تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نقول: ما نشاهد أنهم يأتون بالأقنعة والوقايات فيضعونها على قباب النساء, ولم نسمع من عاقل ولا سفيه من أوليائهن أنه يتعاظم بذلك ويتفاخر قولا, ولا أخبرنا بنيته وسوء طويته, ومطلق الفعل لا دلالة له وضعا. والمتبادر للأذهان السليمة من مطلق ذلك الفعل التمييز, ثم المميز يتفاوت غالبا حسنه جنسا ونوعا بتفاوت أقدار أوليائها وعلو منازلهم في الدنيا بالجاه واليسار, وقصد المباهاة والفخر لا يعلم إلا من قبلهم ولا يخطر ببال المشاهد له والناظر إليه إلا بالاخطار. ومن زعم أن أهل الوقت إنما يفعلون ذلك إظهار للفخر والمباهاة, وشق على بواطنهم التي لم تنط الشرع بها في غير البياعات الأجلية وما جرى مجراها حكما, فقد أساء الظن بهم, وتحامل على خلفهم وسلفهم, سامحه الله وغفر له.

[أقسام البدعة]

وقوله: والناس اليوم والعياذ بالله ارتكبوا هذه البدعة العظيمة الخ.

نقول: الفاضل أبو خفص عمر لم يبين في كتبه حكم هذه البدعة, هل هو التحريم أو الكراهة؟ وأصحابنا وإن اتفقوا على إنكار البدع في الجملة فالتحقيق الحق عندهم أنها خمسة أقسام:

الأول: بدعة واجبة إجماعا وهي تدوين قواعد الوجوب كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع والدثور, فإن تبليغها لمن بعد واجب إجماعا, وإهماله حرام إجماعا.

[358/1] الثاني: بدعة محرمة إجماعا, وهي ما تناولته أدلة التحريم وقواعده كالمكوس وتقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشرعية بالتوارث والجاه لمن لا يصلح لها.

الثالث: بدعة مندوب إليها, كصلاة التراويح وإقامة صور الأيمة والقضاة والولاة بالملابس والمراكب, وهو خلاف ما كان عليه الصحابة, فإن التعظيم في الصدر الأول كان بالدين, فلما اختل النظام وصار الناس لا يعظمون إلا بالصور كان مندوبا لنظام الخلق.

وأجاب سعيد بن عبد ربه بأن أدب مثل هذا وحبسه واجب، ولا يبلغ به ما ذكره أبو الحسن، فاني سمعت ابن لبابة يحكي ان بعض الحكتم شاورهم فيمن ثبت عليه أنه من أهل الشر والتخليط والفساد وضروب الريب والاعلان بها وشاور أصحابه في قدر الأدب فقال خالد بن وهب أرى ضربة أربعمائة سوط، فقال ابن لبابة فالتفت إليه فقلت فما ذكرت؟ قال عليه السلام: ﴿ إن الله غضب غضبا فحد حدا فلا تغضبوا فوق غضب الله فتحدوا فوق حد الله﴾، وقال تعالى:﴿ فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ الآية هذا الذي أختاره وأقول به. وجواب ابن بقي هو المشهور. وقد يعتذر عن اختيار ابن لبابة بإنه كان مقصورا على زمنه صلى الله عليه وسلم لانه كان يكف الجاني منهم اليسير من الأدب. وقد ضرب عمر من نقش على خاتمه مائة، وضرب صبيا أكثر من الحد وهو دليل على التجاوز للحد بحسب اجتهاد الحاكم عند نزول القضايا به. قيل وقد تكون الجريمة كبيرة أعظم مما ذكر الله فيه ذل الحد فيكون الأدب على قدره والله أعلم.

[ من يؤذي جيراته والناس بلسانه ]

وسئل فقهاء الشوري عن رجل يؤذي الناس بلسانه، قام عليه أصبغ بن سعيد بوثيقة فيها أنهم يعرفون فلانا مؤذيا لجيرانه وللناس بلسانه وقاعا فيهم مسلطا لسانه على أصبغ بن سعيد بالتوقيع، فعرفوني بالواجب لأحتمل عليه ان شاء الله.

