قلت: أما الحديث فمعنى الحدث فيه هو الحدث الأصغر, ولا يتناول الأكبر لوجهين: الول قوله صلى الله عليه وسلم حتى يتوضأ, فإن مفهوم الغاية يقتضي أنه بعد الوضوء لا يبقى محدثا, وأن تناول الأكبر لما صح ذلك, إذ لا يرفع حدثه الوضوء. ولا يدعى في الكلام إضمار يتم معه دعوى مناولة الأكبر, لأن الإضمار على خلاف الأصل, فيحتاج مدعيه إلى دليل والأصل عدمه. الثاني تفسير الحديث له بذلك, وهو أبو هريرة حين قاله له: ما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فساء أو ضراط. فاقتصر على الإشارة إلى أنواع الأصغر, ولم يقل أو جماع أو نحوه. وأما الآية فلا تصح إرادة الأكبر من صدرها للإقتصار على تعليق الوضوء عليه كما قدمنا في الحديث ولأنه جعل قسيم وإن كنتم جنبا, فلا يكون مرادا منه, وأنا هو مراد قوله تعالى وإن كنتم جنبا.
[46/1] وحينئذ لقائل أن يقول: لا نسلم تقييد الأمر باطهروا بالقيام إلى الصلاة مطلقا, ولا مقيدا بالحدث والنوم. قولكم أن المعطوف على مقيد يتقيد بتقييده. قلنا لا نسلم للإختلاف فيه, سلمنا لكن لا نسلم عطف وإن كنتم على ما تقيد بالقيام إلى الصلاة, بل إن عطف على إذا فلا يقتضي التقييد, فيكون أمرا بالطهارة من الجنابة مع القيام إلى الصلاة للإجماع على أنه لا يجب في غير تلك الحالة, إن سلم هذا افجماع, لكن دلالة الآية على طلبية الوضوء عند القيام إلى الصلاة آكد من دلالتها على ذلك في الغسل من الجنابة عنده, ولذا جيء مع الوضوء بإذا التي هي للتحقيق, ومع الغسل بأن التي هل للشك, على نظر في هذا لا يخفى. فتلخيص من هذا كله أن دلالة العموم في الآية على طلبية الوضوء للصلاة مع الحدث الأصغر آكد منها على طلبية الغسل بها مع الأكبر, فلا يلزم من إلغاءالأضعف من حيث الدلالة عليه إلغاء الأقوى من حيث ذلك والله أعلم.
ترتيبا فاسدا غير مشروعا فوجب عرض ذلك على الترتيب المشروع ليظهر ما
يصح منه ويبطل لوجه فسبب ذلك أربعه أحكام .
أحدها : ضم أجزاء الرقبه لجهه كفاره واحده من الكفارات الثلاث
فيكمل لذلك كفاره لكن تكون باطله لأنه كان قد بعضها فظهر أنها فى ذمته .
والثانى : ضم الاطعام والكسوه لجهتى الكفارتين لأنه لما وجب ضم
أجزاء الرقبه بالحكم حتى صارت كفاره واحده فى ذمته وهى التى بطلت وجب
أيضا أن يضم اليها فى اعتقاد المكفر من اطعام وكسوه الى كفارتين فاحاز جميع
الاطعام والكسوه اليها وخلص لهما وحدهما .
والثالث : أن لا تلفق كفاره واحده من الاطعام والكسوه معا بل يعودان
لهما وهذا على المشهور .
