تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نقول: الجواب أن لا تجريح ولا تفسيق, وهذا هو التحقيق لأنا قدمنا من جواب شيخ شيوخ بلدكم أن الأصل الإباحة, وغاية حال الستر والقناع الكراهة, إذ لا يكون أسوأ حلا من التكفين فيه. ومذهب المدونة, وهو المشهور في المذهب, كراهة التكفين في الحرير تنزيها في حق الرجال والنساء لا تحريما على ما فيه من مزيد السرف في التكفين بما لا خفاء به. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتعلقان إلا بواجب أو حرام عند المحققين, ومن

[355/1] شرطه القطع به كوجوب الصلاة وتحريم الخمر لا مختلفا فيه كشرب النبيذ.

وقوله: ولها نظير إلى لآخره.

نقول: مسألة القباب ليست بنظيرة لهذه في ورد ولا صدر, للإجماع على تحريم كشف العورة والنظر إليها لغير النكاح والملك المبيح, وفي عيوب الفرج على القول الصحيح. فبذل العوض من السيد والزوج على الدخول والحلول بمحل المنكر والتلبي به من اعظم المناكر وأسمجها, والتمالؤ على تعاطيه والإعانة عليه من اعظم الفسوق والمروق, فعلى فاعل ذلك السجن الطويل والعقوبة الشديدة والأدب الموجع إن قدر على المنع ولم يفعل, ولا يبلغ الحال بمتعاطى الستر والقناع الذي الكلام فيه هذا المبلغ بل ولا يدانيه. وهذا من أعظم الفروق. فقد نظرتم بغير مماثل ولا نظير, فنستغفر الله الذي إليه المصير, وهو بحالنا بصير, إذ هو بالإجابة جدير, فنعم المولى ونعم النصير. وليكن هذا آخر ما نعلق به الغرض من التبرك بألفاظ الفاضل أبي العباس وقاه الله شر الجنة والناس, مع ما أنا عليه في هذا الوقت من البطالة والأعراض, بترادف العلل والأمراض, وتعذر كثير من الآمال والأغراض, أسأل الله حسن الخاتمة.

وأما الفاضل أبو حفص عمر الله داره ببقائه, ومنحنا حظا وافرا من صالح دعائه, فقوله إنما نتوهم الإباحة في ذلك حيث المقصود به ستر الجنازة فقط هنالك, يتأمل إلى آخر ما ذكر بعد الهلهلة.

وسئل سيدي قاسم العقباني عن مسألة تظهر من جوابه فقال: الحمد لله إن اقامة هذا المرابط بهذا الموضع الذي كان قبل سكني هذا الذين به مأوى للمحاربين ومهلكة للمسافرين من باب اعانة اللهفان، ودفع الفساد عن أهل الأمان. وما أعظم المثوبة في ذلك! وما هذا إلا جهاد عظيم، وشرف دائم مقيم. وكل الطاعة والحمد الله شرف وعز في الدنيا والآخرة، ولكن يعظم شرفها بتحمل الإنسان المكاره والمشاق لأجلها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أفضل العبادة أحمزها﴾، أي أشقها، فإقامتك بهذا المكان على رغم أنف أهل الفساد سداد ورشاد، وإن شق عليك فذلك أرفع للعمل الصالح، لأنه يصير لوجه مولاك لا لغرض يحصل لك. وما ذكرت من قتال

[403/2]

[404/2]

من تقع منهم المفسدة، وقد يكون معهم من هو سالم من الفساد، لا يفعل ذلك ولا يقدم عليه إلا بإذن الإمام . والواجب مع الاذن أن يبعث إلى من هو سليم فيحذر من الاقامة معهم وينذر ويخوف، فإن تمادي على الإقامة لم يمنع ذلك من ازالة المفسدين عن فسادهم. وأما المال فلا سبيل إليه إلا أن يعلم أن الذي بأيديهم من المال ليس إلا من الغضب والوجوه الخبيثة فإنه يوخذ من أيديهم ويصرف لأربابه إن عرفوا. وإلا اجتهد في معرفة من له فيه حق، فإن أيس من معرفتهم صرف في مصالح الفيء من وجوه مصالح المسلمين والله الموفق بفضله.

[ خطيب قرية شارك في قتل محارب فطعن الناس في إمامته ]

وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب رحمه الله عن خطيب قرية اشترك مع أهل قرية في قتل محارب منقطع قتل رجلا على وجه الحرابة وفعل أمورا من هذا النحو، فطعن الناس في إمامة الخطيب بذلك.

