فأجاب حاصل السؤال استشكال إنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكارها على السائلة احتلام المرأة واستدلاله صلى الله عليه وسلم بما يكون من الشبه في الولد للأم تارة وللأب أخرى, وذلك من حيث أن الشبه موجبه سبقية ماء أحدهما أو غلبته على ما هو معلوم من طريق الحديث, وهو لا يستلزم علم المرأة به حتى يقع الإنكار على أم سلمة, وإنما يلزم الدليل لو كان وجود الشبه مستلزما لظهور ماء المرأة من حيث يرى بالبصر. أما خيث كان لا يستلزم أكثر من وقوع إمنائها في نفس الأمر لا بروزه فالاستدلال مشكل. هذا تلخيص السؤال, ولا شك في حسنه وتمكينه, ولا جواب عنه فيما يظهر إلا باعتقاد كونه صلى الله عليه وسلم فهم عن أم مسلمة إنكارها وجود المني من المرأة رأسا, وأنه حمل الرؤية في قوله: أو ترى ذلك المرأة, على الرؤية العلمية لا على الرؤية البصرية, لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم بفحوى خطابها, فما أجابها إلا بمطابق, إذ يستحيل في حقه صلى الله عليه وسلم وهو المؤتى جوامع الكلم أن يفهم كلامها على معنى ثم يجيبها بما لا يطابق.
فإن قيل: يلزم على مقتضى ما ذكرتم أن يكون قول السائلة في بعض طرق الحديث: هل على المرأة من غسل إذ هي رأت الماء؟ محمولا على الرؤية العلمية لا البصرية, ضرورة وجوب مطابقة السؤال للجواب بغير ما قررتم, وحينئذ يكون الحديث مقتضيا لوجوب الغسل على المراة لمجرد رؤية الاحتلام وإن لم يبرز لها ماء, وفي ذلك مالا يخفى, إذ المنصوص في حق الذكر أن
[
مسأله مشرك ثلاث كفارات فى اطعام وكسوه كما سبق ولم يوجب بطلان ما لم
يبطل هناك الا دخول العتق المبعض اذ لا سبب سواه ثم يعود النظر الى كلام
" ابن بشير " .
فقوله : وقد اعتقد ان ثلث واحده من الكفارات يجزئه عن واحده ,
يعنى ان المكفر اعتقد اعتقادا فاسدا بأن ثلث الرقبه وثلث الاطعام أو ثلث
الكسوه يجزئه عن كفاره واحده من الكفارات المشروعه بعد ذلك العتق الفاسد
من كل كفاره من كفاراته بثلثيها . الا ترى أن هذا الكلام بعقب قوله لأن
العتق باطل للتبعيض , ثم قال فتبطل سبعه من كل واحده من الكسوه
والاطعام لأنها ثلثا العشره بالكسور .
يقول : لما اعتقد هذا المكفر الاجتزاء من الكفارات الشرعيه بثلثه طرح
والعتق الفاسد الى الترتيب المشروع , ولما كان قوله اخر هذا الكلام ويبقى
ثلث عن كل واحده يقتضى عموم الكفارات الثلاث قالب بعقبه ويبطل العتق
جمله لأنه لا يتبعض , وذلك أن كلامه فى بطلان الثلثين وبقاء الثلث مظنه لأن
يقال فما بال الكفاره الأخرى لم تصح له أيضا ؟ فذكر أنها فيه بوجه بطلان
السبعه من العشره عند " ابن المواز " على ما قدم بأن العتق قد شاب كل واحده
من تلك الكفارات بنسبه فيبطل ما يقابله على تلك التجزئه , ولا يستقيم أن
يزيد فيبطل المقابل الا ما قدم من بطلان السبعه من كل عشره لأنها المقصود ,
[55/2]
[56/2]
وهو موضوع مخالفه " اللخمى " , وانما هذه عباره جامعه لما فصله قبل , " فاللخمى " لم
يبطل المقابل فحصلت للمكفر تسعه , " وابن المواز " أبطل المقابل فحصلت له
سته على ما سبق . انتهى
المحالف باللسان العجمى تجب عليه الكفاره اذا حنث
وسئل سيدى " ابو عبد الله محمد ابن مرزوق " عما وقع فى نسخه من
النكت " لعبد الحق " فى كتاب ( الجنائز ) عن " أبى عمر " ان الحالف بالعجميه اذا حنث
لم تجب عليه الكفارهبل تستحب , وهذا غريب محلا وحكما , أوهذا خطأ
لسقوطه من كثير من النسخ , وفى مختصر ( الوقار )ما نصه : ومن حلف بالله
الولي في تزويج الحاضن ، والثانية في بيع الحاضن ، والثالثة في بيعه من نفسه . القاعدة الثالثة : لا يجوز أن يبيع من نفسه فإذا باع من نفسه نظر ، فإن كان فيه محاباة فسخ البيع ما لم يفت ، وفوته بحوالة الأسواق ، قاله أبو إسحاق في الوصي ، وهو سواء لا فرق بينهما في هذا الوجه . فإذا فات لزمته القيمة ، وإن لم تكن فيها محاباة مضى ذلك ولا يرد ، وإن كانت فيه محاباة غرمها الحاضن لفوتها بطول الزمان الذي ذكرتم ، وتكون العجلتان للمحضونة ، ثم ينظر في معاوضته لها للعجلتين المذكورتين بالثور الكبير المذكور الذي ذبحه ، فإن لم تكن فيه محاباة مضى ذلك ، وإن كانت فيه محاباة غرم الكافل المحاباة ، والعجلتان له ملك ، فكل ما فعل فيها بعد ذلك فهو ماض لا كلام فيه للمحضونة ولا لورثتها من بعدها ، فلا فائدة للتكلم على بعض باقي الفصول والله الموفق .
