نقول إن مجرد وضع الساتر على القبة إذا لم يتصل به ما ينقله عن حكم الإباحة من الهواجس والقصودات الفاسدة, فأي مانع يمنعه حتى يدين فيه الهلهلة ويجري فيه على زحف وتشكك من النقول والمقالات ما قيل في التكفين سواء, ويجعل الإباحة مع انتفاء علل النفوس وسلامات القصودات متوهمة, ليت شعري ما يوجب هذا والحمل على مسألة التكفين ضعيف أو ساقط, لأن القول بلإباحة التكفين فيه اللازم في نازلة الساتر الاباحة الأحروية, لأن التكفين في الحرير لياس, فيدخل في عموم النهي ويندرج فيه, فإذا استثنى وأخرج على هذا القول من طي ذلك العموم فريق الرجال
[356/1] لانتفاء علة المنع في حقهم وهي الخيلاء والبطر والكبر بالموت, وأبقي على الأصل في حق النساء, كان هذا نوع من التخصص بالمعنى, والتفات إلى ارتفاع المعلول بارتفاع علته, وهو العكس, وفيه ما فيه من العلل الشرعية, ومع كونه مسمى لباس فأحرى وأولى ما وضع على حائل وليس من مسمى اللباس في شيء. فتصور الإباحة الأحروية على هذا القول في غاية الجلاء والوضوح. وأما على القول بمنع التكفين فيهما فلا يلزم عليه المنع هنا لتمحض السرف فيهما. أما الرجال فللعمل بحكم الاستصحاب. وأما في حق النساء فلانتفاء ثمرة الإباحة عنهن بالموت فلم يبق إلا لمحض السرف في حقهن لغير معنى. وهذا عكس الذي قبله حكما وتوجيها مع الالتفات أيضا إلى كونه في الرجال مسمى لباس, فبقي المنع فيه على أصل العموم لتناول اللفظ له, ولا كذلك الساتر لبعده عن الكفن ومباينته له في الاسم والمسمى. وأما على القول بالتفرقة بين الرجال والنساء فقد جعله من توابع الحياة فيهما فكان غاية في الحسن, فلا يتم الحاق الساتر بالتكفين فيه في جريان الخلاف لوضوح الفارق, فليس إلا الإباحة على مقتضى كافة الأقوال الثلاثة في التكفين قطعا دون توهم.
وقوله: والنساء كان ذلك مباحا لهن بالأصالة فمن باب أحرى الآن.
فأجاب أما الرجل المقتول ان كان قد علم من حاله ما ذكر من المحاربة وكان منقطعا لها قاطعا للطريق مخيفا للسبيل مؤذيا للناس ولم يكن يقدر على صده عن ذلك بغي القتل، فقد كان قتله واجبا، والأمر في قطع مضرته ثابتا، وهو أعظم ممن قتل بأرض الكفر كافرا، لأن مضرة المحارب أعظم على المسلمين من ضرر الكفار. وعلى هذا فلا حيف على الفقيه الذي شارك في قتله، ولا بأس بصلاة من ائتم به، وقد كان ما فعله من ذلك من جملة دينه وفقهه. ويكفي في اباحة دم ذلك المحارب كونه قتل مسلما بغير حق، فلا حرج على الفقيه بسبب مشاركته في قتل من قتل وحارب، وقد قال الله تعالى:﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، الآية وهذا وان كان إلى الايمة لكنه يصير غير معصوم الدم، فقاتله ليس كقاتل المسلم المحرم قتله انتهي.
[ من قال لغيره ما قرأت إلا تيهوديت ]
وسئل أيضا رضي الله عنه عمن قال لرجل شهد عليه باقراره ثم أتاه يسأله فقال كيف تشهد علي بالباطل؟ فقال له ما شهدت عليك إلا بما قلت لي
[404/2]
[405/2]
بلسانك، فإجابه بأن قال له كل ما قرأتموه (( تودايين)) بالعجمية، ومعناه بالعربية يهوديات.
