قال القاضي أبو الوليد ابن رشد رحمه الله تعالى في شرحه المسألة: كرهه للرجل في خاصة نفسه من أجل ما قيل إنهم يجعلون فيه إنفحة الخنزير, ولو لم يسمح بذلك لم يكن عليه أن يبحث عنه, لأن الله سبحانه قد أياح لنا أكل طعامهم بقوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم. فأكل طعامهم جائز مالم يوقن بنجاسة, فغن خشي ذلك رجل لشيء سمعه يستحب له أن يتركه. ويبين هذا ما حكي عن عمر بن الخطاب وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم, وهو أنه روي أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر يذكر أن المجوس لما راوا المسلمين لا يشترون جبنهم وإنما يشترون جبن أهل الكتاب عمدوا إلى أن جبنهم فصلبوا عليه كما يصلب أهل الكتاب ليشترى منهم. فكتب إليه عمر: ما تبين لكم انه من صنععهم فلا تأكلوه, وما لم يتبين فكلوه, ولا تحرموا على انفسكم ما أحل الله لكم. قال ابن حبيب: وقد تورع عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس في خاصة أنفسهم عن اكل الجبن إلا ما تيقنوا أنه من جبن المسلمين أو جبن أهل الكتاب خيفة أن يكون من جبن المجوس, ولم يفتنوا الناس ولا منعوهم من أكله. فمن أخذ بذلك في البلد الذي فيه المجوس مع أهل الكتاب فحسن, انتهى كلام القاضي. وقد تبين من هذا الكلام ومما قبله أن ما كان أصله الحلية, غما أن يتحقق فيه موجب تحريم, أو يغلب على الظن, أو يشك فيه لموجب أوجب ذلك, أو يجوز التحريم لغير موجب. فإن تحقق المانع فلا خفاء في التحريم, وذلك قول عمر رضي الله عنه: فإن تحقق لكم أنه من صنعهم
[
=فقال: تؤكل لأنها طعامه، بينوا لنا ذلك، وهل ذلك قول في المذهب تجوز الفتيا به أم لا؟ وهل يجوز للإنسان في خاصة نفسه أن يقلده ويعمل به أم لا؟ وقال بعد ذلك كل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه، وما الذي كذبهم الله فيه؟
=فأجاب: وقفت على السؤال عنها فوق هذا الجواب من مسألة فك النصراني رقبة الدجاجة هل يأكلها المسلم معه أو يأخذها منه؟ فأفتى القاضي ابن العربي بجواز بجواز ذلك، فلم يزل الطلبة والشيوخ يستشكلونها ولا إشكال فيها عند التأمل، لأن الله تعالى أباح لنا طعامهم الذي يستحلونه في دينهم على الوجه الذي أبيح لهم فيه الذكاة فيما شرعت لهم فيه على الوجه الذي شرعت، ولا يشترط أن تكون ذكاتهم موافقة لذكاتنا في ذلك الحيوان المذكى ولا يستثنى من ذلك إلا ما حرمه سبحانه علينا على الخصوص، كالخنزير، وإن كان من طعامهم ويستحلونه بالذكاة التي يستحلون بها الأنعام وكالميتة.
وأما ما لم يحرم علينا على الخصوص فهو مباح لنا كسائر أطعمتهم، وكل ما يفتقر إلى الذكاة من الحيوانات، فإذا ذكوا على مقتضى دينهم حل لنا أكله، ولا يشترط في ذلك موافقة ذكاتهم لذكاتنا، وذلك رخصة من الله وتيسير علينا، وإذا كانت الذكاة تختلف في شريعتنا، فتموت ذبحا في بعض الحيوانات ونحرا في بعض وعقرا في بعض وقطع عضو كرأس وشبهه كما هي ذكاة الجراد، أو وضع في ماء حار كذلك كالحلزون، فإذا كان هذا الاختلاف موجودا بالنسبة إلى الحيوانات، فكذلك قد يكون شرع في غير ملتنا سل عنف الحيوان على وجه الذكاة، فإذا اجتزأ الكتابي بذلك أكلنا طعامه كما أن لنا ربنا سبحانه، ولا يلزمنا أن نبحث عن شريعتهم في ذلك، بل إذا رأينا ذوي دينهم يستحلون ذلك أكلنا كما قال القاضي، لأنها طعام أحبارهم ورهبانهم، وإنما وقع الإشكال في هذه المسألة لما كان سل عنق الحيوان عندنا لا يستباح به
[9/2]
[10/2]
فإن قلت : بل هذا الشرط من الوجه الثاني عند اللخمي ، وهو أن يشترط أن يسقط ما تقتضيه حقوق الزوجية أن لا يخرجها عن بلدها ولا يتزوج عليها ولا يتسرى ولا يذكر في ذلك عتقا ولا طلاقا ، فهذا مكروه ؛ لأن فيه ضربا من التحجير عليه ، إلى أن قال : هذا الشرط باطل عند مالك ، وله أن يخرجها . ولا شك أن حق الزوج ثابت في تعجيل الدخول ، فاشتراطهم عليه تأخيره ، هو اشتراط إسقاط ما تقتضيه حقوق الزوجية ، فيكره ولا يلزم ، وهو نص ما في سماع أصبغ عن ابن القاسم في التي اشترطوا أن لا يدخل بها خمس سنين لقوله بئسما صنعوا! والشرط باطل والنكاح ثابت جائز ، وإن أراد الدخول قبل ذلك فذلك له .
