فأجاب: هذا الفرق بين الطهارة الصغرى والكبرى من حيث الجملة حسن, إلا أنه لا يلخص لأنه خاص ببعض الصور وإن كانت أكثر من غيرها, وببعض التقديرات وعلى بعض الأقوال. ودعوى من ألزم اسماعيل الوضوء على قوله عامة فيما يظهر. كما أن دعوى إسماعيل كذلك أيضا فيما يظهر. وبيان كون هذا الفرق لا يجري في كل صورة أن المسلم البالغ إذا توضأ ثم ارتد ثم تاب قبل نقض وضوئه أو بعده, وكذلك الكافر الأصلي إذا أسلم وهو غير متوضىء, ثم ارتد قبل البلوغ ثم أسلم بعد البلوغ ولم ينتقض وضوؤه أو انتقض, فإنه في الصورتين يصدق عليه أنه اتصف بالطهارة الصغرى وطرأ له مانعها فينبغي أن يجبه الإسلام.
لا يقال: غنه إذا ارتد انتقض وضوؤه بناء على إحباط العمل بنفس الشرك ولا يشترط في إبطاله الوفاة, فلم يتلبس الكافر بالطهارة الصغرى.
لأنا نقول: لا نسلم بطلانه بناء على القول الآخر, سلمنا لكن إبطال الكفر للوضوء بعد تحقيق التلبس به إنما هو إبطال الجماع الطهارة الكبرى التي قرر تم ثبوتها للكافر بالأصالة, فغاية الكفر بعد الوضوء أنه من موانعه كالحدث وقد قررتم أن المانع يرتفع بالإسلام. فقولكم لا يمكن اتصافه
[42/1] بالطهارة الصغرى فيه ماترى. وأما بعض التقديرات التي لا يجزىء معها هذا الفرق, فهي ما إذا قررنا أن علة غسل الكافر عند القاضي إسماعيل محض التعبد أو لكونه نجسا. لأن ما ذكرتموه إنما يتم إن كانت العلة عنده كونه جنبا, لكن هذا مشترك الإلزام بينكم وبين ملزوم الوضوء. ولا مؤاخذة عليكم أنتم, لأنكم إنما تكلمتم على تقدير الإلزام, والمؤاخذة في الحقيقة على الملزم, وإلى هذا أشار ابن عرفة رحمه الله بقوله: قلت إنما يلزم على أنه للجنابة, فلعله عنده لغيرها. انتهى.
الأشياء المتساويه نسبه واحده , ولذلك يلزم ان يكون جزء كل جمله مساويا
للجزء النظير له من الأخرى فى معنى التكفير , فكانت خمسه الكسوه مساويه
لخمسه الاطعام , ولزم صحه القول بالتلفيق . ولهذا المعنى اختار " اللخمى "
القول به لسد كل واحد منهما مسد الاخر . كالتلفيق بين عشره دنانير ومائه
درهم فى تكميل النصاب , فان كل واحده من النقدين كالاخر فى معنى النماء
الحاصل بمعالجه التجاره , وفى تقويم المقومات وفى عدم تعلق الاغراض
بأعيانها , وفى الأمر المناسب لوجوب الزكاه وهو الغنى , فانه نعمه تستدعى
شكرا . فلما اتحد وهو اخراج ربع العشر فيهما لزم كونها سواء فى نعمه الغنى ,
اذ تتفاوت النعمه بتفاوت الشكر , ولهذا الأمور التى ذكرناها لم يتلفق بين
أجزاء العين والحرث والماشيه نصاب , ثم التلفيق بين النقدين فى ذلك بالجزء
لا بالقيمه , فلذلك لم تجب الزكاه على من عنده عشره دنانير وعشرون درهما
تساوى عشره أو بالعكس .
قلنا : نحن لم ندع ان التلفيق بين الكفارتين اخراج بالقيمه , بل قلنا ان
المانع من اخراج القيمه مانع من هذا التلفيق وهو ابطال ما دل عليه النص
من تعين الواجب . وأما تلفيق النصاب من النقدين فهو زياده على محل الحكم
وفرق بين الزياده على الحكم المنصوص والزياه على محله حسبما بسطه
الأصوليون فى كتبهم , فثبت أن المشهور ةالحق متطابقان على عدم الاجزاء وهو
المطلوب .