[406/2]

[407/2]

فأجاب سعيد بن أحمد بن عبد ربه : قرأت ما ثبت عندك وأرى حبسه الثلاثة أيام تأديبا له . فقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الاشعري أدب في كل ذنب على قدره ولو بسوط واحد ، فمن لم ينصف الناس في أعراضهم لم ينصفهم في أموالهم والله أساله التوفيق .

*وسئل عن رجل ساق إلى زوجته سياقة عند عقدة النكاح عليها وطلب من أبيها أن يشورها شورة تقاوم سياقته ، إذ العرف جار عندهم بذلك ، فأبى الأب من ذلك ، ونص السؤال : دوابكم رضي الله عنكم في أهل بلد لهم مناكح قد عرفت لهم وعرفوا بها لا يتعدونها ، وعادتهم في مناكحهم هذه أن يسوق الرجل منهم لامرأته جزءا من أملاكه ، والعرف عندهم والعادة أن من ساق منهم لامرأته ذلك الجزء من أملاكه ، فإنه لا بد لوالد الزوجة أن يبرزها إلى زوجها من مال نفسه عطية لها بما يفي بالمقدار الذي ساقه لها زوجها ، أو بما يربي عليه ، هذه عادة عندهم ثابتة قديمة متواترة مستمرة لا تخلف ، فتزوج رجل منهم امرأة ممن تكون كفؤا له وما يشبه مناكحه ، وساق لها من ماله[382/3]ما جرت العادة عندهم بأن يسوق مثله لمثلها ، ووالد الزوجة من أهل الثروة والمال التي إنما يساق لابنته ما ساقه لها زوجها على أن يبرزها مما يعطيه لها من المال والحلي ما يبرز به مثلها ، فذهب والد الزوجة بعد هذه السياقة التي ساقها لابنته زوجها أن يبرزها إليه فقيرة دون أن يعطيها ما جرى العرف والعادة أن يخرج به مثلها ، فما الذي تراه في ذلك وصل الله توفيقك ؟ هل ترى أن العرف كالشرط ، وترى على الأب أن يجهزها بما جرت العادة أن يجهز به مثلها ، إذ المال من جملة ما تنكح المرأة له ، وإذا السياقة التي رفع لها فيها ، إنما كانت من أجله ، ما الذي تراه في ذلك ؟ بين لنا الجواب يعظم الله أجركم .

=فأجاب : إذا أبى الأب أن يجهزها إليه بما جرى به العرف والعادة أن يجهز به مثلها إلى مثله على ما نقدها وساق إليها ، كان بالخيار بين أن يلتزم النكاح أو يرد عن نفسه فيسترد ما نقد ، ويسقط ما أكلأ وساق . انتهى .

أو من المذاكرة والتدريس والانتصاب، قالوا وإذا كان هذا يجوز لم يتصور انعقاد الإجماع. هذا وإن لم يكن حقا عند العلماء فإنما ذكرناه استبعادا واستثقالا لمن سهل في هذا. ولو سلك في إثبات الإجماع طريقة أخرى وهو أسهل طرق الأصوليين بأنه ينقل ذلك عن بعض أيمة عصره، وينقل أن الآخرين لم ينكروا عليهم لطلب بهذا أيضا ولا يجده ولا يصح له نقله ولا قراره مسطرا في كتاب، ولكنا شاهدنا في هذا أيمة متقنين خائفين من الله سبحانه، ومن خبرته في الشرع حتى إنا كنا في زمن الصبا ربما هجس في نفوسنا أن ذلك ضرب من الوسواس تعلمنا منهم وأخذنا نفوسنا ببعض حزمهم.