*وسئل عن رجل أنكح ابنة بكرا في حجره من رجل بصداق معجل ومؤجل ، فغاب الناكح قبل البناء بها مدة ، وأثبت أبوها مغيبه عند حاكم الجهة[379/3]وطلقها عليه الحاكم ، وأن الناكح قدم في إثر ذلك واصطلحا على إبقاء الإنكاح ، ووهب لهم موضعا ؛ لأن الناكح التزم دفعه إلى المرأة على وجه السياقة ، وعلى أن أنظره مهر ابنته والدخول بها لستة أشهر ، وافترقا على ذلك وتشاهدا ، ثم غاب الناكح إلى حاجته وطلب معاشه بسبب المهلة التي أمهله بها المنكح ، فلم يغب إلا يسيرا ، وأنكح الأب ابنته من رجل آخر ، وعقد نكاحها معه ، فقام الآن الزوج الأول ويريد الدخول بزوجته ، بين لنا الجواب في ذلك .

=فأجاب : إذا كانا لم يجددا عقد النكاح بعد أن حكم عليه بالطلاق ، وإنما اصطلحها على إبقاء النكاح الأول حسبما ذكرت ، فلا يجوز ذلك ، ويثبت النكاح الآخر .

[من أنكح ابنته من رجل ثم ماتت الابنة قبل الدخول فطلب كل من الأب والزوج الآخر]

*وسئل عمن أنكح ابنته من رجل وتم ذلك على ما يجب ، فماتت الابنة المذكورة قبل الدخول بها ، وقام الأب يطلب الزوج بصداقها ونفقتها ، وبالكسوة مدة حياتها من يوم أنكحها منه إلى أن ماتت ، ثم قام الزوج يطلب أباها بما اكتسبه لها ليجهزها به إلى الزوج المذكور ، هل يصح لهما أو لأحدهما شيء مما طلبه ، بين لنا ما يلزمهما ، وما يجب لهما ، وما عليهما ؟

=فأجاب : إن كان ما اكتسب الأب ليجهز ابنته به أمضاه لها وبتله ، فهو موروث عنها ، وكذلك ما سمى لها من الصداق موروث عنها ، ولا يلزم الزوج لها نفقة ولا كسوة .

[من ضمن شورة زوجته وادعى تلفها ]

*وسئل عمن ضمن شورة زوجته وادعى تلفها .

ووقف بعض من يعزى إلى العلم على هذا الجواب، فقال في هذه المسألة خلاف بين الأيمة. ولو كانت بشاهدين، وهذه مسألة مجمع عليها ولا خلاف فيها بين الأيمة، فكتب إليه سؤال ثان بكلام هذا الفقيه فكتب: هذه المسألة ما اتفق في ما علمت علي من كثرة المراجعة سؤال مثل ما اتفق علي فيها. وقد يكون هذا السؤال من الجهتين جميعا. وكتب لكل واحد من الخصمين أن الصلح في هذا أولى. وأني أكره التقليد فيها، لكون المسألة يختلف الخلاف فيها من أربعة أوجه، أحدهما الطلاق قبل النكاح وفيه اختلاف هل ينعقد أم لا؟ والخلاف المشهور في ذلك مطلقا ومفصلا بين فقهاء الأمصار والمذهب، ولا حاجة بنا إلى بيانه، وكذلك لو حكم بانعقاده فيه اختلاف أيضا هل يفوت الفسخ بالعقد أم لا؟ وإذا لم يفت ووقع الفسخ بعد الموت ففيه اختلاف، هل يقع به التوارث أم لا لأجل الاختلاف في الأصل النكاح؟ ثم شهادة رجل واحد على ما ليس بمال والمقصود منه مال فيه اختلاف لا ينكره من عرف أصل المذهب، ولغير الأشياخ الأيمة، وبهذا كان يدرس أيمتنا وذكروه في كتبهم ذكرا مطلقا، لأن كثرة وقوعه منهم من استقصاء تقريرها. ونبهوا بالأشهر وما وقع فيه النص على ما سواه من مسائل هذا الباب. وقد وقع النظر (¬1) للمتقدمين في شاهد واحد قام بنكاح بعد موت

[409/4]

[410/4]