فأجاب الحمد لله. الذي ذكره المشهود عليه في جواب الشاهد من قوله: كل ما قرأتموه، وذكر بعض اللفظ العجمي الذي فسره السائل، كلام سيء قبيح، ولو أريد ظاهره كان كفرا أو يستلزم الكفر والعياذ بالله، لكن مثل هذا الجواب في عرف الناس مصروف إلى ما هو المخاطب ملتحق به، فكأنه قيل له كل ما قرأته من الخير والكمال لم تحصل لك بعده الثمرة اللائقة به، وإنما خلقك على الضد من ذلك. هذا عرف الناس في هذا الكلام، ولكن يستحق قائله مع هذا الأدب بالسجن والضرب وأن ترد شهادته حتي يتوب ويتبين خيره ويظهر حسن حاله. والله الموفق بفضله.
[ لا حد في الأدب وان بلغ ألف سوط بحسب اجتهاد الحاكم ]
=فأجاب : أما الزوج الذي ضمن شورة زوجته ثم ادعى تلفها أو قامت بذلك بينة ، فإن كان ضمنها مخافة التلف عليها حيث تلفت فهو لها ضامن[380/3]وإن قامت البينة على تلفها ، وإن كان سبب ضمانها أنه اتهم على الغيبة عليها ولم يؤتمن في ذلك ، فلا ضمان عليه فيها إذا أقامت على تلفها بينة .
[إذا زفت الزوجة إلى زوجها وضمن الزوج الشورة فضاعت ]
*وسئل عن الزوجة إذا زفت إلى زوجها وضمن الزوج الشورة التي جهزت بها إليه وضاعت ، هل يلزمه ما ألزم نفسه ، أو يكون ذلك من باب من التزم ضمان مالا يغاب عليه في العارية ، وعلى من أسقط الشفعة قبل وجوبها ، وهل تجري المسألة على مسألة من قال : أنا ضامن لرهنك وما نقص من حقك .
=فأجاب : الوجه في هذا أن ينظر إلى الوجه الذي خرج عليه ضمان الشورة ، فإن كان من أجل أنه خشيت عليه الزوجة ، فلا يلزمه ضمانها إن قامت البينة على تلفها من غير فعله ، وإن كان من أجل أنه خشي هو عليها ، فلا شيء عليه إن قامت البينة على تلفها من غير فعله ، ويلزمه ضمانها على كل حال إن لم توجد وادعى تلفها فلم يعلم ذلك إلا بقوله .
[ناكح يسوق سياقة من جملة الصداق ]
*وسئل عن ناكح يسوق في نكاحه سياقة من جملة الصداق ، وربما وجدتها غير محدودة ولا معلومة ، فتعود لجهل في الصداق ، فما الحكم قبل البناء وبعده ؟
=فأجاب : النكاح الذي ينعقد على سياقة غير محدودة في كتاب الصداق ، جائز لا يفسخ قبل البناء ولا بعده من أجل إهمال تحديدها في كتاب الصداق إن كانوا قد عرفوا ذلك ولم يدخلوا فيه على جهل .
[من باعت ربع مالها لزوج حفيدتها ونحلته بها ثم توفيت]
أحد الزوجين، ومع الحياة لا يثبت استباحة الفروج بشاهد واحد من غير خلاف نقل عن أحد من الأيمة المقتدي بهم، وكذا الطلاق أيضا لا يثبت يشاهد واحد فتنحل به العصمة مع الحياة، لكن بعد الموت لا تتضمن الشهادة تحريم فرج ولا تحليله ولا شيء من حقوق الله سبحانه وحدوده المتعلق بالنكاح والطلاق، إذ لأجل هذا التعليق الذي أشرنا إليه لم يقض فيها بالشاهد واليمين حتى لم تؤثر الشهادة من حقوق الله سبحانه، وإنما تمحضت في إثبات مال وسقوطه جنس الاختلاف في ذلك. فمن التفت إلى المبتدأ منع قبولها، ومن التفت إلى المال أجاز ذلك في الجميع.