[تشدد الفقهاء في ذكر الإجماع]

وقد قلت يوما للشيخ أبي الحسن بن القديم وهو أمام الأصوليين في عصره، وسمعت الشيخ أبا الحسن اللخمي يثني عليه وعلى تقديمه في الورع والدين: الإجماع على كذا، ووقع في نفسي أن ذلك مما لا ينكره، فسكت عني وقلت له: أصلحك الله مالك لا تجيبني عن الذي ذكرته، فأخذ بثيابي وضمني إليه وقال لي: يا بني أنت إذا قلت الإجماع على كذا لم ننقل أنا هذا عنك. وإذا قلت أنا الإجماع على كذا نقلته أنت عني فصار حجة الله في أرضه. فشتان بيني وبينك، وجرى في المجلس ما يطول ذكره من تغليظ حكاية الإجماع من غير تحقيق ولا ضبط كما يجب، وبالله التوفيق.

[إن قال العامي الذي لا يعرف التعليق: متى حلت علي مطلقتي حرمت]

وسئل القاضي أبو عثمان سيدي سعيد بن محمد العقباني رحمه الله عن رجل خالع زوجته وأقام بعد ذلك ثلاثة أيام، ثم إن ناسا لقوة فقالوا له حمقت على طلاق امرأتك، فقال لهم متى حلت علي حرمت. بينوا لنا ما يلزم الرجل في زوجته المذكورة والزوج عامي لا يعرف التعليق، وهل ينوي في ذلك مع قيام البينة؟ وهل يلزمه شيء أو لا يلزمه لكونها أجنبية منه؟ وهل

[411/4]

[412/4]

يتكرر التحريم بمتى مثل ما يتركز بكلما أو لا يتكرر؟ بينوا لنا ذلك مأجورين والسلام عليكم.

وحاصل الأمر أن قوله فيا لمرابحة خير المشتري أي إن لم يرض البائع بالثمن الأول، وقوله في القسمة فلا يقبل إلا ببينة أي ادعاء البائع الغلط الذي يوجب له نقض البيع إن لم يرض لا يكون إلا بدليل، فتكلم في المرابحة فيما للبائع من الرد وسكت عن شرطه، وتكلم في القسمة عليها، قولكم خص مسألة القسمة بالنقض قلنا ولم خص مسألة المرابحة؟ فإن قلتم بالطلب بقيام الدليل على صدقه قلنا هذا مشترك، وأيضا إن ثبت قيام الدليل فما الذي يترتب عليه؟ وما فائدة الطلب به؟ وإن قلتم اختصت بالتخيير المضاف للمشتري وهو ما في المرابحة قلنا وذلك التخيير إنما نشأ من تخيير البائع في الإمضاء بالثمن الأول والرد كما بينا أنه مراد ابن رشد، ومن هنا تعلم أن قولكم في الأول من وجهي الإشكال الذي في المدونة وهو تخيير المشتري

[368/5]

يقال بموجبه ويقال في جوابه أجل والله، وهو ما أراد ابن رشد من الاستدلال لأن هذا التخيير للمشتري إنما كان بعد تخيير البائع في الإمضاء بالثمن الأول أو الرد إن لم يكمل له النقص، فاختار الثاني، هذا لا تنافي بينهما، بل هما متلازمان، فإن قولكم لا يقال معنى المدونة إن البائع ألزم المبتاع السلعة ولم يرد نقض البيع فلذلك خير المشتري لأني أقول لا يصح، إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، ولم يقيده بذلك أحد، ولأنها لو حملت على ذلك بقي ابن رشد مطالبا بما نقل عنها وليس فيها انتهى.

إيراد الخلاف ما قد يقال: إنه يظهر منه أن البيع مع التبقية هو مورد الخلاف بين ابن القاسم وغيره، وأن ابن القاسم لا يقصد إباحة ذلك على الضرورة، وغيره يقصدها عليها. وعلى صحة هذا الظاهر، إن كان قصده على هذا الوجه فحينئذ يكون ابن القاسم عند ابن أبي زمنين يقول بجواز بيع الأنقاض والغراسات في أرض غير البائع على التبقية الموصوفة في الوثيقة دون تقييد بحالة ضرورة. ومذهب غيره تقييده بذلك ولم يقع في المدونة ذلك القلع، إنما ذكر فيها بيع البنيان والنقض من غير زيادة. فهي تحمل التفسيرين.

