350/1] عليه وسلم المشقة علة دالة على عدم جواز الفطر والقصر لكثر الشغب واضطراب العلل والأحوال ولم تنضبط لعدم انضباط المشقة كما تقرر في المثال, بخلاف السفر الطويل فإنه ظاهر منضبط, والمشقة التي هي حكمة القصر والافطار توجد عنده غالبا, فأناط صاحب الشرع الحكم بها رفعا للخبط والشغب والاضطراب. وكذلك الصيغة في البيع والنكاح وغيرهما منبقية العقود جعلها الشارع دليلا على الرضى, لأن من شرط المعارضة رضى البائع والمبتاع إلا من جبره الحق, وذلك في مسائل أثبتناها في بعض ما قيدنا. والرضى أمر باطن خفي لا يمكن الاطلاع عليه للبشر, والصيغة إيجابا وقبولا مظنة. فأناط الشارع الحكم بها لظهورها. فإذا تقرر هذا وفهم من معنى الحكمة والمظنة باللازم على طرد ما أبداه الفاضل من البحث وودان اللخمي أو القرافي ممن له مسيس بالتنازل للجزئيات أن لا يقصر ولا يفطر الملك ولا المترفة لانتفاء علة الترخص فيهما. وهي المشقة عنده عملا بالدوران, وهذا شيء لا يقال.
ويلزم على طرد قوله أيضا في العجوز التي تناهى هرمها كثيرا أن لا تشرع الزينة من الحلي والحلل للرتقاء لامتناع الوطء فيها عقلا بل أحرى على قياس قوله, لأنه إذا كان يمنع الهرمة من التجمل بالحلي والحلل لانتفاء سببه عنده فيها مع كون المانع من التلذذ بها عاديا ومع أن لكل ساقط لاقطا, فأحرى وأولى الرتقاء التي المانع من وطئها عقلي كما قدمنا.
ويلزم عليه أيضا أن لا تشرع في حق الجذماء والبرصاء والقرعاء والبخراء والخشماء وكل من لا يتلذذ به منهن إلا على زحف واشمزاز إن كن أيمات أو رضي الأزواج بأدوائهن, ولا يفوه بالتزام موجب هذه الإلتزامات في ظني في مسألة الهرمة إلى القول يمنعها من لبس الحرير لانتفاء ثمرته في حقها, قد تنازل وتواضع لاعتبار الهرم والشباب والقبح والجمال, لكنه في غير هذا الوجه, فلينظر في ترجمة النفقات والشهادات من تبصرته رحمه الله تعالى.
وإنما لم يقع منا الجواب في هذا بالقتل لأن المقالة ان نظرت إليها من حيث ذاتها لم تجدها كفرا ولا تضمنت سب النبؤة ولا الغض في شيء من حرمتها. وقد قال علماؤنا في أصل لك أنه قذف، وعلمت ما يلزم القاذف وأن القذف من الذمي كالقذف من المسلم. وقيل في لا أصل لك إنه سباب دون القذف. فإن وقع في نفسك أن الكافر يكون الأمر عليه أشذ لنزول مرتبته وعلو مرتبة أهل ملتنا أهل الإسلام، قلنا انما تختلف العقوبة بحسب القائل والمقول له فيما ليس للشرع فيه حد محدود. أما ما فيه حد فلا خلاف أنه يوقف عنده. وأيضا أيمتنا رضوان الله عليهم قالوا فيمن قال لغريمه وقد طلب منه قضاء دينه فقال المطلوب صل على محمد فقال الطالب لا صلي الله على من صلي عليه. قال أصبغ وأبو أسحاق البرقي لا يقتل لأنه شتم الناس. فأنت ترى الجواب في هذا اللفظ مع شناعته لا صلى الله على من صلي عليه. لكن حمل العلماء على الأخذ بمثل هذا الجواب ما علم من الرحمة الإلهية من رأفة سيد البشر ورحمته، وما دلتهم عليه النوازل في زمانه صلى الله عليه وسلم.
