ومما يدل على طلبية الوضوء أنه قيل بظاهر الآية فيه وأنه يجب لكل صلاة, وكان ذلك أيضا أول ما نزلت الآية حتى خفف بفعله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح, ولم يكن ذلك في الغسل أول الإسلام, ولا ذهب إليه ذهاب من العلماء, وغنما كان ذلك لأن الأمر بالوضوء علق على معلق القيام بالصلاة, والأمر بالغسل علق على الجنابة صريحا فاختص بها. أو حكمته والله أعلم مشقة الغسل دون الوضوء, فلا يلزم أيضا من اعتبار الأقوى بما فيه من المشقة اعتبار الأضعف منه بإعتبار المشقة مع ما فيه من المصالح, ولعل هذا أو نحوه هو الذي اعتبر إسماعيل. ويقوي أنه لا يرى الغسل على من أسلم إلا استحبابا وأنه لغير الجنابة ما نقل عنه المتيطي في ىخر كتابه, ونصه في سماع ابن وهب عن مالك أنه قال: لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أسلم بالغسل, والوضوء يكفيه. قال إسماعيل القاضي: وإنما يلزم الوضوء لأنه لا يصلي بغير وضوء.
[احتلام المرأة]
وسئل القاضي الإمام أبو حفص عمر بن محمد القلشاني عن قول أم مسلمة في حديث مسلم: يا رسول الله المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام.
[47/1] وقول عائشة: تربت, وقوله عليه السلام لها: بل أنت تربت يمينك. وما في الحديث بعده من قول أم سليم: وهل يكون هذا؟ فقال: نعم ومن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل الحديث. وفي طريق: تربت يدك! فيم يشبهها ولدها. وفي طريق عائشة: إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله الخ, يقال ما وجه التوفيق بين إنكار احتلام المراة الذي لا يكون إلا حالة الإنفراد, والإستناد في ذلك إلى الشبه الذي إنما يوجد عند الإجتماع, فإن التنافر بينهما ظاهر. ومن الجائز أن تكون إنما أنكرت الإحتلام لندوره في النساء, حتى لا يغلب فيهن إلا مع السن وعدم الزوج, ولم تكونا كذلك فأنكرتاه لما لم ترياه.
الثلثان , ثلث العتق المبعض , وثلث لأجل التلفيق من الجنسين تبقى له منهما
ثلثهما , وذلك سته ارؤس بعد سقوط الكسر .
فيقال : أما أولا فهذا نفس نظر " اللخمى " الذى لزم الغلط فى مخالفته
ما يقتضيه من الحكم . وقد نص " ابن البشير " أن قول " ابن المواز " ينبنى على نظر
اخر ينتفى عن الغلط بسببه . الا ترى على ذلك النظر ان الرقبه لم تبطل الامجزاه
أثلاثا من ثلاث كفارات فى ترتيب المكفر وبقيت الرؤوس مجزاه أيضا كذلك
فعادت المسأله اذ لم يبق للعتق المبعض أثر بعد سقوطه الى مسأله من شرك بين
ثلاث ايمان فى اطعام عشره وكسوه عشره وقد تقدمت . وأما ثانيا فلان الثلثين
اللذين بطلا على ذلك النظر أحدهما جزء الرقبه مطلقا والاخر جزء الاطعام
أو جزء الكسوه أحدهما لا بعينه , اذا بطل أحدهما صح الاخر , وقد بطلت
عند " ابن المواز "زياده الى العتق ثلثا الاطعام مع ثلثى الكسوه وصح ثلثهما معا
وذلك ان الابطال على ذلك النظر ورد على الاخر فى ترتيب المكفر , وورد
الابطال فى مذهب " ابن المواز " على الاطعام والكسوه بعد ضمهما بجملتهما فأبطل
[54/2]
[55/2]
ثلثى كل واحده منهما , فقد بين المذهب " ابن المواز " مقتضى ذلك الطريقه فى
الأحكام جمله .