فأجاب: وقفت على السؤال عرضه والأب أحق بإرضاعه بنته من غيره، لا يدخل معه أحد في النظر لبنيه، فإن كانت البنت قد استكملت أكثر من الحولين فله أخذها وقطع الرضاعة له، وإن كانت لم تستكمل أمد الرضاع ويجد الاب من يأخذ على إرضاعها أقل من المرأة التي ترضعها الآن فله أخذها، أما إذا لم يجد الأب من ينقصه من أجر إرضاعها والمرضعة لتي هي عندها تشفق عليها وترفق بها فلا ينزعها الأب منها للضرر الذي يلحق البنت في ذلك، وإنما ينبغي أن ينظر لها بأحسن نظر، وأما الحوائج التي صحت للبنت فالاب يمسكها عنده؛ لأنه الناظر لها فحينئذ فلا تؤخذ من يده، إلا أن يكون سفيها يخاف أن يغتالها، فحينئذ تؤخذ الحوائج منه وتجعل بيد أمين، والسلام على من يقف على هذا من محمد الحفار وفقه الله.
[تسقط حضانة من تسكن مكانا بعيدا عن مسكن الأب أو مكانا مخوفا طريقه]
وسئل عن رجل توفيت زوجه وتركت له أولاد ذكورا ولهم جدة للأم من سكان حصن بينه وبين موضعه ثمانية عشرة ميلا، فأرادات الجدة أن تأخذ الأولاد وتحملهم للحصن تحضنهم، فقال لها الوالد: طريق الحصن مخوف، وأنا أريد أن أقرئ أولادي وأعلمهم صناعة، والحصن ليس فيه شيء من ذلك، فلا أمكنك من حملهم، فتفضلوا بالجواب.
فأجاب: وقفت على السؤال المكتتب فوقه، وقد قال مالك رضي الله عنه
[46/4]
[47/4]
الأصول باتفاق، وفي الأصول خلاف معروف، واختلف هل هذا المنع على عمومه أو بقيد الاستحقاق؟ فالقاضي عياض وغيره قيده بالاستحقاق، وأما سواه فيحكم عليه ويباع ربعه لحكم نزل به، قال بعضهم: والفرق بين الاستحقاق وغيره أن الاستحقاق تزول به رباعه عن ملكه بغير عوض بخلاف البيع، وفي الجلاب ما نصه: ويحكم على الغائب في الحقوق كلها والوكالات والمقاسمات وسائر المعاملات والمداينات، وقد كره الحكم عليه في العقار والربع إلا أن تطول غيبته ويضر ذلك بخصمه فيحكم عليه إذا طالت غيبته، وقال أشهب يحكم عليه في الربع وغيره، وقد تنازع ابن عتاب وابن القطان في الحكم على الغائب المتوسط في المسافة والمرجو رجوعه، فقال ابن عتاب يحكم عليه، وقال ابن القطان لا يحكم عليه، واتفقا على الحكم عليه إذا كانت غيبته غيبة انقطاع، وفي الموازنة والمختلطة أن القضاء على الغائب جار عند مالك، قال ابن عتاب والحكم على الغائب في الكتب المشهورة والروايات المنصوصات قال: وليس لأخذ خلافها ولا العدول عنها إلى ما ليس من بابها ولا من معناها، قال ابن عتاب: ومن فعل ذلك فقد أخطأ وقصد التشغيب والتلبيس، ولم يختلف مالك وأصحابه في ذلك، قال ابن عتاب: وما قاله ابن القاسم عن مالك أنه