الثالث اتفاق المال في غير وجه شرعي, ونحن مأمورون بإنفاقه في محله على الوجه السائغ شرعا.
الرابع التبذير فإنهم لم يقفوا عند حد وكلف الغني الفقير مالا يجد فدخلوا تحت التبذير والسرف.
الخامس أن لباس الحرير غنما رخص للنساء الأحياء للزينة, والأصل تحريمه لعموم قوله عليه السلام إنما يلبس الحرير من لا خلاق له. ثم إن الشارعصلوات الله عليه أباحه للنساء للزينة المرادة شرعا الجارة للنسل وبقاء عالم الإنسان. ولو قال قائل ممن شأنه التنزل للجزئيات كاللخمي والقرافي وغيرهما إن الهرمة التي لا أرب للرجال في وطئها بحال لا يجوز لها لباسه لكان مما يقال, لكن الشرع إنما يجيء جمليا لا جزئيا. فإذا نظر الناظر المنصف في تلك الزينة حكم عليها أنها ليست تلك الزينة حقيقة.
السادس أن هذا الاستعمال ليس للميت فيه زينة, وهي أغلوطة إنما تزينوا بها أهل الجنازة وظهرت طبقتهم في تلك الزينة ومرتبتهم فيها وما ليتهم وقدرتهم حيث جعلوا على ميتهم سيما من الحرير أو الذهب تمتاز بها أنثاهم من ذكرهم, ولم ترجع إلى الميتة بوجه. وذلك غير خاف على أحد ولا هي ممن تصح في حقه.
السابع أن ذلك المقام مضاد للزينة مغاير لتلك الحالة, فإن تلك الحالة مقام اكتراث وترحم وتواضع مع الله وتهمم, ومقام عزاء وصبر وقدوم على قبر, وهو كما جاء أول منازل الآخرة الحديث المشهور.
فينبغي لأهل الميت أن يتخلقوا بأخلاق مناسبة للحالة, ويتلقوها بفعال /343/ جميلة وحسن حالة, فإن هذا من قصد التظاهر للدنيا وزينتها والتفاخر في غير محلها ولغير أهلها. وأين هذا مما خرجه ابن المبارك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذل اتبع جنازة. أكثر الصمت وأكثر حديث نفسه بأمر الميت وما يرد عليه وما هو مسؤول عنه.
وسئل ابن رشد عن المسألة فأغلط في النكير على المنكر حسبما ذلك في أجوبته المعلومة وذكر المارزي في تعليقه على أحاديث الجوزي حكاية الرجل الذي كان بالقيروان معلوما بالصلاح رأيت كذا وكذا لأشياء تنفر منها العقول وكان ابن أبي زيد اذا ذكر له ذلك يقول نعم يصح أن يراه في المنام فيرى النائم في منامه أكثر من هذا فقيل له يوما قال رأيت الباري جل وعلا ، فقال الشيخ هذا عظيم ولكن يصح أن يرى الانسان رب العزة في منامه فبلغ الرجل ذلك فقال ما رأيته الا في اليقظة فلما بلغ أبا محمد ذلك أنكره وألف تأليفا في الانكار على هذا الرجل فقام معه فقهاء القيروان وشنعوا عليه وقالوا هذا إنكار الكرامات وهو مذهب المعتزلة فكتب المسألة للقاضي أبي بكر بن الطيب وبعث له بدنانير فوجده الرسول يملي في الانتصار فقال ما نقدر على شيء الساعة حتى نفرغ مما شرعت فيه فأقام الرسول على بابه سنة وبعد سنة ألف فيه مجلدين سماه الفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء ويذهب الى ما يذهب اليه المعتزله وأنما أراد بقوله كذا وأخذ يتأول قوله ويخرجه مخارج تليقبه انتهى .