ووقع له أيضا في نصراني قال ديننا خير من دينكم وأن دينكم دين الحمير ونحو هذا من القبيح، مثل قول النصراني للمؤذن حين قال أشهد أن
[400/2]
[401/2]
375/3]=فأجاب : ومسألة ابن الحاجب في الدخول بغير إشهاد ونقل الجزيري , ومثله وقع لصاحب الوثائق المجموعة ، وما نقلتم عن رسم : إن مكنتني . مثله , ورأيت مقيدا على ذلك المحل من الجزيرية ، إلا أني لم أجده في البيان كذلك . ومنها قول ابن الحاجب ، وتزوج السلطان معه كالأبعد مع لأقرب لا كالمساوي على الأشهر ، فقد أطبق شراحه على إنكار المشهور ابن راشد وابن عبد السلام وصاحب التوضيح ، وغيرهم . وتبعهم على ذلك رأس الحفاظ في زمانه ومكانه الشيخ أبو عبد الله بن عرفة رحمه الله ، فقال في مختصره : "وقول ابن الحاجب لا كالمساوي لا أعرفه ، بل نصوصهم أنه معه كغيره معه" . انتهى . فإن وقع إليكم سيدي من تصحيح نقل ابن الحاجب للمشهور شيء ، فمن علينا به مضافا لقائله وناقله , والله يحفظ لنا حفظكم ويجزل من الكمالات الدينية والدنيوية حظكم .
=فأجاب : ومسألة السلطان في التزويج وتقديمه على الأولياء قد صرح به غير واحد ، وهو أحد المواضع المختلف فيها في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، هل يحمل على التخيير أو على المساواة أو على الترتيب ، وعلى القول بالترتيب ، هل هو من باب الأولى أو من باب الوجوب ، وقد نقل غير واحد عن ابن حبيب عن ابن القاسم أو في قول عمر للتخيير والمساواة ، وأنه يجوز للسلطان أن يزوج والولي حاضر ، وانظر ما لابن رشد في سماع القرينين ، وأن معنى الترتيب عنده إنما هو في الاختيار لا في الوجوب ؛ لأنه يقال : إن زوج السلطان دون الأولياء مع حضورهم مضى النكاح ولم يكن للأقرب أن يرده . انظر تمامه .
اختلاف العلماء في المطلقة طلقة رجعية، هل تحرم على الزوج حتى تبيحها الرجعة أو تبقى على التحليل حتى يبينها ذهاب العدة؟ فعلى هذا ينبني الخلاف في قوله لا تكون لي بامرأة، ولهذا أشرت على السائل أن الأحوط له أن يخالعها، ولا سيما والعرف في الغالب إنما يراد بها البينونة، مع النظر في وطء الزوج المطلقة الرجعية بغير نية الرجعة. وهذا كله يتكلم عليه إن لم يعذر الرجل بما قلناه، وفي ( ... ) (¬1) أخرى إذا ثبت عنده أنها كذبت وقد حنث فإنه لا يبرأ من يمينه إلا بأن يطلقها طلاقا لا تكون له بامرأة. فليطلقها طلاقا تبين به حتى يتحقق أنها خرجت عن كونها امرأته فهو أحوط له، وهذا إذا كانت يمينه بالحرج الذي هو الطلاق الثلاث.
[من قال كل من أتزوجها في هذا العام أو الثاني أو الثالث أو الرابع فهي طالق ثلاثا، وشك في الخامس]
وسئل عمن خوطب في أمر النكاح فقال لمن خاطبه وهو يتوكل: كل امرأة أتزوجها في هذا العام أو الثاني أو الثالث أو الرابع فالمتزوجة طالق ثلاثا، فأقام حتى انقضت السنون المذكورة، ومضى مدة فعقد النكاح على امرأة فعند إشرافه على البناء داخله شك في العام الخامس هل أكمل يمينه الذي كان حلف أم لا؟ فوقف على الزوجة حتى ينظر ما يقضى له فيها.