وبالجمله : فلا يصح أن يكون منع تلفيق كفاره من هذين الجنسيين ,
أعنى الكسوه والاطعام , سببأ لابطال شئ لكل واحد منهما على البت , وانما
يكون سببا لاستقلال شئ من أحدهما لا بعينه والاعتداد من الاخر بقدره
ومن هاهنا لا يحسن اطلاق لفظ البطلان فى مثل هذا على أحد الجانبين لصحه
الاعتداد به ان شاء المكفر ترك مقابله , بخلاف الرقبه فانها باطله كلها اذ
لا اختيار للمكفر فى شئ منها , وهم قد أطلقوا فى مذهب " ابن المواز " لفظ
البطلان على الجانبين كما وقع كلام " ابن بشير " بيان ذلك , وانما سرى من
حكم الرقبه . الا ترى انهم لم يحكوا خلافا عن " ابن المواز " ولا عن غيره فى
قلنا : هذا الذي بعث الزوج غير ما كلف عليه ، وما بعث لا يقوم بالناس فالعوض أحسن منهما ، فهذه مصلحة لئلا يؤدي عدم السماح إلى الفراق وغير ذلك والله الموفق للصواب . وكتب إبراهيم بن عبد الله اليزناسني انتهى . انظر قول الشيخ أن ذلك ليس بمال للمحضون ، فإذا قيل ذلك من جملة الصداق بدليل أنه لو طلقها قبل الدخول لوجب لها نصفه ، وإن مات وجب لها جميعه ، ففي هذا دليل على أنه من جملة الصداق ، وأنه مال من مالها ، ولو أرادت ألا تطعم ذلك أو أرادت أن تطعم بعضه وتمسك بعضه ، لكان ذلك لها ولا تجبر على ذلك ، ولو أطعم الحاضن وكان سرفا لضمن السرف ، فهذا يدل على أنه مال من مالها ، إلا أن يقال لما دخل بها فقد بها فقد وجب في الوجه الذي صرفه فيه ، انظر لو طلقها قبل الدخول وقد صرف في الوجه الذي شرط له هل ترد نصفه أم لا ؟ فهل يقوم على ما قال الشيخ أنها لا ترد نصفه[45/3]أم لا ؟ لأنه ليس بمال لها وهل أكل على ملك الزوج أو على ملك الزوجة ؟ وانظر أيضا لو اختلفا في ذلك قبل الدخول فإنهما يتخالفان ويتفاسخان ، ففي هذا كله دليل على أنه من جملة الصداق ، ومن جملة مالها حتى يصرف في الوجه المذكور .
=وأجاب : غيره بأن الجواب عن المسالة يستدعي معرفة ثلاث قواعد :
وسئل ابن رشد عن الحضانة تسافر أو غيرها ترجع من سفرها على قرب أو بعد مما ليس لها حمل الحضون معها، هل ترجع لحضانتها؟ وكيف إن كان خروجها للصيفة؟
فأجاب: هي على حقها في حضانتها كما إذا تركته لمرض وانقطاع لبن، ابن عرفة: ظاهر جوابه كان مبدأ سفرها اختيارا، لقول السائل: إن كان خروجها إلى الصيفة وإطلاق جوابه، ومقتضى استدلاله بالمرض وانقطاع اللبن تقييد سفرها بأنه اضطرار، وهو ظاهر كلام اللخمي وأشار إلى ما تقدم.
وسئل سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق رحمه الله عن المحضون إذا مرض فأراد أبوه أن يمرضه في بيته، هل يمكن من ذلك أم لا؟
فأجاب: احتياج المحضون إلى حاضنته ومن هو أولى به في المرض أكثر منه إليها في الصحة، فكيف يمكن الأب من أخذه فيه وهو لا يقدر على ذلك فيها؟ وإنما اعتبر الترتيب فيها تحصيلا للرفق به، ونزعه في المرض يكر على أصل المشروعية بالإبطال فيبطل.