الحاله الثالثه : ان يرسل المكفر الكفارات ارسالا فلا يقيدها فى نيته
بافراد ولا تشريك , فالمذهب متفق على الاجزاء فى هذه الحاله , بل نقل
" الطرطوشى " الاجماع على ذلك .
[49/2]
[50/2]
فان قيل : لم يحملوا حاله الاطلاق على حاله التشريك كما لو قال هاتان
الدران لزيد وعمرو .
قلنا : لما كان عرف الشرع فى الكفارات الانفراد وكان فعل المكفر بناء
على حكم المشرع وامتثالا لأمره وجب حمل امره على الانفراد تصحيحا لفعله ,
لأنا نقول لم تقصد الامتناع من الوطء ، وقد ذكر ابن يونس رحمه الله الخلاف بين الشيوخ فيمن تزوج امرأة في عدة من طلاق رجعي فحملت من الثاني ، فمنهم من قال إن النفقة على الثاني لأن الحمل له ، ومنهم من قال إن النفقة على الأول : لأنها في عصمته بعد ، وأحكام الزوجية قائمة بينهما ، ففي هذا بيان أنها لو لم تكن حاملا ، لكانت النفقة على الزوج الأول قولا واحدا ، إذ قال في توجيه القول بوجوب النفقة على الثاني لأن الحمل له ، وأما ما أشرتم إليه في مسألة الأختين هل النفقة على الأول أو الثاني ، فلا قائل بوجوب النفقة على الثاني الواطئ غلطا ، وإنما الخلاف فيها هل النفقة على الزوج الحقيقي ، أو لا نفقة على الزوج الحقيقي مرة على الواطئ غلطا ، ,إنما نفقتها على نفسها والله الموفق للصواب ، وكتب محمد بن عبد الكريم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
=وأجاب : الفقيه أبو سالم بن عبد الله اليزناسني ، بأن قال هذا القول الأخير من أن نفقتها على نفسها في الاستبراء هو الذي صوب ابن يونس ، والمسألة لأبي عمران ، قال لا نفقة لها على زوجها الحقيقي ، ثم قال والأول أصوب وهو بين ؛ لأنه إذا كان ذلك مع الخطأ ، فمن باب أحرى هذه العالمة ، ولم أر من نظر في المسألة تعرض لحكم هذه المرأة فيما أتت به من التزويج انتهى .
قيل : القول الذي نفاه صاحب الجواب الأول ، ذكره بعض المتأخرين على المدونة في مسألة الأختين ، وله وجه ظاهر وهي كونها موقوفة بسببه ، ولها نظائر في المدونة انظره . وفي تشبيه هذه المسألة بمسألة الواطئ غلطا عندي نظر ؛ لأن الواطئ غلطا لا يلزمه السكنى ولا عليه نفقة إن ظهر حمل بها ، ولا يلحقه ولد عن أتت به من وطئه ، وفي المسألة المسئول عنها يثبت ذلك[41/3]كله ، وتشبيهها بمسألة من نكح في عدة من طلاق رجعي أبين عندي والله أعلم .
[من دخل بعد علمه بنكاح الأول ، فإنه يفسخ نكاحه]
فأجاب: الحمد لله، اعلم حفظك الله، أن كثيرا من مسائل النفقة يجري الحكم فيها على مقصود أهل العرف، وإن كانت الألفاظ تدل على خلاف ذلك، ومسألة النفقة التي أشرت إليها وأجاب ابن رشد عنها فيها من هذا المعنى، وذلك أن ذلك القوام على المرأة وولدها حال كونها تحت الزوج هو الزوج، لكن يسهل ذلك عليه وهم في موضع واحد، فإن وقع افتراق عسر على الزوج القيام بمؤن متعددة، قد علم هذا بشهادة العادة، فلهذا ترى الرجل يرغب في صرف نفقة الولد إلى غيره، وهذا المعنى يزول عند المراجعة بانضمام الزوجة وولدها الى الزوج، ولا ترى في العادة الزوجة تكون مع زوجها وهي تنفق له على ولده، فلهذا نعلم أن مراجعته إياها أنه أسقط النفقة عنها، ولا شك أنها لا تعود بعد الإسقاط، وبمثل هذا العرف قضى الإمام فيمن التزمت في الخلع إجراء النفلقة على الولد إلى بلوغ الحلم، علله بأنه أدرك الناس أنهم لا يطلبون ذلك، فترك صريح الالتزام للعرف، والتنظير من الشيخ راجع إلى العرف أيضا، فإن التمليك إذا كان توكيلا فالشأن في الوكيل أن لا ينعزل حتى يقضي
[39/4]
[40/4]
ما وكل عليه أو يصرح بترك ذلك، لكن العرف عند بعض أهل العلم يقتضي الجواب في الجلس، ومن لم يجب عقد تاركا، ولبعضهم حتى يوقف الحاكم المملكة على الأخذ أو الرد لما عرض في المسألة أن العصمة لا تصح وفيها خيار لغير الزوج، هذا ما تمكن، وقد أعجلني عزم حامله على السفر والله الموفق بفضله.