والرابع :أن يبطل من جميع الاطعام والكسوه ما صحب من جزء الرقبه
فى توزيع المكفر للكفارتين خاصه اذ قد خلص لهما جميع الاطعام والكسوه كما
[53/2]
[54/2]
سبق فلم يكن لكفاره ثالثه اعتبار فى توزيع الكسوه والاطعام اذ قد وجب فى
ذلك من الحكم أشده وهو بطلان كفاره برأسها .وهذا الحم الرابع هو مذهب
" ابن المواز " والقدر الذى صحب كل جزء من أجزاء الرقبه فى الكفارتين ثلثا كل
واحده منهما فيبطل اذ ثلثا عشر الاطعام عشر الكسوه ومجموعهما مع
الكسور أربعه عشر , فلم تسلم له الا ثلاثه من الاطعام وثلاثه منالكسوه
وعليه كفاره كامله وثلثا ثانيه وثلثا ثالثه لأنك اذا نظرت الى ما يبطل بسبب
وثلثى رأس من العشره الواحده تضمه الى مثله من العشره الأخرى وتصحح
الكسر تكمل أربعه عشر وتبقى له منها سته كما تقدم , وعلى هذا المعنى يتنزل
كلام " ابن بشير " كما سيأتى بعد أن شاء الله .
فان قيل : لعل " ابن المواز " فيما ذهب اليه لم يبن قوله على بطلان شئ
من الاطعام والكسوه بسبب المقارنه للرقبه , واذ أبطل كفاره واحده لأجل
العتق المبعض , وأبطل أيضا من الكفارتين الباقيتين ثلا بسبب التشريك بين
الاطعام والكسوه فى ترتيب المكفر , فيبطل اذا من كل واحده منهما فى ترتيبه
أو لا مقال له في العجلتين المذكورتين ولا لمن بلغ من أولاده ، وسكت مدة بعد علمه ببيع الكافل لما ذكر وأخذه في عوضه نصف الرمكة المذكورة ، هل له مقال أيضا أو لا مقال له ، وهل يفرق بين أن يكون موت المرأة بعد مدة يحمل فيها أمرها على الرضا بالمعاوضة المذكورة التي عاوض الكفيل بها من نفسه فلا مقال لورثتها ، أو[44/3]يكون موتها قبل مدة يحمل فيها أمرها على الرشد أو بعدها وقالوا لم نعلم بالمعاوضة التي صنعت هذا الكافل إذا لم تتضمن الصلاح والسداد على ما قيل في بيع الكافل ، ويدخلها الخلاف الداخل في بيع الحاضن إذا لم تتضمن السداد ولا الصلاح ، أو لا تصح هذه المعاوضة ولا يدخلها الخلاف المذكور ؛ لأن الخلاف المذكور في بيع الحاضن إنما هو إذا باع من غيره ، وهنا عاوض من نفسه ، وهل الحكم إذا باع من نفسه كالحكم إذا باع من غيره أم لا ؟ وقد قيل في الوصي أنه لا يجوز له أن يبيع من نفسه ، ولا شك أن الحاضن أخفض رتبة من الوصي ، وهل تكون هذه المعاوضة المذكورة كبيع الوكيل من نفسه ؟ جوابكم في ذلك فصلا فصلا مأجورين إن شاء الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
=فأجاب : أكرمكم اله تعالى هذا الذي ذكرتم في المحضون ليس من المسألة بسبيل ؛ لأن هذه المعاوضة إنما وقعت في غير ملك المحضون ؛ لأن هذه الهدية إنما هي لأكل الناس هذا في العادة .
فإن قلتم : هنا أيضا عادة تناقص ذلك .
فأجاب: لا خدمة لها لن المرضعة إنما لها أجرة الرضاع، فهي مواجرة نفسها، وكذلك الحامل لا خدمة لها، وعليها خدمة نفسها، قال: ويحتمل أن تزاد المرضع في الأجرة لاشتغالها بالولد وما تتكلف من مؤونته، ابن سهل: وفي المدونة في الحامل والمحضونين خلاف ما ذكر، وقد روي عن ابن القاسم في غيرها أنه ليس على والد المحضون إلا النفقة وليس عليه كراء، قال ابن وهب: لا خدمة عليه ولا سكنى، وهو مثل ما قال ابن عتاب في الإخدام، وبه جرى العمل عندهم، ولم يخف عليه مثل هذا.