[إذا توفيت الأم فالأب أحق بالنظر في إرضاع ابنته من غيره]
وسئل الأستاذ أبو عبد الله الحفار عمن توفيت زوجته وتركت بنتا منه
[45/4]
[46/4]
رضيعا، وكانت قبل وفاة أمها بأشهر عند مرضعة تصلح لها ولناس أمها، فأراد والدها أخذها من المرضعة، فقامت خالتها وخالها فقالا له: ما تأخذها حتى تكمل رضاعها؛ لأنك تضييعها وأنت تنفق عليها من مالها، فالأولى أن تكون عند المرضعة لأنها أشفق لها وأحسن، لما نعلم من ديانة المرضعة وحسن حنانها عليها، فهل لخالتها النظر في ذلك أم لا؟ وتكرت أيضا حوائج صحت للبنت، هل تؤخذ من تحت يد والدها لكونه يتزوج بها ويدرك البنت من ذلك الضرر؟ فبينوا لنا الحكم في ذلك، والسلام عليكم.
وسئل الفقيه أبو العباس بن قنفذ الخطيب القسنطيني رحم الله عن مسألة تظهر من جوابه، إذ لم يمكن إثبات السؤال لتشرمه وذهاب أكثره.
فأجاب: الحمد لله وحده، تصفحت المسطر سؤالك، ضاعف الله في الخير أعمالي وأعمالك، ومداره أن بعض القضاة سددهم الله تعالى حكم على غائب بعيد الغيبة ببيع حظ من ملك يقبل القسم لقيام الشريك الشاكي بالضرر الذي لحقه بعد استيفاء الموجبات، وتقريب البينات، والأخذ بالأحوط للغائب في جميع الحالات، وفعله في ذلك سدده الله جار على سنة مستقيمة، وأقضية محكمة قويمة، لا يوجد لقفلها مفتاح، ولا يتعرض لحلها من يبتعي الفلاح، وما قاله اللخمي عن قضاة عصره مما لا يتناول قضيتنا هذه فهو اختيار منه، ومال إليه المازري، والأندلسيون كلهم على خلافه، وفعل كل قاض محمول على السداد حتى يثبت خلافه، قاله ابن لبابة وغيره، وللتعقب شروط، وفي ذلك تقسم معروف، وأما النقض فقال القاضي أبو الوليد بن رشد في البيان: القاضي المقلد لا يختلف فيه إنه لا يرجع إلى تقليد آخر أي لا ينقض حكمه المختلف فيه، قال: وما اختلف فيه لا يرده غيره مطلقا، وحكي عن ابن الماجشون أنه ينقض إن كان الخلاف قويا، وهذه الحكاية لا تمس محل السؤال، فإن ابن الماجشون يقول بالحكم على الغائب ويضعف قول من خالفه، وحكي ابن رشد عن ابن القاسم أن غيره لا ينقضه إلا في الخطأ الصراح، وقال في المدونة إلا في الجور البين، وهذا كله من المعلوم الذي هو في رتبة تحصيل الحاصل، ولنرجع إلى ما في ذلك فنقول:
والمطلوب حاضر وغائب، والأول واضح، والثاني على أربعة أقسام: غائب في البلد وعنها كاليومين والثلاثة، والقسم الغائب البعيد عنها كالعشرة ونحوها والرابع أكثر من ذلك، أو مفقود، والأولان متر وكان، والثالث ينشأ عنه باب أخرى، والرابع هو المقصود بالذات، فأما الثالث فيحكم عليه فيما عدا
[50/5]
يستر بعض عيوبها .وفى الواضحة: في الجبة تباع أو السياج، وقد قلب فهو عيب. وكذلك ثوب يلبس أسمر حينا ثم يقصر فهو عيب، ابن يونس هذا خلاف قولهم في القلنسوة(¬1) يجدها من ثوب لبس أنها لا يردها إلا أن يكون فسادا معمولا من الخلقان. والأحسن أن له الرد. ابن حبيب ومن بنائق الثوب أو مقعدة السراويل خلاف باقيه وكان بينهما التفاوت فله الرد، وإن تقاربا فلا رد له. وقال في الفرو يكون فيه رقعة متنوفة، فيظهر عليها رقعة مصوفة أو تكون مصوفة لا جلد فيجعل عليها جلدا أحسن الوجه لا صوف فيه فهو غش يوجب الرد إن كان فرو له قدر، وإن لم يكن فيه إلا رقعة واحدة إلا في شيء يسير جدا.