وغيرها، فلعله أراد بما في المدونة الحكم الأول الذي هو الرجوع على ما قررناه وبما في غيرها الثاني وهو إفاتتها بما يفيت البيع الفاسد، وهذا أحد محتملات قوله في المدونة وغيرها سلمنا أنه أضاف الحكمين إلى المدونة وهو من
[366/5]
محتملات كلام أيضا، لكنها إضافة لا تاباها المدونة، أما النماء والنقص فقد صرحت به، وأما حوالة الأسواق وهو الثاني من وجهي استشكالكم الذي اعترضتم به لكونه الذي يختص به البيع الفاسد فليس في المدونة ما ينفيه وليس في سكوته عنه ما يدل على أنه لا يعتبره، لأن عدم القول ليس قولا بالعدم، فإن قلت يفهم عدم اعتباره من تخصيص النماء والنقص بالذكر، لاسيما وقد ذكر قبل حوالة الأسواق في مسألة الكذب، قلت هذا من مفهوم اللقب الذي لا يعتبره الجمهور، بل لابن رشد أن يقول في مسألة الغلط يريد أو حوالة سوق، وإنما لم يذكره اكتفاء بذكره قريبا في مسألة الكذب، ومثله فعل ابن يونس حين قال فيما نقل من رواية علي فإن فات بنماء أو نقصان يريد أو حوالة سوق كما قال ابن القاسم، وأيضا لو كان السكوت يوجب عدم الاعتبار للزم أن لا يعتبر النماء فوتا في الكذب عند ابن القاسم، فإنه في الكبرى ما ذكر فيه إلا حوالة الأسواق والنقص في السؤال والجواب، نعم البراذعي وابن يونس اختصراها بقولهما يفيته ما يفيت البيع الفاسد، وهما جديران بالتعقب عليها بذلك، وإنما النماء في رواية علي فإن قيدوا رواية ابن القاسم بأنه يريد أو نماء حسبما في رواية علي كما قررا رواية علي بأنه يريد أو حوالة سوق، إذ لا فرق بين الغلط والكذب في المعنى الموجب للخيار لأحد المتعاقدين، وهذا والله تعالى أعلم هو رأي أبي إبراهيم كما نقلتم عنه من كلامه، فابن رشد لم يقيد بهذا الفهم، وتبعهما ابن الحاج وابن عرفة كما نقلتم أيضا، وكون ابن محرز وابن يونس اشتمل كلامهما على ما يدل أنهما فيهما من المدونة أن حوالة الأسواق لا تفيت هنا لا ينهض حجة على
القاسم للمنع من غير الدين. فإن المشتري لا يدري ما اشترى أقيمة أم نقضا؟ وقد أشار اللخمي إلى نقض هذه الحجة، بأنا قد وجدنا في الشرع ما هو هكذا. وقد جاز بيعه. وذلك الشقص الذي يتعلق به حق شفعة يباع بعرض، والمشتري لا يدري ما اشترى أشقصا أم قيمة العرض؟ وذكروا أيضا ما يشبه ذلك، وفيه المنع للعلة المتقدمة. وذلك الشريك يبيع حصته من العبد بعد عتق شركه لحصته، وهو موسر. وذلك غير جائز. ومسألة النقض بمسألة الشفعة أشبه. وقد أجاد في الكلام في الحجة للقولين في نوازل ابن الحاج. وموضع الرخصة من الكلام المقتدم هو قول غير ابن القاسم في إباحة البيع على التبقية مع التصريح بما حسبما وقع في الوثيقة، وذلك مع الدين. ولا شك أن الدين فيها غير مقصود لنفسه في باب الضرورات. وإنما هو مثال في هذا الباب. وإلا فحاجة الإنسان إلى قوته وما يدفع به الأذى عن نفسه في لباسه وقوت عياله، أشد من الدين في باب الضرورة. ويرشد إلى صحة هذا أن ابن سهل حكى ذلك القول في صدر المسألة بما نصه: لا يجوز بيعه إلا لضرورة في بيع دين وشبهه فيجوز. فأشار بقوله وشبهه إلى نحو ما تقدم. وهكذا أيضا نقله البرادعي في الشرح والتمامات على المدونة لما حكى المنع معللا بالمعنى المتقدم قال: وكذلك قال أشهب ورواه عن مالك.
قال سحنون: وهو أحسن من قول ابن القاسم، إلا أن يباع ذلك في موضع الضرورة للدين وشبهه، فيجوز لموضع الضرورة انتهى.
وهذه الضرورة يدين البائع في دعوها، بدليل أنها في الوثيقة المتقدم نصها غير مضمنة في الشهادة بل مسوقة مساق الحكاية خاصة. وما عزوه إلى ابن القاسم من إباحة البيع للنقض هو قوله في المدونة وقوله مالك أيضا في الحبس حسبما وقع في كتاب الشفعة من المدونة.
