وأما قوله صلى الله عليه وسلم: فليتوضأ فإن سلمنا أنه يدل بمنطوقه على ان الانصراف إنما يكون للوضوء (كذا) بمفهومه على أن لم يكن وضوء لم ينصرف.
فنقول: إنه لا عمل على المفهوم هنا لأنه خرج مخرج الغالب, وإلا
[54/1] فنحن من وراء المنع في الدلالتين لأنا لو وقفنا مع ظاهر ما ادعيتموه من هذه الدلالة لكان يلزم أنه إذا لم يكن ماء وإنما يصلى بالتيمم أن لا ينصرف إن فسا في الصلاة, وهو باطل. فإذا ثبت أنه ينصرف للتيمم كما ينصرف للوضوء يتبين ذلك أن ذلك الوضوء لم يكن محض(¬1) الانصراف لأجله.
لايقال: التيمم في معنى الوضوء, فمعنى الحديث فليتوضأ إن أمكنه أو يفعل ما يقوم مقام الوضوء لاسيما وقد يطلق الوضوء على التيمم.
وسئل " القابسي " عمن قسم عل اهله تمرا بالعدد فقالت له زوجته اخترت
لي الصغار فحلف بالطلاق لا اشتري تمرا الا شهر فاشتري ربع مد لوزا
فوجد فيه ثمره فاخذها واكلها.
فأجاب ان كان المراد ان التمره دخلت عليه في كيل اللوز فحقه ان
يردها ولا ياكلها فان ادرك اللوز باقيا وفي له ربع مد منه فان فات أو بقي
يسير منه مضي الثمن وأكل التمره عوضا عن قدرها من اللوز , غير ان البائع
[66/2]
[67/2]
لعله لا يرضي , فان رضي بذلك وقد بقي له من الربع مد شئ فلا يصلح أكلها
انما أكلها من أجل البيع فيحنث , وان أوفاه البائع حقه من اللوز وسامحه في
التمرة خفت ان تكون هبة لأجل البيع , هذا ما هر ولم أجد سببا لغيره .
من حلف لا سكنت عنده أمه لم يحنث بكثرة ترددها عليه
وسئل " اللخمي " عمن حلف بشئ للفقراء لا سكنت عنده أمه فكانت
تتكرر اليه .
فأجاب لا يلزمه بالتردد شئ , اذ لم يحلف عليه , ولو ثبت سكناها
لأمر لما حلف عليه ولم يجبر .
من حلف ألا يبيع سلعه لفلان فاشتراها له اخر
وسئل " ابن أبي زيد " عمن حلف ألا يبيع سلعه من فلان فاشتراها اخر
لنفسه ثم قال انما اشتريتها للمحلوف عليه وقد كذبتك .
فأجاب يحنث ويمضي البيع الا ان يشترط عليه انه ان اشتراها لفلان
فلا بيع بينه وبينه , فيفسخ البيع ولا حنث عليه .
وسئل عمن حلف بعتق عبده ان باعه فتصدق به علي ابنه الصغير فأراد
بيعه عليه .
فأجاب أراه يحنث . قيل هذا جار علي أصل المذهب ان فعله لولده
كفعله لنفسه في مسائل السلم وغيرها . وقد يتخرج يتخرج الخلاف فيه من مسأله
الاعتصار , وهي مسأله اذا اسلم عبد النصرانيه وزوجها مسلم فوهبت العبد
لولدها الصغير فلا يخرج ذلك عن ملكها لأن لها الاعتصار , واختلف اذا
تصدقت به عليهم علي قولين .
من حلف بالمشي الي مكه فعجز عنه أجزأته الكفارة
وسئل " المازري " عن الحالفين بالمشي الي مكه في هذا الوقت , هل يفتي
أحدها : أن ذلك يكره ابتداء ، فإذا وقع جاز النكاح ولزم التمليك ، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك ، وقول سحنون وعيسى .
والثاني : أنه لا كراهة في ذلك وهو قول صبغ .
والثالث : أن النكاح جائز والتمليك ساقط ، وهو قول عبد الملك على أصله أن كل نكاح ينعقد على تمليك يقع بفعل هو بيد غير الزوج إن شاء أن يفعله فعله ، مثل أن يتزوج الرجل أمته على أنه إن باعها فأمرها بيدها أو بيده أو ما أشبه ذلك ، أن النكاح جائز والشرط ساقط .
