334/1] غير الصلاة فإنه يلزمه الاتيان إليه. وحديث لا تعمل المطي مخصوص بالصلاة. وأما زيارة الأحياء من الإخوان والمشيخة ونذر ذلك والرباط ونحوه فلا خلاف في ذلك, والسنة تهدي إليه من زيارة الأخ في الله والرباط في الأماكن التي يرابط فيها. وتوقف بعض الناس في زيارة القبور وآثار الصالحين, ولا توقف في ذلك كأنه من العبادات غير الصلاة, ولأنه من باب الزيارة والتذكر لقوله زوروا القبور تذكركم الموت. وكان صلى الله عليه وسلم يأتي حراء وهو بمكة, ويأتي قباء وهو بالمدينة, والخير في اتباعه صلى الله عليه وسلم واقتفاء آثاره قولا وفعلا, لاسيما فيمن ظهرت الطاعة فيه انتهى.
[إخراج الميت الصالح بالزغاريد]
وسئل بعض التونسيين عن إخراج الميت الذي يظن صلاحه بالولاول والتزغريت(¬1).
فأجاب بأنه بدعة ينبغي أن يأمر بقطعها من يمتثل أمره, ولم يثبت فيما علمت قول يقال عند الخروج بالجنازة كان السلف الصالح يستعملونه.
[صنع الفخار من تراب القبور]
وسئل بعض الأفريقيين عن الذي يصنع الفخار من تراب القبور.
فأجاب لا يحل ذلك ولا يستعمل الفخار, وأن باع من ذلك شيئا وفات وجب فسخه, ويرد الثمن إن علم المشتري, وإلا تصدقق به.
[كيف يدعي لولد الزنى]
وسئل أبو عمران كيف يدعى لولد الزنى؟
فأجاب يدعو لوالدته, فيقال اجعله لها سلفا وذخرا وفرطا وأجرا, ويكون كذلك ويشفع لها في الآخرة وليس عملها مما يزيل عنه حكم
[
واعلم أن الاعتقادات الفاسدة والجهالات الباطلة منقسمة عند أهل العلم على ثلاثة أقسام: قسم منها كفر باجماع العلماء، وقد عدوا منه ذكرناه وغيره مما هو كثير جدا. وقسم منها بدعة وفسق ولا يكفر صاحبها، وقسم منها مختلف فيه هل يكفر به أو لا؟ هذا الذي تكلم فيه المازري شارح الارشاد وغيره، وهم المعتزلة وغيرهم من أهل الاهواء. وهذا معني قول ابن الحاجب: ولمالك والشافعي والقاضي فيهم قولان. وقد قالوا من اعتقده تعالى جسما مصورا فهو كافر باجماع، ومن اعتقده جسيما غير مصور ففي كفره خلاف، ومن اعتقده في جهة وليس بجسم فليس بكافر. فمن ظن الجهالة في الاعتقادات كلها تجزي مجري واحدا في التكفير وعدمه فقد جهل وزل زللا عظيما. وكل ما جلبته وحكيته من كلام شارح الارشاد وما ذكره من الخلاف إنما هو في القسم الثالث، فاعلم ذلك. وأما ما حكيته عن الواضحة من ظواهر أقاويل السلف فقد بين ايمتنا رضي الله عنهم ذلك وشرحوه وأوضحوه
[384/2]
[385/2]
وأجروه كله على قواعد العقائد مما لا يسع الاختلاف فيه كما شرحوا الاحاديث على ذلك.
وما ذكرتم عن الجهلة في المطلقة بالثلاث فذلك باطل، بل يوخذون بالاحكام الشرعية ولا يصدقون في دعواهم ما يبطلها ويرفع عنهم لوازمها. فمن اعترف بجهالة ألزم ماهو عليه لأنه من حكمها.
وما ذكرتم مما سمعتم عني أني سئلت عن شيء من هذا فصرفني عنه إنسان حضرني فما علمت ذلك، ولا تظن بي أن يجب علي بيان في أمر فيصرفني عنه صارف إلا أن يتبين موجب.
