ويقوي ما قررنا إن إسماعيل اعتبر في علة الغسل كونه نجسا كونه قال باستحباب الغسل. ونقل شيخنا ابن عرفة عن المازري أن هذه هي العلة عند القائلين بالاستحباب, فإذا صح هذا سقط الإلزام والاعتذار. وعبارة ابن الحاجب في النقل عنه تومىء إلى ذلك لإتيانه بالإغياء في قوله: وقال إسماعيل يستحب وإن كان جنبا لجب الإسلام. وأما بعض الأقوال فهو ما أشرتم إليه من قولكم المانع يتوقف على المقتضي في رأي قوي, ولعمري أنه لقوي كما أشرتم إليه. إلا أن علة الحكم بالنفي بحثا خلافه, وإليه ذهب ابن الحاجب, وذلك قوله في القياس: وإن كان وجود مانع أو انتفاء شرط لم يلزم وجود المقتضى. لنا أنه إذا انتفي الحكم مع المقتضي كان مع عدمه أجدر. قالوا إن لم يكن فانتفاء الحكم لإنتفائه. قلنا أدلته متعددة انتهى. وهنا الحكم النفي أي ليس الكافر بمتطهر لمانعيه حدثه من الطهارة, ولا يشترط وجود مقتضيها على هذا القول. على أني أقول لا يتصور في هذا الفرع وجود المقتضى وتخلف الحكم عنه لمانع, إذ لا تجتمع الطهارة التي هي مرادكم بالمقتضى هنا والحدث الذي هو مانع, فإنهما ضدان لا يجتمعان, وإنما يكفي ذلك في بعض صور نقض العلة كما في العرايا ونحوها, فإن المقتضي لمنع بيع الطعام بمثله متأخر, او بيع الرطب باليابس موجود فيهما, لكن تخلف الحكم عنه لمانع, فتأملوا هذا فإنه التحقيق. ثم في أصل فرقكم نظر دقيق, وهو أن يقال إنما حكمتم على الكافر بالطهارة الكبرى باعتبار أنها الأصل السابق, إذ الأصل في الحالة التي يخلق عليها الإنسان عدم الحدث الأصغر, فهو في تلك الحالة على مقتضى ما قررتم متطهر الطهارتين, بحيث يمس بهما المصحف
[43/1] الكامل إن احتاج إلى ذلك وكان محكوما له بالإسلام, فطريان الحدث بعد ذلك مانع, فريتفع بالإسلام كمانع الكفر.
فإن قلت: هذا يظهر فيمن ولد على الإسلام. وأما من ولد على الكفر فلمنافاة الكفر والطهارة.
اذ هو قابل للتحقيق عند الاطلاق , ولذلك لو شرك لم يحمل على الصحهع
لانضياف المانع من القبول الى الفعل وهو نيه التشريك , ولما لم يكن فى مسأله
الدارين عرف فى الانفراد لم يحمل عليه . وتقر ربما ذكرناه ان الأصل فى الاطلاق
الانفراد , وان نيه الافراد مؤكده للأصل ونيه التشريك ناقله عن الأصل
وصارفه الى غيره .
وبعد تمهيد هذا الأصل نرجع الى مسألتنا فنقول : اذا شرك بين
الكفارات فى الأيمان كانت نيه التشريك مقرره لثلث كل كفاره فى محلها
الأصلى وناقله لثلثيها عنه الى غيره , فوجب ان يبطل من كل كفاره ثلثاها
المنقولان من محلهما , وتبكل فى العتق الثلاثه جميعا لأنه لا يتبعض ولا يصح
الا ثلث الطعام وثلث الكسوه وذلك سته بعد الغاء الكسر . وأما الوجه الذى
بسطتموه وقررتموه أتم تقريرفلا يخفى ما فيه من الضعف كما اشرتم اليه . وأما
تنزيلكم ذلك منزله الصفقه فلا تجمع حلالا وحراما , فى كريم علمكم أن ذلك
موجه بأحد أمرين : اما جهاله الحلال حين العقده وذلك مبطل للصفقه , وهو
أمر خاص بالمعاوضات لا يتعدى الى التبرعات كهبه سلعه وخمر , واما
الاحتياط لأمر التحريم لاتحاد العقد فيعم جميع المعاملات معاوضاتها وتبرعاتها ,
فينبغى ان يتأمل هذا التشبيه على أى وجه من الأمرين يكون , فهذا تمام
النظر فى مسأله الأيمان والله تعالى أعلم .