وأجاب ابن مالك: الذي لم نزل نفتي به أن تزاد الحاضنة المرضع في الأجرة للخدمة إذا كان المولود له (¬1) موسرا، ابن كوثر: ورأيت لبعضهم إذا كان الأب قليل ذات اليد فللأم عن أجرة الرضاع ربع مثقال في الشهر، وللمولود عن نفقته ربع غير ربع الربع من الدقيق، وثمن ونصف وثمن من زيت وثلاث حزم من حطب في الشهر، وعن كسوته للسنة قميصان من كتان ومحشو وسقية كتان، ولرقاده: نصف كساء ونصف ملحفة وشويكرة بصوف في مهد وقطعة نطعة للشوكيرة، ومخدة مملؤوة صوفا، ولحيف كتان محشو قطن، وهذا الفرض إنما هو على حال الأب، ورأيت لبعضهم إن طلق مرضعة فإنما عليه أجر رضاعة وكسوة المولود، وليس عليه زيت ولا غير ذلك، ولا خلاف في هذا في المذهب، وبهذا جرت الفتوى بقرطبة.
[44/4]
[45/4]
[لا كسوة للمطلق الحامل إذا قرب أمد البناء بها]
وسئل ابن زرب عمن طلق حاملا والأمد بالبناء قريب فطلبته بالكسوة.
فأجاب: ليس لها كسوة؛ طلقها أو كانت معه، لأنه إنما أصدقها الصداق الكبير ليدفع عن نفسه مؤنتها، فإذا طلق لم يؤخذ إلا بما كان يؤخذ به لو كان معها، إلا فيما خلق من ثياب الكتان، وقيل: لطلاق حكمه مخالف لكونه معها، فتلزمه الكسوة لانها ليست بامرأة، والقول الأول أحب إلي ، وهو اختياري.
[لا يسقط حق الحضانة بسفرها ولا بمرض المحضون]
وأجاب غيره بأن قال: الفرق بين ما نحن فيه وبين مسألة الضيف وما ذهبت إليه من سير الأولين أن مسألة الضيف ينزل برضي أصحاب المنزل على سبيل الشهوة والرحمة التي أمر بها الشرع حيث قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (¬1)، جائزته يوم وليلة الضيافة ثلاثة أيام وما زاد فهو صدقة ولا يحل له أن يجلس عليه حتى يحرجه، وما نحن فيه من المسألة إنما ينزل الجند على وجه التعدي من غير أن يختار ذلك أهل المنزل فهو أشبه الذي يقال عيب أو هو عيب بعينه، وذلك عيب لا يخفي أنه ينقص من الثمن وتقل الرغبة في ثمنها وطلبها، وما قلته من سير الأولين فلم يذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع كثرة دورانه في خطة الشام والعراق وغيرهما أنه كان يكثر الدوران وينزل الأجناد في دور الناس بغير إذنهم، وهو لا يليق به وبأمثاله، فإن كنت تستدل بفعل الحجاج بن يوسف أو غيره من الأمراء الظلمة فلا حجة في فعله.
وأجاب الشيخ أبو الطاهر بن بشير بأن الدار إذا كانت ضيقة ثقيلة الخراج أو كان معتادة لنزول الأجناد فإن ذلك كله عيب ترد به، قاله مالك.
[من باع خابية للزيت وبها كسر كتمه ودلس به]
وسئل ابن شعبان عن رجل باع خابية زيت فارغة، وقد علم البائع أن المشتري يضع فيها زيتا، وعلم أن في الخابية أيضا كسرا ودلس له به وإهراق الزيت الذي عمل فيها هل عليه ضمان زيته لأنه دلس عليه أم لا؟
فأجاب بأنه لا يضمن له شيئا، ألا ترى أنه لو باع عبدا سارقا ودلس به فسرق العبد من المشتري دراهم فإن البائع لا يضمن له من الدراهم شيئا، ولكنه لو اكترى منه خابية يحمل فيه الزيت ودلس له بذلك الكسر فإهراق الزيت لضمنها رب الخابية فإنه غار.