قلت : لا نسلم إن حق الزوج ثابت في تعجيل الدخول على كل حال ، بل إذا لم يعارض ذلك إذرار بالزوجة . فإذا كان ذلك قدم دفع ضرر الزوجة كما في الوجه الأول المذكور ؛ لأن ما يفعله الزوج مما يضر بالزوجة لابد وأن يكون له فيه منفعة . وقد بينا الحاجة إلى اشتراط السنة في الفرعين المذكورين .
وإضرار المرأة التأخير إليها ، وما عليها في ترك التأخير من الضرر . وأما مسألة ابن القاسم في هذا السماع فلا تشبه مسألة المدونة لكثرة التأخير لخمس سنين وقلته لسنة ، مع ما بينا فيها من وجه الحاجة في الفرعين . ولا شك أن المرأة في مسألة السماع ممن تطيق الوطء ، لقوله : وإن أراد الدخول فذلك له . على أن أصبغ فهم أن هذا القول خلاف لقول مالك في المدونة ، وإن كان ابن رشد تأوله ، فإن أصبغ قال بإثر ما تقدم : وقال مالك : إن كان لصغر أو لظعون فلهم شرطهم . وقول مالك إنما يشبه اشتراطه تأخيرها وما هو عندي أنا بالقوي إذا احتملت الدخول بالرجال وأطاقت الوطء انتهى . قال ابن رشد : قول ابن[9/3]القاسم صحيح على أصل المذهب في أن ما لم يقيد بتمليك وطلاق من شروط النكاح لا يلزم .
فأجاب: تصفحت سؤال الواقع فوق هذا والعقدين المنتسخين فوقه ووقفت على ذلك كله، وإذا ثبت عقد الاسترعاء بالضرر على السماع بشهادة شاهدين عدلين لا مدفع فيهما للزوج وجب للمرأة على زوجها الرجوع على زوجها بما وضعت عنه وصرفت إليه بعد يمينها في مقطع الحق أن ما أشهد لها به من إضرار زوجها لحق، وأنها لم تباره بما بارته به إلا لتتخلص من إضراره لها لا عن طيب نفس منها بذلك، ومما استدركه في جوابه إن من تمام شهادة شهود عقد الاسترعاء بالضرر على السماع أن يزيدوا في شهادتهم لا يعلمونه
[6/4]
[7/4]
رجع عما سمعوه من إضراره بها إلى أن اتصل لهم مفارقته لها، والله ولي التوفيق برحمته.
[ مخالعة المرأة زوجها بشرط أن لا تتزوج إلا بعد عام ]
وسئل ابن الحاج عن امراة خالعت زوجها على أن حطت عنه جميع كاليها وغير ذلك مما تضمنه عقد الخلع وعلى أن لا تتزوج إلا بعد انقضاء عام من تاريخ الخلع، فإن تزوجت قبل العام فعليها أن تغرم له مائة مثقال مرابطية.
فأجاب هو وابن رشد بأن الخلع جائز والشرط باطل، ولها أن تتزوج قبل العام ولا شيء عليها بذلك.
[ مخالعة اليتيمة زوجها بكالئها ثم قيامها عليه ]
وسئل فقهاء أشبيلية عن يتيمة بنى بها زوجها وبقيت معه سبعة أشهر فافتدت منه بكاليها ثم قامت عليه بعد ذلك بثمانية أشهر فوجب لها الرجوع عليه فصالحها ببعض الكالي، فلما كان بعد مدة قامت عليه مرة أخرى.