[عيوب المثليات]
وأما عيب المثليات فالغلث(¬2) الكثير في الطعام، والفساد في البيض، لأنه مما يعلم ويظهر قبل كسره، وهو من البائع إذا كسر إن كان مدلسا. قاله مالك في المدونة. يريد لأنه بيع على أن يكسر إذ لا ينتفع به إلا بعد كسره. قال ابن المواز: كان ما يمكن أن يطلع عليه قبل كسره فهو مردود، ولا شيء على كاسر إن كان البائع مدلسا. وإن لم يكن مدلسا رد ما بقي مع ما نقصه.
وأما البيض يوجد فاسدا وقد كسر فلا رد فيه، وأرى أن يرجع بما بين القيمتين إن كانت له قيمة بعد الكسر، وإلا رجع بالثمن كله. وقال ابن القاسم أيضا في البيض يوجد فاسدا: إن كان بحضرة البيع رده، وإن كان بعد أيام لم يرده؛ إذ لا يدري أفسد عنده أو عند البائع؟ وقاله مالك أيضا. والحموضة في اللبن عيب، إلا أن يشتريه للمضيرة. وخلط الذهب والفضة والنحاس عيب. فلو اشترى سمنا فوجده سمن بقر، فقال ما أردت إلا سمن الغنم، فقال مالك له الرد، لأن سمن الغنم أطيب، وكون الدرهم من عمل الكيمياء عيب، لا يشتري به حتى يبين. وبالجملة فالرجوع في ذلك إلى القانون المعلوم في هذا، فإذا كان العيب ينقص من الثمن، وقع به الرد وإلا فلا.
[52/6]
[من قام على بائع بعيب]
فأجاب: الرواية أن لا يفسخ كراء الأوقاف لزيادة, والوجه في قبول الزيادة أن يثبت الغبن مع تساوي أحوال المتكاريين في الملإ والإنصاف أو ترجح حال الأخير منها, والكراء على قبول زيادة الثلث باطل, لأنه من الغرر وذريعته إلى بيع وسلف في قول ابن القاسم, أو إلى سلف جر منفعة في قول سحنون على اختلاف قولهما في الرواية؛ للتردد بين تمام البيع أو فسخه, وأما حكم صاحب الحباس فحكمه حكم الوصي, هكذا تواترت نصوص الموثقين, والموصى يحلف فيما ولي من المعاملة باتفاق, فهذا دستور ضابط
[48/7] لحكم كراء الأحباس وصاحب الأحباس, والمر الواقع في السؤال فيه تخليط فليرد فاسده لما ذكرنا, وذلك غير خاف وفي بسطنا إياه كفاية لنفاد الكاغد وبالله التوفيق. وكتب إبرهيم بن محمد بن إبراهيم اليزناسني.
وقع جواب بيد الفقيه القاضي المدرس أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن رحمه الله لبعض طلبة تازا فلم يرتضه, ونص الجواب المذكور: أكرمكم الله تعالى إنما تكون الحيازة في الأحباس بالمعاينة وحضور الشهود للحوز, وهذه المسألة لم يعاين الحوز فيها الشاهد المذكور في السؤال ولا حضره, وإنما شهد على إقرار المحبس بالحوز, وذلك لا يفيد شيئا إلا أن تشهد بينة عادلة على الحوز بالحضور والمعاينة, أو شهد عدل بالحوز بالمعاينة وحضوره للحوز فيوقف الأمر إلى بلوغ الصبي فيحلف مع شاهده, كما ذكره اللخمي وابن يونس, ومسألتكم هذه لم يصح الحوز فيها فبطل ذلك, وبالله التوفيق. وكتب عيسى بن محمد بن علي السدراتي لطف الله تعالى به وسدده.
وتقيد بعقب هذا الجواب المنصوص ما نصه: الحمد لله. وقف شهوده على الجواب المقيد فوق هذا الذي أوله أكرمكم الله وإيانا بطاعته ووفقنا للعمل بمرضاته قد وقفنا على ما رسمتم فوقه وعلى رسم الحبس المكتتب بمحوله ، وآخره فيعمل على ما اقتضاه لفظه من نص وظاهر ومحتمل والله الموفق للصواب بمنه والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وكتب عبدالعزيز بن محمد القيروان، وتأملوه وأمعنوا النظر إليه، فتحقق عندهم أن جميع الجواب المذكور من أوله إلى آخره بخط الشيخ الفقيه العالم المدرس المفتي الصالح الورع المرحوم أبي محمد عبدالعزيز القيرواني رحمه الله تعالى ونفع به المعهود والمتكرر به كتبه رحمه الله ورضي عنه أيام حياته من غير شك ولا ريب لحقهم في ذلك وقيدوا على ذلك شهادتهم لسائلها منهم في العشر الأواخر لجمادى الأولى من عام سبعة وستين وسبعمائة.
