمد ابن مرزوق, أدام الله للإسلام حياته, وحفظ في الوجود أوقاته, يسلم عليكم بأتم السلام وأخطره, وأعمه وأنضره, تلميذكم أحمد الحسني لطف الله به. وبعد, فالذي أطلب منكم النظر في جوابنا على الفرق بين مسألة
[60/1] المتيمم يطلع عليه إنسان وهو في الصلاة معه ماء يتمادى ولا يقطع, والمعتدة بالشهور ترى الحيض بعد أن مر أكثرها ترجع إليه, والجامع بينهما أن كل واحد دخل فيما أمر به على وجهه صحيح, وهو أن المتيمم تلبس بعمل الله تعالى فلا يجوز له قطعه لقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم, والمعتدة إنما تعتد طلبا لبراءة رحمها دفعا لاختلاط الأنساب لا غير, والحيض في ذلك أقوى ولا نزاع فيه, فوجب الرجوع إليه لقوته, وحفظ النسب عند الشارع مراعى, ولهذا شرع الد في القذف وغيره, بخلاف التيمم فإنه ليس أضعف من استعمال الماء, بل هما على حد السواء ولهذا قال مالك في موطئه: وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا اتم صلاة لأن كل واحد عمل بما أمره الله به فوجب أن لا يقطع صلاته لأجل الماء, إذ لا أرجخية له عليه, والله الموفق والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته, وما لكم يظهر من تصويب هذا او تزييفه أو جواب آخر, بين لنا يرحمكم الله وأعاد عليكم السلام.
فأجاب رحمه الله بما نصه ومن خطه نقلت,
وان لميطهره, ابن حبيب . الا أن يستحلف فلابدمن اطهاره.
من حلف لا أقمت أو لاسكتت خرج في أول وقت الامكان والاحنث
وسئل ابن ابي يزيد عمن لا أقام في هذه البلد في هذه السنةفأقام
بعد يمينهمده يمكنه الرحيل قبل تمام السنه فلم يفعل.
فأجاب هو حانث بأقامته بعد يمينه, وكذا بقوله لا سكنت وانما يفترق
الأمر في قوله لا نتقلن ولارحلن, فهذا لا يحنث بالمقام, اذ لم يضرب أجلا
يتجاوزه أو ينوي أستعجال ذلك فيؤخر,فان كان يمينه بالطلاق منع من وطء
أمرأته حتي ينتقل . واختلف ما الذي يبرأ فيه من الاقامه, فقيل شهر وقيل
خمسة عشر يوما .
[76/2]
[77/2]
من حلف أن يغسل ثيابه بنفسه
شفقة علي أمهفأعانته , فلا حنث عليه
وسئل عمن له والده كبيره فأرادت غسل ثياب له وله نحو عشرين
ثوبا, فلما غسلت نحو الثلاثه أو الأربعه من الثياب أرادت استقاء من
زير بقربها في الدار فمشت اليه فوقعت في مشيها فأرجعته فرق لها ولدها
فرمي الثياب ليغسلها وقال عليه المشي الي مكه ان غسل هذه الثياب الا أنا,
فأبت فنحاها عاي الجفنه فدارت من خلفه فوضعت يدها فيها فعركت ثوبا
بيدها فقال لها لا تحنثيني فتركت فغسل بقيتها وأراد رفع المشقه عنها, فأستقت
الماء من الزير بعد يمين ولدها ولم يرد بيمينه استقاء ماء ولا غيرهوانما أراد
غسل الثياب فقط .
فأجاب ان كان الذي صنعت بيدها في الثوب بعد يمينه لم تصنع فيه
ما يجعل عن الحالف كلفه فيما وليته من غسل الثوب المعروك فلا حنث عليه
ان شاء الله, وأما استقاؤها من الزير فليس في طاهر يمينه ما يدل عليه فليس
عليه شيء في الطاهر الا أن تكون نيته لا يتولي الغسل والسقايه الا هوفيجري
علي قصده الحنث والله أعلم .