[الإنفاق على اليتيم الذي له مال]
وسئل الفقيه العزي شارح تلخيص ابن البنا عن مسألة تظهر من جوابه.
فأجاب: أكرمكم الله تعالى، إذا ثبت ما ذكرتموه من بيع الولد المذكور للأملاك المذكورة فبيعه مردود إن رد ذلك الولد المذكور بعد ترشيده أورد ذلك له من أقامه القاضي ينظر له، وإن رأى امضاءه، وإن رده أخذ من المشتري المذكور غلة الأملاك المذكور إن علم بحجره كما ذكرتم، ولا تباعه للمشتري على الولد المذكور بما دفع له من الثمن إن لم يثبت أنه دفعه في مصالحه، وما أحدث المشتري المذكور في الأملاك المذكورة أخذ قيمته مقلوعا، والأصل في هذه الجملة أن الذي انعقدت به الفتيا من الشيوخ وجري به عمل القضاة في المحجوز يموت وليه قبل ترشيده إياه أن حكم الحجز باق عليه حتى ينطلق منه، وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وكتب مصباح بن محمد بن عبد الله اليالصوتي وفقه الله.
[ما يعقده السلطان في الأرضين من المعاوضات والإقطاعات]
وسئل الشيخ سيدي أبو الحسن الصغير عن قرية أعطاها السلطان لرجل على أن اعطاه الرجل قرية بأرض أخرى، وبداخل القرية التي أعطى السلطان أرض لم يتقدم عليها ملك لأحد، بل تنسب للمخزن منذ كانت، وكذلك بخارجها، ثم إن الرجل عمد إلى تلك الأرض وباعها من أناس شتى على
[44/5]
حسب ما يفعله المالك في ملكه، فبني الناس فيها وغرسوا وتداولتها الأملاك، ثم أزالها السلطان لمن كانت بيده بعد سنين كثيرة واكراها من وال، فاعلم الوالي ما فعل الذي كانت القرية بيده من بيع تلك الأرض ( ) (¬1) من كانت بيده ملكا من جنان أو دار أو حانوت أن يكون المخزن شريكا له، فكيف يا سيدي إن ادعى المشتري الثاني أنه لم يعلم أن بائعه ابتاع ممن كانت القرية بيده، وكذلك الثالث والرابع، وكانوا عالمين بذلك حين اشترى هل يتراجعون عن الأثمان كالاستحقاق؟ أو أن ذلك مصيبة نزلت به؟ جوابكم المبارك في ذلك.
فأجاب: المعيار المجهول إنما يقدح في البيع ويكون مانعا في غير معاوضة المماثلة كمعاوضة المثلي بالنقود أو العروض. وأما المثلي بمثله فليس من ذلك، إذ لا جهل فيه، ولا يخشي أحد المتعاوضين فيه من الغبن، ولذلك نرى أهل الأنذر(¬1) يقتسمون الزرع المشترك بصحفة مجهولة المقدار، ولا يرتاب عاقل في أن الشريك الذي له ثمن يأخذ صحفة من ثمان، ويأخذ الذي له النصف أربعا من ثمان. وعلى هذه النسبة. إن كل واحد من الأشراك توصل إلى حقه من غير أن يفوت عند غيره زيادة. وفي الخبر النبوي: البر بالبر ربي. إلى أن قال سيد البشر: إلا مثلا بمثل يدا بيد. ولا يشك العقلاء أن المماثلة تحصل بالظرف الواحد الذي لا يختلف ملؤه، وإن كان مجهول القدر، كما يحصل بالمعلوم القدر والله تعالى أعلم.