العاقدين عقدا على السرر والإعلان، ومعلوم أن العاقد لا يفعل شيئا إلا لغرض، فدعوى أحدهما أن بينة الإسرار هي المقصودة، وما أظهراه إنما هو الإسماع غرض صحيح وليس فيه تكذيب لبينة الإعلان فعمل على قول مدعيه، وليس على هذا التقرير بين البينتين تناقض حتى يعمل على البينة الزائدة، بل وقع العمل بكل بينة في الغرض الذي قصد بها، وليس بينهما تناقض لاختلال شرط التناقض وهو بين، وأما مسألة الشفعة فليست من هذا الباب لأن مسألة الشفعة الحق فيها لغير المتعاقدين فيعمل فيها على ما تقوى به التهمة، فإذا قويت التهمة عمل فيها على ما قويت به التهمة، وكذلك في حقوق الله تعالى كبياعات الآجال والصرف وغير ذالك، ولا يلتفت فيها إلى ما شهدت به البينة لأن شهادتها إنما هي على قول المتعاقدين لا على ما في نفس الأمر، فاتهم العاقد على إبطال حق الثالث فبسبب هذا لزم الإسقاط عن الشفيع لأنه هو صاحب الحق ولم يصدر منه ما يناقض ما شهد له به العرف، والبينة إنما شهدت على أقوالهما لا على ما في نفس الأمر، فاتهم العاقدان على قطع حق الشفيع كما تقدم التهمة في حق الله تعالى في بيوع الآجال والصرف على ما لا يجوز، نعم لو مات الشفيع قبل أن يشفع فكان البائع وارثه فأراد أن يشفع لكانت المسألة لها شبه بما نحن نتكلم فيه، ولها بسط يطول ذكره، فالبائع في مسألة الرهن أخذ يدعي ضد ما نص عليه وسيتشهد على ذلك بالعرف، ولم يكن ذلك في مسألة الشفعة إلا في الصورة التي ذكرت وهي مسألة الميراث، فلا يلزم من اعتبار العرف في مسألة لم يصدر من مدعيها ما يكذب دعواه وهي مسألة الشفعة اعتبار العرف في مسألة لم يصدر من مدعيها ما يكذب دعواه وهي مسألة الرهن، هم إني وقفت على رسم البيع في المسألة الواقعة فوجدته قد ضمن في البيع معينة الحوز وغالب من يتحيل بالبيع في الرهن إنما صعوبة الحوز، فإذا كان الأمر على هذه الكيفية فقدم بينة البيع هي التي يعمل بها لأنها حفظت ما لم
وأما المعاملة التي سألتم عنها في الرحى فهي فاسدة، وهو الذي لا أحفظ في وقتي هذا سواه.
وكتب وليكم في الله تعالى علي بن محمد بن عبد الحق والسلام عليكم ورحمة الله.
[ تسليم الرحى لمن يجلس فيها]
ونص مسألة معاملة الرحى التي سئل عنها هي:
هذه الرحى متاعنا قد أقعدنا عليها رجلا جعلنا له فيها خمس ما يكتسب فيها وجلس عليها فانظر هل يجوز لنا من أقوال العلماء ما يبيح ذلك على حال الضرورة، إذا لم نجد من يجلس عليها بغير هذا الوجه؟ فتعلمنا هل في ذلك اختلاف أم هو أمر مجمع عليه؟
فأجاب فيها رحمه الله بما تقدم ذكره.
[ لا يجوز اقتضاء الطعام في ثمن الطعام عند المالكية]
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب رحمه الله عن رجل اشترى من آخر قمحا إلى أجل بثمن فلما حل الأجل أخذ منه في ثمن القمح زيتا.
فأجاب بأن المسألة فيها اقتضاء طعام في ثمن الطعام مع التراخي بين الطعامين. وجمهور العلماء من المالكية على تحريمه ويذكر عن الشافعية أنهم أجازوه لكن مع السلامة من القصد إلى ذلك في الابتداء عند دفع الطعام الأول والسلام.