من حلف أن يصرف أقل من شريكهأجبر علي التمام وحنث
وسئل ابن عرفه عن رجلين بينهما زرع علي السويه, فأخرج
تسعة أجزاء واخرج الأخر بالغد ثمانيه, فقال له صاحبه زد رجلا فقال
النكاح ، وجب علي إنكاحها ، ويؤيد ما يخاف عليها من الفساد ، إذ هي موصوفة به ، وفعلته مع كونها في حرز وحفظ من دار أبيها ، فكيف بها وهي موقوفة على نكاحها بمحضر الطلبة ، وأشهدت على نفسي وبينت في حال الإشهاد أنه مبني على جميع هذه الأركان ، وكتبت ذلك في سجل كبير صرح فيه بأسماء الشهود الذين شهدوا بالموجبات وبنينا الحكم على هذه الأسباب ، ودخل الزوج بها ، ثم إن والدها تشكى على مولانا السلطان أيده الله تعالى بنصره ، فبعثت عقد الحكم إلى الفقيه اليزناسني أعزه الله ونفع به ، فكتب بيده تحت سجل الحكم أنه صحيح جار على الكتاب والسنة ، وربما أشار فيها أظن أنه لا يحتاج إلى رواية البغداديين ، وأن ثبوت الضرر والعضل كاف في الحكم ، وطالعه الفقيه أبو عبد الله السطي وغيره من الفقهاء ، ووقع فيه مجلس بحضرة المولى أن ذلك الرجل يعرف حاله وانفصلت المسألة . وكان أيضا وقف على ذلك الحكم بالأمر العلي فقهاء تازا الفقيه أبو عبد الله بن عطية مع عبد الله بن عمر المفتي أولا ، وعبد الواحد بن أبي زيد الوادي وغيرهم ، فلم يجدوا بابا للفسخ .
والذين يظاهرون من نسائهم} فعم النساء ولم يقل من أزواجهم، فعلى هذا المذهب يقع النظر في هذا القول الصادر عن هذا القائل، ولا ريب أنه في باب الظهار من الكناية لا من التصريح في باب العتق، وأن الكناية في البابين دون التصريح في لزوم الظهار والعتق، وعلى هذا يكون قول القائل: لم تكن لي نية حين قلت: أنت حرام علي مثل أمي، إن أراد بذلك لم تحضر له نية في قصد ظاهر، فإن الظهار يلزمه ما بقيت له في ملك، لأنه قال في المدونة: وإن قال: أنت علي حرام مثل أو حرام كأمي ولا نية له فهو مظاهر، وهذا اختلف فيه، وإن أراد بذلك أنه فرغ اللفظ عن معناه وأطلقه بعد صرفه عن مقتضاه، كان في لزظوم الظهار من الخلاف ما تقدم في المسألة الأولى، فمن قال هناك: لا يكفي اللفظ دون نية في صريح لفظ الطلاق والعتاق، قال كذلك ههنا، وهو هنا أولى لأن هذا كناية، وذلك صريح، ومن قال: يكفي اللفظ يمكن أن يقول هنا بعدم لزوم الظهار لكون اللفظ غير صريح فيه، وهو مع ذلك قد صرف عن مقتضاه حين النظر، هذا في الظهار، وأما في العتق فهو أبعد، لأنه لا يقتضي العتق إلا أن ينوي به ذلك، وهذا معلوم من كتب الأئمة، وقد تحصل في مسألتنا هذه أن قوله: أنت حرة لوجه الله من غير أن يقصد القربة بل النكاية، يجري مجرى الهازل في الطلاق والعتاق، وفيه في مذهب مالك قولان: لزوم الطلاق والعتاق، وعدم لزومهما، وفي مذهب الشافعي اللزوم ليس إلا، وأن قوله: أنت حرام علي مثل أمي هو من باب الظاهر، وهو في الموطوءة بالملك غير مشروع عند الشافعي فلا يحتاج إلى تكف، وهو في مذهب مالك إن لم يكن له في هذا القول نية ظهار لازم، وإن كان صرف اللفظ حين الإطلاق عن مقتضاه يتمشى فيه القولان فيمن طلق بمجرد اللفظ، وهو هاهنا أخف لأن هذا من كنايات الظهار، وهو في باب العتق أبعد فليتأمل، والله وفي التوفيق بمنه، وكتب أبو عمر بن منظور وفقه الله.