وما ذكرتم مما يتسامح فيه الاشراك من أكل القطاني الخضروات وفريك القمح فلا بأس بذلك إذا لم يكن بينهم تشاح ولا قصد تعارض، بل لو أخذ واحد ولم يأخذ الآخر شيئا وكانت نفسه طيبة فلا شيء عليه في ذلك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ من قال لولا حرثي وتجارتي ]
=والجواب عن الحادية عشر : أن اكتراء الدابة إلى مكانسة الزيتون كل يوم بدرهم ما طال سفره أو قصر لا يجوز ، قال في الثانية من سماع أشهب وابن نافع من كتاب الرواحل والدواب : وسئل مالك عن الرجل يتكارى الدابة إلى مكة كل يوم بدرهم ، فقال : ما هذا من بيوع الناس ، ولكن لو ضرب لذلك أجلا لم يكن بذلك بأس . قيل لمالك أرأيت لو قال له أتكاراها منك شهرا كل يوم بدرهم . قال : لا بأس بذلك ابن رشد : "أما إذا تكاراها شهرا كل يوم بدرهم فلا كلام ولا إشكال في جواز ذلك ، وأما إذا أراها منه إلى مكة كل يوم بدرهم فلم يجز ذلك ههنا ، وأجاز في المدونة كراء الراحلة بعلفها إلى موضع كذا ، وذلك اختلاف من القول ، إذ لا فرق بين المسألتين ؛ لأنه إن أبطأ في السير كثر عليه العلف ، وإن عجل فيه قل العلف ، فآل ذلك إلى الجهل بمبلغ الكراء . ولو اكترى منه الدابة إلى مكة بعلفها أو كل يوم بدرهم أسرع السير أو أبطأ[361/3]فيه لم يجز باتفاق ، ولو اكتراها منه إلى مكة بعلفها أو كل يوم بدرهم على أن يسير سير الناس المعتاد لجاز ذلك باتفاق ، فالخلاف إنما هو إذا وقع الكراء منهما دون بيان مجمله في هذه الرواية على الظاهر من الوصول إلى مكة قرب أو بعد فلم يجزه ، وحمله في المدونة على الوصول على السير المتعارف فأجازه ؛ لأنه إذا كان المعروف عند الناس أن الوصول إلى مكة على السير المتعارف يكون على التمثيل في شهر , فكأنه إنما اكترى منه إلى مكة بثلاثين درهما أو بعلف ثلاثين ليلة ، فوجب أن يكون ذلك جائزا" . انتهى . وبعد وقوفك على نص الرواية وكلام القاضي عليه لا تشك في فساد الكراء في المسألة المسئول عنها ، وهي قسم الاتفاق على الفساد من كلام القاضي ابن رشد رحمه الله ، والله تعالى أعلم .
قلت: إن لم يصح انفراد مسألة ابن رشد بنحو البساط المذكور، فلفظ اليمين عنده يخالف لفظها في المدونة، فإن عنده ما يملك وعندها ما له. فهذه اللام تحتمل أن تكون للملك أو تكون للإضافة، وهي بأدنى ملامة فلا تستلزم الملك، لأنه لا يكون إلا باجتماع خمسة أشياء عما قد علمت، والإضافة تكون بالعارية وأقل منها كحكاية سيبويه على أحد حمالي الخشية بالإجارة لصاحبه: خذ طرفين وآخذ طرفا أو لا عكس، ولذا يقول الموثقون دار فلان لا يثبت الملك، بخلاف قوله ملكه. فقولكم معلوم بالضرورة أنه لا فرق بين مال زيد وملكه. فيه نظر كما تري. ولئن سلمنا ألا فرق بينهما أن الملك أعم من المعين والمبهم كما تقدم، فالفرق بينهما من وجه آخر، وذلك أن ما له مال متعلق المجرور فيه الثبوت أو الكون المطلق لكل مال فلا اختصاص، ويملك لا يحمل إلا على الحال لكونه منفيا بما، وهي تعين المضارع للحال عند الأكثرين كما ذكر في التسهيل. ولا شك أن نفي الملك الحالي لا يستلزم نفي ما عداه، لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، وما يملك في الحال إنما هو المعين الذين تحت يده، ولتسميته يبقى كالمبهم الذي لم يقبض بمعنى قوة صلاحيته لأن يملك، وفيه مع هذا نظر بين وضعف لا يخفي. والمسألة محتملة لأكثر من هذا، وفيما أشرنا إليه من وجوه البحث مقنع والله تعالى أعلم والموفق للصواب.