[ الحكم إذا بدلت سكة التعامل بأخرى]
وسئل عن رجل باع سلعة بالناقص المتقدم بالحلول فتأخر الثمن إلى أن
[462/6]
تحول الصرف وكان ذلك على جهة فبأيهما يقضي له؟ وعن رجل آخر باع بالدراهم المفلسة فتأخر الثمن إلى أن تبدل فبأيهما يقضي له؟
فأجاب: لا يجب للبائع قبل المشتري إلا ما انعقد البيع في وقته ليلا يظلم المشتري بإلزامه، ما لم يدخل عليه في عقده، فإن وجد المشترى ذلك قضاة إياه. وإن لم يوجد رجع إلى القيمة ذهبا لتعذره.
ومن باع بالدراهم المفلسة الوازنة فليس له غيرها، إلا أن يتطوع المشتري، بدفع وازنة غير مفلسة بعد المفلسة فضلا منه.
[حكم خلط الحليب بعد الكيل وقسمة الجبن الخارج منه]
392/7] المحبس عليه إل زمن المتداعيين أعني ابن ابنه وابن بنته, وتوفي جميع أولاده لصلبه- وفيهم ابن ابن الابن, وأمهات ابني بناته المذكورين في حياته, ثم توفي المحبس عليه الآن, فإنه لا يمتري ذو عقل في أن الحبس يختص به ابن الابن, لأن لفظ الولاد يتناوله لغة وشرعا باتفاق, ولا يتناول بني البنات في قول مالك وأصحابه باتفاق- وكما قدمنا, فإن كان ابن الابن لو مات أبوه في حياة جده ينفرد بالحبس, فهو مع حياة أبيه وانفراده بالحبس من بعد جده نيفا وثلاثين سنة آكد في الانفراد بكثير, وهذا دليل قاطع في المسألة لا يصح خلافه- إن شاء الله تعالى-, لا يقال أراك تراسلت في الوجه الأول والثاني خصوصا على كون الحبس مرتبا درجة بعد أخرى, كذلك في تضاعف كلامك في سائر الوجوه, ما رأيت ما قالت المحبسة ما نصه وكذلك يكون الحبس المذكور على أعقابهم, وأعقاب أعقابهم انتهى.
448/8]وتزال يد المتعدي ثم يثبت الوجه الذي يستحقها به. قيل لأن الوثائق توجب الحوز لا الملك. وكان ابن عرفة رحمه الله يقول عن شيخه الإمام القاضي أبي عبدالله بن عبدالسلام إنها لا توجب إلا رفع النزاع بين المتبايعين خاصة.
[أحداث ما يخشى ضرره]
وسئل عمن اشترى أرضا بإزاء نخلة(¬1) مخطوطة من القبلة والجوف والمشرق فبنى فيها وأحدث شيئا إلى آخر ما سئل عنه.
فأجاب: هذا السؤال كتبه من لا يحسن، والجواب على ما يفهم منه أنه يبعث شيوخ المعرفة فيقفون على ما أراد أن يفعل فإن كان فيه ضرر بجار أو بالمسلمين في طريقهم وله عنه مندوحة منع. قيل فإن لم تكن له مندوحة فإنه يرتكب أخف الضررين إلا أن يتعلق به حق عام أو لله فلا بد من زواله.
وسئل البرجيني عن قصرين متقابلين أرضهما حبس وبينهما طريق واسعة فعمد قوم وبنوا ساقية في الطريق يخرج إلى فدان لهم فأضرت بالمارة فلا يقطعونها إلا تكلفا وإذا نزل الشتاء تزلق الطريق فقام محتسب في ذلك بعد أعوام لهم على ذلك وجعلوا حفرا من تراب فرد الطريق ضيقا ثم رد كل واحد إلى فدانه ما يليه من الوادي إذا نزل المطر وبقي واحد له أول لم يرد إليه فأراد أن يرد بعد أعوام كثيرة وقال لهم لا فرق بيني وبينكم فهل لهم في هذا الماء حق أم لا؟.
فأجاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار))، فلا يجوز لأحد أن يحدث في طريق المسلمين ما يضر بهم في ممرهم وتصرفهم وعليهم حرج ومشقة وينهى عنه أشد النهي ويجب على من بسط الله يده من حكام المسلمين زجره عن ذلك فإن لم ينته عاقبه عقوبة يرجع بها عن فعله، ولا يسامح بمثل هذا لأنه يؤدي إلى تسامح الناس فيه ومن لا قائم له فالحاكم هو النائب عن المسلمين فيه. وأما أصحاب الفدادين إذا نزل المطر يرد كل واحد ما
[448/8]
[
فأجاب: نظرنا وفقك الله فيما ثبت عندك مما أوصت به مريم وهي في سن من تجوز لها الوصية وقد قاربت العشر سنين، وما ذكرت في الموصى أنه من أهل الثقة وإن كان يجعل معه سواه، ومن كانت هذه حالته لم يجب أن يجعل معه سواه، وأكثر ما يجب في ذلك أن يحضر العدول تنفيذه الوصية ليكون له براءة، مع أن الوصايا التي في الوصية مقصورة على أعيان الموصى لهم وأمرك بتنفيذها تام جائز إن شاء الله تعالى.
وسئل أبوعبدالله بن عتاب عمن توفي وترك ابنة وقدم عليها وصيا فزوجها لحسن نظر، وتوفي عنها فبقيت مهملة فوكلت زوجها على النظر في مالها. فدفع لها أرضا مغارسة فلما تمت تقاسماها على الوجه الذي غارس عليه واستغل كل منهما نصيبه، ثم بطل الغرس نصيبه واقتطعه دورا، وكذا فعلت المرأة فلما كان الآن ثبت عند القاضي إهمال المرأة، وأنها كانت تحت وصي فقدم القاضي عليها زوجها ينظر لها، فقام على الغارس في الأرض المذكورة وادعى الغبن فيها.
فأجاب: ما فعلته المحجورة من توكيل زوجها ودفعه الأرض على المغارسة مردود من فعلها غير ماض ويفسخ وما وقع من المقاسمة كذلك، ويعطي للغارس من قيمة ما غرس وعمر قائما لأنه فعله بشبهة لا على وجه غصب، وكذا أجاب ابن عبدالصمد أن ما فعله الوكيل من المغارسة والقسمة غير صحيح، وللزوج الآن تعقب في ذلك ورد ما كان على غير السداد، ولا حجة للمغارس على الزوج بوكالته لكونه كان على غير صحة لكون أفعال المحجور مردودة وإن مات وصيه.
وأجاب أصبغ بن محمد برجوع الأرض إلى المحجورة ويجري الأمر على ما غرس أو بنى على ما يوجبه الحق.
[398/9] وأجاب ابن رشد: للزوج المقدم الآن الرد في المغارسة والمقاسمة ويفسخ ذلك كله ويعطي الغارس من مال اليتيمة قيمة نصف الغرس قائما أو قيمة نصفه مقلوعا.
وسئل الشيخ أبو الفضل سيدي قاسم العقباني من مدينة فاس عن رجل توفي وورثه أخ له شقيق ، وكان في أيام حياته منافرا لشقيقه المذكور ، مباعدا له ، وكان إذ ذاك مصادقا لبعض أقاربه ملاطفا لهم ، ساكنا معهم في دار واحدة !لى أن مات ، فلما توفي وجدت في حوائجه رقعة كاغد مكتوب فيها بخطه أن قبله وفي ماله وذمته لأقربائه المذكورين مائة دينار ذهبا من سلف ومائة دينار أخرى على وجه التمني ( كذا ) لما أكل من طعامهم وسكن في مسكنهم ولم تظهر الرقعة ولا سمع بها حتى مات ، ولم يعطها لقرابته المذكورين ، فهل يحكم على الوارث بإعطاء المائتين المذكورتين للمشهود لهم أم لا يحكم بهما لما ذكر من الصداقة والملاطفة والتمسك بها وإخفائها حتى مات ، وكون تاريخ الرقعة المذكورة قبل تاريخ موته بسنين كثيرة ؟ بينوا لنا الحكم في ذلك مأجورين ، والسلام عليكم .