[من سألته زوجته أن يصيرها كأمه فقال لها: أنت مثل أمي]
في البيع عند مالك وجميع أصحابه، وقال في نوازل سحنون الثانية قوله واشترط ما فيها من بذر لا معنى له ( ) (¬1) أو لم يشترطه، ولو استثناه البائع لم يجز بمنزلة الثمر الذي لم يؤبر وهو لمشتري النخل وإن لم يشترطه، ولا يجوز للبائع أن يشترطه، قال الفقيه ابن العطار وإن كانت ثمره الحديقة في حين التبايع لم تغربل أو ظهرت فيها الغربلة ولم تنعقد فلا يحتاج المتباع إلى اشتراطها ولا بالعاقد حاجة إلى
[66/5]
عقد ذلك، إذ هي للمبتاع في هذه الحالة، ولا يجوز أن يتمسك البائع منها أو يستثنيها في هذه الحالة، لأن الحديث المأثور جعل الثمرة قبل الإبار للمبتاع ولم يقع في الحديث إلا أن يستثنيها البائع كما وقع في الثمرة المأبورة إنها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، ولما وجب بالحديث أن تكون الثمرة غير المأبورة يبتاع أصلها للمبتاع خرجت عن ملك البائع بوقوع البيع ولم يكن له أن يستثنيها، ولا جاز له أن يبيع الأصل على أن يبقى الثمرة، إذ جعل النبي صلى الله عليه وسلم الثمرة للمبتاع في هذه الحالة لأن البائع لو استثنى ذلك وهو بالحديث الثابت للمبتاع لكان البائع مبتاعا للثمرة من المبتاع وكان يدخله بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها وكان يفسد البيع الأول بذلك لاجتماع الصفقة في البيع في الاستثناء على الحلال أو الحرام، والسنة ماضية في فسخ الصفقة يجتمع فيها حلال وحرام، فإن وقع البيع على هذا وأدرك بحدثان انعقاده أو بعد أن أبرت الثمرة أو بدا صلاحها أو يبست أو جدت والأصول بحالها لم يحدث المبتاع فيها تفويتا فسخ البيع في جميع الصفقة وردت الأصول إلى بائعها، انظر تمامها.
فأجاب: لورثة الأب الرجوع بذلك الثمن، لأن الابن كأنه استحق ما اشتراه الأب من الورثة، فوجب للأب وللورثة الرجوع بما دفع من الثمن، لاستحقاق الصفقة من يده فيورث ذلك عنه ويدخل الابن فيه بحكم الميراث.
[معاملة مستغرقي الذمة والتعامل بالدراهم المغشوشة]
وسئل اللخمي عما يضربه السلطان بالقيروان والمهدية وغيرهما من السكك، يشتري بها الناس أو يأخذها الجند في أرزاقهم ولا غنى للناس عن التصرف بها. فما وجه الفقه فيها؟
فأجاب: اختلف أهل العلم في مبايعة مستغرقي الذمة، فمن مانع
[75/6]
ومجيز بمثل القيمة. والأمر في الدنانير والدراهم عندي أخف، لدعوى الضرورة إليها وعموم البلوى.
قيل: ونزلت مسألة وهي: أن الدراهم المحمول عليها النحاس كثرت جدا وشاعت في بلاد أفريقية جديدة وغيرها، واصطلح الناس عليها حتى منع الرد فيها، لكثرة الغش وتفاوته في أعيان الدراهم فكلم في ذلك الفقيه ابن عرفة أن يتسبب في قطعها. فكلم في ذلك السلطان، فكان في عام سبعين وسبعمائة. فهم بقطعها فبعث إليه الشيخ الفقيه أبو القاسم الغبريني(¬1) وكان المتعين للفتوى حينئذ، وذكر له مسألة العتبية وأن العامة إذا اصطلحت على سكة وإن كانت مغشوشة فلا تنقطع، لأن ذلك يؤدي إلى إتلاف رؤوس أموالهم، فتوقف الأمر نحو الشهر حتى جاءت دراهم كثيرة من ناحية بلاد هوارة نحاسا فأمر بقطعها حينئذ ونادى منادي من قبله بهذا، ورجع المفتي إلى فتوى الإمام ابن عرفة ورأوا أن مسألة العتبية إنما هي إذا تعينت دراهم وألفت. وهذه الدراهم هي كل يوم يزاد في غشها، صار جلها نحاسا، وكذا جرى في الذهب الحمى كانت أولا تخرج كالطيبة وألفها الناس، ثم كثر الضرب من الفسقة فيها وحمل عليها غش وصار يتفاوت غشه فأمر بقطعها لعدم ضبط غشها وخوف ذهاب رؤوس أموال الناس، فقطعت وصارت سلعة من السلع.
