وأيضا موتهن يوجب كثرة الأسف عليهن بفوات مظنة كثرة الولد, وإليه الاشارة بقوله صلى الله عليه وسلم إنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأبقى مودة وأرضى باليسير من الجماع. وبقوله صلى الله عليه وسلم: الولود الودود, وبقوله: عليكم بالأبكار. وبقوله هلا جارية تلاعبها. وبقوله فأين أنت من العذراء. قالوا فالولد مع البكر أرجى كالأرض المجمة بالنسبة إلى ما يلقى فيها ويبذر, وتكثير الولد هو مقصود النكاح الأعظم: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة والذكر بعد العمر ثان, وزينة الدنيا متاع فان, وابتغوا ما كتب الله لكم إلى غير ذلك مما لسنا الآن لتتبعه واستقصائه.
وقوله في الوجه الثالث إنه انفاق للمال في غير وجه شرعي,
نقول نمنع ان يكون هذا الانفاق للمال في غير وجه حسبما تقدم من أن الأصل الإباحة, وأيضا إن لم يفعل ذلك يحصل للنفوس البشرية استيحاش ومنافرة, وليس ذلك من مكارم الأخلاق, بل هو مضاد لما حث الشرع عليه من عدم التقاطع والتدابر. والمؤمن مع المؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. وكل ما يؤدي إلى قطع ما أمر الله به أن يوصل فمطلوب الترك, وعكسه عكسه.
[لا بأس بالقيام للإكرام والاحترام]
ونظير هذا المعنى قول عز الدين بن عبد السلام في مسألة القيام: لا بأس بقيام الإكرام والاحترام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاقوموا لسيدكم هذا, يعني سعد بن معاذ. وكذلك قال لبني قريظة, فلا بأس بالقيام للوالدين والعلماء والصالحين. وأما في هذا الزمان فقد صار تركه
[
وتقيد بطرة السؤال والجواب المذكورين بعد الحمد لله ما نصه: أشهد الشيخ الفقيه العالم المحقق المتقن الحافظ الامام الحجة القدوة ذو الباع الوساع، والسبق في ميدان التحصيل والاطلاع، مفتي المسلمين وبقية العلماء الراسخين، أبو عبد الله محمد القوري، أطال الله ببقائه امتاع المسلمين ، ووفر بموطا حياته المباركة دواعي الانتصار لاحياء علوم الدين، أن الجواب المرسوم أسفل السؤال عرضه الذي أوله وعليكم السلام ورحمة الله تعالي وبركاته الحمد لله، وآخره وأصلح قوله وعمله بجوده وكرامه، هو جوابه بخط يده المباركة وهو الذي ارتضاه جوابا عن السؤال المذكور وتقلد الفتيا به، اشهادا تاما أجاب اليه وهو بحال كمال الاشهاد عليه، وعرف انتصابه لذلك، في سابع عشر شعبان المكرم عام اثنين وسبعين وثمانمائة، عرف الله تعالى خيره يحيى بن أبي يعزى ومحمد بن محمد الصباغ، ومحمد بن عبد الله بن جشار، وبأن الجواب
[397/2]
[398/2]
المشار اليه هو بخط الفقيه السيد أبي عبد الله القوري المذكور، وأن الفقيه المذكور هو المقدم المفتي(¬1) بفاس والمنتصب لها . انتهى.
[ هل يمكن بحسب القدرة أن يخلق الله أفضل من محمد عليه السلام؟ ]
وسئل قاضي الجماعة بتونس أبو عبد الله محمد بن عبد السلام هل يمكن بحسب القدرة أن يخلق الله عز وجل أفضل من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو لا؟
فأجاب بأنه يمكن بحسب القدوة لكنه لم يقع، فبلغ ذلك بعض معاصريه من علماء تونس، وهو الشيخ الفقيه الصالح أبو الحسن بن منتصر رحمه الله، فكتب إلى ابن عبد السلام : يا محمد ليت أمك لم تلدك! وليتها إذ ولدتك لم تتعلم! وليتك إذ تعلمت لم تتكلم! وقيل ان الشيخ ابن عبد السلام خرج من هذا الكلام فقال: وما للمرابطين والدخول في هذا الفضول؟ لإذ كان السؤال منسوبا للشيخ الصالح أبي محمد عبد الهادي الصوفي رحمه الله، انتهي.