فأجاب : رحمه الله : الحمد لله ، هذا الكتاب المتضمن هذا الاعتراف لهذا القريب إن قامت بينة مرضية برؤية هذا الكتاب بعينه أيقنت بذلك وبما فيه في صحة الكتاب وقيام وجهه على مقتضاه لما علم أنه كتب في وقت يصح الاعتراف فيه ويعمل به ، وإن لم تقم بينة على ما ذكر من رؤية تلك الرقعة في زمن صحة الكاتب لم يعمل بما في الكتاب ولا يعول عليه ، وكون التاريخ قبل سنين من موته لا يوجب أن يعمل بما في الكتاب ، ولو كان التاريخ [378/10] يقتضي فيه أفعال الكاتب لتجويز أن يكون الكتاب وقع في زمن مرض الموت وأرخ بتاريخ قديم يرجو الكاتب أن يمضي ذلك على الوارث ، ومشهور المذهب في الاعتراف للصديق الملاطف بدين والوارث أخ بل أب أن الاعتراف مردود ولا عمل عليه ولو لم يكن بين الوارث الموصوف وموروثه عداوة ، فكيف وبينهما المنافرة والمباعدة ؟ هذا لا يصح الأخذ به ، والله الموفق بفضله ، وكتب قاسم بن سعيد بن محمد العقباني به ملحقا من ورثة تلك الرقعة في زمن صحة الكاتب صح منه .
372/11] الفقه في مسألة التكليف بما لا يطاق ومنه المسألة المشهورة، وهي اختلاف الفقهاء والأصوليين في تكفير المعتزلة بلازم قولهم ينفي الصفة ومما يدل على وقوع ما ذكرنا صحته من الأخذ بالقول المرجوع عنه وجوده لغير واحد من الشيوخ المتقدمين ممن عرف باتباع مذهب مالك: كابن رشد والباجي وكثير من أصحاب مالك، وذلك لمن نظر الدواوين واضح. وهذا ابن القاسم فعل ذلك في المدونة في مواضع، وتلقاه منه بالقبول الشيخان الفقيهان الشهيران الإمامان: أسد وسحنون وغيرهما ممن أخذ أصل المدونة عن ابن القاسم.
فمن ذلك أخذه في كتاب الطهارة بقول مالك الأول، بجواز المسح على الجرموقين دون قوله الثاني: لا يمسح عليهما. وفي كتاب الصلاة الأول، أخذ بقوله الأول في ناسي الفاتحة من ركعة من غير الثنائية أنه يعيد، لا بقوله الأخير تجزئه سجدتا السهو. وفي كتاب الصلاة الثاني خير ابن القاسم في الأخذ بقول مالك الأول والثاني في التكبير لسجود التلاوة في غير صلاة دون قوله الأخير: يكبر. وفي كتاب الصيام أخذ بقوله الأول: بعدم قضاء نادر صوم سنة معينة أيام الذبح منه، لا بالثاني: إنه يقضيها. وفي كتاب الأيمان: أخذ في الحالف أن لا يفارق غريمه إلا بحقه بقول مالك الأول: أنه يبرأ بأخذه منه عرضا يساوي ما عليه، لا بقوله الثاني: أنه استثقله.
وفي كتاب الحج: أخذ في ناسي حصاة في أول يوم من أيام الرمي، لا يدري من أي جمرة هي؟ بقول مالك الأول: يرمي الأولى بحصاة، ثم يرمي الأخريين، دون قوله الثاني: يرمي في كل جمرة بسبع سبع. وأخذ فيمن ضل هديه الواجب بعدما أوقفه بعرفة فوجده بعد أيام، ونحر بمكة أنه يجزئه، لا بقوله الآخر إنه لا يجزئه. وفي كتاب الصيد، فمن أشلى كلبه على صيد وهو مطلق فانشلا وصاد من غير أنن يرسله من يده، بقول مالك الأول: إن ذلك الصيد يوكل، لا بقوله الثاني: إنه لا يوكل؟