الطريق اللمتاز , لسلوك مسأله ابن المواز , لابن لب
وسئل الأستاذ " أبو سعيد بن لب " عن هذه السأله ورسمها بالطريق
الممتاز , لسلوك مسأله " ابن المواز " , فقال رضى الله عنه : وبعد فانى سئلت عن
مسأله من الأيمان ونصت لابن المواز على وجه من الغموض وعدم البيان حتى
لقد رماه قوم بالغلط فى منحاه , ورأوه عادلا عن الاصابه فى مرماه , لم يهتد
[50/2]
[51/2]
عندهم فيها الى طريق نظر , ولم يسلك لقصد سبيلها على أثر , فأوضحت
طريقها الذى امتاز بسلوكها عليه , واشار بسديد نظره اليه , وذلك على قدر
*وكتبت من تلمسان في جمادى الأولى من سنة إحدى وسبعين وثمانمائة ، إلى شيخ الفتوى بالمغرب الشيخ أبي عبد الله محمد بن قاسم القوري رحمه الله أسئلة عن عدة مسائل ، من جملتها إذا دخل الثاني بعد علمه بالأول ، فإن نكاحه يجوز ، وترد إلى الأول اتفاقا ، وتستبرأ من فساد ماء الثاني ، وهل يحد مع ذلك وينتفي الولد وسائر لوازم الزوجية من الطلاق والإرث ، لم أحفظ لسلف أيمتنا وخلفهم في الأولى شيئا يتضح إجراؤها على مسألة الأختين الواقعة في ثاني أنكحة الكتاب لوضوح الفارق ، ويتردد النظر الحاصل في إجرائها على فقه الناكح في العدة العالم بها ، وناكح ألأم وابنتها ، وناكح الخامسة وجامع الأختين ، فانظروا ذلك .
=فأجابني : بما نصه ومسألة دخول الزوج الثاني مع علمه بسبقية الأول ، هل يحد أم لا حد عليه على ظاهر قول كثير من الأشياخ ، من أعلامهم الإمام الحافظ أبو الأصبغ بن سهل ، فإنه لما ذكر المسألة لم يقيدها بعلم العلم ، والشيخ اللخمي قال : إنما تفوت في الشك في الأسبق ، وابن رشد قيد بعدم العلم ، وتصريحهم في وجوب الحد عدم الشبهة في الموطوءة ، مع حديث : «ادرءوا الحدود بالشبهات» ، مما ينفي الحد في المسألة ، وإن كان بعضهم قال ليس بحديث ، وإنما هو من كلام الفقهاء ، ومن فروعها التوارث والصداق الذي ذكرتم إلخ . وكلام الشيخ ابن محرز في ثبوته كاف في ذلك ، وكلام صاحب الاستلحاق وابن عرفة والمقدمات والزرويلي شاف .
[من ادعى نكاح امرأة في عصمة رجل آخر ، واستظهر برسم استرعاء]
فأجاب بأن قال: أما المنفق على يتيم له مال فإن كان ماله عينا وهو تحت يده أو يد من يمكنه التوصل إليه بلا مشقة فلا قيام له، وإن كان ماله عروضا أو عقارا أو حيوانا أو رقيقا أو عينا لكن يتعذر الوصول إليه أو يتوصل إليه بكلفة أو مشقة، فله القيام عليه على المختار عندي مما قيل في المسألة، والمختار عندي أن لا يمين عليه، فإن كان شهد أشهد في هذا الوجه أعني إذا كان المال غير عين أو عينا لكن يتعذر، غير أنه إنما ينفق ليرجع، فهذا يرجع بلا خلاف، ولا يمين عليه بلا خلاف.
وأجاب غيره بأن قال:: أما المنفق على من له مال فالقول قوله أنه أنفق ليرجع، وفي يمكينه نظر ما وجدت الشفاء منه في الوقت، لأن ظاهر الكتاب عدمه، وقد نقل عن ابن القاسم في مسألة الأب في موضع، ونقل عن غيره اليمين، وابن شاس حكى اليمين حيث يشكل الأمر، هل كان الإنفاق مواساة أو ليرجع؟ وأما مسألة اليتيم المنفق عليه إذا وجب للذي أنفق عليه الرجوع عليه في ماله فإنما هو بقيمة ما أنفق بما يقومه أهل المعرفة بعمل حساب الطعام والصرف دراهم على اختلاف الأعوام بالرخاء والشدة على قدر اجتهادهم، ثم رأيت البعض الموثقين تكليف اليمين بعد عمل هذا المنفق أنه لم ينفقل أهل من هذا، وإن فعلته فهو استظهار يدخل فيما جرت عادة الحكام في الاحتياط للأيتام والغائبين، وهو حسن، ومعنى اليمين التي ذكرت لكم أن نفقته لا تقصر عما يوم من الإنفاق، هذا ما عندي في المسألة والله تعالى أعلم.