[385/4]
[386/4]
[من حلف بالطلاق ثلاثا على ولده ربيب زوجته لا دخل له دارا]
والحديث فربما شكا جيرانها أذى دخانها وربما أمسكوا فكتب إليه القديم منها لا يعرض له هذا الذي قررناه كله إذا كانت القناة مملوكة لأرباب الدور، وأما إن كانت غير مملوكة لأحد على حكم مجاري المياه المنحدرة في الطريق فإصلاحه على كل من علا موضع الانهدام لاشتراكهم في الانتفاع، فإن كانت القناة مملوكة لأرباب الجنات فإصلاح الواهي منها عليهم ولا شيء على أرباب الدور للإذن، ومقتضى سؤالكم أن أرباب الجنات إنما لهم ما ينفصل عن المصر إلى القناة بعد الخروج أن الإصلاح ينفرد به الدور، وأما ما نشأ في الجدران الملاصقة للقناة من ضرر بسبب تهدم القناة فإصلاح ما فسد منه على مالكه المختص به إن شاء، ولا يتوهم أن يخطر بالبال أن مسألة العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك رضي الله عنه عند مخالفة لما قلناه من عدم بناء الملاصق لأن ابن رشد صرح بأن ذلك كان من الإفساد على وجه العداء ولغيره من الفرارن، وما قررناه مع علم أصل الأمر كيف نشأ، وأما مع جهله كما أشير إليه في السؤال فإن العادة تقضي بتغيير الحكم بما استمرت به، فقد روى أشهب عن مالك رضي الله عنهما فيمن مات عن أرض كانت عفاء ولا غرس فيها ولا ماء فاقتسمها الورثة وباعوا وغرس المشتري فمنهم من اشترى ماء فساقه، ومنهم من اكتراه ومنحه، فأقاموا كذلك نحو أربعين سنة حتى عمر ذلك عليهم ثم باع بعضهم حقه فقال المشتري لم يمر منهم بمائه عليهم وإن لم يكن إلا ما هم عليه أقروا على ذلك ولا منع لأحد، وقد قال سحنون في القناة بطريق المسلمين تمضي عليها ستون سنة ونحوها لا يعرض عليها لأنه لا يعلم بأي وجه وضع، وأما طرح الأثقال فعلى أرباب الدور على ما علم، والله سبحانه أعلم.
[مسألة في سور البلد إذا تهدم ولا حبس عليه
هل يجب بناؤه على أهل البلد؟]
فأجاب: الحكم في ذلك يختلف. أما بيع الجدرة وحدها أو مع انضمام عقد الكراء إليها فداخل مدخل الأصول المغيبة في الأرض كالجزر والفجل والبصل وذلك بمنزلة المقاتي والبطيخ، مما فيه بيع مغيب وما لم يخلق مع ما قد خلق. وجاز هذا البيع وإن كان فيه من الغرر والجهالة بمكان. حتى منعه الشافعي والحنفي لذلك وأجازته المالكية، لأن الغرر إذا دعت إليه الضرورة، اغتفر لمكان المالية التي هي محل التصرف بنقل الملك وغيره وربما يختبر بعض ذلك فتعرف به بقيته أما اشتراط المكري على المكتري تبقية الجدرة بعد فراغ المدة فلا وجه لجوازه على شرط في العقدة لأنه لم يحلق منه شيء في الوقت والتراخي الذي في المدة وإنما جواز ذلك على الطوع بعد العقد من غير تراض عليه قبل ذلك، ولا بأس باشتراط المكري لجدرة قصبه، لأنها مال من ماله والسلام.
[تحمل العقود على السكة الوازنة]
وسئل عن رجل اشترى مالا في هذه المدة الفارضة حين جريان الدراهم الناقصة فما يأخذ الآن فيها.
فأجاب: الحكم في المسألة، أن العقود محملها على السكة الوازنة على أصلها وعلى هذا جرى العرف في العقود. وما يجري بين الناس من المسامحة في التعامل الناجز وعقد الاقتضاء، لا تعمر به الذمم ولا يجوز الدخول في العقد عليه، لأنه مجهول.