[الإقدام على الغرس في أرض السلطان]

وأما ما سألتم عنه في الإقدام على الغراسة في أرض السلطان مع ما فيها من الكراء، إلى غير أجل، وأنه لا يعلم متى يوظف الكراء، لارتباط التوظيف بخروج العامل، فأقول:

إن الغارس ابتداء ليس بمتعد على مالك الأرض في أرضه، للعلم بإباحة لذلك بحسب العادة المستمرة. فذلك إذا علم بالعادة فهو كالتصريح، لكن يبقى حق للشرع في صفة هذا العقد. وفيه ما يظن مانعا ثلاثة أشياء.

أحدهما الدخول على كراء مجهول القدر في الحال، فبغرسه في الأرض صار ملتزما لكراء تلك الأرض بما سيوظفه العامل، ويختلف باختلاف نظر العمال عند خروجهم واختلاف السنين.

والثاني الدخول على الجهالة بابتداء لزوم الأداء لوجيبة الكراء متى يكون؟ فربما يرجى تراخي التوظيف ولذلك غرس، فيستعجل عليه فيه.

والثالث جهالة أجل الكراء ومنتهاه، إذا لم يدخل فيه على حد معلوم. وهذه الأشياء تقتضي المنع من التعرض لهذا العقد ابتداء. وقد ذكر ابن العطار وغيره هذا الوجه الثالث مانعا من بيع النقض والبنيان إذا التزم المشتري خرج القاعة شهرا بشهر إلى السلطان. قال: فلا يجوز أداء الكراء إلى غير

[470/6]

397/7] القاسم عن الفتيا المرسومة فوقه يجوز الاعتماد عليها في فسخ قضاء الأوربي أم لا؟ فأقول قد كنت كتبت لكم منذ عشرة أعوام أنه لا يجوز الاعتماد عليها في شيء من المسائل, فكيف أن يفسخ بها قضاء قد وافقه على حكمه جميع فقهاء الوقت؟ والدليل على عدم الاعتماد عليها في شيء من وجوه:

الأول أن المفتي رحمه الله لم يتقلدها لقوله وأقرب ما رأيت مما يمكن حسبما تقدم.

الثاني أن قوله أقرب ما رأيت مما يمكن تقديره أقرب, ما رأيت من الذي يمكن, فإن ما موصولة, والأقرب من الممكن ليس بممكن الحقيقة, وما نزل على الممكن الذي يقتضي تجويز النقيض على السواء, فهو في مقام المرجوحية, والعمل بالمرجوح باطل باجماع, ولله در أبي عمرو بن الحاجب رضي الله عنه في قوله للقطع عنهم بذلك فجعل ما وصل إلينا عن السلف رضي الله عنهم من إطراح المرجوح مقطوعا به.

الثالث لو فرضنا سلامة الفتيا من الامكان والمرجوحية, فهي على غير سنن الفتاوي المعتبرة يتحفظ فيها من الزيادة والنقصان, وليس كذلك في الفتيا لأن نص الرواية عند ابن بطال: وقال المواز في كتابه: وكذا إن شرط أن من مات منهم ولم يترك ولدا فنصيبه على إخوته, فمات اثنان منهم عن أولاد, ومات ثالث عن غير ولد, فإن نيبه يرجع على الباقي من الولد وولد الولد على الاجتهاد, ويؤثر فيه الأحوج فالأحوج ولا يجري في ذلك قسم انتهى النص.