[49/5]
[مسألة عن قاض باع على غائب ما يقبل القسمة
لتشكي شريكة ضرارا لحقه بعد استيفاء الموجبات]
وسئل بعض شيوخ ابن سهل عمن اشترى شاة فوجد بلحمها جذريا، فقال رأى بعض من سمعت من العلماء أنه عيب ترد به قبل الذبح، ويرجع بقيمتها بعده. وقولنا وقول بعض أصحابنا لا رد له كعيب باطن الخشب.
[عيوب الدور]
وأما عيوب الدور، فالحفرة، والبير، والمرحاض، والمطمورة بقرب الحيطان أو البيوت أو تحتها، والسقف التي يخشي سقوطها، وجريان ماء غيرها عليها، واستنقاع فيها، وتنقية مرحاضها على بابها، وأن لا يكون لها مرحاض، وكثرة البق، ووجود القبر إلا قبر سقط، وتشقيق الحيطان.
ونزلت بقرطبة مسألة وهي رجل اشتري دارا بمقربة من وادي، فحمل الوادي في بعض السنين حتى بلغ إليها فقام المشتري بذلك، فوقع الحكم بأن الوادي إن ثبت أنه بلغ إليها فيما مضى من الزمان ولو مرة فله الرد. ووجود البير زعاقا عيب.
[عيوب العروض]
وأما عيوب العروض فوجود البق في السرير عيب وإن نحث وربيع لم يبين فله الرد بذلك. ووجود السوس في الخشب والثياب عيب، وقال ابن القاسم في الفرايين يتربون وجوه الأفرية لتحسن. وربما يستر بعض عيوبها ذلك من الغش، فإن علم المبتاع بذلك وعلم أن يستر بعض عيوبها فلا رد له. ابن المواز: إلا أن يجد عيبا فله الرد. قال ابن القاسم: فإن لم يعلم بالتتريب فله الرد، وجد عيبا أو لم يجده، علم أن التتريب عيب أو لم يعلم، إذا كان
[51/6]
47/7] بستين دينارا؛ فأمضى له الناظر الكراء فيها, وشهد على إمضاء الناظر أحد الشاهدين المعينين للشهادة في الأحباس, وشرع المكتري في الحراثة, ثم بعد أيام قام رجل وذكر أنه كان له غرض في الزيادة في تلك الأرض ولم يعلم بإمضاء الكراء فيها, فزاد فيها الثلث على العادة في قبول زيادة الثلث في الأحباس, وشهد على الذي زاد شاهدان بالزيادة المذكورة, ثم إن الرجلين المذكورين حرثا الأرض المذكورة, فلما آن وقت دفع الكراء طلب المكتري الأول بتسعين دينارا التي التزم بها المكتري الأخير فامتنع من أدائها, وقال: إنما التزمت ستين دينارا فشهد عليه شاهد واحد عدل بأنه التزم تلك الزيادة, وحرث مع صاحبه من حساب تسعين دينارا, وأنكر ما شهد عليه به ولم يشهد عليه بذلك غيره, فهل يحلف على نفي شهادته ويعطي من حساب التسعين دينارا إذ ليس ثم من يحلف مع الشاهد أو يقضي بشهادة هذا الشاهد وحده, أو يعطي كراء المثل ؟ وهل يعطي هذا الذي زاد التسعين دينارا كاملة إلا ما ينوب ما حرثه صاحبه في تلك الأيام من هذه الزيادة لأجل ما شهد عليه به من تسعين دينارا ؟ أو إنما يعطي من التسعين دينارا ما ينوب ما حرثه من الأرض المذكورة ؟ وهل يجوز هذا العقد اليوم في أكرية ربه الأحباس وذلك أنه ينادى على الربع ويكرى مشافهة على قبول زيادة الثلث فيسكن المكتري مدة ثم يزاد عليه الثلث فإن زاد هو وإلا أخرج أو لا يجوز ذلك لما في هذا الكراء من الغرر إذ لا يدري هذا المكتري ما يقد عليه ؟ بينوا لنا ذلك مأجورين مشكورين.