والرابع : قول محمد أن النكاح يفسخ قبل الدخول على أصله في النكاح الذي ينعقد على تمليك يقع بفعل هو بيد غير الزوج أنه نكاح فاسد ، مثل نكاح المتعة إن دخل بها سقط الشرط وهي كلها أقوال موجهة .
فأجاب: أكرمكم الله، هذه المسألة اتفق المذهبان على مع المرتابة من التزويج حتى تنقضي عدتها، وسواء كانت هذه العدة من طلاق أو وفاة، قال ابن الحاجب رحمه الله: المرتابة لجس بطن لا تنكح إلا بعض انقضاء أمد الوضع، وهو خمسة أعوام على المشهور، وروي سبعة، وقال أشهب: لا تحل أبدا حتى يتبين، والنساء كلهن فيه سواء، ولو أتت بعد العدة بولد لدون اقصى أمد الحمل لحق بالأول، إلا أن ينفيه بلعان، ولا يضرها إقرارها بانقضاء العدة، لأن الحامل تحيض، وفيها لو تزوجت قبل خمس سنين بأربعة أشهر، فأتت بولد لخمسة أشهر، لم يلحق بواحد منهما وحدت، واستضعفه بعضهم، قال ابن عبد السلام شارحه: اختلف في منتهى أمد الحمل، فروى عن الحكم تسعة أشهر، ولا أعلم من يوافقه عليه، كما لا أعلم له واجها، لأن العيان اقتضى خلافه مما لا يشك فيه، ولعله لم يصح عنه، وروى مطرف عن مالك: أربعة أعوان وهو في العتق الثاني من المدونة، وقال عبد الوهاب: هي الرواية المشهورة، وروي عن مالك أيضا خمسة أعوامه، وهو في كتاب العدة، قال المؤلف: وهو المشهور، وقال الأبهري: ورواية أشهب عنه سبع سنين، وقال أيضا: لا تحل أبدا حتى يتبين، ولا أعلم مستندا
[55/4]
[56/4]
في هذه المسألة يرجع إليه، إلا أنه لا يشك في ضعف قول ابن الحكم رحمه الله، ولم يحد مالك في موضع آخر حدا، بل قال: لما يشبه أن يلد النساء له.
وقال أيضا: إذا ظهر الغبن في القسمة بالأمر البين لأجل ما غاب على شهود السداد من الغبطة في بعض المواضع لكثرة شربه (كذا) فمن الواجب على القاضي أن يستدرك ذلك بما يجب، وإذا حصل في جهة المسجد في القسمة بالمعدلة كرم ونحوه فالواجب بيعه والتعويض بثمنه فيما يكون نظرا للمسجد، لأن الكروم إذا حبست ضاعت وذلك إتلاف على المسجد.
وقال أيضا: وقفت وصل الله حفظ سيادتكم وعلو مجادتكم على مكتوبكم في المسألة التي سطرتم، وأولى ما يعمل فيها أن ينظر فيما باعه المتولي من الأملاك، فما كان بيعه سدادا في تاريخ عقده مضى على حاله، وما كان فيه غبن فاحش وقت البيع فإما وفي المشتري بقية القيمة على السداد وقت العقد وإلا حل يده ويعطي الثمن الذي دفع من التركة، هذا أعدل ما يعتمد عليه في النازلة.
وقال أيضا: إذا انعقد في الوثيقة معرفة القدر فلا يلتفت إلى ما يقوم به أحد المتعاقدين من الجهل وإن ثبت أنه لا يعرف ما باع ولا قدره ولا مبلغه ولا يحوزه ولا دخله قط قاله ابن رشد في نوازله.
