تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نقول: في تصور هذه الأحروية المباركة نظر ظاهر, لأن إباحته لهن في الحياة إنما كان لغرض التجمل ولتحسين مراهن في نظر الأزواج والسادات, وقد تخلفت هذه العلة الباعثة على اباحة شرعية التجمل لهن بالحرير وغيره, فتنتفي الإباحة لانتفاء علتها. هذا كان القياس والأصل, ولكن أجيز لهن في بعض الأقوال استصحابا للأصل مع ما فيه من الكسر في العلة, وهو وجود الحكم مع انتفاء المدعى علة. فكيف نتصور الأحروية المسكينة على هذا ؟ ولأجل ملاحظة هذا المعنى الذي أشرنا إليه منع في القول الآخر تكفينها في الحرير دفعا للإنكسار المذكور.

وقوله: ولو كان ذلك محل الزينة لأبيح لهن الحلي.

نقول: ليت شعري ما بيان الملازمة بين الحلي والحرير على القول بجواز

[357/1] تكفينهن فيه, لأن الكفن من كسوة الميت وقد أمرنا بتحسينه, واتخاذه من خالص الحرير لا يخرجه عن مسماه, ولا كذلك الحلي, فإنه خارج عن مسمى الكفن بالكلية لفظا ومعنى. فالزينة بعد الموت إنما هي بمسمى كفن, وهي مطلوبة شرعا ولا شيء من الحلي بمسمى كفن ولا هو مطلوب للشرع بعد الممات, فلا تتم له هذه الملازمة. وكما لا يصلح الحلي للتكفين فكذلك لا يصلح للتمييز والتعليم كالساتر والقناع. ولأن السرف فيه أشد والله أعلم.

وقوله: وأما عرفنا اليوم إنما هو الفخر الخ.

وسئل بعضهم عن السراق وأشباههم إذا وجدوا في أرض لا تقطع فيها يد سارق، هل يحمل عليهم السوط والضرب الموجع والنكال الشديد على قدر ما يعرف من جرمهم وعدوانهم أم لا؟.

فأجاب الحمد لله سراق اليوم انما هم محاربون، لأنهم انما يخرجون بالسلاح ومن عارضهم قاتلوه، فلا بأس أن يضرب أحدهم المائة سوط. وقد قال مالك يضرب المحارب في أول ما أخذ إذا لم يقتل ولم يأخذ مالا ولم تطل اقامته ولا اشتهر أمره. وقال مطرف فيمن وجب عليه أدب ممن هو معروف بالشر والفساد يضرب المايتين والثلاثمائة. وقد ضرب صاحب الشرطة رجلا وجد مع صبي في خلوة ولم يشكوا في المكروة أربعمائة سوط فانتفخ ومات، فما أنكر مالك ذلك من فعله ولا استعظمه. والله تعالي أعلم .

قلت: مشهور قول مالك وأصحابه أن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام بقدر الفاعل وشهرة فسقه. ونحوه عن محمد بن الحسن قال وان بلغ الألف. قال الأبي وكان في أيام وصول أمير المغرب أبي الحسن إلى تونس رجل يعرف بابن تكرومة شديد الجرأة والإذاية فحكم بأدبه وجعل فيه مجلس في قدر

[405/2]

[406/2]

ما يستحق من الأدب، قال الشيخ أبو عبد الله بن عرفة: ولو زيد في أدبه على الثلاثمائة سوط لكان أهلا لذلك انتهي.

وسئل بعض أهل العلم هل يؤدب السلطان بثلاثمائة وأربعمائة سوط وأزيد؟.

فأجاب نعم ذلك لاجتهاده وبقدر الذنب. والذي ثبت على هذا اللعين عظيم، وعليه بعد الأدب الحبس الطويل الذي يشبه التخليد فهو أردع له ولأمثاله.

