فأجاب أما التحجير على القبور فصواب(¬1), فكيف بالتحجير على الأمكنة في القبور؟ ليس بوجبها لمحجرها لو احتاج إلى الدفن فيها من لم يحجر عليها ما منعه من ذلك تحجير من حجر عليها. ليست أرض المقبرة أرض موات تكون لمن يحييها بقطيعة من السلطان فيما قرب منها, أرض المقبرة قد صارت عدة للموتى فليس لأحد ان يحجر فيها شيئا حتى يحتاج إليه, ففي حين الحاجة تكون أولى بدفنه منها. هذا وجه الحق والصواب. وإذا نزع الباني نفسه ما قد بناه فكذلك يؤمر, إذا مات وقد أبقاه مبنيا فأي طاعة لله في بقائه؟ فينفذ فيها ما طريق ما شيد من ذلك إلا طريق الفخم والتفخيم, فأي فائدة فيها؟ وأما الميت فلا منفعة له فيه.
فإن قيل يحجره عن المارة. قيل له فمن أين له؟ أفي ربعه أم في ربع واهب له؟ ما حكمه إلا حكم العامة. وقد يستحق من ذلك سترا من الشمس في حين جلوس زوار القبور عندنا بفنائها ببناء لا بقاء له وأنقاض لا قيمة لها. فأما في زماننا هذا فما الصواب إلا أن تبقى القبور واضحة لا ستارات لها ولا جدار قائم, ولا خير في(¬2) وراء القبور من الرجال والنساء بشيء من البناءات إلا كحكمهم فيما توهم بينهم أن له أن يعمل فيه عملا لينتفع به غيره, فاستحق ذلك المكان من هو أولى به فطرح له بعضه فيكون ذلك لبانيه او لورثته, فيتصدق به لأنه ليس من ماله مثل يتصرف فيه كما قد قيل فيمن بنى مسجدا فاستحقت لأرضه بعد ذلك ملكا يوقن منه العوض المرغب فيه. ومسألتك ليس منها ما يرغب فيه فتصرف الأنقاض إليه, ولا يمكن الآذن أن يأذن في بقائه كما للمسجد قد يجوز ربعا ومسجدا
[
الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار ويكون معناها وما يستقر في الأرحام أي ما سيكون فيها فتبقى في هذين الوجهين على ظاهرها وأهل العلم والديانة والصلاح والصيانة ، ليس من دأبهم تغريب العوام ولا إطلاعهم على أمور الملك العلام فقد كان قطب الرسل والأنبياء وإمام الاصفياء والأتقياء صلى الله عليه وسلم للصحابة على مكانتهم ورفعتهم رضي الله عنهم منه حدود ومنازل ومراتب لا يطمع المفضول فيها بمنزلة الفاضل ، فخص كلا بما رآه له أهلا فقد كان للصديق رضي الله عنه منه منزلة التقريب والاختصاص بأمور لم يطلع إلا العالم الرقيب وقد اختص حذيفة بما تقرر وحفظ منه أبو هريرة وعاء ين من علم كما ورد به الخبر ومن طالع سيرته وأخباره واقتفى محاسنه وآثاره علم ذلك قطعا وتأدب به شرعا ومن عرفت مكانته الصديقية سلمت له أحواله اليقينية وقليل ما هم فأول ما يختبر به الرجل فعله فلعله فيمن سقط عنه التكليف لخبل في عقله فإن كان من هذا الفريق فلا حرج على من فقد عقله فليسلك ما سنح له من طريق وإن كان من أهل المكانة فيسلم له ولينصح بوقار واستكانة ولينبه على ما عسى أن يبرز منه من غلبة حال فالولي محفوظ ملحوظ من الله يعين الاجلال فقد قال صلى الله عليه وسلم عن الله من عادى لي وليا فقد أذنني بالمحاربة ونسأل الله العافية وصلاح الحال .