لا يقضي عليه إنما ذلك في استحقاق الأصول، قال أبو الأصبغ رحمه الله: وفيما ذكره ابن عتاب كفاية، ولا خلاف في ذلك موجود، وأما القسم الرابع وهو من بعدت غيبته جدا أو فقد فهذا يحكم عليه في كل شيء عقارا كان أو غيره، وهو قول مالك وابن القاسم وابن الماجشون وأصبغ وأشهب وسحنون وفقهاء المدينة وشيوخ المذهب كافة، قال ابن القاسم في كتاب القسمة من المدونة: سمعت من يذكر عن مالك أنه لا يقضي على الغائب في الدور، قال وهو رأي إلا في البعيد الغيبة مثل الأندلس وطنجة، قال اللخمي: يريد من المدينة، وفي المتيطية عن ابن القاسم عن مالك في الواضحة وغيرها أنه لا يحكم على الغائب في الربع، قال أصبغ
وسئل ا بن رشد رحمه الله عمن قام على بائع بعيب فأنكر البائع السلعة والبيع.
فأجاب: من حق القائم بالعيب تحليف المقوم عليه على إنكار البيع قبل ثبوت العيب، فإن حلف، أثبت البيع والعيب، وإن نكل حلف المشتري وأثبت العيب لا غير.
[هل يرد العبد بوجود الكي فيه؟]
وسئل بعض الصقليين عن العبد يشتري فيوجد به كي نار. وقال أهل المعرفة كوي لعلة.
فأجاب: إن كان بربريا لم ينظر إلى قولهم في ذلك، لأنه قد علم من البربر أنهم يكوون لغير علة. وأما الرومي فلا يكوى إلى لعلة. فيرد خوفا من عود تلك العلة.
[من اشترى عبدا فزعم أنه خنثي]
وسئل بعضهم عمن اشترى عبدا فزعم أنه خنثي من أين ينظر إليه؟
فأجاب: يغطي ذكره وينظر إلى فرجة النساء، ثم يغطي فرجه، وينظر إلى ذكره الرجال.
[المحاشي(¬1) تحشي بالقطن البالي ]
وسئل ابن زرب عن المحاشي إن حشيت بقطن بال.
فأجاب: لا ترد لأن المتعارف عملها في الأسواق بالقطن البالي.
[ظهور العيب بالسلعة المبيعة إلى أجل]
وسئل عبد الرحيم بن العجوز(¬2) عن رجل باع سلعة بثمن إلى رجل، ثم ظهر عيب فيها، وحدث عنده عيب فأراد الرد قبل الأجل.
فأجاب: بأنه يرد قيمة العيب الذي حدث عنده نقدا. وقال بعض
[53/6]
فقهاء سجلماسة(¬3): بل يبقى عليه ما وجب من قيمة العيب إلى الأجل كأنه استمسك بشيء من السلعة. قال عبد الرحيم: ثم وجدتها مسطورة في بعض الكتب كما قال السجلماسي.
[من العيوب الظاهرة في الكرم طول عهدها]
وسئل ابن رشد عمن اشتري كرما فظهر له أنه شارف بعد ابتياعه.
فأجاب: لا يرد به، لأنه من العيوب الظاهرة.
[الصلاة في ثوب النصراني]
وسئل ابن مزين عمن اشترى ثوب نصراني فقيل له: لا تصلي به حتى تغسله. فقال ما علمت أنه كذلك.
فأجاب: إن لم يعلم أنه نصراني أو لبسه نصراني رد. وإن علم بذلك فليس جهله يوجب رده، كما لو اشترى عبدا معيبا فيقول له أدر أنه عيب فإنه يلزمه.