الاهتبال ما كنت أزيد على الإقرار بتصحيح ما عرض لكم من الإشكال، وها أنا أذكر ما اللائق بي من سفساف المقال، وأرجو منكم الإغضاء عنه فإنه ما فعلته إلا قصد الامتثال، فأقول: إني لم أقف على كلام ابن رشد ولا كلام غيره ممن ذكرتم لعدم تمكني من ذلك، غير أن كلام ابن رشد والذي يمكن أن يحمل عليه كلام ابن رشد على وجه يرفع ما ظهر لكم من الإشكال أن يكون معنى قوله للمغبون حل البيع وأخذ سلعته أن من غبن في عوض سلعته بأن أعطي أقل منه بجهله بذلك وعدم رضاه به لكونه مسترسلا لأن علم بما نقص أولا ورضي به وهو مالك أمره لا يقول أحد إن له القيام بعد ذلك، ثم تبين الغبن أنه بالخيار إن شاء أمضي البيع بالثمن الأول أو رجع في عين سلعته مع قيامها أو في قيمتها مع فواتها إلا أن يشاء المبتاع أن يكمل النقص حال القيام فهو أولى بالسلعة لدخول البائع أولا على بدلها لكن بعوضها كاملا، فليس للبائع حق في حل البيع إلا إذا لم يكمل له العوض له العوض لالتزامه البيع، والمشتري لما لم يلتزم السلعة إلا بالثمن المسمي كان له إذا أبي البيع والإمضاء به أن يرد أو يتماسك بما دخل البائع عليه وهو كمال العوض، فمعني قوله، للمغبون حل البيع أي إن لم يكمل له المشتري العوض، وعلى هذا فاستدلاله بمسألة المرابحة في غاية الظهور، لأن قوله فإن لم يفت خير المشتري بين ردها أو يضرب له الربح على عشرين ومائة يعني إن قام البائع بحثه في استكمال العوض، وأما إن رضي الثمن الأول فلا إشكال، إذ لا خيار للمشتري، وإنما هو بعد تخيير البائع في الإمضاء بالثمن الأول أو الرد، وإلى اختيار البائع هذا أشار ابن رشد بقوله: ثم يقوم بذلك على المباع كما حكيتم من لفظه وقوله إن للبائع الرجوع في سلعته إن كانت قائمة يعني إن لم يرضه المشتري مما فات من عوضها، وأما قوله إنه يفيتها ما يفيت البيع الفاسد فليس فيه تصريح بإضافة هذا إلى المدونة لقوله أولا وقد قال في المدونة

قال محمد: إنما هذا في أرض السلطان التي لا تنزع ممن بني فيها. وكذلك الغراس فيها. فأما لغيره فلا يجوز للبائع بيع النقض ولا شيء منه على حال. قال القاضي: يريد لأن رب الأرض دفع قيمته منقوضا.

والثاني ما نقله من وثائق ابن أبي زمنين. ذكر فيمن أعار لرجل بقعة ليبني فيها بنيانا ثم أراد بيعه من غير صاحب البقعة أنه جائز عند ابن القاسم، ثم لرب البقعة أن يعطي المشتري الأقل من قيمة نقضه أو الثمن الذي اشتراه به.

[وثيقة لابن أبي زمنين في موضوع بيع أنقاض في أرض معارة للبناء]

قال ابن أبي زمنين: وقد ذهب غير ابن القاسم إلى أن ذلك غير جائز، إلا أن يباع في دين لحق صاحب النقض، فيجوز حينئذ لضرورة الدين. قال: فإن بيع لضرورة دين فوجه عقد الوثيقة في ذلك أن يقول:

اشترى فلان بن فلان بن فلان بن فلان جميع النقض والبنيان الذي بناه في بقعة الحانوت الذي بموضع كذا وحدوده كذا. وكان فلان قد أذن لفلان أن يبني في هذه البقعة حانوتا على صفة كذا فلما بناه وأكلمه لحقه دين لم يوجد له قضاء إلى بيع هذا البنيان والنقض. فعرض جميعه على فلان صاحب البقعة. وخيره بين أن يعطيه قيمته وبين أن يطلق يده على بيعه، فأذن له في بيعه، وأن يصنع فيه ما أ؛ب، فعند ذلك باعه من فلان بن فلان بكذا وكذا قبضه منه وأسلم إليه جميع المبيع الموصوف، وأنزله فيه وصار إليه من عمارة هذا الحانوت وسكناه أو إسكانه أو إكرائه مثل الذي كان له فيه، إلا أن يريد صاحب البقعة إخراجه، فيصير في ذلك إلى ما توجبه السنة، ثم أكمل العقد. وقد نقل هذه الوثيقة هكذا عن ابن أبي زمنين صاحب الوثائق المجموعة. وحكى قول ابن القاسم وقول غيره. وذكر فيه حجة قول ابن

