لا يقال: إذا لم يترفع الحدث الأكبر في حقها كان قدومها على الجنابة كقدوم المتيمم على ماينقض الوضوء. وكقدوم من له الوطء على التيمم على وطء آخر, لأن الأمر ليس كذلك, لأن حدث الجنابة كما أشرنا إليه مغاير لحدث الحيض لاختلاف أحكامها كقراءة الحائض ونومها من غير وضوء على قول, ونحو ذلك. وكما قيل إن الحائض إذا أجنبت وأرادت القراءة أنها تتطهر بإحدى الطهرتين بنية رفع الجنابة لتقرأ, واختلاف اللوازم يدل على اختلاف الملزومات. فإذا صح ما في كلام اللخمي من ضعف التخريج سقط النظر في الزام ما ألزمتم لأن النظر فيه حينئذ يكون من المعنى الذي قال ابن الحاجب في القياس, فإن كان فرعا يخالفه المستدل كقول الحنفي في الصوم بنية النفل أتى بما أمر به فيصح كفريضة الحج ففاسد, لأنه يتضمن اعترافه بالخطأ في الأصل انتهى. ولئن نزلنا على هذا المقام وسلمنا صحة التخريج لكان لنا أن نقول: إن كان ابن شعبان ممن يرى أن المتيمم يرفع الحدث
[
قدر نقص مدنا عنه , فسمعت الشيخ " أبا بكر بن عبد الرحمان " يقول : كان عند
الشيخ (أبي محمد ) مد يذكر أنه مد السائي وانه معير علي مده صلي الله عليه
وسلم , وقال بعض أصحابنا عشرة امداد وهذا أكثر ما سمعنا في نقص المد
القروي . وحكي عن " أبي عمران " أنه راه وأنه يأمر باخراج ثمنين وهو أحفط .
المعتبر من التمر الشبع
سئل " التونسي " : اذا أخرج عشرة أمداد من التمر في بلد عيشهم
بذلك .
فأجاب انما يخرج وسط الشبع منه , لأن الوسط انما هو من القمح ,
وغيره لابد أن يزيد , ولا يخفي الوسط .
انما يخرج التمر لا الرطب في الكفارة وزكاه الفطر
وسئل عمن قوتهم التمر وربما كان قوتهم الرطب , فهل يجوز اخراجه
عن الفطرة والكفارة أم لا
فأجاب الذي عندي انما يجزئ من التمر الذي قد استحكم نشافه
وأمكن ادخاره , لا من الرطب وان اقتيت به في بعض الأوقات , لأن الغالب
اقتيات التمر ولأن الرطب ينقص اذا جف , فلو أخرج منه أربعه أمداد نقصت
اذا جفت عن أربعه أمداد التمر , فيكون مخالفا لحديث ( أبي سعيد ) ونهي النبي
عليه السلام " عن الرطب بالتمر متمائلا للمزابنه " . ولو أخرج أكثر من الصاع
من الرطب لخالف الحديث لأنه محدود , ولو أخرج عدل الشبع من الرطب في
الأيمان أرجو أن يجزئه لأنه ليس فيه توقيت , واذا كان يأكل أنواع التمر كبيسا ( كذا )
واشداخ وغير ذلك فلينر معطم أكله وأكثره وأقربه من وقت الاخراج , ولو أكل
[74/2]
[75/2]
أكثر العام نوعا فلما كان زمن الفطرة أو الكفارة أكل جنسا اخر وجب اخراجه
من الأكثر الا أن يطول زمان انتقال ما يخرج منه , وهذا مذهب من اعتبر
قوت المكفر, ومن أعتبر قوت الناس نطر الي الغالب من قوتهم ذلك الوقت
فيخرج منهز
من غذي عشرة فقراء وعشاهم بمقدار عشرة امداد أجزاءفي الكفارة
وسئل عمن وجبن عليه كفارة يمين فأراد أن يكفر عنه فغذي عشرة
فقراء وعشاهمعشرة أمداد قمحا بريعها دقيقا غير لو أحفها من الادام, هل
يجزيء ذلك أم لا.