فأين تجويز رؤية الباري جل وعلا في اليقظة من رؤية الملائكة ؟ مع أن الذي صحح عياض في كتاب الشفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه بعينه وجارحه إبصاره وعلى قاعدة أن كل ما ثبت معجزة في حق النبي صلى
[392/2]
[393/2]
=فأجاب : إن كان الأب لم يهبها الشورة فلورثته أن يقوموا بالواجب لهم" . انتهى . وزاد غيره إذا كان الأب أقام الشورة قيمة عدل لم يتحامل فيه على الجارية ، فذلك جائز عليها لازم لها . ثم سئل عنها أبو بكر ابن المعيطي فقال : "إذا كان الأب جهزها بماله ، وجعله دينا عليها ، فللورثة الرجوع بما يجب لهم بمقدار أنصبائهم إذا ثبت ذلك من إشهاد الأب" . انتهى . وما لابن رشد في أول مسألة من طلاق السنة معلوم .
=والجواب عن التاسعة عشرة : أن الصلح على الافتداء من اليمين جائز حكمه ، قال ابن هشام : وأصله للقنازعي إن علم المدعى عليه براءته وطلب منه اليمين ، فليحلف ولا يصالح على شيء من ماله ، وإن صالح أثم من أربعة أوجه : الأول : أنه أذل نفسه ، وقد قال عليه السلام : « أذل الله من أذل نفسه » . الثاني : أطعمه ما لا يحل له . الثالث : أنه أضاع ماله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك . الرابع أنه جرأه على غيره كما جرأه على نفسه . فإذا فرعنا على الأول ، فالجواز مشروط عند مالك بثلاثة شروط : أن يجوز على دعوى المدعي وإنكار المنكر وظاهر الحكم ، وعند ابن القاسم بالأولين فقط ، وعند أصبغ أن لا تتفق دعواهما على فساد . وإليكم النظر بعد هذا الوضوح في تنزيل حكم الصلح المسئول عنه على ما يقتضيه من هذه الأقوال ، ولو أوضحتم مما وقع به الصلح وعنه لشرحنا لكم كيفية حكمه على الأقوال الثلاثة . والله تعالى أعلم .
وسئل عن رجل جعل لزوجه أن متى تزوج عليها امرأة فقد جعل أمر الداخلة بيد الزوجة تطلقها عليه ما شاءت، ثم إنه التزم لها ثلاثة دنانير كبيرة الضرب على أن أسقطت عنه هذا الشرط، ثم تزوج هذا الزوج زوجة أخرى ثم طلقها، وكانت الزوجة الأولى في حجر أبيها، فقال الأب للزوج أنا أسقط عنك ما التزمته لابنتي من الثلاثة الدنانير الكبيرة على أن ترد الشرط باسمي، فإنك متى تزوجت امرأة كان أمرها بيدي أطلقها عليك أي الطلاق شئت، وفعل الزوج ذلك. ثم قامت الزوجة الأولى فقالت الشرط الأول من حقي، والثلاثة دنانير هي لي ملتزمة وليس لأبي إسقاطها، فكيف وجه الحكم في المسألة؟ وكيف إذا رشدت هذه الزوجة؟ فهل يرجع ما كان بيد أبيها من الشرط المذكور بيدها أم لا؟
فأجاب: إسقاط الأب ما التزم الزوج للزوجة في الأعلى غير لازم، ولها أن ترجع هي على الزوج ويرجع به الزوج على الأب أي الملتزمة، ويلزم
[394/4]
[395/4]
الزوج ما التزم للأب من الشروط، إلا بموته فينتقل إلى الابنة على ظاهر ما ذكر عن مالك، والله أعلم سبحانه. كتبه عبد الله بن يحيى الزواوي.
[ما يلزم الحانث في الأيمان اللازمة]
وسئل الفقيه أبو القاسم بن الفتح عن رجل حلف بالأيمان اللازمة ألا تكون زوجته له زوجة.