*وسئل عن امرأة لها ابن وابنة وكان للابن ابنة فتزوجها رجل ، وللمرأة المذكورة مال فباعت الربع من المال من صهر ابنها المذكور الذي تزوج حفيدتها على أن يسوقه كله إليها سياقة ينعقد عليها النكاح ، ونحلت المرأة المذكورة[381/3]حفيدتها بالربع المذكور وكان البيع والنحلة في وقت واحد ، فحصل بيدها النصف ، وبيد المرأة النصف ، فماتت المرأة المذكورة بنحو من عام ، وقبل أن يدخل الزوج بالحفيدة وقع بين ولدها وبين صهره منازعة انحل بسببها النكاح المذكور ، على أن يبقى بيد الزوج الربع الذي ابتاعه منها وسائره للحفيدة المذكورة ، وهل لمن ورث المرأة المذكورة في هذا الربع شفعة أم لا ؟

=فأجاب : إذا وقعت المفارقة بينها قبل الدخول على أن يكون له جميع الربع الذي ساقه لزوجه من الأملاك ، فلا تجب الشفعة عليه إلا في نصف ذلك الربع ؛ لأنه هو الذي وجب لها بالعقد وصح لها بالطلاق قبل الدخول ، فرده إليه الأب بالخلع ، وأما النصف الثاني منه فلا شفعة عليه فيه ، لبقائه على ملكه الأول ، إذ لا يجب للمرأة بالعقد من الصداق إلا نصفه ، وإنما تستحق جميعه بالموت والدخول على مذهب ابن القاسم ، وروايته عن مالك في أن الغلة بينهما والمصيبة منهما ، ما لم يدخل بها ، وتكون الشفعة في نصف الربع المذكور في القيمة للحفيدة المذكورة ولمن ورث المرأة ، ويدخل هو معهم في الشفعة بنصف الربع الباقي له على الملك الأول .

[من ساق إلى زوجته سياقة عند عقدة النكاح على أن يشورها أبوها شورة تقابلها]

وهذا السؤال لم يرد فيها السائل على ما تكرر جوابي لكل واحد من الجهتين أكثر من أن مدع ادعى الإجماع في هذا، وقد تكرر الاختلاف في هذا لكل واحد من الخصمين تكرر متردد فلا معنى أن يسأل هل هذا الإجماع صحيح إن كان قبل ما قدمته أولا من ذكر الخلاف في هذا، ويكتب وقوفي فيه وإن أريد مني توسعة القول في هذا الوجه وأكاذيب من يكذب فما أخط هذا ولا أرضاه منزلة بنفسي مع واحد من أبناء الزمان، ولكن من ادعى الإجماع طلب أن يجد لمالك أو الشافعي أو لأبي حنيفة نصا في عين هذه المسألة أنها لا تقبل، فإن وجد ذلك عنهم وبحث في سائر مصنفاته فلم يجد عندهم خلافا طلب بذلك أن ينقله عن الثوري والأوزاعي وابن حنبل وداوود وحماد والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي، ويوجد معه في هذا العدد إلى ما يكاد يحصي. وإن أشار إلى عصر واحد فيطلب ذلك منه نقلا في كتاب موثوق عن جميع علماء ذلك العصر، وأني له بذلك! ولا يجده هذا المسكن أبدا، وإن لم يجده أصلا قيل إن الإجماع حجة الله سبحانه في أرضه. والكذب عليه والتساهل في نقله مثل التساهل في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا لم يقله وهذا عظيم في الدين، ( )(¬1) من إنكار بعض من تقدم أن يتصور انعقاد الإجماع مع كثرة العلماء وخفاء بعضهم واستتاره عن العين

[410/4]

[411/4]

ابن رشد وغيره في فهمهم خلاف ذلك، وفي نقل ابن عبد السلام ما يدل على أن المسألة خلافية، والظاهر عندي راجحية فهم ابن رشد ومن وافقه كما أشرنا إليه من ضعف خلاف رأيه من المدونة وبأدلة كبيرة من خارج يطول تتبعها، ولو لم يكن لابن رشد موافق على فهمه لكان استبداده به حجة لأنه حذام المقدم نقلا وفهما كما شهد له بذلك الأئمة، منهم ابن عبد السلام ومن هو أكبر منه، وقولكم في تأويل أبي إبراهيم ليس في المدونة ما يقتضيه بوجه إن غنيتم نصا