[40/4]
[41/4]
[قيام المرأة بالنفقة على زجها الغائب وبيع ما يباع لأجل النفقة]
وسئل الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله عمن قامت بالنفقة في غيبة زوجها وأثبت الموجبات، وانن له مرجعا واستقر بقمن على مشتر وطلب منها اليمين، فهل تعدى بنفقها من يوم يمينها أو من يوم وقع الحكم بالبيع؟
فأجاب: الإعداء بالنفقة والحكم بها من يوم حلقت لا من يوم انعقاد البيع على ما يباع لأجل النفقة.
فأجاب: أكرمكم الله إنما ينظر في هذه المعاوضات التي عقدها فريق المعطي في الأرض التي لم تزل تنسب إلى المخزن، فإن إمضاءه السلطان فليس لأحد أن يعترض فيها المشترين لها، وإن ردها تراجعوا في أثمانها، ولم بني فيها أو غرس قيمة ذلك قائما، والغلة سائغة للمشترين للشبهة التي دخلوها بها، ولا سبيل لأحد أن ينظر فيها سوى السلطان من وال أو غيره لا بنقص المعاوضات التي انعقدت فيها ولا بأن يشركهم فيها بجزء قل أو كثر، وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له، وكتب علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[أخوان ورثا أرضا فكان أحدهما يستغلها
وينفق على الآخر إذا جاء من بلده ونزل عليه ضيفا]
وسئل سيدي مصباح عن أخوين شقيقين كانت بينهما أرض بيضاء شركة بميراث بقصر كتامة، وأن أحدهما كان يستغل أرض أخيه بالحراثة، فعل ذلك أعواما، وأن الآخر الذي كانت أرضه تستغل كان قاطنا بمدينة مراكش وغيرها، وأنه قدم على أخيه مستغل نصيبه ونزل عنده بداره من القصر الكبير
[45/5]
وسئل عمن وهب لابنه جميع أملاكه وعقاره من الأرض والشجر، وسائر المغتلات(¬1)، من متموله(¬2)، واستثني ثلث الغلل في جميع ذلك لنفسه مدة حياته، ثم لحق الموهوب له دين أتى على جميع ما بيده من العين والعرض، فطلبته الغرماء في جميع أقطار الأرض، فأرادوا بيع ماله من الرقيق وغيره، كيف يصنع الأب فيما استثناه؟ هل يأخذ ثلث الأملاك المذكورة طلبا لثلث غلتها كما أفتى به بعض أصحابنا من الأعلام أم لا؟
فأجاب: لا يجوز له ذلك وما أفتى به الفقيه المذكور من أعلام الأصحاب، وتبعه عليه نفر باطل عند جميع الفقهاء من الأئمة. وسأشرح لكم وجه الفساد فاذكروا بعد أمة، وراجعوا إلى القصد السبيل من الملة. وهو بيع الطعام بمثله نسيئة، وبيع الثمر قبل بدو صلاحها لا ينكر وغلة الجزاف بلا رؤية للمقدار مشهورة، والمزابنة للجنس الواحد إضافة منعه- للجميع معلومة. والمسألة لا يجوز فيها البيع ولا المبادلة بحال. والمنازع في جوازها غالط معارض بمحال. والله يصلح جميع أحوالنا وخصوصا يوم يقوم الناس
[47/6]
فيه لرب العالمين. انتهى هذا الجواب، وتأمله وأمعن النظر والتدبر فيه.
[من اقتضى دراهم فوجدها مزيفة هل يردها لصاحبها؟]
وسئل سيدي موسي العبدوسي(¬3) عمن اقتضى دراهم فألفاها زيوفا فاستثقل مخاصمة الدافع، فعزم على استنفاقها، فرد عليه بعضها، فأحب ردها على دافعها.
فأجاب: له ذلك.
[حكم سلف خليع الأضحية]
وسئل سيدي عيسي بن علال(¬4) عن سلف خليع الأضحية.
فأجاب: بأنه لا يجوز وهو كالبيع. وعورض في المجلس. بأن سلف الدينار والدراهم لا يجوز، فإنه بيع بتأخير.
فجاوب بأنه معروف خرج بالنص من الشارع.
[من اشترى رقيقا ووجد به عيبا]
وسئل بعد الشيوخ عمن ابتاع عبدا فألفاه جهوري الصوت إذا تكلم أو صاح أفزع الأطفال.