فأجاب بعضهم: بأن لها القيام عليه، وأجاب آخر بأن قال: لا قيام لها بعد الصلح الأخير وبه حكم القاضي أبو القاسم بن كوثر، وقال: وهو الصواب، وعلل ذلك بأنها قد مضى عليها بعد البناء خمسة عشر شهرا، السبعة منها معه، والثمانية بعد فراقه.
[ إذا اختلعت المرأة من زوجها بفرض ولدها الرضيع على ألا يأخذه منها إذا انتقلت من المدينة ].
المستثنى مشتري لا على أنه مبقي فيصح وإن لم يرتضه الشيخ ابن عرفة، فإنه قال: وبعضهم يجري فيه الخلاف من كون المستثنى مبقي فيلزم مثله في سائر الحبوب كالقمح والفول، انتهى نصه، وفي كلامه نظر واضح، فإنه إن عنى بصورة الإلزام ما إذا باع تبن زرع أو فول واستثنى حبه وإنه يلزم إجراء القول بكون المستثنى مبقى فيها منعنا بطلان الثاني إلا أن يستظهر في ذلك بنص في غير المسألة للمنع وهو عزيز، ولا مانع فيما يظهر من جواز بيع تبن وزرع قائم أو حصيد لأنه جزاف مرئي محاط به، وإنما يمنعه على القول بكون المستثنى مشترى، إلا أنه في هذه الصورة قد استثنى الحب وشراء الحب على أن يصفى من تبنه لا يجوز كما مر، وإن أراد بصورة الإلزام عكس الصورة المذكورة وهي ما إذا باع الزرع واستثنى التبن فهي غير مطابقة لمحل النزاع أيضا، فهي ممنوعة لاشتمالها على بيع الحب بشرط تصفيته من تبنه، ولولا ذلك لجاز استثناء التبن على القولين معا، وإن قال قائل إن الشيخ لم يرد واحدة من الصورتين فليبين ما هو مراده ليتكلم عليه.
قلت: إنما يتوجه هذا السؤال لو كانت تلك النصوص إنما دلت على اعتبار الإقرار في الصحة للمعين الذي لا يتهم عليه، إذ يمكن أن يقال حينئذ: ولعل غير المعين الذي اتهم في مسألتنا يكون في نفس الأمر ممن يتهم عليه، أو أن ذلك المعترف به لا أصل له بالكلية وإنما أراد المقر إخراجه عن نفسه من رأس ماله بعد موته. وأما حيث دلت النصوص المتقدمة على اعتبار الإقرار في الصحة للولد الذي هو موضع التهمة ويوثره الأب غالبا على نفسه فلا معنى للتفرقة بين المعين وغيره. على أن ابن رشد رحمه الله قال فيمن أقر في صحته أن استنفق اللقطة ولا دين عليه ولم يقم بذلك عليه حتى مات إن إقراره بذلك جائز من رأس ماله ورث بولد أو بكلالة. وما وقع له في كتاب الوصايا من حكاية الخلاف في حكم الإقرار من ( )(¬1).
هل يبطل أو يخرج من رأس المال أو من الثلث إنما هو في إقرار المريض، ولذلك فصل فيه بين أن يورث بولد أو كلالة. وقد صرح بذلك في كتاب اللقطة حيث كرر الكلام على المسألة بعينها، ولا يتوهم من أنه أدنى مشاركة في الطلب أن ذلك الخلاف لا يتناول إقرار الصحيح، وإنما نبهت على هذا لتمسك بعض الناس به في المسألة.