[59/5]
[وجه الشركة في علوفه الحرير]
وسئل الحفار عن الوجه الجائز في علوفة الحرير وشركتها؟
لأنا نقول: هذا الاعتلال يمكن دفعه والجواب عنه بأنه غير مقصود من المتبايعين، ولا يقدر على دفعه لعسر التحرز منه. ولو اطلع على البناء الباطن، بخلاف ما جرت به العادة مما يعلم أنه إنما يدخل المبتاع على السلامة منه لكان له بذلك مقال، على كل وجه وحال، ولا نزاع فيه ولا إشكال. وأيضا نقطع بأنه قد وقع كل جزء من المثمون حصة من الثمن مقصودة حينا لعقد. فلو أعملنا الطوع في جميع عذلك، وإن أبطل هذا العيب الفاحش جملة الغرض المقصود من الثمن، لكنا قد تحاملنا على المبتاع بأكثر مما التزم قطعا، واستبحنا ماله المعصوم، بمجرد احتمال مرجوح، وذلك لاختلاف الشرع وقواعده، وهو ما لا سبيل إليه بوجه إذ لا يستباح ملك أحد إلا بالنص منه، والرضا الذي لا مرية فيه ولا نزاع. ولا وجود لواحد منهما في نازلتكم فيبقى على ما كان، ولا ينتهض حجة على المشتري قول وثيقة الطوع: وإن أتى على تسعة أعشار القيمة على ما اعتيد
[65/6]
من عبارة الموثق في ذلك، إذ محمله عند الموثقين محمل المسطرة والتلفيق المعتاد منهم، الجاري على ألسنتهم، ولا سيمن الجهلة منهم لأن غالب المشترين لا نجدهم يصرحون بذلك في طوعهم. ومع ذلك قل أن ترى وثيقة من هذا النمط تعري عن التصريح به والنص عليه، كما في نفقة الربيب، والطوع بالثنيا والشروط النكاحية، وغير ما عقد. ولو فرضنا تصريح المبتاع به ونصيصه عليه فإن محمل ذلك أيضا محمل التأكيد والمبالغة في الالتزام لا غير. وما هذا سبيله، فالمعتبر معناه لا لفظه.
فأجاب: أما التحبيس في الأملاك فقد نفذ ولا سبيل إلى نقصه ولايلتفت إلى قول المدعي المذكور إنما رضيت بالتحبيس على وجه الحياء إلى آخره(¬1) وليس له رجوع فيما كان ملكا له ولا في بعضه بالبيع ولا بغيره ولو تقلد الآن أن ذلك كان شركا ما لزم ذلك في الحبس.
[من حبس فرسا للجهاد فليس عليه علفه]
وسئل عبد الحميد الصائغ عمن حبس فرسا للجهاد على من يكون علفه.
فأجاب: لا يلزم المحبس علفه إلا أن يشاء ويخير المحبس عليه, فأما علفه وأما رجع ملكا لمحبسه, إن عين المحبس عليه ولم يبتله حبسا, وإن بتله في السيل أخذ من الذي دفع إليه إن لم يلتزم علفه ودفع لغيره ممن يلتزم علفه ليجاهد عليه.
[من حبس على ولده الصغير قاعة مرحاض]
وسئل عمن حبس على ولد صغير قاعة مرحاض بيت تجمع فيه العذرة ثم توفي الأب ورشد الولد هل يصلح الحبس أم لا ؟
فأجاب: إذا تم الحبس والصدقة بالقبض من الأب والحيازة مضى ذلك للابن, وإن لم يحز الابن حتى مات الأب بطل الحبس وصارت ملكا وتجب فيه الشفعة, هذا الأظهر في مسألتك.
[عدم جواز جبر الناس على كراء الحبس]
وسئل الإمام ابن عرفة رحمه الله عن حوانيت ببلد محبسة على سورها والحوانيت المذكورة لها أمد خالية من السكنى والسور المذكور قليل الخراج
[59/7] محتاج إلى الإصلاح, فهل يسوغ جبر الناس على السكنى بحوانيت السور المذكور لما في ذلك من المصلحة للسور المذكور وتعود المنفعة في ذلك على أهل البلد المذكور مع أن ذلك مضرة على أهل الحوانيت المملوكة وعلى غيرهم من أرباب الحرف والتجار أي لما يؤدي إليه ذلك من السبب في قواهم والخوف عليهم ؟.
فأجاب: لا يجوز جبر الناس على السكنى في الحوانيت المذكورة بوجه والله تعالى أعلم.