[367/5]

صريحا فمسلم على نزاع في قولكم بوجه وإن عنيتم ولا بالقياس على شيء فيها إلا بالتأويل بردها إلى التي قبلها فممنوع، بل التصريح بذلك في التي قبلها مع ظهور المساواة في علة الحكم كما أشرنا إليه دليل قوي على صحة القياس والرد إليها بالتأويل ورد المسكوت عنه إلى المنطوق وهي العمدة الكبرى في تقييد مطلق المدونة لمقيدها، وإن كان بين المسألتين كتب كثيرة فكيف بالمسألتين المتصلتين كهاتين؟ وأما مسألة القسمة فهي مسألة الرابحة بعينها، أشار إليها هنا لك القياس مسألة القسمة عليها، فلا يقال إنها لا تصح أن تكون معتمده، وإنما معتمده مسألة المرابحة لأنهما شيء واحد، فالمثبت هو المنفي، بل عبارته عنها في القسمة أصرح في فهم لفظ البيع، إذ لا يصح ما قصده من الاستدلال على نقض القسمة بمسألة المرابحة إلا إذا كان للبائع النقض في مسألة المرابحة، لكنه نقض مقيد بعدم رضى المشتري بتكميل الثمن الصحيح، وبهذا شرحنا مسألة المدونة سواء فلا تناقض بينهما إلا مما التزمتم، وقولكم إنما شبه بينهما في افتقارهما إلى آخره، قلنا ليس قيام الدليل على صدقهما في دعوى الغلط بحكم في المسألتين، بل هو شرط الحكم المشترط فيهما وهو النقض، قولكم وإلا تناقض ما في الكتابين، قلنا قد بينا أن المسألة واحدة، والشيء الواحد لا يناقض نفسه.

كلامه مع ابن دحون حيث منع القاضي بيع الأنقاض المقامة في أرض السلطان، إذ المعلوم لولا رجاء ترك الأنقاض قائمة فيها لم يعط صاحبها ذلك الثمن فيها.

فقال ابن دحون: فلو باع هذا النقض صاحبه وشرطه على المبتاع قلعه. فتبسم وقال هذه حيلة لو علمها الناس لاحتالوا بها.

قال ابن سهل: فذهب إلى أن ذلك جائز إذا اشترط أنه يقلعه. قال بقول ابن سهل القاضي ابن زرب كما ترى. والجواز مع رجاء المشتري الترك عند اشتراط القلع عليه. وفيه نظر، لأنه قوله هذه حيلة إلى آخره لا يفيد جواز ذلك شرعا عنده، وإنما يفيد ظهور الصحة عند ذلك حتى يمتنع الحاكم من التعرض له ويبقى ما فعلاه من الزيادة في الثمن لمكان ذلك الرجاء على ما كان عليه من المنع. وإنما كان كلام ابن زرب هذا معنى ما قاله ابن العطار في وثائقه إذا زاد المبتاع في الثمن لما في باطن الأمر من إرادة البقاء لا يحل لهما ذلك فيما بينهما وبين الله عز وجل. وإن كانا أظهرا في العقد أمرا صحيحا. ولعل ابن سهل إنما أراد الجواز في الظاهر مطلقا، خلافا لما حكاه هو بعد ذلك عن ابن عتاب وابن القطان وابن مالك أنهم أفتوا بقرطبة بنقض البيع على ذلك الوجه أعنى على شرط القلع إنما كان المتعارف من فعل الناس، إبقاء الأنقاض في مواضعها.