وسأله رحمه الله جماعة من تجار غرناطة عن نازلة نزلت بهم، وهي أنهم باعوا أمتاعا بعد تسويقه بقيسارية غرناطة كلأها الله تعالى بدراهم فضية،من دراهم السكة الجارية بها. وأصلها في الضرب سبعون درهما في الأوقية لكن دخلها اختلاط وازن على الأصل، وناقص بسبب من تعدى بالقرض واستمر الأمر كذلك مدة إلى أن كثر النقص وتفاحش في نحو ثلاثة أشهر من آخر المدة حتى ربما صار الدرهم في الوزن نصف درهم، وكان الناقص في
[442/6]
وأما اعتراض فتوى أبي عمران العبدوسي الفصل الثاني, فإن فتيا الشيخ أبي عمران العبدوسي رحمه الله تعالى ضعيفة جدا, ولا دليل فيها على شيء من قراءته, واشتملت على موهنات كثيرة, المتبادر للذهن منها أربعة أوجه:
الأول أنه أتى بكلام عري من النصوص والاستدلال, ومسألة دارت بين
[373/7] فقهاء العصر لا يمكن أن تقابل بدعاوى لا دليل عليها.
الثاني جعل المؤذن من خدمة الحبس فإن أراد الذي يسكن(¬1)المدرسة وينظفها أو يفتحها ويغلقها فمسلم, وإن أراد من يؤذن فقط فقد قدمنا استغناء المدرسة عنه اصلا, لاسيما وصوامع المساجد الجوامع قريبة من المدرسة مع ما ذكرنا من كراهة أجرته في الوجه الثاني من الفصل قبله.
الوجه الثالث جعل المدرس من جملة خدام الحبس, وهذه مصادرة بنفس الدعوى, فالخديم هو الذي تعود منه منفعة على عين الحبس أو مستغلاته, ومن سواه إنما هو مرفق وموصول ولا عوضية في فعله حسبما قررنا في المقدمة, نسلم أنه خديم فأجرته على خدمته وهو تعليم الفقه مكروهة كما قدمنا في الوجه الثاني من الفصل قبله, والقاضي لا يمكن من المكروه حسبما قدمنا في الوجه المذكور.
الرابع جعل الشاهد من خدمة الحبس, وليت شعري أي منفعة للحبس أو مستغلاته في الشاهد, أو من نص عليه من الفقهاء والموثقين, بل المنصوص عليه عند كافة الموثقين أن يجعل القاضي للناظر رزقا قدره كذا, ولمن يستعين به على جمعها كذا وكذا, يقبضون ذلك عند انسلاخ كل شهر ما ينوبه من العام- انتهى.
قول م, فأين الشاهد من جامع المال بل هو مفرق له ودخل للنقص في عطايا المحبس عليهم, ولئن تصورت المنفعة للشاهد فهي للناظر, لأن الغلة معلومة, والبراءة منها من حقه.
وأما اعتراض فتوى أبي العباس القباب الفصل الثالث, فإن فتيا القباب رحمه الله ضعيفة جدا, وزيادة تحريف النصوص إلى مراده مع بطلان أقسيته, وفي ذلك وجوه:
وسئل عن مرج فيه بساتين وزرع وهو محظر من بعض الجهات ومسرح من آخر حتى إنه تصيب أهل المرج الغارة فألزمهم الوالي بضرب طابية من الناحية المختصة ثم بعد ذلك أرادوا تزريب هذه الجهة فطلب أهل الأطراف أهل الوسط بنصيبهم من ذلك كما فعل بالطابية الأولى فامتنعوا وقالوا الضرر إنما ينال الذين يلونها فهم يعملون ذلك وربما أصابت الأمطار تلك الطابية فتنهدم وربما أفسد الماء بعض أرض من يلي الطابية المذكورة وينقل ترابهم أو تراب الطابية إلى غيرهم من أهل وسط المرج فيطلب أهل الأطراف أيضا إصلاح ما التشم من الطابية أو إصلاح أرضهم التي نقل التراب عنها فيمتنع أهل الوسط من ذلك كله.
فأجاب: هذه المسألة كمسألة القنطرة التي تقدمت النفقة في ذلك على قدر الانتفاع كل ملك بما انتفع به مالكه فإن كان الضرر يصيب من قرب من ذلك أكثر ممن بعد يقدر ذلك وينظر فيه أهل المعرفة بتقدير النفع، والأصلح أن يجتمعوا أو يتسامحوا أو يتركوا التشاحح ويتحاللوا ومن أراد الخلاص فيما بينه وبين الله فليرد على نفسه وينفق أكثر من غيره وهو يسير على من أراد السلامة.