ونص السؤال الملقى بخطه رحمه الله : وأسلم على الشيخ الأجل المقرئ الصالح الأكمل ، أبي الضياء مصباح ابن الشيخ الصالح أبي عبد الله اليالصوتي وصل الله كرامته ، وأدام سعادته وأعرفه -عرفه اله الخيرات ، وأولى لديه عميم الميراث- أني كنت مدة ثلاث سنين حكمت على رجل من أهل تازى بأن زوجت عليه ابنته لموجب أفسره لكم في هذا الكتاب ، وذلك أن ابنته البكر رفعت إلى أن أباها يضربها بسبب تهمتها بالزنى ، فجلدها من ظهر جمعة إلى أقرب العشاء مكشوفة العورة ، وجعل عليها قرمة ، وحلق شعرها وألبسها التليس وصار يبصق في وجهها أي وقت رآها وطرحها وصار يجوعها ويطعمها ما لا تعتاد ، وبعث إلى القوابل ينظرن عورتها فصار ينظر في فرجها معهم ، ويتواعدها ويهددها بالقتل ، واتصل ذلك من فعله إلى أن وجدت فلتة ففرت بنفسها ، وأنه عضلها عن أكثر من أربعة من الخطاب ، وأن ابن الترجمان خطبها ورضيت بإنكاحه وهو كفء لها ، وأن والدها امتنع من إعطائها له ، وسألت مني النظر في مسألتها بالوجه الشرعي ، فكلفتها إثبات دعواها فاسترعت بشهود من البلد أكثرهم بالمباشرة لبعض الضرر ، وبعضهم بالسماع الفاشي المنتشر في البلد ، وزادوا مع ذلك من وجوه الضرر أنه يتحدث مع كل من يرى ويلقى من الناس بحديث زناها ، وأنها ولدت من زنى ويجتمع[60/3]عليه حين حديثه الناس لخفة عقله ، وأن الناس رغبوا عن خطبتها وفروا بسبب ذلك ، وألبسها ثناء سوء عند رجال أهل البلد ونسائهم ، وشهد مع ذلك بعض العارفين بحاله وحالها أن نكاحها صلاح وسداد في حقها لإنقاذها من عذابه ، وكونها لا يؤمن عليها مزيد فساد ، وهي راغبة في النكاح وطالبة له ، وشهدوا بكفاءة الخاطب في الحال والمآل ، فأثبت ذلك كله عندي في عقد صرح فيه بأسماء الشهود ، فأعذرت في ذلك كله إلى الوالد وعرفته بما عولت عليه وقبلته من شهودها ، فأبحت له الدفع فيه وأجلبته في ذلك أجلا ثم أجلا وسجنته في خلال ذلك ، وأعلمته أنه لا
وفي هذه الحالة الثالثة قال القاضي أبو الوليد بن رشد في المقدمات: المشهور عدم لزوم الطلاق، وقال اللخمي: الصحيح من المذهب أن الطلاق بغير نية لا يلزم بمجرد اللفظ من غير نية، ولا شك أن العتق مثل الطلاق، وعلى هذا الاصل تخرج مسألة الهازل بالطلاق المازح به مع زوجه، وقد نقل صاحب البيان وغيره فيه قولين، أحدهما لزومه لما روي عنه عليه السلام أنه قال: « ثلاث هزلهن جد، الطلاق، والنكاح، والعتاق »، والقول الثاني عدم لزومه، وهو مروي عن مالك، لقوله عليه السلام: « إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى »، ولا شك أن العتق يجري فيه هذا الخلاف إذا أطلق السيد لفظا من ألفاظه على جهة الهزل، إذ بابه وباب الطلاق في هذا واحد، فاللزوم
[62/4]
[63/4]
يؤخذ من الحديث فتأمله، وقول القائل لجاريته: أنت حرة لوجه الله بقصد النكاية لا بقصد القربة هو من هذا القبيل لا من قوله فيما يزعم مبني على عدم الجد، فمن أخذ بالحديث الأول يقول: لا هزل في العتق، ومن أخذ بالثاني يقول: هذا العمل بغير نية فلا يعتد به، هذا حكم هذا القول عندي على مقتضى مذهب مالك رضي الله عنه، فالظاهر لزوم العتق قولا واحدا، لأن الهازل عنده في باب الطلاق غير معذور، وطلاقه لازم له، نقل الإمام أبو حامد الغزالي اتفاق أصحابه على ذلك، ثم قال: لأن الهازل أتى بالصيغة من غير صرف، وإنما عدم الرضى بموجبه، والرضى بالحكم غير مشروط في وجوب الطلاق.
قلت: لكن قوله: لأنه أتى بالصيغة من غير صرف يقتضي أن الهازل لو صرف اللفظ عن معناه وفرغه منه لكان في وقوع الطلاق به الخلاف المنقول في المذهب من لزوم الطلاق بمجرد اللفظ من غير نية فتأمل ذلك.