والثالث ما حكاه صاحب النوازل المذكورة عن القاضي ابن زرب من
[468/6]
فإذا تقرر الفرق بين مسألتنا بوجود الترتيب فيها المقتي لحرمان كل طبقة تأخرت عن صاحبتها, ووجود التشريك بالواو في مسألة هناء العيش, المقتضي لدخول أعقاب الأعقاب مع الأعقاب, وأي إلحاق يصح لمقدم مع هذه الفروق القطعية مزيد بيان مع كون ما قدمنا من لقتضاء الواو للجمع, فهو مذهب كافة الموثقين, انظر سائر الوثائق في قولهم: وإن أراد المحبس دخول أعقاب الأعقاب مع الأعقاب أتيت بالواو فقلت وعلى أعقاب أعقابهم, فإن أردت أن لا يدخل أعقاب عل الأعقاب, أتيت بثم ونحو هذا مما لا يحصى كثرة, وأظهر من هذا كله في الاحتجاج على الفشتالي, وما ذكره ابن رشد رحمهخ الله تعالى في جوابه لأحد المتشاورين بجيان, ونص قوله فلبني البنين الدخول في الحبس مع من فوقهم من بني البنين, هذا نص قول مالك في المدونة, ولا اختلاف أحفظه في انهم يدخلون معهم, لأنه شرك بينهم بالواو البتي موضعها لادخال الثاني فيما دخل فيه الأول انتهى نص الحاجة: فأنت ترى رجلا عارفا باللسان العربي, ومقلدا في الفقه, يتجاسر على إدخال ما فيه الترتيب للطبقات بعضها على بعض, عملا لادخال ما فيه التشريك للطبقات بعضها عل بعض, نسلم أنه لم يعتمد ذلك فقدوهم, والمجتهد إذا تبين أن رأيه بخلاف ما حكم به ينقض, فكيف الفشتالي
[396/7] المقلد في مسألتنا, فلنفق هنا إن شاء الله تعالى.
فأجاب: اختلف المذهب في فتح باب دار أمام باب آخر والذي به العمل عندنا وتقدم رأى شيوخنا منع ذلك وحماية بابه إلى هذا ذهب أصحابنا بعد شيوخهم وهو رأيي معهم وهو المشهور من القول لأنها حقوق من سبق إليها وحازها أولى بها من غيره ولا يجوز لأحد أن يخرجها من يده إلا أن يضر به فيها، ومنها حفر الآبار وإحياء البساتين والأنهار وغير ذلك من المسائل، وجعل الحق فيها لمن سبق في القول الصحيح والمشهور وهو عمدة المذهب وما أظن شيوخنا جروا فيه إلا على سنن من تقدم منهم، ولم يسمع منهم أن من كان قبلهم مال إلى غير هذا، وإن كان في هذا ما أوجب خروجه عن حال المسألة هي فتح أبواب الديار لأن المبيح للفتح يحتج أن يحكم الخارج من الديار إن كشف من المجالس فهو كالجائز المار، وهيهات بل بينهما فرق بين اختلاف حال الساكنين والمارين، والفرق بينهما من غير ما وجه معلوم بضرورة العادة وأما الحوانيت فكشفها أعظم وعمدة ضررها من غير وجه واحد أبين وأظهر، وإذا منعنا من باب الديار كان الحوانيت أحرى لوجوه يكثر تعدادها والمعتبر في الكشف أن يقف القائم في أسقفة باب الدار القديم فإن انكشف ما وراءه فالمنع آكد، وإن كان لا يتكشف من كان في أسقفة الباب ولا ينكشف حتى يخرج عن البار ويبرز عن حياله فليس هذا بما هو في حكم التكشف ولا مما يوجب المنع ويصير ذلك مع ما ذكرته من رأي من تقدم من شيوخنا وما جرى به العمل في القديم والحديث.
[حكم فتح باب في زنقة غير نافذة]
وسئل ابن زيادة الله القابسي عمن أراد فتح باب في زقاق غير نافذ أو نافذ في إحدى الجهات فنازعه الجيران فالتزم لهم أنه لا يفتح الباب المذكور في الموضع المذكور واسقط حقه من ذلك ثم باع تلك الدار وأراد المشتري أن يفتح باب الدار في الجهة المذكورة فنازعه المنازعون لربها البائع منه واحتج بأنه لم يعلم بما التزم لهم البائع منه هل لهم في ذلك مقال أم لا؟
وأجاب ابن القطان قرأنا أكرمك الله ما خاطبتنا به ووقفت عليه وعلى ما دعي إليه أحمد بن سعيد وكيل عائشة في البطاقة المدرجة إلينا. فأما ما ذكرته من أمر المشورة في كتاب العهد الذي لم يشهد بشرط العائق فيها إلا شاهد واحد وثبت ذلك عندك من قول الوزير في ذلك فانفراد من أوصى إليه في العهد جائز على ما قاله مالك في رواية أشهب عنه في المستخرجة ذكر ذلك في الوصيين عزل أحدهما لحالة أوجبت ذلك، فسئل مالك هل يدخل مع الباقي أحد؟ فقال نعم إن كان أمرا يخاف أن لا يقوى عليه وحده، وإن كان أمرا يقوى عليه وحده لم يدخل عليه أحد.