لا يلحق بالأضعف، فإن الشيوخ كلهم على أن الصرف أضيق، ثم الإقالة في الطعام، ثم الإقالة في العروض وفسخ الدين في الدين عند بعضهم، ثم بيع الدين بالدين، ثم ابتداؤه فهو إما في المرتبة الثالثة وإما في المرتبة الرابعة، فلا يلزم من جعل الأوائل قبض الأواخر في فسخ الدين أن يكون كذلك في الصرف لضعف الأول وقوة الثانين ألا ترى أن ابن القاسم جعلها كقبض الأواخر في باب بيع الدين وابتدائه لا في باب فسخه لغير ما ذكر، لأن من شرط القياس المساواة ولا مساواة، وأما ثانيا فلقوله في الرواية فقال صاحب النصف أنا أدفع لك النصف فالأصل الحقيقة وحمله على مجاز الحذف مرجوح، ولا ضرورة تدعو إليه، فصحت الحقيقة على ما يتبين، بل قد تبين بطلان الحمل على المجاز، وذلك لأن ابن رشد قال ما في الذمة كالعين الحاضرة فيكون ما وجب للمكري على المكتري نصف دينار إما ذهبا على القول بأن المراعي ما في الذمة وإما دراهم على القول بمراعاة ما يوجبه الحكم، إذ هذا الأصل فيه قولان على ما نص عليه ابن رشد واللخمي والمازري وغيرهم، فعلى القول الأول يكون وجب للمكري في ذمة المكتري نصف دينار وهو لحاضر على ما قال ابن رشد ودفع له نصفا آخر عن مجموعهما دينارا كاملا ولا مانع إلا ما يتهمان من قصد ذلك عند البيع ولم يتهما في هذه الرواية، واختار ابن رشد ضعف هذه التهمة على ما تبين لك من قوله وعلى اعتبار هذه التهمة ةيصير ذهبا وهو النصف الذي دعفه المكري بذهب وهو ما يقابله من الدينار الذي دفعه المكتري معهما غيرهما وهو منافع الدابة، وهذا عين الرد في الذهب المتفق على منعه، واعتبر هذه التهمة في المدونة قال فيها وإذا اقتضيت عشرة دنانير مجموعة من بيع فرجحت جاز أن تعطيه برجحانها عروضا أو ورقا بخلاف المراطلة فخص الجواز بإعطاء الفضة والعروض، وقد نص شارحوها على المنع في الذهب وجعلوا ثلاثة أقوال في الورق، والعروض ثالثها يجوز في القرض دون البيع، فإن قلت هذا
في الواضحة حسبما اجتلب في السؤال. فيجب الحكم بالوازن لأهل الحقوق المرتبة في ذلك الوقت، لأنه حقهم الواجب لهم، لو اقتضوه إذ ذاك بمقتضى النص. ووجهه ظاهر، لأن السكة الموجودة الباقية على صرفها هي الأصل في تعلق الحقوق بها دون ما دخله الفساد منها إذ التسامح في قبضه معروف بصنعه القابض، ولا يدخل في الحقوق في باب التسامح والمعروف، مع السكوت عنه. وما انعقد منها على المساكتة في آخر تلك المدة وقت خلت وجوه التعامل في الدراهم الوازنة كما ذكر في السؤال، فالواجب فيه الآن الحكم للجارية في تاريخ التعاقد، لأنها هي التي كانت حينئذ متعلق الأغراض، ومناط الأحكام. فبقي الأمر بعد ذلك كما كان. فإنما كان الناس يقصدون إلى ما يجدون، ويعقدون على ما يعتادون. والعادة في عرف الشرع كالشرط، وليس هذا مما يتناوله النص المتقدم، لأنه كما سبق عند وجود الوازن مختلطا بالناقص، فلم يعين عرف التعامل أحدهما دون الآخر، بخلاف هذا الوجه الذي خص الوجود في الوصف وعين القصد. ويصحح هذا من مقاصد الناس ما كان يشاهد من محافظتهم على وصف السكة في صرف الذهب لتفاوت ما كان بين بيعه بالوازن والناقص واتخذوا ذلك متجرا قويا. وإعراضهم عن الوصف في غيره حيث لا يتناقدون إلى الناقص، ثم ما ظهر الآن من البون في الأسعار والانحطاط في الأثمان، فإنما