[467/6]

395/7] الحبس بلفظ, وأيضا الفرق بين الظاهر بين مسألتنا ومسألة هناء العيش وهو الذي يشترك في ادراكها الجهلاء, أن مسألتنا فيها الترتيب بالفاء واسم الشرط, حسبما ذكرنا في الوجه الثاني قبله, فليجدد به عهدا أيضا, ومسألة هناء العيبش لا ترتيب فيها بين أعقاب أحمد والحسن, بل قول المحبس نص على أعقابهما وأعقاب أعقابها, فأتى بالواو التي تقتضي التشريك, فلذلك أدخل ابن رشد رحمه الله الأبناء مع الآباء, وبني الأخ مع الأعمام, وأدخل بني بنات الحسن لقول المحبس ثم على أعقابهما وأعقاب أعقابهما, لأن بنت الحسن من عقبه, فولدها من عقب عقبه, انتهت زبدة كلام ابن رشد رحمه الله, فلتجدد بها عهدا لتنظر صحة ما ذكرناه.

وسئل أبوالقاسم خلف بن أبي فراس القروي عن رجل له دار عن يسارها حانوت وفي مقابلتها دار في الضفة الأخرى فأراد ربها أن يفتح عن يمين باب داره ثلاث حوانيت يقتطعها من بيت في داره، فزعم أن ذلك من حقه، لكون الدارين المتقابلين في شارع كبير مسلوك من أعظم شوارع البلد وأكثرها سككا فمنعه صاحب الدار المقابلة وقال إنما تفتح أبواب الدور في الشوارع النافذة وأما الحوانيت فمضرتها شديدة زائدة على مضرة الديار لمواظبة الجالسين فيها وربما كان من يجلس عنده فتعظم المضرة والتكشف وشهدت بينة أن الحانوت الأولى من هذه الحوانيت إن عملت انكشف بعملها سقيفة الدار المقابلة والمدخل وسيكشف من الحانوت الثاني الخارج وبعض السقيفة ومن الحانوت الثالث الباب خاصة.

[

فأجاب ابن عتاب بجواب نسخته بعد الصدر إذ قد ثبت المذكور فتنظر في ذلك على حسب اجتهادك، فإن رأيت التقديم للمشورة قدمت وإن رأيت إسقاطها عن الناظرين في العقد أسقطت ثم تستأنف النظر في العهود إذ قد لا يصلح شيء مما فعلاه قبل ذلك، وذلك كله مردود غير نافذ ما كان من بيع وغيره إلا ما نفذ للمساكين أو للأعيان ولا ينفذ لسلوان ما نفذت لنفسها مع من شركها في النظر ولا يكون ذلك كله إلا بعد استيناف نظر وتقويم، ولا يجب لها سكنى الدار، وتوقيفها واجب إلى أن ينفذ النظر، ومن أقر له المريض بدين فلا يقبضه إلا بعد أن يحلف بما يجب عليه، وإن صدقه الموصي فلا ينتفع بذلك ولا تصدق سلوان فيما زعمت أنها باعت من ثيابها على الجهل بها مدعية لا تعذر بذلك، وكشف من صار إليه شيء من التركة بابتياع لازم ليوقف بذلك على بقائه عنده أو فوته. وما ذهبت إليه سلوان وابنتها من الالتزام أصل المتوفى، بالعدد الذي ذكر عنهما وكيلهما، فإن كانت الأصول معروفة عندهما وعند من يشركهما في النظر والبيع ولم يكن فيه مانع منها ولا دافع عنها وكان ذلك نظرا فذلك لازم، وإن كان بخلاف ذلك فلا يلزم، وما وقف كل واحد منهما صاحبه عليه فقد أحكمت السنة أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر فمن أقام منهما بينة قضي له بها بعد الإعذار وإن لم تكن بينة لزمت اليمين على المدعي عليه وله صرفها إن أحب وهذا قول أئمتنا المقتدى بهم المتقدمين لا أعلم بينهم فيه اختلافا قاله محمد بن عتاب.

وأجاب أبوبكر يحيى ابن القاضي أبوبكر بن زرب بأثر هذا الجواب

[402/9] بما نصه: هذا الجواب صحيح وبه أقول وهو الحق إن شاء الله قاله يحيى بن زرب.