=فأجاب ما وقع للجزيري في لفظ النقد لم يزل الشيوخ ينبهون عليه ، ويقولون : هو غلط منه . والخلاف إنما هو في لفظ نقدها الماضي ، وجعلها بعضهم على أقسام ثلاثة : لفظ النقد لا يقتضي قبضا ، ونقدها يقتضيه ، ونقده مختلف فيه فكأنه طرفان وواسطة عنده ، والحق أن الخلاف في نقدها ونقده ، ومنها قول الجزيري في ترجمة صحيح النكاح وفاسده : "ولصحة الولاية ستة شروط متفق عليها ، وهي : الإسلام والبلوغ ، والعقل ، والذكورية ، والحرية ، وأن يكون مالكا أمره ، متى انخرم منها واحد فسد النكاح . واختلف في شرطين : العدالة ، والرشد" . انتهى .
وبقريب من هذه العبارة أورد المسألة صاحب المقدمات ، ومن ثم اجتلبها فيما أظن وحرف السؤال وموضع الإشكال ، جعلهما الخلاف في الرشد مع قولهما في الشروط المتفق عليها : وأن يكون مالكا أمره . إلا أن يقال في الاعتذار عنهما : أن المراد بالمالك أمره غير المولى عليه ، والشرط إنما[373/3]يظهر تأثيره في طرف العدم ، وعدمه بأن يكون مولى عليه ، والمولى عليه أخص من السفيه ، فلا يلزم من تأثير الأخص تأثير الأعم ؛ فلذا ذكر في المختلف فيه الرشد الذي يقابله السفه ، فحاصله أن اشتراط كونه غير مولى عليه متفق عليه ، وفي اشتراط كونه غير سفيه خلاف ، فغير بعيد ، والله أعلم بمرادهما .
فأجاب : ومسألة المقدمات والجزيري في شروط الولي لم يزل الشيوخ ينبهون على المسألة وينفصلون بما معناه ما أشرتم إليه ، وبه انفصل الشيخ سيدي عبد النور الشريف في تقييده على المدونة ، وللزرويلي عنه انفصال لا يرتضى فانظروه فيه إن شئتم .
وسئل عمن كان عليه دين فشهد عليه صاحب الحق، فحلف بالحلال عليه حرام ليقضينه حقه فيما بينه وبين عشرة أيام، ثم سجن الحالف فأقام حتى انقضت العشرة أيام ولم يقض، فشهد عليه من حضر يمينه. بأنه حنث في زوجته، وكانوا يعرفون له زوجة لها منه أولاد كثيرة، وقد كان زوجها ملكها نفسها وطلقها طلاقا على أن تركت له بعض صداقها. فبعد خمسة أشهر جرى
[401/4]
[402/4]
هذا الموطن وليست له في عصمة ولا غيرها من النساء، ثم اراد الآن مراجعتها فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: إذا لم تكن الزوجة في عصمته حين الحلف فله أن يتزوجها.
[من أراد الحج فملك زوجته أمر نفسها]
وسئل عمن دخل بزوجته ثم أراد الحج فشهد بذلك أنه ملك زوجته فلانة في نفسها إن شاءت أقامت وإن شاءت طلقت نفسها دون مطالعة حاكم وخير في ذلك تخييرا تاما. وجعل لها التلوم ما أحبت لا يقطع تلومها تخييرها، ثم سافر لجهة المشرق منذ ثلاثة أشهر فأرادت المرأة الخلاص بايقاع الطلاق لتتزوج غيره. فهل هذا منه بمعني التوكيل فتقضي بما شاءت؟ أو التخيير فتقضي بالثلاث ولا مناكرة له، وإن قضت بأقل سقط ما بيدها من التلمليك، فله المناكرة على ما زاد على الواحدة؟ وهل تمكينها لنفسها مسقط لما جعله بيدها إن كان من باب التخيير أو التمليك؟ وإذا كان مسقطا باعتبار اعترافها به فهل يستظهر عليها باليمين أنها لم تمكنه من نفسها؟ أو قرينة الحال تقتضي أنه توكيل مع وجود السفر فلا يكون التمكين مؤذنا بالاسقاط وتوقع واحدة نزيل بها ضرر الانتظار؟ وهل تكون هذه الطلقة بائنة مع أنها. لم يصحبها فداء أم لا؟
فأجاب: لها أن تطلق نفسها واحدة، وإن أوقعت أكثر من ذلك فله مناكرتها، والظاهر أنه يستظهر عليها باليمين أنها ما أسقطت، لا أنها ما مكنته من نفسها، هذا لا يجب عليها.
[من شهد عليه شاهد أنه حلف بالثلاث، وآخر بالطلاق أو الأيمان اللازمة، وأنكر هو]
وجدت لجميع أهل العلم كابن أيمن وابن أيوب أنه ادعى البائع أن الباطن رهن وأن عقد الشراء إنما كان تحيلا وكان المشتري ممن يليق به ذلك كان قول البائع، وخالف غيرهم فعرضت عليها النازلة المطلوب فيها إشارتكم فوجدتها تزيد على المنصوصة بما احتف بها من قرينة الاعتراف بالدين والطوع بالثنيا بالقرب من تاريخ التسليم، وكونها لأمر يشبه المداينة إليه واستمرار عادة الموضع، فإن بعض تلك القرائن كاف في الدلالة على أن باطن الأمر هو الرهن كما ذكر، وقيام الشهادة على أن الأمر بين المتعاقدين إنما هو الرهن، ولم يزالا على ذلك حتى انقرضا، فإذا كانت المسألة العرية عن هذه القرائن المذكورة القول فيها قول البائع ولو قامت البينة ظاهرا على خلافه لموجب واحد وهو أن المشتري المدعي عليه ممن تليق به الدعوى مع أن كونه ممن تليق به الدعوى دائر بين أمرين إما أن يصير احتمال الرهينة معه مرجوحا على احتمال البيع أو مساويا له أما أرجح فلا لأن البياعات الواقعة في الوجود لا ممن يليق به تصور الرهن بصورة البيع ولا من غيره أكثرها بياعات حقيقية، وإلحاق الوابعة بالأكثر أرجح، فاحتمال الرهن مرجوح، ولئن لم يكن مرجوحا فأكثر ما يقال فيه أنه مساو، فإذا كان القول قول مدعي الرهينة حيث تكون مرجوحة فلأن يكون القول قوله حيث تعين الرهينة كما ذكر في النازلة المذكورة أو حيث تترجح لما ذكر من العرف الثابت وغيره أولى، وإذا اختلف في كون قول البائع في دعوى الرهن عند كون احتماله مرجوحا فانتفاء الخلاف عند تعيين الرهن أو أرجحيته ظاهر، ولما ظهر تعيين دعوى الرهينة في المسألة أو أرجحيتها ووقعت الشهادة على وفقها نظرت بين هذه الشهادة وشهادة
[360/5]
وأجاب الفقيه سيدي أبو الحسن الصغير(¬1): أكرمكم الله. إذا صح ما ذكرتموه بمحول هذا فالصفقة فاسدة، لاشتمالها على الفساد، وهو فسخ الدين فيما لا يتعجل. وإن كان الفساد إنما صدق على بعضها وهو حط درهمي الدين من صفقة(¬2) الزبيب المتأخر قبضها التأخير الكثير على ما وصفتم فيه، لأن مشهور المذهب وهو مذهب المدونة أن الفساد إذا صدق على بعض الصفقة على نقض جميعها، لاسيما في أبواب الربي. وفسخ الدين فيما لا يتعجل منه وإن كان ما صدق عليه الفسخ المذكور يسيرا بالنسبة إلى ما لم يصدق عليه كمسألتكم. ونقض الصفقة بوجود فسخ الدين فيما لا يعجل في بعضها منصوص عليه في المدونة.
ولا يرد على هذا فاسد صح فيه من يسير الربي في بعض الصفقات كربي التفاضل في السيف المحلى والرد في الدرهم الواحد، واجتماع البيع والصرف في الدينار، وبيع السلعة بدينار إلا درهما بجواز التأخير ونحو ذلك، لأن إباحة ذلك معلل بمسيس الحاجة إليه وتعذر الامتياز، وأما بيع سلعة بدينار إلا درهما المشعر بجواز التأخير في اليسير في الصفقة مما شرطه المناجزة، فإن ابن الكاتب تأوله بأن المعتبر في الدينار صرفه يوم القضاء. ويسقط الدرهم من صرفه. وهو تأويل أبي محمد في استثناء جزء الدينار، من جملة الدنانير أن المعتبر في الدينار المكسور صرفه في بيع سلعة بدينار إلا سدسا ولا ضرورة أكرمكم الله في مسألتكم تدعو إلى إباحة يسير الربي. ولا يرد على هذا الابتياع في الإغرار، لأن الربي أقوى من الغرر لأن فسخ الدين فيما لا يتعجل محرم في القرآن. فلذلك لا يجوز منه شيء وإن كان يسيرا. وقبض الدرهمين وردهما في المجلس أو بالقرب منه كعدم القبض فيمها فيما يلزم عنه من الربي. ولا فرق بين ذلك وبين المقاصة التي امتنع منها أحدهما خوفا من الربي. وكله على مذهب ابن القاسم. وروايته عن مالك في المدونة أن فسخ الدين فيما لا يتعجل ممنوع، وإن كان المفسوخ فيه معينا
[
388/7] مرتبة واحدة, وإنما هو مراتب, فأولاها بالتقديم ما يتعلق بأعيان الأحباس فيما يبقي رسمومها ويقيم أشكالها, وتستمر معه أرزاقها كإصلاحها, والانفاق عليها, ولذلك لو نص المحبس على تقديم المحبس عليهم على الاصلاح, لم يقبل ولم يعمل عليه, لما يفضي إليه ذلك من خراب الحبس, وفوات غرض المحبس في انتفاع المحبس عليه, والأجراء والخدام من ناظر وشاهد وقابض وأشباههم, مقدمون على الحبس عليهم من غمام وطلبة وغيرهم, لأن فريق الناظر يأخذون عن خدمة وعمل في الحبس بعينه, وغيرهم ليس كذلك, وربما التحق الخدام من ناظر وغيره بالدرجة الولى أعني درجة الاصلاح, لأنهم يحتاج إليهم في كل تصرف في الحبس, وعملهم في الحقيقة يرجع تارة في عين الحبس وذاته, فيكون من باب الاصلاح, وتارة فيما يتقدم على ذلك كجباية الغلات, وإعداد الآلات, وغير ذلك, وتارة يرجع عملهم إلى غير ذلك, والإمام والمدرس والمؤذن وأشباههم من المحبس عليه الذي يأخذ ما يأخذ على وجه الأجرة, مقدمون على الطلبة, إلا أن رتبتهم ليست كرتبة القائمين بالاصلاح وما يتعلق به عمل في ذات الحبس, وعمل سواهم عمل يتعلق بالمحبس عليه, أو عمل هو من جنس المحبس عليه, ومن جملة المحبس عليه, الحصر والزيت والمصابيح وما أشبه ذلك, والأصل الذي يرجع إليه في ذلك أن ما يتعلق بذات الحبس نفسه, مقدم على ما يرجع إلى المحبس عليه وما يرجع إلى المحبس عليه الذي يأخذه على وجه الأجرة, مقدم على من يأخذ على وجه الارفاق والمعونة, غير أنه ينبغي للناظر في الحبس أن يكون متيقظا للعمل بغرض المحبس, ويسعى بقدر استطاعته في توصيله إلى غايته بالمحبس عليه وهو المقصود بالذات, وغيره وسائل ومقدمات, وإنما قدمت الوسيلة طمعا في التوصل إلى الغاية, فإذا ضاقت المجابي عن المصصارف, حتى كادت الوسائل يقتصر عليها بسبب تقديمها, لكر ذلك على الأصل بالإبطال, ووقع في الحبس بتبديل وتغيير, وخولف غرض
[
فأجاب: فهمنا وفقك الله ما أردت معرفته من خبر هذه الميضأة وإني أكرمكم الله كثيرا أمر بالمسجد ورأيت باب الميضات مفتوحا في الشارع في موضع حسن وبلغني أنها هكذا كانت في ابتداء بنيانها حتى رأى بعض من كان في المسجد رد الباب داخل المسجد فمضى زمانا كذلك فلما استفتحه وجده أهل المسجد ممن يدخل الميضاة على المسجد ولا يتحفظ من الصبيان وينال ضرر ذلك المسجد رد الباب إلى ما كان عليه فرأيت رده نظرا للمسجد وحفظا له وصونا عمن يدخله ولا يتحفظ من الصبيان وكذلك يجب أن يتحفظ بالمساجد ويقطع عنها كل ما يدنسها. وقد أخبرني العتبي عن سحنون أنه كتب إلى القاضي محمد بن زياد يشير عليه أن لا يعلم معلم في المسجد فهذا
[443/8]
[444/8]المعلم يكره له التعليم في المسجد لما يخاف من قلة تحفظ الصبيان، فكيف بميضاة يختلف إليها على المسجد من لا يتحفظ من النجاسات فصرف باب الميضاة الذي صرف إلى الشارع في القضاء من النظر وأسأل الله التوفيق.
[حكم نخلة بجوار المسجد]
وسئل اللخمي عن مسجد يجاوره نخلة مال قلبها إلى سطح المسجد ذكر أهل المسجد أنه لا يستطيع جدها إلا على ظهر المسجد وإذا كان المطر غزيرا يرجع ماء ورقها إلى قلبها فيكثر القطر ظهر المسجد منه.
فأجاب: إذا كان القطر يصل إلى المسجد بسبب النخلة كان على صاحبها قطعها إلا أن يكون إصلاحه للسقف يدفع ذلك فلا تقطع إذا أصلح ذلك إصلاحا يرفع الضرر.
وأجاب أيضا في نخلة يجاورها زيتون لغير مالكها وقد انشق عمودها فخشى أن تقع عليه فتهلكه وأشهد القاضي عدولا شهدوا بخوف الضرر.
فأجاب: إذا شهدت البينة بما وصفت فعلى صاحبها إزالتها.
[حكم بناء الستارة بين السطحين]
فأجاب: الوجه تمكينها منه إن تمت لها الوصية وإلا استرجع المال، قيل وفي المدونة وكتاب ابن يونس قال مالك من أسند وصيته إلى زوجته على أن لا تتزوج فتزوجت فسخت وصيتها، ومثله إن أوصى لأم ولده بألف دينار على أن لا تتزوج تأخذها، فإن تزوجت أخذت منها، كما أجاز أن تعطي
[394/9] المرأة لزوجها مالا على أن لا يتزوج عليها، وإن كان حلالا لهما، إلا أنهما منها أنفسهما من الانتفاع بالنكاح لانتفاعهما بما أخذوا، وفي طرر ابن عات عن أبي عبيد في المرأة يعطيها زوجها شيئا على أن لا تتزوج بعد موته أنه شرط لا يجوز، وإن حلفت له أن لا تتزوج بعده فلبثت له ما استطاعت، فإن خافت العنت فالحلال خير من الحرام.
[من أوصى لجيرانه ما حد الجوار]
وسئل ابن عبدالنور عمن أوصى لجيرانه ما حد الجوار؟
فأجاب: أحسن الأقوال أنها لمن سمع الإقامة في المسجد وانظر بينة الأقوال في اللخمي.
[من أوصى أن يجعل بين أكفانه شيء من القرآن]
وسئل ابن زيادة الله عمن أوصى أن تجعل بين أكفانه ختمة أو جزء منه أو جزء من أحاديث نبوية أو أدعية حسنة هل تنفذ وصيته أم لا؟ وإذا لم تنفذ وقد عمل ذلك فهل ينبش ذلك ويخرج أم لا؟
فأجاب: لا أرى تنفيذ وصيته، وتجل أسماء الله عن الصديد والنجاسة، فإن فات فأمر الأدعية خفيف، والختمة يجب أن تنبش وتخرج إذا طمع بالمنفعة بها وأمن من كشف جسده ومضرته أو الاطلاع على عورته.
وسئل عنها حينئذ الشيخ أبو محمد الزواوي رحمه الله فجعلها كمال تداعاه اثنان واستشهد بمسألة من طلق إحدى زوجتيه وجهلت المطلقة أنهما يقتسمان الميراث بينهما ، ثم رأيت جوابا لأبي ابراهيم اسحاق بن ابراهيم من أشياخ الأندلسيين جوابا عن مثل هذا نصه : الذي ذهب إليه مالك وأصحابه أنه لا يورث أحد بالشك فالشهادة في الاخوة والأعمام وبني العم والعصبة إذا لم تقطع البينة بقعددهم حيثما امتد نسبهم وإنهم أخوة لأب أو أعمام لأب أو عصبة لأب فلا ميراث لواحد منهم ، وهذا موافق لما حكيناه عن شيخنا شهاب الدين رحمه الله وتقدم في كتاب أمهات الأولاد في القافة إذا شركت الأبوين في الولد أنه يوالي إذا كبر من شاء منهما وأن الولد إذا مات عن مال قبل أن [374/10] يوالي واحدا أن المال بين الأبوين نصفان ، قاله ابن القاسم في المدونة كما لو تداعياه . وهذا يشهد لما أفتى به الشيخ أبو محمد رحمه الله ، والأول عندي أصح لإجماعنا على أن الأقعد من الإخوة أو بني الأعمام أو بنيهم أحق ، فإذا لم يثبت النسب القريب بالنسبة إلى عين كل واحد منهم كان ميراثهم ميراثا بشك ، أما الزوجتان فقد ثبت لكل واحدة منهما سبب محقق ، وإنما وقع الخلاف في الرافع ، والقافة أيضا لما شركت بين الأبوين فقد ثبت المال لهما معا فيجب أن يقسم بينهما ، فإذن ثبت الفراق ، وانقطع الالحاق ، والله أعلم فتأمل هذا الموضع فللنظر فيه مجال . انتهى .
قلت : قوله وإنما الخلاف في الرافع فيه نظر لأن الرافع في مسألة الزوجين محقق وإنما الخلاف في محله منهما فلا يخرج عن كونه ميراثا بشك ، والله أعلم ، وقد تقدم نص جواب أبي ابراهيم بكماله قبل هذا فراجعه .
[من شرط وجوب الميراث ثبوت الأحقية لمدعيه]
قال: وقد كان مالك رحمه الله تعالى يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد عند عدم النص، فيرجع أصحابه في ذلك، ويأخذ بعضهم باجتهاده الأول. قال: وفي المدونة مسائل من ذلك. هذا كله قول ابن أبي جمرة ولم يصب من اعتراض عليه بأن من اعتمد أقواله التي رجع عنها إنما اعتقدها لقوة مدركها لا أنه قلد مالكا في هذا. ونحو هذا ما أشرتم إليه في السؤال، وإنما لم يصب لأن نظر من اعتمد قوله الأول من أصحابه ليس بنظر مطلق، كنظر المجتهدين، فإطلاق نظره فيها مقيد بقواعد مالك فلذلك كان مقلدا له غير ناظر لنفسه، بل للتمسك بأصول المذهب وقواعده، مقلدا إمامه. وإن كان لإمامه نص خاص بخلافه، فقد وقع في العتبية من سماع عيسى فيمن قال لامرأته: إن كلمتني حتى تقولي: إني أحبك فأنت طالق فقالت: غفر الله لك قبل أن تقول: أنا أحبك، ولقد اختصمت إلى مالك أنا وابن كنانة فيمن قال لامرأته: إن كلمتك حتى تفعلي كذا فأنت طالق، ثم قال لها في ذلك النسق: فاذهبي الآن، كالقائل: إن شئت فافعلي، أو فدعي. فقلت: هو حانث وقال ابن كنانة ما يحنث، فقضي لي مالك عليه ورآه حانثا فمسألتك أين من هذا؟ وصوب أصبغ قول ابن كنانة قال: وسمعت قول ابن القاسم يقول في أخوين حلف أحدهما إن كلم الآخر حتى يبدآه بالكلام، ثم حلف الآخر، إن كلمته
[369/11] أبدا حتى يبتدأني أن الأيمان عليهما، على ما حلف عليه من بدأ منهما صاحبه، فهو حانث، وإن حلف الثاني حين حلف ليس تبدية تسقط بها الأيمان، وليس هذا من وجه ما رآه.