[من عنده سكة وشاع في الأوساط خبر منع رواجها]
وسئل الخطيب أبو القاسم بن جزي رحمه الله عمن حبس أملاكا على بنتيه, ثم على عقب كل واحدة منهما من بعدها ذكرانهم وإناثهم, وعلى أعقابهم وأعقاب اعقابهم ما امتد فرعهم وانتشر نسلهم الأول فالأول منهم, للذكر مثل حظ الأنثيين, فإن لنقرضت إحداهما قبل الأخرى من غير عقب رجع جميع التحبيس المذكور إلى الباقية أو إلى عقبها, واستمر التحبيس المذكور عليهما أو عليهم, ثم على أعقابهم الأول فالأول منهم ما تناسلوا للذكر مثل حظ الأنثيين, ومن انقرض منهم رجع سهمه إلى من بقي إنتهى. ثم إن من يجب لهم إستغلال الحبس استغلوه مدة من الزمان بمضمون رسم التحبيس إلى أن ضاع ذلك الرسم فقام من استرعى في الأملاك المحبسة المذكورة رسما يتضمن على شهوده أن أولئك القائمين وهم المسمون فيه, هم في ذلك الوقت أرباب الحبس لا يشركهم فيه أحد سواهم, فإن انقرض أب أو أم فقام ابن وابنه مقامه ينتجعونه ويستغلونه على حسب ما شهد لهم به في رسم الاسترعاء, واستند شهوده في علم ما ذكر أنهم شهدوا به لإقرار أرباب الحبس بذلك واتقاضيهم أكريتهم وانتجاعهم فوائد على التجربة المذكورة فيه, والسماع الفاشي المستفيض على السنة أهل العدل وغيرهم, فيبقى من شهد لهم شهود الاسترعاء بأنهم المستحقون للحبس, ينتجعونه ويستغلونه على نسبة ما شهد لهم به في الرسم المسترعى إلى أن ظهر الان رسم أصل التحبيس التالف, فظهر منه أن بعض من هو الآن بيده الحبس ليس له فيه حق ممن كان يستغله وينتجعه بحكم ذلك الاسترعاء قبل العثور على ذلك العقد, وذهب الآن من ذهب من رسم التحبيس لو أن له فيه حقا بما استغله, فهل يرجع إلى أصل التحبيس ويلغى حكم الاسترعاء المشار إليه ؟ وما الحكم فيما استغل من استحق ذلك الحبس من يده بطول المدة ؟
فأجاب: إن السؤال يحتوي عن مسألتين: إحداهما هل يعمل على ما يقتضيه رسم الاسترعاء الذي أثبت حين ضل عقد التحبيس ؟ أم يعمل على ما
[
وأما الذين فروا من أهل الذمة فأدركت الخيل من أدركت منهم وسيقوا إلى إشبيلية وسجنوا بها، فإنهم إن لم يكونوا حاربوا في وقت إدراكهم ولا دافعوا، ولا لحقوا بأرض العدو وبعد أن ينسبوا فيه إلى الركون معهم وفي جملتهم أو كان لهم عذر تظهر صحته فإنهم على أصل دينهم ويجلون كما يجلى سائر صنفهم، بل هؤلاء أولى بالجلاء لما ظهر من أمرهم. هذا هو المحصل من المذهب في أهل الذمة، أنهم لا يجعلون بالخروج ناكثين إلا لمحاربة تظهر منهم، أو بأن يصيروا في جهة حربيين قدموا إلى بلاد المسلمين وإن لم يحاربوا، أو بأن يلحقوا إلى بلاد الحرب أو بموضع منها يتأتى لهم أن يكونوا مستقرين ولا يظهر لهم مع شيء من ذلك عذر يكونون فيه معذورين وما خرج عن هذا فإنه لا يعد نكثا ويردون إلى ذمتهم. وهذا كله إذا رشح هؤلاء الذين خرجوا لخروجهم وجهه، وأما إذا اعترفوا أنهم خرجوا ناكثين فإنهم للمسلمين بلا خلاف في ذلك، إلا ما قاله أشهب، وهو قول
[63/8]
[64/8]انفرد به. فهذه حقيقة المذهب في هؤلاء. وكما يسر الله وأعان عليه من هذه الأجوبة عن تلك الأسئلة والحمد لله، لا إله إلا هو. وهي وإن طالت قليلا فلمسيس الحاجة إلى بيانها ولا سيما مسألة أحباس الكنائس لغموضها وإشكالها، وهي أقربها عندي إلى أن يكون الخلاف فيها يوجب أن يكشف سرها، وتوضح معانيها، فالمعاني الصحاح، لا تتبين إلا بالإيضاح. والله الموفق لا رب غيره.