وقد بقي في هذه المسألة شيء للنظر، وهو أن الناس يحكون خلاف ابن القاسم وغيره في بيع الأنقاض قائمة على القلع. وهل يجوز؟ وهو مذهب ابن القاسم، أو يمنع؟ وهو قول أشهب وسحنون. هكذا حكي الخلاف ابن رشد في المقدمات، أعني بالنص على القلع. وزاد جماعة عن سحنون، إباحة ذلك عند الضرورة إلا ابن أبي زمنين في وثائقه على ما تقدم من النقل عنه، فإنه حكى عن غير ابن القاسم أن إباحة البيع عند الضرورة هي مع التبقية، حسبما هو مسطور في نص الوثيقة. وفي مساق عبارته في

[469/6]

وقال أيضا رحمه الله صلة الجواب فوقه: لو فرضنا دليلا على دخول بني البنات في مسألتنا, فهو مرجوح بالنسبة لما قررنا من قواطع الأدلة في الوجوه قبله, والعمل بالراجح وهو ما ذكرنا واجب بالاجماع, بل ذكر القاضي أبو الفضل عياض رضي الله عنه في تنبيهاته أن المجتهد إذا حكم بشاذ ما اختلف الناس فيه ينقض حكمه, فكيف بالمقلد في مسألتنا. نسلم وجود, ولما ذكرنا من نفس مؤمنة ترضى بدينها, أن الحفيد من الابن الذي تناوله جميع ألفاظ المحبسة لغة وشرعا, بل هو المستحق للحبس على تقدير بطلانه, ويعطى عقبهما شيئا منه بأدلة مشكوك فيها.

نسخة من كلام الإمام العالم المفتي أبي العباس أحمد بن قاسم القباب في مسألة ابن حدور, ونصه بعد الحمد لله: أما أنا فلم أقف في عين هذه النازلة على نص, وهي من جهة اللفظ محتملة, كما قاله صاحبنا الفقيه أبو علي, وأقرب ما رأيت مما يمكن أن يتعلق به في ذلك ما نقله ابن بطال من كتاب ابن المواز فيمن حبس على أربعة من بنيه, وشرط أن من مات منهم ولم يترك ولدا, فنصيبه على إخوته, فمات اثنان منهم عن أولاد, ومات ثالث عن غير ولد, فقال الجواب أن نصيبه يرجع على الباقي من الولد وولد الولد بالاجتهاد, ويؤثر فيه الأحوج فالأحوج, ولا يجزىء فيه قسم انتهى.

ووجه التعلق, أن المحبس نص على رجوع حظ من لم يترك ولدا إلى أخويه, وقال في الجواب أن بني أخويه يتنزلون منزلة أخويهما, أن لو كانا حيين مع أن أبويهما ماتا قبل استحقاق شيء من هذا النصيب, والله المسئول أن يرشد الجميع لما فيه الحق بمنه والسلام عليكم والرحمة والبركة. انتهى- كلام القباب.

نسخة اعتراض القاضي اليزناسني المذكور على جواب الشيخ الفقيه أبي العباس أحمد بن قاسم رحمه الله, نصه: الحمد لله سألتم يا أبا

[

فأجاب: إذا أسقط حقه هذا البائع للباب في الصحة والتزم لمخاصميه ما ذكرت حتى صار ذلك حق من حقوق مخاصميه ثم باع هذا البائع من مشتريه فإن المشتري إنما يتنزل منزلة البائع فيما كان يملك فإن باع منه ولم يبين ذلك كان للمشتري أن يرجع عليه بما ينوب ذلك من الثمن.

[حكم فتح باب حانوت قبالة باب الدار]

وسئل ابن الحاج عمن فتح حانوتا قبالة باب دار لرجل آخر وأنه يطلع منه على أسطوان الدار.

فأجاب: تأملت السؤال، والواجب أن ويؤمر باني الحانوت أن ينكب عن قبالة باب جاره لأن ضرر الحانوت أشد وقد نهى الرسول عليه السلام عن الضرار. قيل وهذا حكم القاضي ابن عبدالرفيع في رجل أحدث حانوتا ففتح بابه للقبلة في شارع يمر فيه من مشرق إلى مغرب وقبالة الحانوت زقاق غير نافذ يفصل بينهما الشارع وفي الزقاق دار تفتح للشرق على يمين الداخل فشهدت عنده بينة أن الجالس في الحانوت لا يرى ما يكون في السقيفة وإنما يرى من

[454/8]

[455/8]يكون بين أبواب الدار إذا مر خارجا. فحكم بينهما بإنفاذ الحانوت.