وسئل الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد بن مرزوق عن أرض محبسه على أستاذ, وشرط المحبس رحمه الله في الأستاذ شروطا لا توجد اليوم في أحد, وهنا بعض الطلبة ممن يحسن أن يقرأ عليه, لكن تورع عنها لأجل الشروط التي في أصل الحبس, وطلب مني السؤال في القضية, فهل يأخذها الأمثل فالأمثل أو يبقى كذلك إلى أن يوجد من هو بتلك الصفات ؟ والغالب على ظني ألا توجد اليوم في أحد ؟ فهل يا سيدي تعين لأعرف ما في الوقت عندنا, أو تبقى كذلك دون تعيين لأحد ؟ ومن جملة ما شرطه رضي الله, أنها لا تكري ولا تحرث إلا بالشركة, وهذا أيضا تعذر من وجوه من عدم الزريعة وغيرها, لأن الناس يحرثونها بزريعتهم وما ينوب للثلث يعطيه الذي يحرث حتى للدارس, وأما هو فما دخل إلا على أن يعطيه حتى إلى معظم الدارس ويأخذ زريعته, فبين لنا وجه الحكم في هذه المسألة؛ ويخاف على الأرض إن بقيت دون من يتكلم عليها ممن لا تكون بيده لفساد الوقت ولعدم جريان أحكام الشريعة. والأوصاف التي شرط رضي الله عنه, لا توجد أصلا إلا في أبي عمر(¬1) والإمام حمزة رضي الله عنهم, ولهذه كره العلماء رضي الله عنهم كثرة الشروط في الحبس كما في كريم علمكم, والسلام الأتم يخص مقامكم سيدي ورحمة الله.
فأجاب تصرف لأمثل من يوجد من أهل المكان المذكور, ومهما وجد
[44/7] من هو أمثل منه صرفت عليه, والشركة على الوجه المذكور وإن شرطت لم يلتفت إلى ذلك الشرط ويبطل ويشارك فيها على الوجه الشرعي, وإلا أكريت وصرفت غلتها لمن ذكر والله تعالى أعلم وكتب محمد بن مرزوق رحمه الله ولطف به بمنه.
[مدة الكراء إذا تعذر إثباتها تحمل على انصرافها]
فأجاب: إذا كانت هذه الأرض لا يمكن سقيها إلا على ذلك السقي الذي أبيح لهم فليس لصاحب الأرض الذي يمر الماء على أرضه منع ذلك، ويراعى ها هنا القول بوجوب الموفق على الإطلاق على ما قضى به عمر رضي الله عنه.
[زنقة غير نافذة كان يدخل منها لمواضع ثم صارت لرجل واحد]
وسئل الفقيه سيدي أبومحمد عبدالنور بن محمد الشريف العمراني عن زنقة غير نافذة وكان يدخل عليها إلى مواضع، وصارت المواضع كلها لرجل واحد ما عدا عرصة واحدة مقابلة لوجه الداخل في الزنقة المذكورة فإنها لرجل آخر، وبأول الزنقة المذكورة صابة قديمة فأراد الآن الرجل المذكور الذي صارت له المواضع المذكورة أن يزيد في الصابة المذكورة إلى قرب باب العرصة المذكورة، ويجعل فوق بابها منقاصا فهل يصح له ذلك؟ أو يمنعه رب العرصة المذكور؟
فأجاب: الحمد لله. أكرمكم الله تعالى. إذا كان الأمر كما ذكرتم فوقه فإن الذي يقتضيه ظاهر ما في نوازل سحنون من كتاب الأقضية الثاني على ما فسره ابن رشد، وما في تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي رحمهم الله، إذا رفع القناطير التي يبني عليها ما يريده رفعا بينا بحيث لا تصل إليها رؤوس المارين من الركبان تحتها ولم يحدث بذاك ظلمة فيما تحت ذلك من الزنقة(¬1) المذكورة، فإن له أن يحدث ذلك ويبني عليه ما شاء، وليس لجاره أن يمنعه من ذلك، وإن لم يكن كذلك وكان بناؤه المذكور يحدث ضررا على
[42/8]
[
46/9] كسائر ما يستحق من الأموال بطول الحيازة بحضر القائم بعدها، وهذه القولة وقعت لأصبغ في نوازله في كتاب جامع البيوع من المستخرجة في مسيل ماء دارك على دار جارك، وتركت نقل المسألة كراهة التطويل، والقول الآخر عنه في كتاب الاستحقاق فيمن أحدث كوة أو بابا على دار غيره أو أندرا على جنانه أو ميازيب على حائطه وهو حاضر ينظر ولا ينكر ولا يغير، قال لا يستحق هذا في السنين الخمس ولا العشر بعد أن يحلفوا له أنه ما كان عن رضي ولا تسليم إلا أن يطول بالدهور الكثيرة جدا فيحمل على ذلك أنه حق يستحق بالحيازة.