ونص الجواب المذكور، وهو مقيد أسفل السؤال المنصوص من أوله إلى آخره: الحمد لله وحده أكرمكم الله بطاعته، ووفقنا للعمل بمرضاته. قد وقفت على ما رسمتم فوقه وعلى رسم الحبس المكتتب بمحوله فاقتضى ذلك أن أولاد يعقوب الذي مات في حياة والده عبدالله المذكور يدخلون مع ابن
[45/8]
[46/8]عمهما علي المذكور على ما اقتضاه لفظ المحبس، لأن لبنى البنين الدخول في الحبس مع من فوقهم من البنين، هذا نص قول مالك في المدونة، قال أبوالوليد بن رشد ولا اختلاف أحفظه في أنهم يدخلون، لأنه شرك بينهم بالواو الذي موضعها لإدخال الثاني فيمن دخل فيه الأول، وإنما الاختلاف هل يقسم بينهم بالسوية أو على قدر الحاجة، والذي جرى يد العمل أن يقسم بينهم بالسوية الغني والفقير في ذلك سواء، وأخذهم ذلك طريق الإرث أو على قدر الإرث غلط، إذ إنهم إنما يأخذون عن المحبس، إذ القاعدة أن المعتبر في الحبس إنما هو لفظ الحبس فيعمل على ما اقتضاه لفظه من نص وظاهر ومحتمل، والله الموفق للصواب بمنه والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وكتب عبدالعزيز بن محمد القيرواني.
فأجاب: ما فعله الإمام مما ذكرت غير جائز ويقضي عليه بهدم ما بنى وإعادته كما كان أول مرة وتكون عليه مؤنة الهدم كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأبي سفيان هدم أساسا كان بناه في طريق المسلمين فسارع أبوسفيان إلى هدمه فقال من أين يا أمير المؤمنين وحسر عن ذراعيه؟ فقال له من هاهنا إلى ها هنا يا أبا سفيان، فهدم أبوسفيان بيده، ولأن المسجد الجامع آكد في هذا المعنى من سائر الأحباس والمساجد.
قال ابن حبيب إذا ضاق المسجد الجامع بأهله واتصلت به دور فإن أهلها يجبرون على بيعها وأخذ الثمن إذا أبوا من ذلك، وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه زاد في قبلة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة من ناحية دار مروان. وأجبر أهل الدار فلم يراجعه أحد ثم زاد في قبلته عثمان رضي الله عنه وقوم الدور ثم دعا أهلها لأخذ الثمن فاعترضوا له وأبوا عليه فقال لهم عثمان قد فعله من كان خيرا منى فلم تراجعوه وراجعتمونى فاعترضتم في ذلك فحكمي عنكم فسجنهم عثمان رضي الله عنه وجعل في التاريخ القيمة في بيت المال انتهى.
[مسألة في مسجد يبنى بقرب مسجد سابق]
وسئل مالك عن العشرة يكون لهم المسجد يصلون فيه فيريد رجل أن يبتنى مسجدا آخر قريبا منه.
[51/9] فأجاب: لا خير في الضرار ولا سيما في المساجد، فأما مسجد بني بخير وصلاح فلا بأس به، وأما ضرارا فلا أحبه قال تعالى: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا﴾ الآية فلا خير في الضرار في شيء من الأشياء وإنما القول أبدا في الآخر من المسجدين.
[مسألة في معنى سابقتها]
وسئل سحنون عن القرية يكون فيها المسجد فيريد قوم أن يبنوا فيها مسجدا آخر.
فأجاب: إن كانت القرية تحمل مسجدين لكثرة أهلها فلا بأس به، وإن كان أهلها قليلا يخاف أن يبطل المسجد الأول فليس لهم ذلك وهؤلاء قوم يريدون بناءه على وجه الضرر.