فأجاب : مذهب ابن القاسم أن من أقر أن فلانا ابن عمه لايثبت نسبه بهذا ، وإنما له المال بعد التأني ، فإن لم يات له طالب أخذه المقر له مع يمينه ، حكى هذا عنه أحمد بن ميسر وهو مذهبه في المدونة وقول ابن القاسم لا يثبت نسبه بهذا الإقرار هو قول مالك وجماعة أصحابه ، وقد حكاه ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ أنه لا يلحق نسب أحد من أخ أو ابن عم بمن استلحقه حتى يكون وارثه وموروثه بذاك الاستلحاق إلا الوالد للولد فقط ، كان الإقرار [381/10] في صحته أو في مرضه ، وحكاه ابن سحنون عن أبيه ، وفي المستخرجة إذا لم يكن له وارث معروف فإقراره جائز فى صحته أو مرضه ويكون له ماله قال أخي أو عمي أو وارثي أو مولاي أو مولى نعمة ولا يثبت له النسب بذلك ، وقاله سحنون ، وقول آخر أنه لا ميراث لهذا المقر له وإن لم يكن للمقر وارث معروف لأن ميراثه للمسلمين ، فهم كوارث معروف ، وفي هذه الرواية بيان أنه إنما يكون لمحمد نصف مال المقر لأنه إنما أخذه بالإقرار لا بالنسب ، والمقر إنما أقر له ولأخيه ، فقد أقر لكل واحد بنصف ماله ، ولم يرث محمد ما يجب لعبيد الله لموت عبيد الله قبل المقر فبطل إقراره له ، وصح لمحمد النصف ونصف عبيد الله لجماعة المسلمين ، ويشهد بصحة هذا ما رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ فيمن أقر في مرضه أن فلانا أخوه وفلانا مولاه ولا يعرف إلا بقوله أن ميراثه لمولاه دون أخيه ، لأن الإقرار بالولاء حق من الحقوق وأقربه ، والإقرار بالأخ استلحاق إلا في الولد خاصة ، فغلبنا الإقرار بالولاء على الإقرار بالنسب لما بيناه من ذلك ، ومذهب أشهب في ذلك أنه لايستلحق الميراث إلا من استلحق النسب وثبت له بما تثبت به الأنساب وبهذا كان يقول ابن لبابة ، وقال : إذا لم يثبت النسب فكيف يستحق المال ، ومذهب أشهب هذا هو النظر والقياس ، إلا أن العمل جرى على قول ابن القاسم ، والله أعلم بحقيقة الصواب .

ورابعها ما نقله صاحب الاستيعاب حيث ذكر عن ابن وهب قوله: إذا لم أجد أثرا لقلدت مالكا، لأن قوله أثر من الآثار. وقال: بهذا كان ابن حنبل يقول، لأنه قد سمع ذلك من ابن وهب، ثم قال: وقال أبي القاسم: اخترت مالكا لنفسي وجعلته بيني وبين النار، ولا معنى لاختياره إياه، وجعله بينه وبين النار إلا تقليده واعتقاد صحة مذهبه، واستحسان رأيه. فإن الذي يجعل المجتهد بينه وبين النار، إنما هو الأدلة وبذل الوسع في طلبها، واستنباط أحكام الله تعالى منها، لا الشخص المعين.

فإن قيل: أول اختياره إياه إنما هو في التعلم والاستفادة منه ابتداء، لا في تقليده حين استبحر في العلوم، وأمكنه الاجتهاد.

قيل: المجتهد المطلق لا يمكنه جعل ما استفاد منه ابتداء بينه وبين النار كما قررنا، وإنما يتبع الدليل بالنسبة إلى استفراغ الوسع فيه ينسب إلى المبالغة أو التقصير، وإلى حصول الأجر أو الإثم وسقوطه، لا إلى من أخذه عنه بدأة أو استفاد منه أولا فإنها حالة قد انتسخت بأكمل منها. هذا واستفادة المذكور بداة لم تنحصر في مالك رحمه الله، وإن كانت منه أكثر ملازمته

[377/11] وصحبته له أطول، فقد أخذ عن الليث، وعبد العزيز ابن الماجشون، ومسلم بن خالد، وبكر بن مضر وابن الدرواوردي، وابن أبي حازم، وعثمان بن الحكم وغير واحد.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٤٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٤٦١