[رايس سفينة اكترى على حمل شاة فولدت]
وسئل القاضي أبوالقاسم بن ورد - رحمه الله - عن رايس اكترى على حمل مائة شاة لميورقة فأبطأه الريح حتى وضعت هل هي كالمرأة تلد في الحج أو في غيره يلزمه حملها وولدها أم لا؟ نزلت.
قيل: اختلف في أرض المغرب، فقيل عنوية وقيل صلحية وقيل التفصيل بين السهل والجبل وقيل بالوقف، وأما أرض افريقية فقال ابن أبي زيد في أرض العنوة والصلح من النوادر عن سحنون قال كشفت عن أرض افريقية فلم أقف منها على حقيقة عنوة أو صلح، وسألت عن ذلك علي بن زياد فقال لم يصح عندي فيها شيء، وأما بلاد المصامدة وأرض مراكش فقال ابن عبدالحكم اتفق أشياخ بلادنا من أهل العلم أنها أسلم عليها أربابها وليس فيها صلح ولا عنوة وقال عن أبي الأصبغ القرشي أدركنا
[74/9] أهل الفقه والورع في بلاد الأندلس يشرون الأرض فيها ويبيعون ونحن متبعون لهم وأنتم متبعون أسلافكم في مغربكم.
قال أبوبكر بن عبدالرحمن إذا خفي خبر الأرض ولم يعلم هل هي صلح أو عنوة أو أسلم عليها أربابها وهي لمن وجدت بيده وإن كان لا يدرى بأي وجه صارت إليه وقيل إن البلاد الغربية لم تجر في الافتتاح على قانون واحد بل منها ما افتتح عنوة ومنها ما افتتح صلحا فالبلاد الأندلسية نص ابن حبيب على أن أكثرها افتتحت عنوة وأما بلاد أفريقية وهي معظم المغرب ففيها بلاد ليست بصلحية ولا عنوية على ما يظهر من كتاب الزكاة والتجارة إلى أرض الحرب من نوادر الشيخ أبي محمد، وبالجملة ففيها من الخلاف ما تقدم، وأما إقليم الحجاز فمكة عنوية وقيل صلحية والذي عليه الجمهور الأول وأما أرض العراق ومصر فأكثرها افتتح عنوة.
[75/9] ... ... نوازل الوديعة والعارية
[مسألة في الوديعة تضيع من حافظها]
وسئل ابن عرفة عن رجل دخل ميضأة فنزع فيها ثيابه وكيسه وفيه وديعة فتطهر وخرج فنسى الكيس فتلف.
فأجاب: بأنه يضمن وأخذ ذلك من مسألة الحمام الواقعة لسحنون وهي من أودع وديعة فصرها في كمه مع نفقته ثم دخل الحمام فضاعت ثيابه بما فيها فقال سحنون يضمنها.
[مسألة في شبه العارية]
61/10] وقال ابن شماخ في خطابه إلى صاحب الأحكام : ثبت عندي كتاب الفقيه ابن عتبة مستخلف قاضي الجماعة الجوق المدرج في طي كتابي إليك ، ولم يسم القاضي الذي استخلفه من هو ، ولا سمى ابن عتبة ولا كناه ، ولا أن ثبوته عنده كان على عين البغل ومستحقه ، وشاور صاحب الأحكام في ذلك .