كان التعامل على تلك السكة بوصف عيب النقص بحسب ما عينه العرف. ومن وجب له في الذمة معيب، لا يجب له بالحكم السليم. ومن كان له من الحق مقدار، فلا يستحق ما هو أكثر بمنزلة ما إذ تعامل الناس في المكيلات على مكيال ثم بدله الإمام بأكبر منه، فلا يجب في ذلك التعامل المتقدم إلا قدر المكيال الأول وسبيل تلك الدراهم الناقصة في نسخها بالوازنة سبيل سكتين رفعت إحداهما بالأخرى. وسبيل الفلوس إذا عدل عن التعامل بها إلى الدراهم، في أن الواجب ما وقعت المعاملة به في وقتها. فإن لم توجد فبقيمتها ويصطلحان على شيء جائز
[450/6]
382/7] وهذا يأخي, حفظكم الله وأعانكم عل طاعته وعلى ما اولاكم من خدمة أرزاق أهل الدين وجماعته, غاية ما أدركته في هذا على ما أنا عليه من الأشغال التي هي في الحقيقة سامحني الله فراغ وإهمال وإغفال, ولولا أنكم أقسمتم علي بما في كتابكم بما لا يترك إبراره مسلم, ما تجشمت لكم هذه المضايق, لما انا عليه من البعد عن إدراك الحقائق, وهو الذي بلغني من أصابتكم, واما قولكم إنكم رأيتم جوابا عند السادات في مسألة من الدماء, وأعجبكم فيها ما نقلت عن ابن المواز, فاعلموا حفظكم الله, أن ما فيه نص في عين النازلة, أو ما هو شديد الشبه بما قد يسهل علي الجواب فيه, لكوني أرشد غيري لما أطلعت عليه, وهذا في الحقيقة لا يقوي, وأما من لم ير فيه نصا لهذا, فما بلغ قدري التكلم فيه لولا ما أقسمتم بهعلي, وفي المدونة قال مالك: ولا ينبغي لطالب العلم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا للفتيا, قال (سحنون الناس ها هنا العلماء) الفتيا حكم, ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله ﴾ الآية. ولما قيل لسحنون- رحمه الله- حين ولي القضاء وقضى: وددنا لو رأيناك على النعش ولا رأيناك قاضيا. قال لأني قاض منذ سنين, لأن قولي ينفذ في أشعار الناس وأبشارهم, وكان السلف يتدافعون الجواب إل أن يعود إل الأول, ويقول ابن عمر رضي الله عنه للسائلين: تجعلونا قنطرة تجوزون عليها الصراط نعوذ بالله من التلصص بالتخوض والتكلم قبل الفهم, والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته, من كاتبه وقائله راجي بركة صالح دعائكم, ودعاء من يقف عليه من الإخوان المؤمنين, عبيد الله تعالى محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد مرزوق العجيسي غفر الله له ولطف به.
وسئل عن درب نافذ فيه ديرا وغرفة لحبس المسجد فأراد بعضهم فتح
[435/8]
[436/8]باب لم يكن وأذن بقية أهل الدرب هل يمنع بسبب غرفة الحبس أم لا؟
فأجاب: إن كان غير مضر بالجيران لا حالا ولا مآلا أبدا ولا بالغرفة في يمنع.
[حكم بيوت مشتركة بين أيتام وعمهم]
وسئل عن بيوت مشتركة بين أيتام وعمهم وليس عليهم مقدم ولا وصي فانهدم بيت فأصلح وأسكن وأسرف في النفقة لأن العادة الجارية في ذلك خروجه مخرج المكارمة والوليمة فطلب الرجوع على الأيتام بما يخصهم من البناء فقالوا إن فيه سرفا فقال هي العادة وهددت بالسلطان إن لم أبن فقالوا له ليس البناء في السور حتى تخاف فهل يلزم الأيتام قيمة النقض والبناء وسرف النفقة والعمل أم لا؟
فأجاب: يلزم كراء ما لزم وما سكن بغير ثمن فيلزمه الكراء فيه أيضا وما أصلح فله قيمة ما أدخل من النقض وقيمة ما عمل بغير سرف.