وقال ابن حبيب في شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار)) هما كلمتان بمعنى واحد رددت توكيدا في المنع منه، وقد يأخذه تصريف الإعراب فالضرر الاسم والضرار الفعل وقوله لا ضرر أي لا يدخل على أحد من أحد ضرر وإن لم ينذره ولا ضرار أي لا يضار أحد بأحد، ووجوه الضرر كثيرة تتبين عند نزول الحكم فيها منها دخان الحمامات والأفران وغبار الأنادير ونتن دباغ الدباغين إذ أضر ذلك بمن جاوره قيل لمحدثه: احتل له وإلا فاقطعه وسواء كان قديما أو حديثا ولا يستحق الضرر بالقدم إلا أن يكون الضرر أقدم من المتأذى به ولا تكون الحيازة في أفعال الضرر حيازة تقوم بها حجة محدثة بل لا يزيده تقادمه إلا ظلما وعداء، قال في آخر المسألة هكذا فسره من لقيت من أصحاب مالك عندما كاشفتهم عنه، وفي المسألة طول اختصرته.
وفي كتاب السداد، سئل عيسى بن دينار عمن له منصب حيتان صاد فيه أعواما، ثم شكا جيرانه أن ذلك يضر بهم، واحتج هو باستحقاق ذلك عليهم هذه الأعوام. قال: لهم أن يمنعوه.
ابن سهيل: وهذا نحو ما ذكره ابن حبيب، وهو أحد قولي أصبغ، وقد تقدم لسحنون في مصب ماء على دار جاره في أربعة أعوام.
وقال ابن أبي زمنين: رأيت في مسائل سئل عنها يحيى بن إبراهيم بن مزين أنه قال ما كان من الضرر يبقى على حال واحدة لا يزيد كفتح الأبواب
[
قال ابن الصلاح لا ينبغي للمفتي أن يتساهل في الفتوى ، ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتى ، وكذلك الحاكم . ولا فرق بين المفتي والحاكم إلا أن المفتي مخير والحاكم ملزم ، والتساهل قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى أو الحكم قبل استيفاء حقهما من النظر والفكر ، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة والإبطاء عجز ومنقصة ، وذلك جهل . ولأن يبطئ ولا يخطئ أجمل به من أن يعجل فيضل ويضل . وقد يكون تساهله وانحلاله أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة والمكروهة والتمسك بالشبه طلبا للتوقف على من يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره ، ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه ، ونسأل الله العفو والعافية . قال أما إذا صح قصد المفتي فاحتسب في تطلبه حيلة لا شبهة فيها ولا تجر إلى مفسدة ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل . وقال القرافي في كتاب الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام : لا ينبغي للمفتي إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف ، وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين ، وذلك دليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وتقواه وإجلاله ، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق نعوذ بالله من صفات الغافلين ، وأحكام الجاهلين ، والحاكم كالمفتي في هذا انتهى .
[فتوى من لم يقرأ غير المدونة والموطأ والمختصر ونحوها]
وسئل الشيخ أبو محمد بن أبي زيد عن الرجل إذا لم يستبحر في العلم وإنما نظر في المدونة والموطأ والمختصر ونحو ذلك يسأل عن النازلة ، هل له أن يفتي بما رآه في هذه الدواوين لمالك أو لأحد من أصحابه أو بإختيار لسحنون أو لابن سحنون أو لابن المواز وشبههم ؟
[
42/11] في الدين أعظم من السم في الأبدان والله الواقي بفضله. والسلام على من يقف على هذا من كاتبه: إبراهيم الشاطبي. ه.
وتقيد بعقبه بخط المجيب رحمه الله ما نصه: ما كتب فوق هذا ويمنته صحيح عني حسبما كتب، فليروه عني من شاء على حسب ما وقع هنا والله الموفق للصواب. وكتب بذلك خطه العبد الفقير إلى رحمة ربه: إبراهيم الشاطبي المذكور في العشر الأواخر لذي قعدة عام ستة وثمانين وسبعمائة.
[ما أجاب به الحفار عن السؤال السابق]