[من بذمته ديناران عن ثوب وطعام]
ثم كتب الفقيه المذكور الذي وقع بيده الجواب ما نصه: الحمد لله أكرمكم الله تعالى. ما ذكره من الجواب بمحوله فاسد, إذ لا يحتاج فيما حبسه الأب على صغار ولده إلى معاينة الشهود الحوز, والاشهاد بالحبس أو الصدقة يكفي, بل سقط من عقد الحبس وحاز ذلك الأب لصغار بنيه, حتى يبلغوا القبض فيحوزون لأنفسهم لم يضر(¬1) ذلك العقد ولكان الحبس صحيحا على ما قاله الشيخ أبو الحسن إلا في دار سكناه إذا حبسها على صغار ولده فلا بد من معاينة الشهود الحوز, وهذا لا يخفى على من قرأ
[49/7] أدنى قراءة, نعم هنا أن الحبس بشاهد واحد, قال ابن رشد ذلك اختلاف بين أهل العلم, هل يثبت الحبس بالشاهد واليمين لأنه من الأموال, واليمين هنا لأزمة للصبي وقد اختلف في الصبي إذا قام له شاهد بحق هل يحلف معه أم لا ؟ فروي عن مالك والليث أنه يحلف, وهذا ضعيف, إذا لا يتحرز عن اليمين في الباطل لأن القلم مرفوع عنه, والمشهور أن اليمين تبقى عليه موقوفة حتى يبلغ ويحلف منكر الحبس, فإن نكل قضي بالحبس للصبي, ثم لا يحلف إذا بلغ, وإن حلف بقي الأمر باليمين موقوفا إلى بلوغه, فإن حلف أخذ وإن نكل بطل حقه, ولا تعاد اليمين على خصمه, لأنه حلف أولا وبالله التوفيق.
[لمحبس بعض الأرض المحبسة أن يقسمها بالقرعة]
فأجاب بما نصه: الحمد لله. الجواب أن الصدقة المطلقة إذا كانت على معين مثل أن يقول مثل هذه الدار صدقة على فلان فلا اختلاف أنها له ملكا يبيع ويهب وتورث عنه إن مات، وأما إن قيدها بالصفة كقوله صدقة حبس على فلان، ففي الكتاب لمالك أنه حبس مؤبد، وعنه أنها ترجع ملكا كالعمرى. وقال مطرف لو قال مع هذا على فلان بعينه فهي عمرى، وإلا فهي حبس. واختلف في هذه الصدقة أيضا بين مالك أنها تبتيل ولا يضر الشرط، وقال أشهب وسحنون هي حبس محرم. وقال مالك أيضا وابن القاسم هي صدقة باطل إما بتلها أو رجعها إليه، إلا في صغير أو سيفه فيشترط له ذلك لرشده، وهو مذهبه أيضا في العتبية على هذا الشرط، وهي كالصدقة في هذا الاختلاف. وهذا لعياض من قوله وأما إن قيدها بالصفة وذكرها ابن رشد وحصل فيها خمسة أقوال:
أحدها: أن الصدقة لا تجوز إلا أن يشاء المتصدق أن يبطل الشرط ويمضي الصدقة فإن مات المتصدق فالمتصدق عليه(¬1) بطلت، وهذا قول مالك في العتبية.
والقول الثاني: أن الواهب مخير بين رد هبته أو يترك الشرك وورثته بعده ما لم ينقض أمده بموت الموهوب له فيكون ميراثا عنه وهذا مخرج.
والقول الثالث: أن الشرط باطل وهذا مخرج أيضا.
والقول الرابع: أن الشرط عامل والصدقة ماضية لازمة، فتكون الصدقة بين المتصدق عليه كالحبس لا يبع ولا يهب حتى يموت، فإذا مات ورث عنه
[47/8]
[48/8]على سبيل الميراث، وهو قول عيسى في العتبية وقول مطرف في الواضحة وهذا أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، لأن الرجل له أن يفعل في ماله ما شاء إن شاء بتله للمتصدق عليه من الآن وإن شاء أعطاه المنافع خاصة طول حياته وجعل المرجع بعد موته له يقضى منه دينه ويرثه عنه ورثته لما له في ذلك من الغرض أن يستديم الانتفاع بما وهبه ويرى أثر صدقته عليه.
وسئل أصبغ بن الفرج عن الرجل تكون له العرصة فيبيع صاحبها أسفلها وكان مصب الماء إلى ذلك الأسفل فلم يذكرا مجرى الماء عند بيعها فبنى المشتري وجعل في جوارها كوة يجرى عليها الماء أشهرا ثم سد الكوة وقال إن المجرى ليس على وكيف إن ترك الماء يجرى سنة وسنتين ثم سد الكوة ولم يشترط البائع عليه مجرى ماء.