[مراطلة الدراهم الناقصة بالوازنة]
وسئل الواغليسي عن مراطلة الناقصة بالوازنة.
فأجاب: مراطلة الناقصة بالوازنة جائز، وإن لم يعرف مقدار نقص كل درهم، إلا أن تختلف الأغراض والنفاق في آحادها باختلاف كثرة وقلة.
[46/6]
فيجري فيها الخلاف. والاحتياط إذا كان كذلك أن يعرف مقدار نقص كل درهم والله أعلم. والذهب مثل الدراهم.
[التعامل بالدراهم الناقص والرديء]
وسئل ابن زرقون(¬2) عن الدرهم الناقص أو الرديء هل يجوز التعامل به أو لا؟
فأجاب: الدرهم الناقص أو الرديء إن كان يجري مجرى الوازن والطيب، فلا بأس بالتعامل به على ألإطلاق، ولو في مسائل الاقتضاءات. وهو منصوص لعبد المالك. وروي عن ابن القاسم، وإن كان خلاف المشهور.
[أب وهب لابنه جميع أملاكه، واستثني لنفسه ثلث غلتها حياته، ثم لحقت الابن ديون]
فأجاب: لا يزاد مؤذن على ما جرت به العادة, كما لا يزاد في مرتب, وإن فعل الناظر شيئا مما منع منه ضمن ما دفع, وإكراه أصحاب مرتب, وإن فعل الناظر شيئا مما منع ضمن ما دفع, وإكراه أصحاب الحوانيت ظلما لهم يجب رفعه وبالله التوفيق.
[إن وجد من يكتري الحبس على قبول الزيادة فهو أولى من بقائه خاليا]
وسئل القاضي أبو محمد عبد الرحيم بن إبراهيم المذكور فوقه عن رجلين اشتركا في فرن على المناصفة بينهما, ثم إن أحدهما حبس نصيبه على الجامع الأعظم شرفه الله بذكره, وبقي خاليا مدة ثم إن الذي لم يحبس نصيبه حاول على فران وأكراه له باثنمي عشر درهما للجميع, وأنفق فيه المكتري من ذلك, وقال له أنا التزمته بالعدة المذكورة على قبول الزائد, فإن جاء من يزيد أزيد معه, أو أسلم له, فقال ناظر الحبس لا أكريه لك, فقال له شريكه الذي لم يحبس نصيبه تضر بي, أما أن يبقى نصيبه خاليا بدرهم من إخلائه, ووقعت بينهما مشاورة بسبب ذلك, فانظروا يا سيدي هل يقبل قول الناظر, ويبقى خاليا ؟ أم المصلحة للحبس التي هي ظاهرة في كرائه ويبقى على ما أكراه شريكه حتى يأتي من يزيد فيه ؟ ثم إن تبرع متبرع وقال انا احتمله بالعدة التي طلب الناظر ونسده, ويبقى نصيب الآخر دون كراء, وهذا فيه من الضرر ما لا يخفى, والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا ضرر ولا ضرار" وهذه زيادة ضرر من غير شك, وهل يكري لغير فران ولا جنبي ويمكن من عقده أم لا ؟ بينوا لنا الحكم في ذلك.
[43/7] فأجاب كراؤه على قبول الزيادة إن لم يوجد من يكتريه بما قال الناظر خير من بقائه عاطلا مقطوع المنفعة للحبس, والمحتسب الذي التزم كراءة بما قال الناظر أغبط إن لم يكن على الفرن نفسه ضرر غير الغلق, وأما الغلق فلا كبير ضرر فيه عليه, وكتب عبد الرحيم بن إبراهيم اليزناسني لطف الله تعالى به.