=والجواب عن السادسة عشرة : أن استبداد بعض الورثة باغتلال المختلف من الأصول بالسكن وعقد وجائب الكراء وأكل الثمار مع بقاء الأصول ، وعدم التصرف فيها بشيء من الهدم والبناء ، مع حضور الوارث الآخر ومشاهدته ، ولا مانع من سكوته لا يمنع قيام صاحبه بحقه في الغلة والسكنى ، وهو على حقه إن كان حيا ، وورثته بعده باقون على حقوقهم ، إذ من مات عن حق فلورثته ، وسكوته لا يعد هبة ولا إسقاطا لشيء من حقه ، وقصارى ما عليه في مقطع الحق أن سكوته لم يكن هبة للمنفرد بالاغتلاب ، وهذا إن قطع عليه بدعوى الهبة ؛ لأن المشهور في المذهب المالكي توجه اليمين في دعوى المعروف ، وأما إن لم يحقق الدعوى عليه بذلك وإنما اتهمه بالهبة ، فلا تتوجه عليه اليمين اتفاقا ؛ لأنها دعوى تهمة في تبرع قاله غير واحد . وورثته يحلفون في الوجه الأول على نفي العلم إن ظن بهم ، وإلا فلا ، والله تعالى أعلم .
أما ما حلفا عليه فيقول الأول المسلم لئن أخذته مني بثمانية وأربعين مدا لأسلمته لك فليس بصريح في المبايعة، ويجوز أن يريد تخليصه من تبنه وتصفيته، وأن يدفع له العدد من غير الاندر وأخذ ما بقي فيه، فيرجع هذا إلى فساد الإجارة والخطر فيها، ويجوز أن يريد بيع هذه الأندر بعدد يتعلق بذمة المشتري. وعلى الوجهين فلا جواز أن يتصور، إنما تختلف طرق الفساد. وقول المشتري لا أقيله إلا إن غلب عليه الشرع أخف من قول صاحب الأندر، لتعلق الشرط، ويجوز أن يعود على الإقالة إن ظن لزوم العقد، أو حل العقد إن كان شاكا في لزومه، وقد فعل كل واحد منهما ما بيده من ذلك ولم يرجع عليه، ورفع الشرع عند الأول لعدم تصوره شرعا، وإذا ارتفع لم يتصور فيه إقالة، لأنها سواء قلنا إنه حل عقد أو استيناف بيع لا جريان له ها هنا، وإن حملنا تسليمه على مجرد رفع اليد فقد حصل وبر، وإن حملنا تسليمه على رفع اليد شرعا وثبوت يد غيرها، فها هنا لم يتصور لعدم موجبه ووجود مانعه، ولأنه أيضا فرط مع تمكنه من معرفة الحكم حتى عقد على غير الوجه، فيكون تفريطه ورطه في الحنث، لأنه ظن بجهله انعقاده شرعا وليس كذلك كما قال العلماء رضي الله عنهم فيمن حلف ليطأن زوجته فوطئها وهي حائض أنه لا يبر، قالوا لأنه قصد وطئها في حال الطهر، قال ابن حبيب قال ابن القاسم إن كان فرط بعد أن حلف إلى أن قام إليها فألفاها حائضا قدر ما كان يمكنه وطئها قبل أن تحيض فهو حانث، وإن كان لم يفرط بعد يمينه أو كانت حين حلف حائضا ولم يشعر فلا حنث عليه، فقد جمع جواب ابن القاسم رحمه الله حمل كلام الحالف على الوطء المباح وحنثه إن أمكنه الفعل فلم يفعل، وكذلك ها هنا إن حملته على التسليم الصحيح الشرعي فغير متصور، وإن جعلته مفرطا في عدم التسليم فهو حانث، وإن لم يتضمن الكلام التسليم الشرعي بل مطلق التسليم فهو حاصل.
وأجاب السيد أبو القاسم البرزلي مفتي تونس فيما يقرب من ذلك بهذا المعنى فقال: الحمد لله وحده، أما إن كان سور البلد هو حائط الدار كما هو في بعض القصور ويخاف على البلد منه إن هو لم يبن فيجب على صاحب الدار أن يبني أو يبيع ممن يبني، وأما إن كان السور مستقلا بنفسه والدار مستندة إليه أو من قريب منه والبلد يخاف عليه مما وقع فإن كان للسور حبس صير إليه ووجب طلبه لجميع أهل البلد حتى يصلحوا ما انثلم من السور، وكان من قام به محتسبا أحدهم (كذا) وإن لم يكن له حبس وفرض البلد أنه يخاف على جميع البلد منه فإنه يفرض صلاحه على كل من له ملك فيها أو له مال لا يصونه إلا السور فيفرض ذلك على قدر الأموال ويصلح به السور أو يبيع ممن يشارك هؤلاء في البناء، واعرف نحو هذا في العتبية، وإن كان إنما يخاف على من ولي ما انهدم خاصة دون ما بعد إلا نادرا فهذا أفتى اللخمي فيه في مسألة السور على الجنات بأن يصلحوا على التعاون في بناء ما انثلم من السور، وظاهر فتواه أن تكون من البعيد إعانة ومواساة ليست هي كالقريب من ذلك والله تعالى أعلم.