وحكي ابن عبدوس عن سحنون استحسان قول غير ابن القاسم في أن ذلك لا يجوز في فلس ولا في غيره لأنه من بيع الأصل واستثناء ثمرته، ثم رجع إلى قول ابن القاسم ورآه من جنس الضرورة لأن أصحابنا يجيزون عند الضرورة من البيع ما لا يجيزون عند غير الضرورة، والذي أقول به أن ذلك جائز في الفلس وغيره لأن بيع الحائط واستثناء ثمرته قبل أن تؤبر إنما لم يجز على قياس القول
[65/5]
فأجاب: بيع القصيل بالطعام جائز باتفاق، نقدا أو إلى أجل ويبادر لاتصال القصيل ولا يتركه حتى يتحبب وإن تركه حتى تحبب فسخ البيع على المنصوص لابن القاسم قاله ابن سراج.
[72/6]
[تجوز الإقالة بالتأخير]
وسئل رحمه الله عن رجل اشترى دارا من رجل آخر دفع له من الثمن أربعين دينارا وبقي منه أمر يسير، ثم مات المشتري وبقي ورثته، فقالوا للبائع: أقلنا في الدار المذكورة، ورد لنا الثمن في آخر السنة، فقال لهم: نعم على شرط أن تصبروا علي في الذي صار قبلي من الثمن للقابل. فتشاهدوا على ذلك، فلما جاء الأمد الذي خرجوا عليه طالبوه بالثمن، فقال لهم: قد بدا لي في ذلك إلا بقية الثمن أعطوني بقية الثمن، وهو إذ ذاك يعمر الدار وما زال منها.
فأجاب: إذا أثبت الإقالة فلا مقال له بعد ذلك وهي لازمة له قاله ابن سراج.
[بيع المرحاض مفسوخ]
وسئل اللخمي عن مرحاض بين شريكين وقعت المزايدة فيه إلى أن بلغ ثمنا على أحدهما، فبايعه الآخر وقبض ثمنه وهو يكره بيعه لحاجته لما خرج منه.
فأجاب: شراء من ذكرت للمرحاض إذا كان يريده للبيع لا يجوز وينقض البيع.
قيل: ويتخرج على بيع العذرة.
[يجوز بيع المنفعة لا أصل الدين]
وسئل بعض الفقهاء عن محجور له حظ في دين برهن دار فلم يحل أجلها فهل يجز للوصي شراؤها للمحجور قبل حلول الأجل ويترك منفعة المحجور بقية المدة؟
فأجاب: يشتريها على أن يقبض بعد حلول الأجل إن كانت مأمونة.
قيل له: هل يجوز شراء هذه المنفعة بالعين؟ وهل يجوز شراء الدار قبل حلول الأجل خاصة؟
[73/6]
فأجاب: بيع المنفعة جائز بخلاف أصول الدين جنسا ونوعا. والمقاصة لا تكون إلى بحلول الدينين.
[بيع زهو النخل المؤخر بزهو المبكر]
وسئل السيوري على زهو النخل يبكر بعضه ويتأخر بعضه هل يباع المؤخر بزهو الباكور؟ وكيف لو لم تره إلا ثمرة في نخلة هل هو زهو أو حتى تكون ثمرات جملة؟
فأجاب: لا يصرف من هذا المسجد إلى غير من ذلك الزيت شيء, ويشترى بفضلته حصر للمسجد ويرم به ما وهي في ذلك المسجد, فإن فضل منه فضلة بعد إشراء الحصر وإصلاح ما وهي من المسجد أصلح به ما سواه من المساجد.
[من أوصى ببناء مسجد في موضع فلم يمت حتى بناء غيره]
وسئل ابن زرب عن رجل أوصى ببنيان مسجد في موضع ثم إنه بني المسجد في ذلك الموضع فبقيت وصيته إلى أن مات.
فأجاب بقوله: ما حضرني حتى الساعة فيها جواب, واختلف فيها أصحابه.
[عدم قبول تحبيس اليهود على مساجد المسلمين]
وسئل أبو عمران القطان عن يهودي حبس دارا على مسجد بقرطبة.