فأنت ترى ما في قول المفتي من الزيادة على النص والنقصان منه, وتبديل العبارة, بل أوهم الناظر في الفتوى بحيث قول ابن المواز ما لم يقله, أما الزيادة فقوله أربعة من بنيه ولم يثبت في لفظ الرواية, نسلم بأنه قصد ما في العتبية من أجل العطف فإن نصها قال ابن القاسم عن مالك

[

فأجاب: ما أضر بالمارين فلا خلاف في هدمه وزواله حتى لا يبقى له رسم، وغلته مردودة لا تحل للمغتل وتصرف للفقراء ولا تنفع الحيازة على العامة ومن ليس له مالك معلوم وما لا يضر والطريق واسع فاختلف هل يمنع أو يباح وقد هدم عمر كير الحداد وقال تضيقون على الناس الطريق. وقال مطرف يمنع ولو كان مثل البيداء وهو الصواب وإنما يكون بالفناء للمقاعد للبيع والحاجة وعن بعض أهل العلم إن طال جلوسه للبيع فيه أزيل منه، وأما ملكه فليس لأحد ولا يبنيه والطريق كالمسجد من جلس فهو أحق ومن قام سقط حقه، وفي النوادر الاختلاف في الطريق هل يملك أم لا؟ وعن أصبغ لا يملك وإن فعل لم يهدم والصواب المنع والهدم ولو كان أوسع من البيداء.

[حكم من أذن لجاره في غرز خشبة في جداره]

وسئل ابن عرفة عمن أذن لجاره في غرز خشبة في جداره فبعد غرز المأذون له سقط جدار الآذن وأقامه فطلبه جاره أن يرد خشبه على ما كانت في الإذن الأول فأبى عليه الآذن أولا(¬1) فهل له الانتفاع أم لا؟

فأجاب: إن كان سقوط الحائط لتوهله لا بسبب زيد فيه اختيارا لم يقض عليه بعود الغرز وإلا قضي عليه بعود الغرز إن كان غير مؤجل أولا.

[حكم بيت عليه مطبق لجاره]

وسئل أبوعلي حسان عن بيت عليه مطبق لجاره وبابه إليه وطوله خمسة أشبار وفوقه حائط لصاحب البيت السفلي فأراد أن يخرج سهما في الحائط الأعلى ليبني عليه سترة الدار عمن يكشفه من الجيران فمنعه صاحب المطبق فالتزم له إن ضره السهم بشيء أصلحه له ولأن الأسفل والأعلى ملكه.

وأجاب أبوعمر أحمد بن رشيق فقيه المرية: إذا أقر الذي ذكر الميت أن له عليه مائتي دينار ذهبا دينا أنه قبضها أو قامت عليه بينة فلا يضر ترك مشورة المشرف ولا يمين على المقر له بالمائتين، وتكون من رأس المال إذا لم يتهم في إقراره ولم تصح ريبة في ذلك عليه، وأما ما نفذ من الوصية عن غير المشرف فإن كان الموصى لهم معينين وأقروا بقبض ذلك أو قامت عليهم به بينة فلا تباعة على الأوصياء وإن كانت الوصية على المساكين ولم يوجد السبيل إلى ردها فهم ضامنون أعنى الأوصياء وإن كانت الوصية لما نفذوا من ذلك وسواء التزام المشرف الإشراف أو لم يلتزمه، وما سألتني أن أنسب القول إلى قائله فلست ألتزم ذلك ولا أقوله وإنما أفتي بما يصح في نظري وما تقوم عليه حجتي إن دفعني عنه دافع إن شاء الله قاله أحمد بن رشيق بن سهل.