فأجاب ابن عتاب وابن القطان وابن مالك بأن إعمال خطاب ابن شماخ هذا واجب ، وأن الحكم به جائز ، لفضل ابن شماخ وعلمه ، وأن ما جرى على يديه نظره فيه محمول على الكمال والعافية . ابن عتبة : ابن سهل وفي اتفاقهم على هذا الجواب عجب ، وفيه من الضعف ما فيه ، وكانوا يختلفون فيما هو أصح من هذا في النظر ، وما جوابهم هذا إلا مسامحة ، والله أعلم بها . ابن سهل : ورأيت قضاة شرق الأندلس يجيزون كتب بعضهم إلى بعض في الأحكام بالخاتم ومعرفة الخط ، وإن لم يكتب القاضي بخط يده إلا العنوان لا غير ، وإن كان حامله هو المكتوب له المحكوم في قضيته ، وينعتون حامله المكتوب له في الكتاب ويسلمونه إليه مختوما . وهذا عندي مما لا يجوز العمل به ولا إنفاذه ، سيما إذا كان حامله صاحب الحكومة . وقد ذكر ابن حبيب عن ابن القاسم وغيره إذا كان حامل الكتاب صاحب القضية لم يجز فيما هو أخف من هذا في تحمله من عند الأمير أو الفقيه وشبهه ، فكيف في نفس الحكومة ؟ ومن قاضي بلدة إلى بلدة أخرى ؟ هذا مما لا يجوز عند أحد ، والقضاء به مفسوخ والله أعلم . وأما إذا تحمل الكتاب شاهدان وشهدا به عند المكتوب إليه وأثنى عليهما بخير عنده وإن لم يكن تعديلا بينا وزكى أحدهما ولم يزك الآخر ، أو توسم فيهما صلاح ، أو كان الخط والختم مشهورين معروفين عند المكتوب إليه ، فإني أستحسن إجازة مثل هذا وإنفاذه لتعذر مرافقة العدول على الطالب ، ولما قد جرى به العمل في صدر السلف الصالح من إجازة الخواتم والله أعلم .
61/11] لرجل حسن الصوت اقرأ علينا يريدون حسن صوته فكره ذلك وقال: إن هذا يشبه الغناء فحمله عند الشيخ ابن رشد على من كان يطلب ذلك استلذاذا بحسن الصوت وهو ظاهر من قوله في الرواية: يرددون حسن صوته. أما إن كان القصد بهم استدعاء رقة قلوبهم بسماعهم قراءته الحسنة، فلا كراهة. وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغني بالقرآن. أي ما استمع لشئ ما استمع لنبي يحسن صوته بالقرآن، طلبا لرقة قلبه. وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى أبي موسى الأشعري قال ذكرنا ربنا وكان حسن الصوت فيقرأ عنده. فلم يكن عمر يقصد الالتذاذ بسماع صوته، وإنما استدعى رقة قلبه بسماع قراءة القرآن. وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى تغبيطا له بما وهبه الله من حسن الصوت: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود. وقريبا من هذا الخبر عند بعضهم ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من لم يتغن بالقرآن. فقيل معناه: من لم يحسن صوته استدعاء لرقة قلبه. ويشهد لهذا الحمل قوله صلى الله عليه وسلم: زينوا القرآن بأصواتكم. وقال أبو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا. وتقريره عليه السلام حكم شرعي وقد قيل إن المعنى في يتغنى يستغنى أي أن القرآن يحصل به غنى النفس بالزهد واليقين. وقال صلى الله عليه وسلم: القرآن غنى لا غنى دونه، ولا فقر بعده. وقيل من لم يتغن به لم يره أنه أفضل مالا من المغني لغناه. وأما سماعهم الشعر المتضمن لمدح النبي صلى الله عليه وسلم والحث على الخير والعمل به فسائغ أيضا بل قد وقع الترغيب فيه. وقد أنشد بحضرته صلى الله عليه وسلم وأتاب عليه واستدعي من حسان ينافح به عند المشركين. ودعا له بالتأييد في ذلك ويقع الترغيب في سماعه عند الفتور وسآمة القلوب. لأن الوسائل إلى المندوبات مندوبة.