[حكم الدكاكين تكون بين يدي الحوانيت]

وسئل ابن أبي الدنيا عن الدكاكين التي تكون بين يدي الحوانيت في بعض الأسواق وربما أضر بالمارين وضيق عليهم عند اضطرام الأعمال وكثرة الناس ولهم على ذلك سنون طويلة وربما نهاهم بعض القضاة وهدم عليهم ذلك وعمد رجل منهم إلى بعض تلك الدكاكين وبنى عليها وحازها بالغلق وجعلها بيتا فصار يكري البيت وعلوها، فما ترى في هذه الدكاكين وفي مثل ما بنى عليها وما أخذ من كرائها وفي حوزها في هذه المدة الطويلة.

وفي كتاب ابن المواز: قال مالك: وإذا مات أحد الوصيين عن غير وصية فأراد القاضي أن يجعل مع الباقي غيره، إما لحاجته إلى معين لكثرة ما يلي، وإما لأنه ليس بالبين في العدالة فعل، وإلا لم أر له أن يجعل معه أحدا في موضع العائق وفي موضع آخر منه قال مالك وإذا عزل أحد الوصيين لخيانة فلا يجعل مع الآخر غير إلا أن يضعف وروى علي بن زياد عن مالك أن القاضي يجعل مع الباقي غيره، ومال إليه سحنون، ورواية علي عندي محتملة والذي تقدم من قول مالك المتكرر مكشوف أنه لا يقدم مع الباقي غيره إلا على الشرط المذكور ولا يحتاج مع ذلك إلى تأويل ووقع في أحكام ابن زياد ما يدل على الأخذ بقول مالك الذي في المستخرجة، وكتاب ابن المواز وإذا قال الوزير وفقه الله إنه تبرأ من المشورة التي جعل إليه أحمد بن رفاعة عند وفاته فهو التصديق في ذلك وهو محمول على التبري والذي ذكره إذ لو قال ذلك عن رأيه وإجازته لكان ذلك جائزا وانظر من نظر في العهد المذكور جائز على ما جلبت من قول مالك المذكور المكشوف على ما وصفت، وأما أمر التصديق الذي ذكره الموصي في كتاب عهد دون يمين فوقع في سماع ابن القاسم عن مالك في الرجل يوصي بدين عليه فيقول كنت أداين فلانا وفلانا فما ادعوا قبلي فهم فيه مصدقون، وإن ذلك لهم بلا يمين على ما ادعوا والمسألة التي شورت فيها أبعد من إيجاب اليمين، لأن الميت قد حد الدين فيها ولم يحد في المسألة التي

[403/9] في السماع، وأما ما دفع من دين عن المتوفي ولم يثبت الدين أو ثبت ولم يحلف ربه ولم يشترط تصديقه فالدافع ضامن لذلك إلا أن يجيز ذلك بعض الورثة إن شاء الله.