فأجاب: لا يجوز, وخرج ذلك من المدونة في كتاب الجهاد, حين ذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنا لا نستعين بمشرك) ثم باعه, فقال: روي عيسى عن ابن القاسم فيما باعه الأسقف من أرض الكنيسة أن ذلك له جائز إذا كانوا يؤدون ما عليهم من الجزية, ولعل من أشار باجازة بيع حبس الكفار ورأى فسخ البيع في ذلك إنما ذهب إلى رواية أصبغ عن ابن القاسم فيما باعه الأسقف من أرض الكنائس وأحباسها أن ذلك لا يجوز شراؤه لمسلم, فإنما ذلك لأن البائع هو غير المحبس فصار من باب التظالم, وقال أصبغ في ذلك: إن حاكم المسلمين لا يحكم في منع بيع ذلك ولا رده إن بيع ولا إنفاذ حبسه ولا جوازه ولا يسعه ذلك, وحسبك بيانا أن العتق أعظم حرمة من هذا, وأن النصراني إذا أعتق عبده النصراني ولم يبن عنه ولا خرج عن ملكه حتى أسلم العبد وأراد
[66/7] بيعه كان ذلك لهولم يمنع منه, والذي في هذه المسألة ألا يجوز شيء من تحبيس اليهودي. والله عز وجل يقول: ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ .
[الأخ للأب أقرب من الأخ للأم. ومن لم يؤمن على سكنى الحبس يخرج منه]
الإنفاق على من افتقر من أهل الذمة من بيت المال]
قيل إن لهم ما لسائر أهل الذمة في هذا من أنهم إذا افتقر منهم مفتقر
[61/8]
[62/8]وعجز لزمانة وهرم عن الاكتساب أن ينفق عليه من بيت المال على طريق الإنعاش أو على طريق الاحتساب. وقوله في هذه الأحباس التي على هؤلاء المجليين قد ارتفع حقه في الكنائس لبعدهم عنها، وليست مما يتأتى قسمها، فاستوت هي وأحباسها في هذا المعنى، ووجب أن يكون الكل راجعا إلى بيت مال المسلمين، ينظر فيه أمير المسلمين بما أراه الله، إلا في حق بقي حيا وثبت في تحبيسه وملكه لما حبس حسبما تقدم بيانه، فله في ذلك ما تقدم ذكره. وهذه أيضا طريقة الفقه وحقيقة العلم في هذا الفصل، وهو أشكل هذه المسائل وأغمضها وأحوجها إلى تحرير النظر ليقع النظر في عدم المقصود منه، وقد انكشف بحمد الله غطاؤه، حتى بان بتوفيق الله وحسن عونه خفاؤه.
[حكم الذين أسلموا من أهل الذمة ومروا إلى أرض الكفر]
والمسألتان اللتان كتب بهما الأمير أبوبكر إلى أمير المسلمين أدام الله له التأييد والتمكين في القوم الذين أسلموا من أهل الذمة بإشبيلية، أعادها الله للإسلام، وفي الجماعة اليسيرة من النصارى الذين فروا إلى بلاد الحرب دمرهم الله فتبعتهم الخيل من هنالك حتى أدركوا بعضهم وسيقوا إلى إشبيلية وسجنوا بها.
فأجاب بأن قال: ليس له ذلك وإن أخذ قدر حقه فليقسمه مع الممنوعين على قدر شركتهم في النهر وينظر لهم فيه إن غابوا.
[مسألة في المياه]
وسئل عن نهر بين قوم يقتسمونه يوم الجمعة لقوم ويوم السبت للآخرين ويوم الأحد للآخرين فلكل قوم يوم من الجمعة معلوم فرفع بعض أهل النهر عن حظوظهم وأمكن يوم الذين لم يمنعوا من أخذ حقوقهم من يوم غير يومهم هل يجوز ذلك لهم؟
فأجاب بأن قال لا، إن لم يجد أخذ يومه بعينه لم يحل له أخذ سواه قيل جعل الأيام كأنها أعيان مغصوبة والصواب أن الماء مشاع لكنه يجرى على قسمه الغاصب كمسألة أخذ الزكاة ممن وجبت عليه وأخذها أهل جور وفيها خلاف وكذلك لو غصب عينها وقسمها مثل جيران أعطوا لبعض المالكين نصيبه وحبس نصيب بعضهم، والمشهور في هذا أن قسمته لغو، واختلف فيما يؤخذ به من القولين في الزكاة وفي المدونة مسألة الخوارج.
[مسألة أخرى في المياه]
وسئل عن قوم لهم نهر يتفجر عيونه في الشتاء وتقل في الصيف وربما غارت فيه وعادة أصحابه أن لكل أحد شربا معلوما ويجاورهم أرض لقوم أرادوا أن يدخلوا معهم في ذلك الماء ويأخذون منه حظا يسقون به أرضهم وأبي ذلك عليهم أصحاب النهر وقالوا ما نعطيكم إلا ما فضل عنا ومنعوهم ذلك رأسا.