[ما يثبت به التوليج بالقرائن]
فإن قلت: حاصل ما ذكرته إعمال إقرار الصحيح حيث لم يتهم عليه،
[9/6]
وذلك مؤذن بإلغاء التهمة في باب الإقرار بالصحة، لكن وقع في المذهب ما يدل على اعتبارها في مسائل التوليج، فكيف السبيل إلى الجمع بين ذلك؟
9/7] توقف في ذلك ولم يدر هل يسوغ له ذلك - ويكون بمثابة قوم ظلموا- ,؟ ثم إن أحدهم دفع المظلمة عن نفسه واخذ بعض ماله أولا ثم إنه تذكر مسألة سيدي أحمد بن عمر إمام المدرسة, وكان قال له سيدي عبد الله العبدوسي تسبب لي في العشرين درهما الزائدة على حصتي, وأفتاني فيها بالحلية فسررت بذلك. ثم عن بعض الناس اعترض ذلك, وقال: لا يجوز ذلك في المسألتين, ولا في مسألتي, ولا في مسألة سيدي أحمد بن عمر, فأردت بفضلكم أن تبينوا المسألتين بيانا شافيا, وما يجوز من ذلك وما لا يجوز, ولكم الأجر في ذلكم. والمدرسة المذكورة لها نحو العشرين دينارا ذهبية معدة لإصلاحها عند الخطيب, والوفر المذكور زائد على ذلك, وقد أوقف أيضا, قالوا لإصلاحها, أو لإصلاح الجامع الأعظم وشراء حصر للجامع أيضا, مع أن الجامع أيضا قد كانت تسلفت من المدرسة المذكورة عشرين دينارا ذهبية أيضا. فتأمل هذا كله بفضلك وجاوبنا جوابا شافيا مستوفيا. ويا سيدي من حجة من منع أن قال ما خلصت من تلك الدراهم هي شركة بين المرتب كلهم لا تنفرد به وحدك, فهل الأمر كما قال أولا ؟ ويا سيدي لو قال بعض أهل المرتب نوفر وفرا نصرفه في بنيان إن طرأ, وقال الآخرون لا نوفر شيئا, بل مهما طرأ البنيان بني بالفائد فإن بقي شيء وفضل عن البنيان في وقت البناء أخذته, وإلا فلا, فالقول قول من ؟ أو قال واحد: أنا آخذ راتبي كاملا ولا أوفر شيئا فإن احتاجت المدرسة لبنيان رددت من يدي ما يجب علي في ذلك البنيان. هل له ذلك أم لا ؟ والسلام عليكم من محمد القوري.
ونص الرسم الثاني منها، وهو مقيد أسفل الرسم المنصوص بعد الحمد الله من أوله إلى آخر الشهادات والإعمال عقبه: أشهد قاضي الجماعة بمدينة فاس عبد الله بن أحمد بن محمد الأزدي أعزه الله تعالى وحرسها بصحة الرسم المقيد هذا بأسفله لثبوته عنده واستقلاله لرأيه بواجبه وذلك بمجلس نظره من فاس المذكورة ومقعد حكمه بها وكله في العشر الوسطى من شهر ذي القعدة من عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة قابلها بأصلها فتماثلا وأشهد قاضي الجماعة بمدينة فاس المحروسة حفظه الله تعالى وهو محمد بن محمد الصنهاجي أعزه الله تعالى وحرسها بإعماله الإعمال المنصوص لصحته عنده وثبوته لرأيه بواجبه وذلك بمجلس نظره وقضائه من حيث ذكروه أواخر جمادي الأولى من عام أربعة وعشرين وثمانمائة(¬1).
ونص الثاني وهو مقيد أسفل الأول: الحمد لله. هذه نسخة ثلاثة رسوم نص الأول منها بعد سطر افتتاحه من أوله إلى آخر الاكتفاء المقيد عقبه: يشهد من يتسمى من الشهداء عقب تاريخه بأن الماء الهابط من عيون أرجان إلى وادي مزغة بن حندوش من نظر صفرو وأحواز فاس المحروسة لم
[8/8]
[9/8]يزل ينتفعون بالماء المذكور أهل مزغة المذكورة طوال الليالي والأيام بطول الزمان الذي أدركوه بأعمارهم وفهموا فيه بعقولهم، ويسقون بالماء المذكور جناتهم وزيتونهم وثمارهم، ويجرون بها أرحاهم مجرى الوادي المذكور بطول الوادي المذكور طوال الليالي والأيام، إلى أن قطعوا الماء المذكور أهل أرجان المذكور عن أهل مزدغة المذكورة منذ نحو عامين سالفين من تاريخه. فمن علم ذلك كله حسب نصه، وتحقق كنه وصفه، قيد بذلك شهادته في العشر الوسط لشهر المحرم مفتتح عام ستة وأربعين وسبعمائة. وتقيد بعقب شهوده اكتفى فتجاوز على شهدائه.
ليس لصاحب بيت نار أن يزيد آخر إذا أضر الدخان بالجيران]
وسئل عن رجل كانت له كوشة فيها بيت نار واحد، فأراد صاحب الكوشة أن يحدث بيت نار آخر في الكوشة، وأراد أن يخرج دخانها في المدخنة التي ليست النار الأول، فمنعه الجيران وقالوا: أحدثت علينا دخانا غير الذي كان قديما.