ونهض ابن مالك مرابطا إلى بطليوس في سنة ستين وأربعمائة فقال لي إذ رجع سئلت ببطليوس عمن أقر بوارث أخ أو غيره فمات المقر له في حياة المقر وتخلف ولدا هل يرث ذلك المقر إذا مات ؟ قال وكانت نازلة عندهم ، فأفتيت أنه لا ميراث له ، فسألته من أين قال هذا ؟ فقال : الذي في نوازل أصبغ في الاستلحاق وهو تناقض من كلامه وخلاف لقوله الذي حكاه لي في المقر لهما، وقال لي : أفتى أكثر فقهاء بطليوس أن الولد يرث المقر ، وأفتى واحد منهم أنه لا يرث ، وذكرت ذلك لابن عتاب فقال لا يرث هذا الولد ذلك المقر يريد لأنه أقر لغيره لا له ، وأصله مطرد غير مختلف ، وكان ابن مالك يفتي فيمن أقر بوارث سماه ثم مات أن المقر له يحلف أن الذي أقر له به الميت من قرابته ، من وأنه وارثه حق ، وتكلمت معه في ذلك فاستدل بما في كتاب الولاء من المدونة فيمن هلك وترك ابنتين فادعى رجل أنه مولاه ، وأنكرت البنتان ذلك ، قال ابن القاسم : لا يكون مولاه في قول مالك إلا أن يقيم بينة ، قال ولو أقرت له البنتان أنه مولى أبيهما ولا وارث لأبيهما معهما بولاء ولا نسب لحلف هذا معهما إن كانتا عدلتين واستحق المال ، قال ابن المواز بعد التأني ولا يستحق الولاء كمن هلك وترك ابنا فأقر الابن بهذا أنه أخوه وأنه يرث معه المال ، لا يستحق بذلك نسبا وقال غيره : لا يحلف مع الابنتين في الثلث الباقي لأنهما شهدتا على عتق ، وشهادتهما في العتق لا تجوز ، ولو أقرتا له بالولاء أنه مولاهما ورثهما إذا لم يعرف باطل قولهما ، قال محمد بعد يمينه ، وكذلك ان أقرت له واحدة ثم ماتت ، واليمين فيه خفيف ، قال ابن القاسم في المدونة وإن أقرت له الواحدة أنه أعتق أباهما وأنه مولاه ، وأنكرت الثانية فلا شيء له في إقرار المقرة أنه لا يدخل عليهما في الثلث الذي صار لها ولا يثبت له ولاء ، فإن ماتت ولم تدع عصبة أو وارثا غيره حلف وورثها ، قال محمد : واليمين في هذا

378/11] به، ووثق الناس من عهده إلى هذا الزمان، رواياته واختياراته ورضوا من أحواله ما لم يرضوه من أحد من نظرائه رحمهم الله. قال النسائي رحمه الله: ابن القاسم ثقة رجل الح، ما أحسن حديثه وأصحه عن مالك، لم يختلف في كلمة، ولم يرو أحد الموطأ عن مالك أثبت من ابن القاسم. وليس أحدا من أصحاب مالك عندي مثله قيل: فأشهب، قال: ولا أشهب ولا غيره، هو عجب من أصحاب الفضل والزهد والرواية، حسن الحديث حديثه يشهد له، على أن في تفضيله على أشهب أو العكس خلافا يخرج عن الغرض وأيضا فهذه جزيرة الأندلس في سجلات قرطية، قطب مدائنها علما، وأمروا أن لا يخرج القاضي عن قول ابن القاسم ما وجده، احتياطا ورغبة في صحة الطريق الموصلة إلى مذهب من قلدوه لثقة المذكور وصحة روايته، وكثرة ملازمته، وطول صحبته، وإنه لم يخلط بمذهب مقلدهم شيئا كما قدمناه، ولو خرج عن تقليده لمالك لكان تقليدهم له دون مالك نبذا لمذهب مالك، ورغبة عنه، وهو خلاف المعلوم من أيمتهم. كيف وقد بلغوا من التوغل في تقليد مالك بحيث تمنع عليهم الأمر الصعب، حتى قال ابن حزم وهو أحد حفاظها في كتابه أحكام الأحكام حيث أخذ في القدح في التقليد قال: وأما أهل بلدنا يعني بلاد الأندلس، فليس ممن يتعين على مسائلهم وطالبها منهم في الندرة، إنما يطلبها بما ذكرناه آنفا فيعرضون كلام الله تعالى وكلام الرسول عليه السلام على قول صاحبهم، وهو مخلوق مذنب يخطئ ويصيب، فإن وافق قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم أخذوا به، وإن خالفه تركوا قول الله تعالى جانبا وقوله عليه السلام ظهريا وثبتوا على قول صاحبهم، ولا نعلم في المعاصي ولا في الكبائر بعد الشرك المجرد أعظم من هذا.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٤٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٤٦٣