[من شرط في حبسه شروطا فتعذرت فإنه يصرف من يوجد]
واد منحدر من الجبل صنعت له سدود متدرجة من أعلى إلى أسفل]
وسئل عن واد طويل وماؤه منحدر من الجبال، فإذا بلغ الماء إلى العمران صنع في أوله سدا يلتقف ذلك الماء فيه، والساقية تسقي أرضا معلومة إلى آخرها، ينشع من تحت السد ماء في مجرى الوادي يصنع له سد آخر يسقون به أرباب السد الأسفل هكذا إلى آخر الوادي. ثم إن من أهل السد الأعلى مثلا من يتهيأ له أن يأخذ الماء من بين السدين فيريد أن يسقي به بعض أرضه، ويحدث ذلك على أهل السد الأسفل، وماؤه من السد الأعلى، فهل يجب له ذلك شرعا أم لا؟ ويحتج بأن يقول الماء يخرج من مقابلة أرضي فهو لي فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: إذا كان أهل سد قد حازوا ذلك النشيع وعمروا عليه وغرسوا عليه شجرا فليس لمن فوقهم أن يغطوا ذلك عنهم، لأنهم قد سبقوا إليه وحازوه، والصحيح أن الماء يحاز بالسبق، وكذلك أن يكون أهل السد الأسفل أحق بالماء إذا كان السد الأعلى محدثا. وإنما يكون الأعلى أحق بالماء إذا كانت عمارتهما معا أو كان الأعلى أقدم. فأما إن كان الأسفل أقدم، فهو أحق على الصحيح في هذا.
[ليس لصاحب الأرض الذي يمر الماء على أرضه منه جيرانه منه]
وسئل عن أرض كان لها عين ماء يسقونها منه فجاء سيل ودثر ماء تلك العين، ولذلك نحو ثلاثين عاما، وبقيت الأرض بلا سقي، وكان ماء تلك العين الداثر يمر على أرض رجل، فطلب منه أهل تلك الحومة أن يسمح لهم في
[41/8]
[42/8]عمل ساقية أخرى في أرضه، وموضعه يمر عليها ماء عين أخرى حتى يفضي لساقيتهم ويسقون منها أرضهم، فسمح لهم وأشهد متى أراد منعهم، وكتب عليهم بذلك رسما وعمل الساقية، وكانوا يسقون منها مدة ثم باع الرجل ذلك الماء وأعطى الرسم للمشتري، ولذلك منذ خمسة عشر عاما وهم يسقون مواضعهم على تلك الساقية قبل البيع وبعده إلى الآن. فأما الآن أراد مشتري الأرض الذي بيده الرسم المذكور منعهم واستشهد بالرسم المذكور.
ولابن كنانة في المجموعة نحو قول أصبغ أنه لا يمنع، قال وأكره أن يؤذى أحدا، وقال غيره: لا يمنع صاحب البرج من اتخاذ منافعه في جداره ولا من اتخاذ الدجاج والأوز وعلى أهل الزرع حراسته بالنهار، قال القاضي: هو الموجود في كتبنا في هذه المسألة، وأما أن لا يتخذ نحل على برج حمام قديم فليس في أمهات كتبنا بمعلوم وإنما هي النازلة التي جاوبوا عليها وأنكرنا قولهم إنها في كتاب السلطان بعينها والله ولي التوفيق انتهى.
ابن عرفة: كثيرا ما تقع هذه النازلة، والصواب أن يحكم فيها بقول مطرف وابن حبيب وإن كان خلاف قول ابن القاسم لأن منع أرباب الحيوان أخف ضررا من ضرر أرباب الزرع والثمار لأنهم لا يتأتى لهم حفظها، وأرباب الحيوان يمكن قص دجاجهم وأوزهم والاستغناء عن عصافيرهم فإذا عرض ضرران ارتكب أخفهما.
وأجابوا في شجرة قديمة مظلة على دار بما نصه: إذا أثبت على مخلد الذي كتب على نفسه أنه التزم قطع ما أظل من ورق زيتونته على دار آمنة ودفع الضرر عنها قطع إلا أن يعذر بجهالة وحلف بالله ما التزمت ذلك إلا وأنا أظن أنه لا يلومني نظر حينئذ في الزيتونة فإن كانت قديمة لعشر سنين فما فوقها لم تقطع، وإن كانت غير قديمة قطع الضرر منها، قال بذلك عبدالله بن يحيى وابن لبابة وأيوب وابن وليد، وقال يحيى بن عبدالعزيز يلزمه ما ألزم نفسه، وقال ابن لبابة العشر سنين في الضرر قليل وهي قوله كانت تروى عن أصبغ بن الفرج والذي روى عن أصبغ وعرف من قوله وسمعت بعض مشايخ المفتين يقول لا يستحق الضرر بالعشرين سنة إلا بما زاد.