[حكم من له حائط على سفلي الآخر فهدم الحائط]
وسئل عمن له حائط على سفلي الآخر فهدم الحائط للإصلاح وفيه صاحب السفلي على العادة فأراد صاحب الحائط إسقاطه عند الدخول إلى محله وطلبه صاحب السفلي بذلك لحماله وزيادة ثمن داره فهل له الإسقاط أم لا؟
فأجاب: يسأل أهل المعرفة من الأشياخ عن ذلك فإن لم يكن في إسقاطه مضرة ى ثمن ولا حمال فلا مقال لصاحب السفلي، وإن شهدوا بثبتها ففي جبره خلاف في المذهب ينظر في الصحيح منه بعد إثبات ذلك.
[حكم من له حجرة فيها بيوت لسكنى الكراء]
وسئل عمن له حجرة فيها بيوت لسكنى الكراء في موضع مرغوب فيه فعمد إليها وهدمها وبنى بها غيرها وتركها خرابا لإلقاء الفضلات والكناسات
[436/8]
[437/8]والنجاسات وتضرر بها الجيران هل يجوز فعل مثل هذا؟ وهل يجبر على بنائها أم لا؟ وربما طولب ببنيانها فقال نفعل ثم لم يفعل.
فأجاب: إذا أضر بالجيران ضررا كثيرا فإما أن يبيع أو يبني.
[سكنى يهودي في درب مسلمين]
فأجاب بأن قال إن أراد أن تستأثر بذلك الزوجة فلا يجوز وهو ميراث وإن قالت الزوج إنما أمرك بدفعه إلي لأنه دين لي قبله فعليها البينة فإن أراد هذا الرسول السلامة فليدفع ذلك إلى القاضي ينفذه كما يجب فإن دفعه إلى الزوجة قبل رفعه إلى قاض وقام عليه باقي الورثة ضمن وله الرجوع على المرأة، ولا يسعه دفع ذلك إلى الزوجة إلا أن يخبره عدول أن ذلك لها قبل الزوج دينا فيسعه ذلك إلا أن يكون الميت بين له أنه قال: ادفعه للزوجة، فإنه لها قبلي، فبهذا يسعه دفعه لها فيما بينه وبين الله تعالى، فإن خشي أن يطالب فإن شهادته لها جائزة قبل أن يدفع ويقضى لها بشهادته مع يمينها وأما إن دفع ذلك إليها ثم طولب لم تنفعه شهادته لها وكان ضامنا.
وسئل عمن أسند وصيته إلى رجل وفي الوصية بنات فماتت إحدى البنات بعد دخول بيتها بشهر وتركت زوجها وعصبة وأوصت بصدقة للفقراء فهل ينفذها الوصي والورثة؟
فأجاب: إن لم توص لأحد فذلك لوصي أبيها إن كان مأمونا فإن أوصت بذلك فهو أولى.
وسئل ابن الحاج عمن أوصى بوصايا وفيها أن ينفق على أمي ولده فلانة وفلانة ما عاشتا فتوفيت ابنة من بناته قبل النظر في التركة وأوصت بوصايا فأنفذت وصايا المتوفى الأول وما بقي من الثلث وقف لمنفعة أم الولد من ربع
[387/9] المتوفى ما رآه من النظر، ثم أنفذ من وصايا المتوفاة ما حمله ثلثها وبقي بعضها لم يف به الثلث، فماتت احدي أمي الولد بعد أعوام فطلبت الباقية أن يوقف لها الجميع، إذ هو الذي يحمل مؤونتها، فهل القول قولها في نصيب الميتة أو يورث على الفرائض؟ فإذا ورث فهل يدخل فيها ما بقي من وصايا المتوفى أم لا؟
فأجاب بأن قال: قال أبوعمران إذا ضمن الورثة لأمي الولد لنفقتهما ما عاشتا رجع الموقوف ميراثا وصار للمتوفاة حظها من ذلك يرثه ورثتها وتدخل فيه بقية وصاياها.