[لا يجوز تملك صخور المسجد ولا الأحباس المخربة]
وها هنا مسألة تتعلق بالأملاك المحبسة على بيع النصارى وكتب بها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين إلى الفقيه القاضي ابن القاسم أحمد بن محمد بن ورد وغيره من فقهاء الأندلس. نص كتابه - رحمه الله - من أوله إلى آخر سلامه:
من أمير المؤمنين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين، إلى الفقيه القاضي أبي القاسم أحمد بن محمد بن ورد والفقهاء المشاورين بغرناطة حرسهم الله وأمدهم بتقواه.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
كتابنا أبقاكم الله وأمدكم بتقواه، ويسركم لما يرضاه، وأتم عليكم عوارفه ونعماه، من حضرة مراكش حرسها الله في وقت كذا وقد خاطبنا النصارى المعاهدون المنقولون من إشبيلية الحاصلون بمكناسة الزيتون حرسها الله راغبين في أن يصل معهم من يتقرر معهم صفة بيعهم لأملاكهم لدينا إذ تخيروا ذلك عندما خبرناهم فيه، وكيف يكون إقرارهم على مراتب شريعتهم التي يقيمون عليها، هذا نص قولهم في كتابهم، ونحن نستفتيكم في هذين الفصلين فراجعونا بما توجبه السنة فيها. وكذلك أوضحوا لنا وجه العمل في الأملاك المحبسة الموقوفة على بيع النصارى وكنائسهم بالأندلس موفقين إن شاء الله عز وجل، وتبلغوا سلاما كبيرا ورحمة الله وبركاته. وكذلك ورد علينا كتاب ابننا أبي بكر أعزه الله بتقواه مضمنا أن قوما من النصارى المعاهدين أسلموا في إشبيلية حرسها الله وأن جماعة يسيرة من النصارى المتقدم وذكرهم فروا إلى بلاد العدو دمرهم الله فتبعهم الخيل من هناك، فهلك بعضهم وسيق البعض إلى إشبيلية وسجنوا بها. فعرفونا بما توجبه السنة في النازلتين موفقين إن شاء الله تعالى. وكذلك
[56/8]
[57/8]ذكروا رهبانهم وأساقفتهم أنهم لا عيش لهم إلا من غلة الأحباس الموقوفة على الكنائس المذكورة، وذلك من الفصول التي يجب الفتيا فيها إن شاء الله عز وجل فيتعين الجواب على ذلك.
من فتح باب داره في زنقة غير نافذة]
وسئل عبدالحميد عمن فتح باب داره في زنقة غير نافذة غير مقابل لأحد من الجيران فأقام نحو الثماني سنوات لا يغير عليهم أحد منهم وهو نحو الخمسة عشر دارا ليس منهم أحد غائب عن الحيازة.
فأجاب: إحداث باب في موضع غير نافذ لا يجوز إلا برضي من له هناك باب، وسكوتهم هذه المدة غير منكرين يوجب سقوط قيامهم، ولو كان أقل من هذه المدة فالأمر كذلك.
[من فتح بابا يناظر باب جاره]
وسئل ابن أبي زيد عن اختياره فيمن يفتح بابا يناظر باب جاره وبينهما شارع.
فأجاب بأن قال: يمنعه وبه آخذ.
[من نقل ترابا إلى طريق فسده]
وسئل عمن نقل ترابه إلى طريق قوم فسده.
فأجاب بأن قال: يقال لرب التراب ارفعه فإن أبى فلا يجبر ويقال للآخرين ارفعوه عنكم.
يحيى بن عمر إذا طم أصحاب الحوانيت الطين فإن عليهم جبرا أن يرفعوه فكذا إذا حمل أحد ترابه إلى طريق أو سوق.
[64/9] [من زرع على بئر له فغاض ماؤها فهل يجبر على دفع فضل ماء بئره]
وسئل عن الذي يزرع على بيره فيجاح ماؤها هل يجبر جاره على دفع فضل ماء بيره كما لو تهور بيره.
فأجاب: فلا يجبر على دفعه ( ... ... )(¬1) بخلاف الآخر لأنه لما زرع معتقدا أنه ينفذ ولم يظن الآخر قط تهوير بيره.
وسئل عمن له أرض بين رباع قوم وقد منع طريقها.
فأجاب طريقه عليهم كلهم أيسلك فيها فإن ادعى بعضهم على بعض حلف بعضهم بعضا ثم أقاموا له طريقا.
ولابن رشد مثله في مجارى المياه أنها لمن حكمت العادة والسمت والانصباب عليه ولا بد منه هكذا وهو فما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب وهل بثمن أم لا؟ يجرى على الخلاف في فضل ماء بئر الجار إذا احتاج إليه جاره لتهوير بئر وزرع على أصل ماء وغير ذلك من النظائر.