[من تصدق على ولده بدار حبسا لأربعين سنة ثم مات قبل كمالها]
وسئل الفقيه القاضي أبوعلي الحسن بن عطية الونشريسي رحمه الله عن مسألة من الأحباس نصها: الحمد لله. سيدي رضي الله عنكم.
[46/8]
[47/8]جوابكم في امرأة تصدقت على ولدها بدار صدقة صحيحة وحبستها عليه مدة من أربعين سنة من حين التحبيس، وحيزت الصدقة بمعاينة البينة، ثم مات المحبس عليه قبل انصرام أمد التحبيس وترك ابنتين وعاصبا، ثم باعت إحدى البنتين حظها من الدار المذكورة قبل أن تمضي المدة المذكورة. فهل يمضي هذا البيع أو يفسخ لكونه وقع في مدة التحبيس؟
ابن رشد هذا كما قال: إن من بنى مسجدا ليضر به أهل مسجد آخر ليفرق جماعتهم فهو من أعظم الضرر بل الإضرار يتعلق بالدين أشد منه فيما يتعلق بالنفس والمال لا سيما في المساجد المتخذة للصلاة التي هي عماد الدين وقد أنزل الله في ذلك ما أنزل، وقوله إنما القول أبدا في الآخر من المسجدين صحيح لأنه هو الذي يجب أن ينظر فيه فإذا أثبت على بانيه أنه قصد به الإضرار وتفريق الجماعة لا وجها من وجوه البر وجب أن يحرق ويهدم ويترك مطرحا للزبل كما فعل صلى الله عليه وسلم بمسجد الضرار، وإن ثبت أن إحداث المسجد مضر بأهل المسجد الأول ولم يثبت على بانيه أنه قصد به الضرر لم يهدم وترك معطلا لا يصلى فيه إلى من يحتاج للصلاة فيه بأن يكثر أهل الموضع أو ينهدم الأول.
[مسألة في الخادمة الزانية]
وسئل ابن كنانة عن الرجل إذا ثبت أن خادم امرأته مؤذية زانية هل يأمر السلطان ببيعها أم لا؟
فأجاب بأن نعم.
[52/9] ... [مسألة في الخشب ينقل في النهر فتتضرر منها الأرحاء]
وسئل سحنون عن قوم يأتون بالخشب في الوادي فتعرض لهم السداد.
فأجاب لهم أن يجيزوها على ما أحب أهل السداد أو كرهوا وإن كانت الأرحى أقدم لأن الوادي كالطريق يمر عليه ورواه عيسى وعبدالأعلى عن ابن القاسم، وكان عيسى يفتى به، ونزلت في زمن القاضي فجمع الفقهاء فقالوا النهر كالموات إن كان جلب الخشب أقدم من السداد فعليهم فتحها وإن كان السداد أقدم لم يمروا عليها إلا برضاهم قال أصبغ والبينة في ذلك على أهل السداد، وقال ابن حارث الأرحى مال تباع وتورث وتنقد في المهور فكيف يكون موضعها لجميع المسلمين لو كان كذلك ما جاز فيها بيع ولا غيره وقاله أبو زيد بن إبراهيم ومحمد بن يوسف بن مطروح وقال ابن مزين: إن ثبت أن ذلك لم يزل متقادما وإلا لم يمروا إلا برضي أصحاب الأرحى.