[نقد الفتاوى المختلفة في مسألة ابن الصديقي]

هذا الجواب ناقص، وكذلك جواب أبي عمر بن القطان ناقص عما تضمنه السؤال، والشيخ أبوعبدالله بن عتاب فاز فيه بفضيلة الصواب، وحاز فيه قصب السبق في الاستيعاب، وتفريق ابن رشيد بين المعينين والمساكين لا معنى له، وجوابه يعطي أن الوصية إن كانت للمساكين ضمن الأوصياء وإن قامت بينة على تنفيذ الوصية فيهم، وهذا من لحن الفقه وخطابه ولو اختلف حكم المعينين والمساكين المجهولين في ذلك لكان الصواب في عكس الجواب أن يضمن الأوصياء في المعينين ولا يضمنوا في المجهولين، لأن مالكا قال في كتاب الشهادات وغيره من المدونة فيمن بعث بمال إلى رجل بعينه صلة أو هبة أو صدقة فقال المبعوث معه بالمال قد دفعته إلى المبعوث إليه وكذبه المبعوث إليه، على الرسول البينة وإلا غرم، قال ابن القاسم وإن قال له تصدق بها على المساكين فقال قد فعلت وكذبه رب المال فالقول قول المأمور في هذا الوجه إذا قال له تصدق بها على المساكين زاد في كتاب الوديعة

[

ضعيفة ، وكان ابن عتاب ينكر فتوى ابن مالك باليمين في [383/10] ذلك ، قال لي لم يقل ذلك أحد ، ثم شاهدته في امرأة أقرت لابن عمر الذهبي أنه ابن عم أبيها وتوفيت فأظهر عقد إقرارها إلى صاحب المواريث أبي العباس عبد الله بن العربي فأرسله به إلى أبي عبد الله ابن عتاب فقال لأبي عمر في العقد علة لأن العاقد لم يرفع نسبك ونسبها حتى يجتمعا في جد واحد ، فأرى لك مصالحة صاحب المواريث وإلا فاليمين عليك وترث ، وأفتى غيره بأن الميراث له ، ولا يمين عليه في ذلك ، قال بعضهم ولا أقول فيه باليمين كما كان يقول ابن العطار وكان ابن العطار حينئذ قد مات رحمه الله .

[سؤال عن مضمن رسوم تقيدت بأصول أملاك]

وسئل بعض فقهاء تونس عن مضمن رسوم تقيدت بأصول أملاك وأحيل فيه عليها ، وسأثبت نص السؤال والجواب بعد نصوص الرسوم ا لمذكورة .

فانظر ما وصفهم به من الغلو في التقليد لمالك، وما انتهى إليه بسببه من الذم، وإن كان على كلامه هذا حديث في تمييز الصحيح منه والسقيم، له بسط ومحل آخر. هذا مع أنه لم يعلم لهم تقليد ظاهر، والتزام مشتهر لمذهب، إلا ما كانوا عليه من مذهب الأوزاعي منذ فتحت إلى أن جاء المرتحلون منها إلى مالك، والآخذون عنه ممن عد من الطبقة الأولى من

[379/11] أصحابه، مثل زياد بن عبد الرحمن، والغازي بن قيس، وعرقوس بن العباس وأضرابهم فنشروا علمه، واشاعوا إمامته وفضله، فعرف حقه، ودرس مذهبه، فأخذ هشام بن عبد الرحمن بن معاوية أمير الأندلس حينئذ جميع(¬1) الناس بإلزامهم مذهب مالك، وصير الفقهاء والفتيا عليه، وذلك في عشرة السبعين ومائة من الهجرة، حياة مالك وقريب من موته، رحمه الله، وشيخ المفتين حينئذ صعصعة بن سلام إمام الأوزاعية، فالتزم الناس بها هذا المذهب من يومئذ، وحملوا بالسيف عن غيره حمله وما تدين بغيره أحد من حينئذ، إلا من لا يوبه به، فمضى أمر الأندلس على ذلك وبحسب هذا المعتقد كتب الحكم المنتصر بالله إلى الفقيه أبي إبراهيم، وكان الحكم رحمه الله ممن يبحث على أحوال الناس ونقر عن أخبارهم تنقيرا، لم يبلغ فيه شأوه كثير من أهل العلم، ولم أر قط تأليفا قوبل من أصول خزانته، أو بما قوبل بأصل منها ولو بوسائط، إلا اطلعت منه على العجب في الصحة.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٤٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٤٦٤