وأجاب أيضا عما يقرب من ذلك وهو من له دار لصق بسور البلد بحيث
[352/5]
إن جدارا منها هو سور البلد انهدم، فقال له أهل الحصن ابن دارك ليصان الحصن فأبى، هل يقضى عليه بذلك أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، مسالة الدار التي حائط منها في سور البلد إن جرى عرف أو عادة بأن من يليه شيء من الحبس بناه كبعض قصور القرى فبناؤه على الذي هو بجواره، وإن كان لم تجر بذلك عادة فالبناء على مال الحبس إن كان للسور حبس، وإن لم يكن له حبس أو كان لا يقوم به فبناؤه على جماعة البلد على قدر ملكهم فيها إذا كان موضعا يخاف منه على البلد إن لم يبن، والله تعالى أعلم.
[مسألة في سور تهدم أكثره فهل يهدم باقيه
لعدم الحاجة إليه؟]
فعلى هذا لا يصح أن يقال: إ آخر المدة لم تجر فيه الناقصة مجرى الوازنة اعتبارا بالسلع التي علم اختلاف ثمن السلعة الواحدة منها بالوازن الناقص، لأن ذلك داخل في باب الاجتهاد الذي لا يسوى فيه السليم والمعيب إلا في باب التقدير بعادة أو تسعير، فقلما يستوي ثمن سليم ومعيب في بيع السلع في كل زمان، إذا دخل فيه على التعيين، وقد كان البيع والشراء حينئذ على المساكتة من غير تعين شيء في كثير السلع، مع توقف قطع الناقصة من الجهتين، جهة البائع وجهة المشتري، وهب أن الناقصة كانت متعينة بالعادة، فذلك مربوط بوقت جريانها الذي هو محل العادة، لا
[447/6]
بما بعد قطعها. فعند البائع وقت التعاقد أن له مسمى الدرهم المتعارف، إما ناقصا وقت جريانه، وإما وازنا بعد قطعه، فإنما دخل على وجه واحد وهو الوازن حسا أو معنى. والعقد على هذا عقد صحة لا فساد فيه، كما سبق في مسائل من العتبية.
[هل يصح العقد إذا اشترط في بيع التقاضي قبول الناقص]
وقد سئلت عمن شرط على مبايعه في بيع التقاضي قبول الناقص مدة استمراره والرجوع إلى الوازن بعد قطعه.
380/7] التأخر والاستمرار وإن كان من سبقه لا ينظر فيه, بل فيما عين المحبس أولا, أو كان ينظر ولم يعلم ذلك هذا المتولى حين التولية, فلمتولي أمور المسلمين أن يعين له مرتبا عل المشهور المستدرك, لأن ما عين المحبس أولا من المرتب, إنما كان على النظر في الربع الذي حبس, وهذا زائد عليه فتسوغ فيه الزيادة, ولم يقع من المحبس نص على منعها, وأما المواضع التي سمى فيها مرتب من عداه فلا يزاد منها, لأنه مخالف لما عين المحبس, نعم إن رأي المتولي أن يزيده من بيت المال على النظر فيه وفي الحبس الأصصلي لحسن قيامه عليه, جاز له ذلك.
فأجاب: إذا وقع المطر في هذه الأشراف والكدى والوطا وهو مملوك لأناس شتى فكثر الماء في هذا الوطا وصار واديا فإن قدر من ملك هذا الوطا أن يصرف لكل واحد من مائه بقدر ملكه من هذا الوطا فذلك لهم ثم لكل واحد منهم مصرف إلى ارض له أخرى ومنعه عن الناس ممن تحتهم إن شاء وإن كان إنما يقدر على صرفه إلى أرضه بعضهم وبعضهم لا يقدر على ذلك فمن قدر منهم على صرفه إلى أرضه فله أن يصرف ما قدر عليه من ذلك حتى لا يبقى في الوطا من الماء إلا ما إن انتقص منه أضر بالوطا في نفع أهله به في سقيه فليس له أن ينقص من ذلك الماء ويبقى ذلك الماء في ذلك الوطا حياة له ينتفع له فيه كل من له في ذلك الوطا ملك.