فأجاب بأنه يسد عليه بيت النار المحدث لزيادة الضرر، وبذلك حكم القاضي أبوزيد بن القطان. قال ابن الرامي: وكذلك ضرر دخان السفاج، وكذلك الطواجين التي استنبطت لقلى الشعير في الأسواق والدور فإنها ضرر.
[مسألة فيمن أراد أن يجدد فرنا معطلا]
وسئل القاضي ابن القطان التونسي عن رجل كان له خراب، كان له من قديم الزمان فرن، وأراد ورثة مالكيه أن يعيدوه فرنا كما كان فمنعه الجار الملاصق له وزعم أنه لا يعلم به وأن حكمه الآن بطل وأنه مهما أعاده فرنا أضره بجدرانه وأراد أن يبنى له حائطا بداخل الفرن ملاصقا لداره ليكون له
[10/9] ذلك قوة لجدرانه. هل يكون لهذا الجار مقال في بناء هذا الحائط وفي منعهم بناءها (كذا) وكيف إن وجد بيت الفرن على صفة ووجه معلوم، هل لمالكيه أن يوسعوا ذلك البيت لفرن آخر أكثر مما كان عليه؟ وهل لهم أن ينقلوا موضع الفرن القديم إلى موضع ثان من الفرن أم لا؟
فأجاب: إن كان خراب هذا الفرن له زمان طويل وقد عفا ودرس وترك على التعطيل حتى طال الزمان ثم أحدث الجار دارا ملاصق الفرن، ثم أراد ورثة مالك الفرن إحياء ذلك الفرن، وهو يضر بجدران الدار فله أن يمنعهم إلا أن يبنوا له حائطا كما ذكرت. وإن كان خراب الفرن لم يطل زمانه ولم يترك على التعطيل فلا حجة للجار وإن لم يعلم. وكذلك إن كانت الدار موجودة في زمان عمارة الفرن. وما ذكر أن صاحب الفرن أراد أن يوسع أكثر مما كان عليه إن كان الموضع ماله ولم يضر الجيران فلا يمنع، وكذلك إن أرادوا نقل الفرن إلى موضع آخر إن كان لم يضر من بالجيران ملكهم.
[
حفظ قانون السياسة وبث العدل والتناصف الذي تحقن به الدماء ويتمكن من إقامة قوانين الشرع ، وهذه وظيفة أولي الأمر . وكذلك أصحاب الحديث ينتفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع ، والقراء ينتفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات ، والزهاد ينتفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا ، فكل واحد ينتفع بغير ما ينتفع به الآخر ، لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلا معروفا مشهورا مشارا إليه [8/10] في كل فن من هذه الفنون . فإذا حمل(¬1) تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى وأبعد عن التهمة وأشبه بالحكمة ، فإن اختلاف الأئمة رحمة ، وتقرير أقوال المجتهدين متعين . فإذا ذهبنا إلى تخصيص القول على أحد المذاهب وأولنا الحديث عليه بقيت المذاهب الأخرى خارجة عن احتمال الحديث لها وكان ذلك طعنا فيها ، فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة يجددون للناس دينهم ويحفظون مذاهبهم التي قلدوا فيها مجتهديهم وأيمتهم . ونحن نذكر الآن المذاهب المشهورة في الإسلام التي عليها مدار المسلمين في أقطار الأرض ، وهي مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد ، ومذهب الإمامية ، ومن كان المشار إليه من هؤلاء على رأس كل مائة ، وكذلك من كان المشار إليه في باقي الطبقات . وأما من كان قبل هذه المذاهب المذكورة فلم يكن الناس مجمعين على مذهب إمام بعينه ، ولم يكن قبل ذلك إلا المائة الأولى ، وكان على رأسها من أولي الأمر عمر بن عبد العزيز ، ويكفي الأمة في هذه المائة وجوده خاصة ، فإنه فعل في الإسلام ما ليس بخاف . وكان من الفقهاء بالمدينة محمد بن علي الباقر ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وسالم بن عبد الله بن عمر ؛ وكان بمكة منهم مجاهد بن جبر ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وعطاء بن أبي رباح .