[مسألة في الأزبال]
وأجاب الفقيه المشاور أبو القاسم أصبغ بن محمد إن لم تقم للطالب بينة على ما زعم من الإنفاق على أهل دار المطلوب حلف المطلوب في مقطع الحق على ما يجب الحلف به أنه ما دفع إليه المطلوب من المال الذي ذكره قليلا ولا كثيرا ولا شيئا من البغال ، ولقد أنفق على دوابه كذا وكذا للمقدار الذي يسميه ويتصرف به عليه ، وبيرأ من المال والبغال .
وأجاب القاضي أبو الوليد بن رشد : تصفحت سؤالك ووقفت عليه ، وإذا تقيد على المدعي عليه ما ذكرت من إقراره للمدعي بالإنفاق على دوابه ولم يكن لواحد منها بينة على دعواه قبل صاحبه ، فالواجب أن يحلف المدعي عليه بالله الذي لا إله إلا هو ما أنفق عني شيئا إلا على الدواب من الربح الذي عنده من المال الذي دفعت إليه ليتجر لي به ، ويزيد في يمينه أن مبلغ النفقة التي أنفقها على دوابه كذا وكذا إن اختلفا في مبلغها ، فإن حلف على ذلك حلف المدعي بالله الذي لا إله إلا هو ما دفع لي مالا للتجارة ولا وجب له [53/10] عندي ربح ولا شيء ، واستحق بيمينه قبله نفقة الدواب لا أكثر . وإن أبى المدعى عليه أن يحلف ونكل عن اليمين حلف المدعي بالله الذي لا إله إلا هو لقد أنفق عنه جميع ما ذكره من ماله بأمره ، وما دفع له مالا للتجارة ولا له فيه ربح ولا شيء . فإذا حلف على ذلك استحق قبله جميع ما حلف عليه ووجب أن يقضي له به وبالله التوفيق .
وأجاب القاضي أبو عبد الله ابن الحاج : إذا كان الأمر على ما وصفته ولم يكن لواحد من المتداعيين بينة على صاحبه فيلزم المقر بالإنفاق ما أنفقه الآخر على دوابه ، وتلزم اليمين في سائر ما وقفه عليه المنفق فأنكره ، واليمين أيضا لا حقة بالموقف فيما ادعاه الموقف من أن إنفاقه على الدواب إنما كان من الذهب الذي دفعه إليه ومن ربحه إلى آخر ما ذكره ، ولكل واحد منهما رد اليمين على صاحبه .
ثم قال سفيان: قدمت لأصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبشرك برؤيا رأيتها ثم قال مالك: نامت عيناك خيرا إن شاء الله. قال سفيان: رأيت كأن قبر النبي صلى الله عليه وسلم انشق فأقبل الناس يسرعون من كل جانب، والنبي صلى الله عليه وسلم يرد بأحسن رد، قال سفيان: فأتي بك والله أعرفك في منامي كما أعرفك في يقظتي فسلمت عليه، فرد عليك السلام، ثم رمى في حجرك بخاتم نزعه من إصبعه، فاتق الله فيما أعطاك عليه السلام
[54/11] فبكي مالك بكاء شديدا، قال سفيان: السلام عليكم، قال: خارج الساعة، قال: نعم قال: فودعه وخرج. انتهى. استوعبنا الخبر لما تري فيه من الفوائد. وفيه عمل مالك بالمصافحة، وفيه ما في المعانقة، وما وقع من المحاجة بين مالك وسفيان في ذلك. وفيه قبلة القادم من سفره بين عينه. وقد خرج الترمذي قريبا منه من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فقرع الباب وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله. وهذا وإن كان ظاهره القبلة في الفم كما هو ظاهر الأثر المروي عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا قدم من سفره سالما. وقال شيخ يقبل شيخا. فقد تأوله بعضهم على غير الفم كالرأس أو الخدين أو بين العينين ومنهم أيضا من أبقاه على ظاهره وقال: تقبيل الرجل ابنه الكبير، ومن أشبهه من ذوات المحارم من النسب على وجه المحبة والرحمة كتقبيل الطفل الصغير. وذلك بخلاف تقبيل الرجل يد سيده أو مولاه فإن ترك ذلك أحسن، إذ لو كان ذلك تحية، لكان النبي صلى الله عليه وسلم أحق به إذ هو سيد الخلق أجمعين، ورسول رب العالمين، فلما لم يثبت ذلك من فعل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم قال الإمام: ترك ذلك أحب إلى.