وقال ابن سهل : وأخبرني أبو مروان عبيد الله بن مالك أن صاحب المواريث أبا محمد بن فطيس شاورهم فيمن أقر لرجلين أنهما أخواه أو ابنا عمه الوارثان له ، فمات أحدهما في حياة المقر ثم مات المقر هل للمقر له الباقي جميع الميراث أم نصفه ؟ قال : فأفتيت أنا وابن جرج(¬1) وأبو المطرف أن جميع ميراثه للباقي ، ووافقنا ابن العطار في ذلك ودليله في نوازل أصبغ ، قال لي : وأفتى ابن عتلب وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن زعبل أنه ليس له إلا نصف ماتخلفه المقر ، قال ابن زعبل كما لو أقر لهما بوديعة عنده ليس لكل واحد منهما إلا نصفها ، وبه أخذ ابن فطيس ، وذكرت ذلك لابن عتاب فقال لي : [382/10] كذلك كان ، وهي مسألة المقريطي ، وجوابي هذا جواب الشيوخ قبلي ، لأنه إقرار بمال على أحد قولي ابن القاسم .
[فقهاء الأندلس المفتون يخرجون إلى الأقاليم للرباط فى سبيل الله]
وأما دلالة أقوال الأيمة على ذلك فقد قال شرف الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن على الفهري وهو أحد محققي الأيمة المتأخرين: لما حكى صفة المجتهد قال: وجميع ما ذكرناه شرائط المفتي المطلق، وهو المجتهد في الدين، ودونه المجتهد في المذهب، وهو الذي له مكنة بتخريج الوجوه على نصوص إمامه، كابن شريح، وأبي حامد. بالنسبة إلى مذهب الشافعي، ومحمد بن الحسن وأبي يوسف، بالنظر إلى مذهب أبي حنيفة، وابن القاسم وأشهب بالنسبة إلى مذهب مالك. وهو نص منه رحمه الله تعالى على ما قلناه. وأيضا فقد قال ابن وهب لأبي ثابت: إن أردت هذا الشأن يعني فقه مالك، فعليك بابن القاسم، فإنه انفرد به وشغلنا عنه بغيره.
وبهذا القول رجح القاضي أبو محمد رحمه الله، مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن ابن القاسم. وانفراد ابن القاسم بمالك وطول صحبته له، وأنه لم يخلط به غيره، وهذا أيضا يدل على تقليده له، وكونه خزانة لعلمه وأقواله ومآخذه، فإن المجتهد لا ينفرد بعلم شخص، ولا يوصف بأنه لم يخالط به غيره، فإنه إنما ينظر الدليل المطلق، وأيضا فقد حكى الحارث بن أسد القفصي وكان ثقة خيرا مستجابا يختم القرآن في كل ليلة من رمضان، وكان ممن أخذ عن مالك، رحمه الله، قال: لما أردنا وداع مالك، دخلت عليه أنا وابن القاسم وابن وهب، فقال له ابن وهب: أوصني فقال له: اتق الله وانظر عمن تنقل، وقال لابن القاسم: اتق الله وانشر ما سمعت، وقال لي: اتق الله وعليك بتلاوة القرآن. قال الحارث رحمه الله: لم يرني أهلا للعلم. قال محمد بن الحارث: فرأيت في بعض الروايات أنه كان يستفتى فلا يفتي ويقول: لم يرني مالك أهلا للعلم. فهذا مالك رحمه الله ينبوع إفادته، يأمره بنشر ما سمع، والناشر لما سمع بمعزل عن الاجتهاد المطلق، ومن المحال أو الا بعد من حاله، أن لا يعلمه شيخه رحمه الله. وقد عمل رحمه الله ما أوصاه
[