[432/8]
[433/8][حكم من له شرك في أنهار ثلاثة]
وسئل السيوري عن واد يجتمع فيه ثلاثة أنهار ولواحد من أهل المياه جنة في أوله وأخرى في آخره فأراد أن يأخذ في جنة الأولى من أحد تلك المياه الثلاثة قدر ما يصيبه من الأنهار الثلاثة في وقته وقدره واحتج بأنه لا حرج على أحد من أصحاب تلك المياه إذ له حق فله أن يأخذه مجموعا أو مفرقا في آخر الماء أو أوله وهو لا يصيره لغيره إلا مجتمع كما كان ولم تجر عادة بهذا له ولا لغيره واحتج أيضا بأنه لم يكن لغيره له جنة تحتمل ذلك مثل جنته وهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: يسأل عن ذلك أهل الثقة المأمونون فإن كان لا ضرر على أحد في أخذ حقه على هذه الصفة بكل وجه من الوجوه فله أخذه كذلك وبالله سبحانه التوفيق.
[حكم النهر الخارج عن المدينة تسقى منه الغابة]
384/9] وسئل الشيخ أبوالقاسم بن محرز عمن أوصى أن يخرج من ماله ثلاثمائة قفيز شعير أو دراهم كثرة وأسند الوصية لإخوته فباعوا من التركة في أسرع وقت قدر الوصية المذكورة وأخذوها من الأيتام ولم يخرجوا منها حبة واحدة، وقد هلك في هذه الشدائد كثير من الفقراء لم يخرجوا لهم شيئا فهل يجرحون بذلك أم لا؟
فأجاب: إذا لم يكن عذر في إيقاف الوصية في هذه المدة فهي حرجة عليهم لأنهم ظلمة بما فعلوا، ويمكن المحتسب من القيام ولا يمنع من ذلك ولا يقبل قول الأوصياء أنا دفعنا إلا ببينة على الدفع أو براءة من قاض قيل لأنهم لم يخرجوها في وقتها فقد تعلق بذممهم ويحتمل أن لا يقبل مطلقا لما تقدم للسيوري في التي فوقها، لما تقرر من عدم أمانتهم والله تعالى أعلم.
إخوته وأقاربه من العار لكونه من أكابر أهل البلد الذين يستقرون على أنفسهم إيلاد الإماء لا سيما إيلاد أمة البنت ، فإن قلنا إنه لا يحلقه معرة في إيلاد أمة البنت وأيضا فقد يرده الخوف من الحد الذي ظن أنه يلزمه لما شهد به ابن أخيه ، وأقوى من هذه في رد حججك منصوص أن من أوصى لرجل بصغار بنيه وسماهم ، ثم توفي الموصي وثبت له صبي صغير غير الذين سماهم ، فإنهم داخلون في الإيصاء المذكور على مافيه من الخلاف .
أقوال العلماء في هذه النازلة أن لا يقدم عليه ولا يخرج عنه للنهي الوارد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عبد الرحمن بن عوف والسنة هي الحجة على من خالفها نسأل الله التوفيق للعمل بها والوقوف عندها وليكن فيما يدعوا به الناس هناك: ربنا أنت الله الذي لا إله إلا أنت تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب العالمين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من
[360/11] شفائك، فهو ما ظهر(¬1) ، لي تقييده فيما سألتم عنه والله يلطف بالجميع والسلام عليكم.
[الإقلاع عن المعاصي والعزم على عدم العودة إليها ركنان أساسيان في التوبة]
وسئل عن رجل منهمك في المعاصي مسترسل في ذلك في رمضان وغيره، سمع وعيد المعصية في رمضان، وعلم أن المعصية فيه أعظم من غيره، فتاب عن معصية الله في رمضان توبة موفاة الشروط، وترك غيره من الشهور لم يدخله في توبته. فهل تصح توبته من المعاصي التي تقدمت منه في ذلك الشهر لتوفر الشروط فيها أم لا؟ وظهر للسائل أنه يتخلص من معصية رمضان وخولف في ذلك.