فأجابه ابن رشد كما في كريم علمكم بما هو منصوص هنالك [367/10] يظهر أن هذه المسألة أقرب إلى النازلة من مسألة اللخمي . فهذا هو بسط المسألة على ما وقفت عليه أولا وآخرا ، فانظروا حفظكم الله وأبقاكم فيما ظهر لمحبكم في رد ما استظهر به عبد الرحمان هل ذلك الرد صحيح أم لا ؟ وانظروا في الفصل الذي توقفت فيه ، وهو إنكار سالم أن تكون تلك أمة هل يقدح له في طلبه عند تاوترا أو أخويها أو عند الإخوة فقط ولا يقدح أصلا ؟ وانظر فيما نظره في ذلك الفقيه في براءته هل هو من مسألتنا في شيء أم لا ؟ بينوا لنا الحكم في ذلك كله مأجورين مشكورين ، والله تعالى يبقيكم للعلم ترفعون مناره ، وتحيون رسومه وآثاره ، والسلام الأتم ، المطلق العطر الأعم ، يخصكم به مجل جلالكم ، وناشر أفضالكم ، وليكم في الله تعالى ومؤثركم فيه عيسى بن محمد الترجالي وفقه الله ورحمة الله تعالى وبركاته .
362/11] حديث الإسراء: "إن النيل والفرات يخرجان من أصلها" وبينه في البخاري فقال: ذلك من أصل سدرة المنتهى، قال بعض العلماء: إن لهذه الأنهار مادة من الجنة، إذ الجنة موجودة مخلوقة عند أهل السنة، والإشكال الوارد بشرب الكفار من هذه الأنهار، مع أن نعيم الجنة محرم عليهم، مندفع بأن تحريم الجنة ونعيمها على الكفار إنما هو في الدار الآخرة بعد بعث الخلق وإعادتهم، فيحرم عليهم دخولها، ونيل شيء من نعيمها. والأمر في الدنيا بخلاف ذلك نعم(¬1) الله عليهم وإن كانوا يكفرونها. فهذا جواب السؤال والسلام على من يرد عليه.
[ما حكم الروايتين إذا نقلتا عن مجتهد في المذهب؟]
وسئل عن مسألة من الأصول الفقهية وهي: حكم الروايتين إذا نقلتا عن مجتهد عند أهل مذهبنا، وهم نقلوا أنه لا يجوز العمل بواحدة منهما إذا لم تتعين الرواية الآخرة وأنهما بمنزلة الميتة والمذكاة. نص على ذلك القرافي وسيف الدين. وظاهر كلام ابن رشد أنه لا يعتبر ذلك، وتفرع الفتاوى على الروايات كيفما كانت، إذا لم يكن ثم نص على الرجوع. وإذا كان لا يجوز ذلك العمل بإحدى الروايتين كما ذكره القرافي وغيره، فهل تجوز الفتوى بقول إذا لم يوجد له معارض أم لا يجوز ذلك؟ لأنا كنا بعد البحث الكثير أن يكون ثم قول آخر، وبإزائه موضع كنا لا نعلمه فإنهم قد قالوا: إن عدم العلم بالدليل لا يكون دليلا على عدمه، وهذا مثله.
فأجاب: أما مسألة ما إذا روي عن مجتهد قولان هل يصح تقليده في أحدهما؟ فقد تكلم ابن رشد في نوازله على ذلك وقال: إن حكم المقلد لإمام على اختلاف قوله في تلك النازلة حكم العامي إذا استفتى العلماء في نازلته، فاختلفوا عليه فيها.
وقد اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يأخذ بما شاء من ذلك.
والثاني أنه يجتهد في ذلك، فيأخذ بقول أعلمهم. والثالث أنه يأخذ بأغلظ
[