فأجاب: لا كراهة في المشي في المسجد بالنعل التي يمشي بها في الطرقات إذا تحقق أنه لا نجاسة فيها، فإن تحقق بها نجاسة حرم المشي بها في المسجد إن كانت النجاسة رطبة أو مشي بها على موضع رطب في المسجد، أو كانا جافين ولكن كان ينفصل بالمشي من تلك النجاسة شي فيقع في المسجد وهي في هذه الأحوال(¬1) يحرم المشي بها في المسجد. وإن انتفت الرطوبة من الجانبين ولم ينفصل من النجاسة شي لم يحرم المشي بها في المسجد وفي الكراهة نظر، لأن القول بها يحتاج إلى دليل ولا يجوز القول بالهجوم، والمسجد وإن كانت له حرمة، لكن قد يقال: إن ذلك لا ينافي احترامه، ثم قال والدي رحمه الله في شرح الترمذي: قد اختلف نظر الصحابة والتابعين في لباس النعال في الصوات هل هو مستحب أو مباح أو مكروه؟ ثم قال: والذي يترجح التسوية بين اللبس والنزع ما لم تكن فيها نجاسة محققة أو مظنونة.
[8/11] [لا تجوز إهانة الخبز ولا يبالغ في تعظيمه]
وسئل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الأصل، المصري الدار رضي الله عنه. هل قال أحد من المسلمين بجواز إهانة الخبز أو ما يسقط منه من اللباب أو يجوز وطؤه بالأقدام؟ وما يجب على فاعل ذلك؟ وهل يجوز إلقاؤه في الأرض؟ وما قيل في تعظيمه عظموا الخبز فإنه ما أهانه قوم إلا ابتلاهم الله بالجوع. هل هذا حديث صحيح؟ وهل ما قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على سيدتنا عائشة فوجد كسرة ملقاة في الأرض وأخذها وقبلها ووضعها على رأسه، ثم قال يا عائشة أجلي نعم الله فإنها قل ما نفرت عن قوم وعادت إليهم. هل هذا حديث أم لا؟.
يحكم بأحد القولين المستويين من غير ترجيح ولا معرفة بأدلة القولين إجماعا ، وقال في كلامه الآخر وعلى هذا التقدير يتصور الحكم بالراجح وغير الراجح وليس اتباعا للهوى بل ذلك بعد بذل المجهود والعجز عن الترجيح وحصول التساوي .
وتقدير ما يتوهم من التدافع بين الكلامين أن الأول يقتضي أن للمقلد أن يحكم بأحد القولين من غير أن ينظر في ترجيح أحدهما على الآخر إجماعا ، وكلامه الآخر يقتضي أنه لا يحكم بغير الراجح وإلا بعد النظر هل في القولين راجح أولا حتى يعجز عن الترجيح ويحصل التساوي .
يقال : لا تدافع بين الكلامين ، لأن ما كلف فيه بالنظر إنما هو حيث يكون في القولين راجح ومرجوح ويكون المقلد أهلا للترجيح وحيث أجاز الحكم بأحد القولين من غير نظر فرض القولين مستويين لا راجح فيهما ، والمقلد ليس أهلا للنظر . ألا ترى قوله : ولا معرفة بأدلة القولين ، فمن لا معرفة له بأدلة فيم ينظر الترجيح ؟ فالنظر إنما هو في ترجيح أحد القولين على الآخر ، والفرض أن هذا المقلد لا معرفة له بأدلة القولين ، فلم يمكن النظر من غير العارف بما يقع فيه الترجيح التي هي الأدلة ، فلا تدافع ، إذ لم يتحد المحكوم عليه ، فإن له أن يحكم فيه في الصورتين ، والله أعلم . انتهى .
وأجاب الفقيه أبو العباس سيدي أحمد بن زكري بما نصه : قد تظافرت نصوص الأيمة من الأصوليين والفروعيين على امتناع الفتيا والقضاء بالقول المرجوح عند المفتي أو القاضي ، فيتعين الراجح . فإن كان القاضي أو المفتي من أهل الاجتهاد بالإطلاق أو التقييد فظاهر ، فإن العدول عن الراجح إلى المرجوح إذ ذاك في اتباع الهوى المنهي عنه بالإجماع ؛ وإن كان من ذكر من أهل التقليد كما هو الغالب من حال أهل العصر وجب عليه اتباع ما رجحه أهل المذهب المقلد ، فلا يجوز العدول عنه إلى المرجوح ، وإن تخيل رجحانه فيجب تركه والعمل بما رجحوه ؛ فإن لم يوجد لهم ترجيح بعد
[8/12]
[9/12]