[مسألة فيمن باع أسفل عرصته وعلى مجرى ماء]
فأجاب من قرأ الكتب التي ذكرت وتفقه فيها على الشيوخ وفهم معانيها وعرف الأصول التي بنيت عليها مسائلها من الكتاب والسنة والإجماع ، وأحكم وجه النظر والقياس ولم يخف عليه ناسخ القرآن من منسوخه ولا سقيم السنة من صحيحها إذا نظر فيها ، وكان معه من اللسان ما يفهم به معنى الخطاب جاز أن يستفتى فيما ينزل من النوازل التي لا نص فيها فيفتي فيها باجتهاده ومن لم يلحق بهذه الدرجة فلا يصح أن يستفتى في المجتهدات التي لا نص فيها ؛ ولا يجوز له أن يفتي برأيه في شيء منها ، إلا أن يخبر برأيه عن عالم فيقلد فيما يخبر به من صحة نقلها عنه . وإن كان فيها اختلاف بينهم أخبر بالذي ترجح عنده من ذلك إن كان ممن له فهم ومعرفة بوجه الترجيح بين الروايات ، وجائز للحاكم أن يقضي بقوله إذا لم يجد سواه ممن كملت له آلات الاجتهاد ، وكان للقاضي حينئذ أن يقلده في فتواه وإن لم يتفقه [44/10] فيما قرأ فلا يجوز أن يستفتى ولا يحل له أن يفتي . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا . وقد أدركنا هذا الزمان ، والله الموفق للصواب .
[إذا اختلفت أقوال مالك في المسألة ولم يعلم المتقدم والمتأخر]
وسئل الفقه أبو محمد عبد الله بن علي بن ستاري عما يوجد كثيرا في كتب المتأخرين والموثقين في المسألة ذات الأقوال : الذي جرى به العمل كذا ، والذي جرى به القضاء واستمرت عليه الفتوى كذا ، فهل يكون هذا مرجحا لذلك القول حتى يجوز للقاضي العدول عن المشهور إلى هذا القول أم لا ؟ وهل له أن يختار أحد الأقوال فيقضي به أم لا ؟
هذا ما حضر تقييده في هذا الوقت والسائل يستحث في التعجيل. فهذا القدر كاف في الغرض المطلوب. والله بوفقنا إلى الاقتداء بسلفنا ويعصم من الابتداع في الدين والسلام على من يقف على هذا والرحمة والبركة من كاتبه محمد الحفار. وتقيد بعقبه بخط يده المباركة ما نصه: الحمد لله وقفت على ما كتبت في هذا الصفح، وفي الصفح بمحوله. وقد صفحته وصححته.
[46/11] وكتب مقيده محمد الحفار وفقه الله ولطف به وأعانه والسلام على من يقف عليه ورحمة الله وبركاته.
[ فتوي العبدوسي في النازلة السابقة]
وسئل الفقيه العالم المفتي أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى العبدوسي عن مسألة من نمط ما تقدم. سأله عنها الفقيه القاضي أبو العباس أحمد بن العجل الوزروالي.
نص السؤال :الحمد لله دائما، وصلى الله على سيدنا محمد المبعوث رحمة وراحما، ورضي الله عنكم وأرضاكم، وحفظكم وتولاكم، وأعانكم على ما أولاكم.
جوابكم رحمكم الله عن مسألة وهي أن عندنا جماعة بموضع منقطعين إلى العبادة من الصلاة والصيام، وقراءة القرآن وتعليم أولاد المؤمنين، والسعي في قضاء حوائجهم والأرامل والأيتام المساكين، والإصلاح بين المسلمين مثابرين على ذلك، مداومين عليه، وفيهم رجل له عليهم شفوف العلم معه منه حظ وافر مما يحتاج إليه في دينه، من فقه وتصوف اتخذه أصحابه شيخا في ذلك قدوة، وكلهم ظاهروا الخير صالحوا الأحوال، غير أنهم يجتمعون في المولد وشبهه للوعظ والتذكير. وربما أنشد لهم منشد أشعارا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وفيما يناسب ذلك مما يحث على الطاعة من غير اجتماع نساء ورجال في ذلك، وطعن بعض الناس عليهم في ذلك، وقال هذه بدعة ومنكر، فطلب مني الجماعة المذكورة المشار لها الكتب إليكم لتشيروا عليهم بمقتضى العلم في ذلك فيتبعون رأيكم فيه وأجركم على الله سبحانه والسلام عليكم من مقبل أيديكم المعترف بأياديكم. محبكم أحمد بن عبد الله من أولاد العجل لطف الله به.