ابن سهيل: انظر كيف جعلوا الضرر يستحق بحيازة عشرة أعوام فأزيد بمحضر الذي أحدث عليه وقال ابن لبابة وهي قولة لأصبغ وجعلوه منها
[
وقال مالك لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه أهلا لذلك يريد تثبت أهليته عند العلماء ، ويكون هو يطلق مطلقا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية ، لأنه قد يظهر من الإنسان أمر على خلاف ما هو عليه ، فإذا هو مطلع على ما وصفه به الناس حصل اليقين في ذلك . وما أفتى مالك حتى أفتاه أربعون محنكا ، لأن التحنك وهو اللثام تحت الحنك شعار العلماء ، حتى إن مالكا سئل عن الصلاة فقال (كذا) لا بأس بذلك . وهذا إشارة إلى تأكد التحنك ، وهذا شأن الفتيا في الزمان القديم . وأما اليوم فقد سهل على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح ، وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم لا ندري ، فلا جرم آل الحال للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال .
الحالة الثالثة ، أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة ، فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه نقلا وتخريجا ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك انتهى . وفي كتاب الأقضية من شرح التلقين للإمام أبي عبد الله المازري رحمه الله الذي يفتي في هذا الزمان أقل مراتبه في نقل المذهب قد استبحر في الاطلاع على روايات المذهب وتأويل الأشياخ لها وتوجيههم لما وقع فيها من اختلاف ظواهر واخلاف مذاهب ، وتشبيههم مسائل بمسائل قد سبق إلى النفس تباعدها ، وتفريقهم بين مسائل ومسائل قد يقع في النفس تقاربها وتشابهها ، إلى غير ذلك مما بسطه [40/10] المتأخرون من أهل القيروان في كتبهم ، وأشار إليه من تقدم من أصحاب مالك في كثير من روايتهم ، فهذا لعدم النظار يقتصر على نقله عن المذهب انتهى .
41/11] [ما أجاب به مالك عن حكم الاجتماع للغنا والرقص]
وسئل مالك بن أنس عن الغنا الذي يفعل بالمدينة فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وهذا محمول على غنا النساء. وأما الرجال فغناؤهم مذموم أيضا، بحيث لو داوم أحد على فعله أو سماعه سقطتن عدالته، لما فيه من إسقاط المروءة ومخالفة السلف. حكى عياض عن التنيسي أنه قال: كنا عند مالك وأصحابه حوله. فقال رجل من أهل نصيبين: يا أبا عبد الله عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون كثيرا، ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون، فقال مالك: أصبيان هم؟ قال: لا. قال أمجانين: هم ؟ قال: لا قوم مشايخ، وغير ذلك عقلاء. فقال مالك: ما سمعت أحدا من أهل السلام يفعل هذا. انظر كيف أنكر مالك وهو إمام السنة أن يكون في أهل الإسلام من يفعل هذا إلا أن يكون مجنونا وصبيا. فهذا بين أنه ليس من شأن الإسلام ثم يقال: ولو فعلوه على جهة اللعب كما يفعله الصبي(¬1) لكان أخف عليهم مع ما فيه من إسقاط الحشمة وإذهاب المروءة، وترك هدي أهل الإسلام وأرباب العقول، لاكنهم يفعلونه على جهة التقرب إلى الله والتعبد به، وأن فاعله أفضل من تاركه. هذا أدهى وأمر، حيث يعتقدون أن اللهو واللعب عبادة، وذلك من أعظم البدع المحرمات، الموقعة في الضلالة، الموجبة للنار والعياذ بالله.
وأما ما ذكرتم من شأن الفقيهين الإمامين، فليسا بفقيهين إذا كانا يحضران شيئا من ذلك، وحضورهما ذلك على الانتصاب إلى المشيخة قادح في عدالتهما فلا يصلى خلف واحد منهما حتى يتوبا إلى الله من ذلك، ويظهر عليما أثر التوبة، فإنه لا تجوز الصلاة خلف أهل البدع. نص على ذلك العلماء.
وعلي الجملة فواجب على من كان قادرا على تغيير ذلك المنكر الفاحش، القيام بتغيره وإخماد نار الفتنة، فإن البدع في الدين هلاك. وهي
[