[72/9] قال: ليس لهم أن يأخذوا منهم إلا ما طابت به أنفسهم غير أنه إن كانت فيه فضلة لا يشك فيها فلهم أخذها بالثمن وما استغنى عنه أربابه.
قيل له فإن اشترى رجل أرضا من بعض أهل ذلك النهر ولم يسم للأرض شربا من الماء فأراد أن يأخذ من حظ البائع ما يسقى به تلك الأرض.
قال إن كان كل واحد من أهل النهر يصرف حصته من الماء حيث شاء فليس لمشترى الأرض أن يسقى به بعد من يليه.
[مسألة ثالثة في المياه]
فأجاب : قد كان ينبغي لهذا الحاكم أن لا يستبد برأيه في أحكامه ويتبع سنن من مضى من حكام العدل ، فقد مضت السنة قديما من لدن الصحابة رضي الله عنهم أنه كانوا يشاورن في أحكامهم ، وكانوا من الدين والفضل بحيث لا يجاريهم غيرهم . هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه اختصم إليه في [59/10] هاشمية فشاور في أمرها علي بن أبي طالب ، فأفتى بما أوجب الحكم عليها لخصمها ، فلامته الهاشمية ، فبعث إليها يقول أن ابن عمك أشار علينا بهذا ، فأجابها بما نفى له عن نفسه الريبة والتهمة . وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن من أخسر الناس من باع آخرته بدنياه وإن أخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره » (¬1) . ولما قرئ هذا الحديث على سحنون بن سعيد .
قال سحنون : وما على القاضي المسكين من هذا إذا شاور من يوثق به ، إنما هذا على المفتي الذي يتقلد به ما يقضي به ، وينفذ ما يفتيه ، والله الموفق للصواب .
وسئل فقهاء قرطبة عن حاكم حكم ثم أمر الخليفة بامتحان نظره .
فأجاب بقي بن مخلد : يجب أن تبتدئ بالنظر في ذلك .
وأجاب ابن زرب : إذا كان الحاكم متهما في نظره غير مأمون استؤنفت الخصومة في نظره ، وإن كان مأمونا غير متهم لم يستأنف الخصومة فيما نظر فيه .
وسئل بعض فقهاء قرطبة عن صاحب السوق هل له أن يحكم في عيوب الدار وشبهها وأن يحاكم خطاب البلد في الأحكام ؟
فأجاب : ليس له ذلك إلا أن يجعل إليه في تقديمه .
وسئل ابن عتاب عن الحكم يرفع إلى خطة القضاء ، هل يستأنف ما كان بيديه من الأحكام لم يكملها بعد بالتسجيل فيها ؟ أم يصل نظره فيها بما تقدم منه في ذلك إلى تمام الحكم ؟
فأجاب : بل يبني على ما قد مضى بين يديه من الحكومة ، ولا يبتدئها من أولها . وبذلك أفتيت أبا علي حسن بن ذكوان حين ارتفع من أحكام الشرطة والسوق إلى أحكام القضاء .
[60/10] [إذا انتقل القاضي إلى غير بلده لا يكتب إلى خلفه بما كان ثبت عنده]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم. وقال صلى الله عليه وسلم: البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي. وقال صلى الله عليه وسلم: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا يارسول الله: كيف تعرض صلاتنا وقد مت؟ قال يقول بليت قال إن الله يحرم على الأرض أجساد الأنبياء. ومن الأدلة إجماعهم على استحباب الدعاء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك تختم الدعاء بها خرج الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى يصلى على نبيك صلى الله عليه وسلم. وخرج عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعوا في صلاته لم يحمد(¬1) الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجل: هذا ثم دعاه فقال له: إذا صلى أحدكم فليبتد بحمد الله والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعوا بما شاء. وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: يا أيها الناس
[60/11] اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه قال أبي قلت يا رسول إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع، قال: ما شئت، وان زدت فهو خير. قلت: أجعل لك صلاتي كلها قال: إذن يكفى همك، ويغفر لك ذنبك. رواه الترمذي وقال حديث حسن. وقال الحاكم صحيح الإسناد وسيأتي ما في الختم بالحمد لله رب العالمين من الفضل إن شاء الله.
[الاجتماع على الذكر هل له أصل في الشريعة]