فأجاب إذا علم بذلك أن يسلم شيء رأيت أن يصرف عنه ولا يلزمه إلا أن يكون من الأمور الظاهرة التي تعرف ويعرفها المشتري أن لا معدل لها وأن الماء منصب إليها لابد له منه ولا مصرف له على الوجوه كلها بأسبابها فأراه إذا كان كذلك كالمشتري عليها وكالمشروط وإلا فلا وأما إن كانوا على غير ذلك فأقروه سنة أو سنتين كما ذكرت فلا أرى ذلك يلزمه ولا يوجب عليه بعد أن يحلف بالله ما كان رضي للأبد ولا تسليما ولا على حق للبائع قد عرفه أو رضي به أو اشترطه بينه وبينه ثم يصرف عنه إذا حلف إلا أن
[53/9] يطول زمان ذلك جدا لمثل وقت الحيازات للأشياء وهو مسلم راض غير نافذ ولا طالب ولا دافع ولا منكر ولا ساكت على التسليم وأنه حق لصاحبه فما يرى منه يختار ذلك عليه فذلك وجوبه ولا أرى له بعد ذلك دعوى.
فأجاب ورد سؤالك وفقني الله وإياك مقتضيا جوابا ، وهو إذا وجد لمالك رضي الله عنه قولان أو ثلاثة ولا يعلم المتقدم منها من المتأخر ، فالمقلد على ماذا يعتمد من ذلك ؟ ومن حصل طرفا من النظر في طرق أدلة الاجتهاد هل له أن يرجح أحد الأقوال أو لا ؟ قال السائل أيضا : ومذهبي أن لا يلتفت إلى قول من قال بالتخيير بين الأقوال وهي عندي مسألة صعبة ، قال ولا أسلم قول من قال إذا اختلف أصحاب مالك فالقول قول ابن القاسم في حق الذي يقلد أو يجتهد فيها على أصول المذهب ، أو على ما يقتضيه النظر إذا كان الترجيح بنوع من النظر ، مثل أن يقول : أصل مالك كذا ، والذي يعتمد عليه مالك رحمه الله في كثير من مسائله كذا ، والواحد منها يوافق أصل المذهب وهو المعروف من فتواه وهو الذي يعول عليه . أو يقول واحد من هذه الأقوال هو الذي جرى عليه العمل واستمر به الحكم . وهذا فيه ما فيه من ترك ذكر من جرى العمل باختياره ، فهل يعد هذا من الترجيح الذي يعول عليه في هذه المسألة أو لا ؟ هذا كله وقع في الجواب حكاية لقول السائل ، ثم أجاب الشيخ عن ذلك وتكلم على المجتهد وصفته وطريقته في الفتوى ، ثم قال : ونقرر هنا أصلا نبني عليه الكلام ، وهو أن المكلفين قسمان ، مجتهد وغير مجتهد ، فتكلم على شروط المجتهد وهو الذي ورد السؤال عنه ، فلما تعلقت [45/10] الأحكام الشرعية بأحكامه وليس أهلا لابتداعها واستنباطها من مآخذها أوجب الشرع عليه الرجوع إلى قول المجتهدين العدول فنزل الشرع ظن المجتهد في حقه كظنه لو كان مجتهدا لضرورة العمل . وهذا أمر مجمع عليه .
فأجاب: الحمد لله وحده دائما الجواب والله سبحانه الموفق للصواب بمنه: إن أحوال الجماعة المذكورة أدام الله استقامتهم وأحسن على طاعته معونتهم بمنه أحوال حسنة مرضية شرعا ف﴿ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾
[47/11] واجتماعهم لما ذكر اجتماع طاعة مستحبة تثمر خيرات من الخوف والرجا والصبر والزهد، إلى غير ذلك من المقامات العلية، والأحوال السنية إلى غير ذلك مما يثيره السماع، على حسب القول والقائل والمستمع، ولا يحرم من ذلك الا ما تنشأ عنه مفسدة أو مفاسد، من اختلاط الرجال والنساء، ودنو بعضهم من بعض، أو نظر محرم، أو تحريك لعب محرم، إلى غير ذلك من آفات السماع التي ذكر علماؤنا رضي الله عنهم. وما ذكرتم خيور محضة، لا تشوبها آفة ولا تكدرها مفسدة، غير أنهم يؤمرون بتصحيح نياتهم، وتخليص طوياتهم في ذلك، فان خدع الشيطان وآفات النفس كثيرة، لا يحيط بها إلا الله سبحانه، لا على عقله، إذ لولا فضله ما كان عقل أهلا للقبول. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر وينافح عنه صلى الله عليه وسلم: وقد كان صلى الله عليه وسلم ينقل اللبن في بنيان حائط المسجد وهو يقول:
هذا الجمال لا جمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر