وسئل وسئل عن سترهم لبعض موتاهم بثياب الحرير والذهب, وهل يمتنع المصلي إذا كان إماما من الصلاة عليها بسبب ذلك أم لا؟
فأجاب قد اختلف المذهب في التكفين في الحرير للرجال والنساء بالإباحة والمنع والكراهة بالتفرقة بين الصنفين, وذلك الساتر أقرب لظهوره. وقد يصحبه في الغالب قصد التظاهر بالدنيا وزينتها والتفاخر بها في غير محلها ولغير أهلها, فيدخل المنع من هذا الوجه, مع أن الإباحة هي الأصل. وقد كان بعض الأيمة يامر بنزع ذلك الساتر عنها ثم يصلي عليها. والحق أن لا تأثير له إلا من ناحية قلب المصلي, وله أصل في الشريعة.
وأجاب عنها أيضا بما نصه: أما الصلاة على جنائز الأطفال والإناث وعليهم أثواب الحرير والذهب فليس فيه منع. وقد اختلف في تكفين المرأة في ثوب حرير وهذا أقرب. وكان بعض الأيمة يأمر بنزعه عن النعش وحينئذ يصلى عليها, ويرى أنه وضع زينة الدنيا في غير محلها, وتفاخر بالدنيا بعد
[
فأجاب أما الرجل المتسفه بلسانه، الجاهل في مقالته، فحسبه الأدب بالأجتهاد في الخزي والاغلاظ في القول والثقاف يسيرا إن ظهر لا يكفي في الردع عن العودة الى مثل ذلك، ولا يعد مزنيا لأبويه بقوله إن كان كذا فاعلم أني ابن زنى، لأن المقصود من هذا اللفظ في مثل هذا الشتم، وإلا فلا يصح أن يكون الانسان ابن زنى في حال دون حال. وقد ذكرتم أن الرجل من أهل القرآن فوظيفته التوبة والأستغفار. ويكفي في حقه الاغلاظ في الزجر بالكلام، هذا ما ظهر تقييده والسلام.\
[395/2]
[396/2]
[ فتنة عمر الخارجي المغيطي]
=والجواب عن الثالثة والعشرين : أن المنصوص =لأيمتنا رضوان الله عليهم المنع من استعمال ما يبرد الرحم ، ويستخرج ما داخل الرحم من المني ، وعليه المحصلون والنظار . قال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله : "للولد ثلاثة أحوال : حال قبل الوجود ينقطع فيها بالعزل وهو جائز ، وحالة بعد قبض الرحم على المني فلا يجوز لأحد حينئذ التعرض له بالقطع من التولد كما يفعله بعض سفلة التجار في سقي الخدم عند إمساك الطمث الأدوية التي ترخيه فيسيل المني معه فتنقطع الولادة ، والحالة الثالثة بعد انخلاقه وقبل أن ينفخ فيه الروح ، وهو أشد من الأولين في المنع والتحريم ، لما روي من الأثر : « وإن السقط ليضل محبنطيا على باب الجنة يقول لا أدخل الجنة حتى يدخل أبواي » . فأما إذا نفخ فيه الروح ، فهو قتل نفس بلا خلاف" . انتهى . وانفرد اللخمي فأجاز استخراج ما في داخل الرحم من الماء قبل الأربعين يوما ، وواقف الجماعة فيما فوقها ، فإذا وقفت على هذا التحقيق الذي تقدم جلبه من كلام القاضي المحقق أبي بكر رحمه الله علمت قطعا أن اتفاق الزوج والزوجة على إسقاط الجنين في المدة التي ذكرت وتواطؤهما على ذلك حرام ممنوع لا يحل بوجه ولا يباح ، وعلى الأم في إسقاطه الغرة والأدب ، إلا أن يسقط الزوج حقه في الغرة بعد الإسقاط ، ومن هذا النمط والمعنى ما سئل عنه عز الدين بن عبد السلام الشافعي رحمه الله "هل يسوغ للمرأة أن تستعمل أدوية لتمنع من الحمل أم لا ؟
فأجاب : ليس للمرأة أن تستعمل ما يفسد القوة التي بها يتأتى الحمل" .
[371/3]=والجواب عن الرابعة والعشرين : إيجاب الغرة على من روع المرأة الحبلى حتى أسقطت ، فقد سئل الإمام أبو عبد الله بن عرفة رحمه الله عن مثلها وهي رجل أدخل على امرأة خدمة ظالم فاختلعت فأسقطت .
وسئل الشيخ أبو الحسن علي بن محمد اللخمي عن رجل جرى بينه وبين زوجته مشاجرة فقال تأخذ حقها وتقعد تربي بنتها ومالها على سبيل، أو ما لي عليها سبيل شك أي اللفظين قال؟ وسئل أراد بذلك طلاقها؟ وهل أراد واحدة أو ثلاثا؟ فقال ما أردت به طلاقا، ولا قصدت ولا علمت أن الطلاق يكون به، وإنما أردت بذلك هجرها وتأديبها، وقيل له احلف أنك ما أردت به الطلاق، فتوقف ثم أجاب إلى الحلف وقد جاء مستفتيا غير منكر لذلك. فما الواجب عليه في ذلك؟
فأجاب: إذا لم يكن عليه في يمينه ذلك بينة صدق فيما قاله، ويستظهر عليه في ذلك بيمينه. والله اسأله التوفيق برحمته.
[رجل سرقت له زوجته قميصا وكساء فحلف بالطلاق لا دخلت عليه حتى تردهما]
وسئل أيضا عن رجل زعم أن زوجته سرقت له قميصا وكساء فأنكرت فحلف بالطلاق الثلاث أو بالأيمان اللازمة لا دخلت عليه زوجته باب هذا البيت حتى تأتيه بالكساء والقميص، وخوصمت في ذلك وتوجهت عليها اليمين فترك تحليفها، وما اجتمعا من ذلك الوقت، ثم ردت القميص والكساء، وقال الزوج هم اللذان حلفت عليهما بأعيانهما، وسئل هل أردت
[398/4]
[399/4]
بيمينك استعجال ردهما في ذلك الوقت بعينه؟ فقال لا. فهل يقبل قوله أنهما بأعيانهما؟ وهل يلزمه يمين؟ وكيف لو شك فيهما؟
فأجاب: إذا قال الزوج إنهما اللذان حلفت عليهما صدق في ذلك، ولم يكن عليه حنث إذا قال لم تكن نيتي أن تردهما بالحضرة، ولو شك فيهما لم يبر في يمينه، ولا يبرد برد مثلهما ولا برد قيمتهما إلا أن تكون تلك نيته، والله سبحانه اسأله التوفيق برحمته.
وسئل أيضا عن الرجل يزيد في صداق زوجته عددا، هل تنتفع المرأة بهذا متى وقع موت أو فراق أو فلس، أو رجع هو عنه لأنها هبة لم تقبض؟
فأجاب: الزيادة في الذمة للزوج وليس له الرجوع عنها. وللزوجة أن تأخذه بها ما لم يقع فلس أو موت فلا يكون لها منها شيء، لأنها صدقة أو هبة لم تقبض، والله اسأله التوفيق.
[
تقدم، ولا كذلك المجموعة، إذ هو مراطلة محضة، وواجب على كل من ينظر في
[358/5]
معنى أن لا يشتغل بألفاظه حتى يفهم معناه، فالألفاظ وإن كانت قوالب المعاني لكنها أحكام، والحكم على الشيء فرع تصوره، ومن الله طلب العون والتوفيق، وأن يسلك بنا أحسن طريق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
[مسألة أبي العباس الشماع لأبي يوسف الزغبي
فيمن ادعى على آخر أن بيده جنة كانت مرتهنة...]
قال ابن رشد هي مسألة لا يحملها القياس وإنما جوزها استحسانا لأنه استحق المكروه فيها من أجل أنه دينار واحد.
ومنها مبادلة الدراهم الناقصة بالوازنة على وجه المعروف يدا بيد. قال التونسي لا يجوز التفاضل فيما بيع يدا بيد بحال في عدد، وأجيز في الدرهمين والثلاثة. وفي بعض الروايات: والسنة أن يبدلها إذا كانت ناقصة بوازنة، إذا كانت السكتان واحدة. واختلف إذا كان إلا بنقص أدنى فكرهه مالك وأجازه ابن القاسم. وقال طليب بن كامل(¬1): كرهه ربيعة أيضا. وكلام مالك في العتبية يدل على مثل قول ابن القاسم. ونصوا على منع مبادلة الناقص بالوازن إذا كثر، بخلاف كثير الطعام المأكول العين بالصحيح. فإن الإباحة فيه مطلقة على المشهور. وشرطوا أن يكون نذلك يدا بيد. وإن كان معروفا.
ومنها مسألة مبادلة درهمين ناقصين بدرهم وازن. ولا يجوز ذل في ثلاثة باثنين فما فوق ذلك، بمقتضى نص المدونة المتقدم، أعني قوله فيها: لأن الرج إذا أتى بثلاثة دنانير إلى رجل تنقص سدسا سدسا فقال: أبدلها لي بثلاثة وازنة، لم يكن بذلك بأس على وجه المعروف. ولو قال أعطني بها اثنين قائمين لم يحل ذلك. ثم قال: إذا اختلف العدد كان ذلك بيعا. ويجوز ذلك في الدرهم الواحد خاصة لقصد المعروف على قول ابن القاسم في مسألة العتبية من حيث أجاز مبادلة دينار الذهب بزنته من قراريط الذهب.
وهي أربعة وعشرون قيراطا في الدينار بغير مراطلة. قال ابن رشد: وإنما أجازه ابن القاسم استحسانا على وجه المعروف في الدينار الواحد. ولم يرخص مالك في ذلك، لجهل التماثل، إذ الشيء لو وزن مجتمعا ثم فرق، زاد أو نقص. ومن هذا الباب تبديل القيراطين بدرهم، ودرهمين وازنين صغيرين بدرهم كبير وازن. والقضاء في هذا أخف من المبادلة. فمن اشترى من البياع بربع درهم ثم بربع آخر، ثم بقيراط هكذا فجائز أن يقضيه ما يجمع تلك الأثمان من درهم أو درهمين أو ثلاثة. قال: قال: مالك: لا أرى
[455/6]
386/7] من الكفاية والنجدة ما لا يقدر عليه إلا آحاد الرجال, والحبس في البلاد التي ضعف فيها حاله وقل فيها أنصار الحق وأعوانه, إذ وجد فيها من ينهض فيه نهضة هذا الناظر المذكور, ويقوم بأعبائه مثل قيامه, فيجب أن يعان بجميع ما يمكن أن يوصله إلى إقامة الحق في ذلك ونصرته من جراية لائقة به وجاه تنفذ فيه كلمته, وقد جعل الخلفاء الأمراء والعمال وسائر الولاة جرايات من نفس ما يقومون به, وأرزاق لهم في عمالاتهم, وكذلك عمال الزكاة وقسام القضاة, وقد أبيح لكلهم الأكل مما يلونه, لأذن لهم في التناول مما يعملونه, كل بحسب ما يليق به, فإن قلت إذا كان للناظر في الحبس جراية معلومة قد جعل عليها غير ما استخلصه, فذلك حسبه, لأنه كما أنه لو عقد غلة الحبس بمقدار, ثم زادت في مدة ولايته, فليس له في الجراية زيادة لأجل هذه الزيادة, فالجواب ما أشير إليه في السال من كون ذلك الذي استخلص لم يدخل عليه, وقد لقي فيه عناء كثيرا ولو قدرنا أن الناظر قدم وكيلا يقوم بذلك الحمل الثقيل, ويقوم مقامه فيه, فقام به واستخلصه, لكانت أجرة الوكيل في الحبس لا في جراية الناظر, فلا أقل من أن يجعل هذا الناظر كوكيل عن الحبس غير ناظر, وأما ما حكاه ابن عات في طرره عن المشاور من منع الناظر في الحبس من أخذ جراية منه وإنما يأخذها من بيت المال, وما شدد فيه من ذلك, فذلك أمر لا يخص مسألتنا هذه, بل هو عام بما دخل الناظر على النظر فيه من الأحباس وما لم يدخل, وهو كلام لا عمل عليه ولا قضاء به, ودليله الذي استدل به على ذلك غير ناهض, وقد خالفه في ذلك عبد الحق بن عطية, وأجاز أخذ الجرة على الأحباس من الأحباس, وقال ولا أعلم في ذلك نص خلاف انتهى.
441/8]الضرر على الجامع، وأن الصواب المنع عن ذلك، وتكرر السؤال أن الماجل محتاج إليه ليس هناك بالمدينة غيره وآخر للضيف والناس يشترون منه الماء البارد في الحر وطبخ الفول وغسل الثياب مما لا يتأتي إلا بماء المطر دون الأنهار التي عندهم. والماجل في الصحن وربما اتصلت به صفوف النساء في الجمعة ونحوها بالرجال فاتفق قاضي الموضع مع بعض الشيوخ أن تبنى مقاصر للنساء في سقائف المسجد بالآجر لتستر النساء فأنكر عليه بعض الطلبة إحداث ما لم يكن في المسجد ما لم يسأل عن ذلك. وفي الجامع صومعة في جامورها صفة ديك من نحاس صنعه من تولى الحبس منذ أربعين سنة فهل يضر أم لا؟ وفي الجامع خزائن منها مخزن للزيت والقناديل، ومنها ما هو لأنقاض الحبس من خشب وغيرها، ومنها ما يسكنه قيم الجامع فربما جعل فيها تنورا للطبخ فهل يترك أم يؤمر يهدمه؟ وكيف لو أراد الطبخ لنفسه لخزانته هل يمنع منه أم لا؟ وفيه دخان يضر بالناس؟ وهل يجوز النوم في الجامع في الليل والقائلة أم لا؟ وكيف ترى في الإمام في الحر يشتمل الرداء فيصلي في شدة قدر ثلاثة أشبار على رأسه وفي الجامع بيوت خارجة للكراء فأكرى القيم بيتا منها لجارها فأغلق بابه المعروف وفتحه لداره هل يسوغ أم لا؟ وهل يسوغ لأهل الصف الأول جعل أنعلتهم ما بين حصور المسجد وحائطه وهي مضروبة في الحائط فتقلع المسامير وتقطع الحصر فأراد القيم أن يجعل أخراجا من حديد أو خشب في الحائط للأنعلة هل يسوغ أم لا؟.
وسئل عمن قال في مرضه أبيع ربع جنتي من ابن أخي فإنه يحفظ أولادي من بعدي، ويقوم بهم، وأنا أبيع منه فقام في العطية بنوه، فقال المشتري وثيقتي في الشراء من أبيكم ليس فيها شيء من هذه الشروط، فأقاموا عليه شاهدا واحدا بهذا الشرط المذكور، وقد فات الجنان بيد المشتري بالغرس الكثير والزيادة، لأن المشتري منذ ثمان سنين في يده.
فأجاب: إذا لم تشهد البينة على المشتري أنه عاقد البائع على ذلك وإنما شهد على قول البائع خاصة فالبيع جائز، وإن شهدت البينة على المشتري أنه عاقد البيع على ذلك فالبيع فاسد ينقض البيع وإن لم يتغير المبيع في نفسه ولا سوقه وإن تغيرت أو طالت السنون أو حال السوق ففيه القيمة، قيل قوله أو حال السوق خلاف المشهور أن الرباع لا يفيتها حوالة الأسواق في البيع الفاسد وكأنه اختار القول الثاني والله أعلم.
[الوصية لمن بينه وبين الزوج مواصلة]
وسئل عمن تزوجت رجلا وبعد مدة تصدق المكتوب له الثلث على الزوج المذكور، وكانت بينهما صداقة ومودة واتصال، فبعد مدة ذكر الموصى له أن الموصية قالت له: إنك ترد الثلث على زوجي بعد موتي، فقال الزوج هذا منك ندم، وأردت إدخال الضرر علي لأجل أنه بيني وبينك هذا، وشهد شاهد أن الورثة قالوا للموصى له قبل الصدقة أتحلف أنه لم يقع بينك
[392/9] وبين الزوجة مواطأة، فقال: لا أحلف فقال الزوج: ومن أين يعلم الموصى له أنها صدقت ذلك، ومع ذلك فلا بد للشاهد أن يؤرخ اليوم الذي زعم أن الموصى له نكل عن اليمين فيعلم ذلك هل قبل الصدقة أو بعدها، فهل تتم الصدقة ولا يلتفت إلى نكول الموصى له أم لا؟
فأجاب : بأنه ينفذ إقراره ، والبنت كالعصبة ، فإن كان موضعها أو معها ابن نفذ إقراره ، فقيل له روى ابن عبد الحكم عن مالك أن البنت كالابن ، فقال نعم ، لكن البنت كالعصبة ، وقد علمت أن فيها خلافا ، ابن سهل لم يذكرا ما في المدونة هنا وفي الوصايا من المدونة وفي النوادر عن أشهب وفي الكفالة والمكاتب من المدونة ولا أرى جواب ابن زرب في البنت إلا وهما .
[إقرار الوصي بدين على أيتامه]
وسئل ابن الحاج عن إقرار الوصي بدين على أيتامه هل يلزم أم لا ؟
فأجاب : إقرار الوصي بدين على أيتامه على وجهين ، فإن كان فيما ولى على أيتامه المعاملة فيه فهو نافذ عليهم ، وهو كالاقرار على نفسه ، وإن لم يكن فيما وليه مثل أن يقر على تركة الميت بدين أو شبه ذلك فإقراره كالشهادة منه وكذالك الأب .
[مسألة من التعصيب لم يذكر فيها أجتماع في جد جامع]
وسئل الأستاذ أبوسعيد بن لب عن مسألة من التعصيب لم يذكر فيها اجتماع في جد جامع .
[372/10] فأجاب : وقفت على العقد الذي استظهر به الرافع المذكور بمحوله وهو عقد آمنة بنت علي الكناني وأحاط زوجها محمد بن أحمد الأنصاري وبني عم أبيها بميراثها فرأيت العقد صحيحا في نفسه مستقيما في حكمه وإيجاب الميراث به واجب لا سيما وحظهم من الميراث فيها بأيديهم من عهد قديم فلايصح بالشرع نزعه من أيديهم .
[لا بد في شهادة الشهود بالعاصب أن يعلموا قعدده من الموروث]
وسئل عن رجل توفي وله عصبة في علم من شهد بذلك إلا أن الشهود يجهلون القعدد الذي يجتمع فيه العصبة مع ابن عمهم هل يصح التوارث بينهم بهذه الشهادة أم لا ؟ وهل معرفة الشهود للقعدد شرط في ثبوت الميراث أم لا ؟
366/11] على قواعد إمامه الذي قلده، ومحيطا بأصوله ومآخذه التي إليها يستند، وعليها يعتمد، وعارفا بوجوه النظر فيها وبما تكون نسبته إليها، كنسبة المجتهد المطلق، إلى قواعد الشريعة. وهكذا كان ابن القاسم وأشهب في مذهب مالك، والمزني وابن سريج في مذهب الشافعي، وأبو يوسف ومحمد بن الحسني في مذهب أبي حنيفة، ويزيده إيضاحا في الفرق بين الصنفين أن الشافعي وابن القاسم وأشهب قرأوا جميعا على مالك وانتفعوا به أتم الانتفاع. أما الشافعي فقد ترقى إلى درجة الاجتهاد المطلق، فكان إذا سئل عن المسألة نظر فيها مطلقا، وذهب فيها إلى ما أداه إليه اجتهاده. وأما ابن القاسم فكان إذا سئل عن المسألة يقول: سمعت مالكا يقول فيها كذا، وإن لم يكن سمع من مالك شيئا قال: لم أسمعه منه، ولكن بلغني عنه كذا، فإن لم يكن بلغه قال: لم يبلغني، ولكن قال في المسألة الفلانية كذا ومسألتك هذا مثلها. فهذه رتبة الاجتهاد المذهبي. وقد قال في الغصب من المدونة في الغاصب والسارق يركبان الدابة المغصوبة أو المسروقة: ليس عليهما في ذلك كراء، ولا قيمة للمغصوب أو المسروق إذا أراداها بحاليها، بخلاف المكتري أو المستعير يتعديان المسافة ولولا ما قاله مالك، لجعلت على السارق كراء ركوبه وأضمنه إياها إذا حبسها عن أسواقها لكني آخذ فيها. فأنت ترى شدة اتباعه لمالك وتقليده إياه. وأما مخالفته لمالك في بعض المسائل كما في المدونة، كما في إحدى وعشرين من الإبل ومائة فإنه مخير عند مالك في حقتين أو ثلاثا بنات لبون، وعند ابن القاسم تتعين عليه ثلاث بنات لبون، أخذا منه بقول ابن شهاب: وفيمن قال لعبده أنت حر الساعة بتلا وعليك مائة دينار إلى أجل كذا، فإنه حر الساعة ويتبع بالمائة عند مالك. وقال ابن القاسم: لا يتبع بشيء أخذا منه بقول ابن المسيب، وفيمن اختلط له دينار بمائة، فضاع منها دينار، فقال مالك: لصاحب المائة جزء مائة من مائة جزء وجزء.