43/10] قال برهان الدين : ومراده إذا كانت الحواشي غريبة النقل ، وأما إذا كان ما فيها موجودا في الأمهات أو منسوبا إلى محله وهي بخط من يوثق به فلا فرق بينها وبين سائر التصانيف ، ولم يزل العلماء وأئمة المذهب ينقلون ما على حواشي كتب الأئمة الموثق بعلمهم المعروفة خطوطهم ، وذلك موجود في كلام القاضي عياض والقاضي أبي الأصبغ ابن سهل وغيرهما إذا وجدوا حاشية يعرفون كاتبها نقلوا ذلك عنه ونسبوا ذلك إليه وأدخلوا ذلك في مصنفاتهم . وأما حيث يجهل الكاتب ويكون النقل غريبا فلا شك فيما قال القرافي رحمه الله . ومن ذلك الطرر لأبي إبراهيم الأعرج على التهذيب ، وهو من الكتب المعتمد عليها الموثق بصحة ما فيها . وكذلك الطرر لابن عات على الوثائق المجموعة وكذلك الطرر لأبي الحسن الطنجي على التهذيب من الحواشي الموثوق بها ، وهو من أهل العلم والدين والورع ، وغالب ما فيها منسوب إلى محله انتهى .
وسئل ابن رشد رحمه الله من بطليوس ، هل يجوز أن يستفتي من قرأ الكتب المستعملة مثل المدونة والعتبية ورواية الكتب المتأخرة التي لا توجد فيها رواية أم لا ؟ وإن استفتي فأفتى دون رواية . هل تجوز شهادته أم لا ؟
فهؤلاء القوم هذه صفتهم، لأنه لا نفع بهم، فهم يضيقون على الناس في المساكن، ويأكلون أرزاقهم بغير حق، ويعلمونهم الكسل، وترك التحرف والاتكال على ما في
[45/11] أيدي الناس، وهم بمنزلة الربيع في أثناء الزرع يضيق المكان، ويستبد بالماء ويفسد الزرع، فلذلك يقلع ويرمي به. قال بعض العلماء وينبغي أن يكون الناس في المدينة كأعضاء البدن، فكما أن أعضاء البدن كل واحد منها فيه منفعة خاصة به، ليس يوجد عضو عبثا لا منفعة فيه ويأتيه من الغداء والدم على قدر شرفه ومنفعته كذلك الناس في المدينة. فالأجناد يحرسون من فيها. والفقهاء والحكام يحفظون الشريعة ويعلمونها والأطباء يحفظون الأجساد من الأمراض وسائر الناس كل يشتغل بصناعته، وعمل يعود بالمنفعة على جميعهم. ومن لا منفعه فيه وهو قادر على أن ينتفع فيتكاسل فينبغي أن يقصى عن المدينة. وهذا مثال حسن تشهد له الأدلة الشرعية.
وأما حضور الفقهاء معهم وقولهم لو كنا على غير طريقة مرضية لما حضرها الفقهاء معنا فيقال: ان حضور الفقهاء معهم ليس بدليل على الجواز، ولا عدمه دليل على المنع. ولا يعرف الحق بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق، فالفقيه إذا حضر معهم ووافق واستحسن فعلهم فهو مثلهم بل هو شر منهم وهو باسم الفسق أولى من باسم الفقه. وإن حضر ليرى تلك الطريقة وما تنطوي عليه حتى يحكم بما يشاهد من أحوال أهلها، ثم بعد ذلك يحكم عليها بما يقتضيه علم الفقه فحضوره حسن وإن كان حضوره على جهة تفريج النفس كما يحضر الإنسان مجالس اللهو واللعب، فإن تكرر ذلك منه على هذا الوجه، فذلك مسقط لعدالته. وإن كانت فلتة فلتقل عثرته لا يعد للحضور معهم فيكون مثلهم على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿فلا تقعد معهم﴾ الآية. فمن كثر سواد قوم فهو منهم.