[425/8]
[426/8][حكم من حاز ماء حوزا تاما ثم جاء من فوقهم وأراد الدخول فيه]
وسئل ابن زيادة الله عن طريق يندفع بماء مطره إلى القبلة من ناحية جبل ويشق في الطريق وغربيه سواقي فوقها محدثات وماؤها يحصل في ماجلين في قصر هناك فإذا امتلأ عمد أهل السواقي إلى فضلة ذلك الماء فجعل كل واحد حاجزا من تراب يرد الماء إلى ساقيته فهم على هكذا خلف عن سلف أمدا طويلا فلما جاء من فوقهم من أهل تلك الأراضي وأراد رد الماء إلى أرضه ولم تكن له بهذا عادة قديمة منعه أهل السواقي واحتجوا بما تقدم ولكون سواقيهم أشد لطلب الماء من كونها سقاؤهم سوانيهم غير سقاء ولا سبق لهم مع عدم إنكارهم وآباؤهم وأجدادهم كذلك ولا يدرى سكوتهم هل كان من عوض بصدقة أو غيرها.
377/9] ابن جيجة يهبط(¬1) لك كتاب وثيقة مالي عندكم شيء وإذا أنا مت ويظهر شيء يكون لأولادك محمد وأحمد من الثلث الذي نخلي، وإن عاشت هذه الطفلة فإني كتبت لها الثلث لأول ولد، وإن ماتت فأملح. فكتب عنها بعض أصحابنا التلمسانيين بما نصه: الحمد لله ليس في مقتضى الكتابين المذكورين ما يجب الحكم بالوصية، أما الأول فلأن مضمنه الإخبار عن الوصية ولا شيء من الإخبار عن الوصية بوصية، فلا شيء مما تضمنه الكتاب بوصية أما الصغرى فظاهرة، وأما الكبرى فلأن الوصية إنشاء والإنشاء غير معروض للصدق والكذب، والإخبار معروض لهما، فلا يكون وصية لها، وأما مضمن الكتاب الثاني فإنما هو وعد بالوصية والوعد بالوصية ليس بوصية فمضمن الكتاب ليس بوصية ولئن سلمنا أن مضمن الكتابين وصية فشرط تنفيذها على ما نص عليه المشايخ المالكيون كالباجي وابن رشد الإشهاد عليها، زاد ابن رشد الإشهاد على دفعها للموصى له ليستظهر بها بعد موت الموصي، فلو انتفى الإشهاد بوجهيه لم تنفذ ولو عرف أنها بخط الموصي بشهادة عدلين، على هذا تضافرت نصوصهم، خلاف كلام عياض في تنبيهاته فمعنى ذلك عنده إذا كتبها ليشهد فيها، وأما لو كتبها بخطه وقال إذا مت فلينفذ ما كتبت بخطي فإنها تنفذ إذا عرف خطه كما لو أشهد، فظاهر كلامه مناقض لكلام ابن رشد في أجوبته وزعم المقري أن كلام عياض ليس خلافا لقول الشيوخ وفيه نظر، لأنه مخالف لمعنى الرواية التي اعتمد عليه الشيوخ، فقد وقع التقليل فيما بما يوجب عدم العمل على خط الموصي المجرد عن الإشهاد مطلقا بقوله قد يكسل ولا يعزم فهذه علة منصوصة، وما ذكره عياض كالعلة المستنبطة فتقدم عليها العلة المنصوصة على ما لاح في أصول الفقه فالمعتمد عليه كلام الشيوخ بالإنصاف، وقول عياض خلاف، وهذا كله بحسب التفقه في أصل القضية، وأما جواب النازلة فما أنتجته المناهج المرضية، وكتب أحمد بن محمد بن زكري.
وحقيقة قوله حتى يتوارث بذلك سائر قراباته وإنما يثبت بذلك المال خاصة ، ووجه قوله ذلك لأنه إما أن يكون الإقرار حقا فقد استحق المال بالارث ، وإن لم يكن كذلك فحمل قوله على الوصية له بجميع المال ، ومن لا وارث له معلوم له أن يوصي بجميع ماله ويضعه حيث شاء ، هذا هوالصحيح من المذهب الآن وقبل ذلك ، وقول سحنون من ليس له وارث بيت المال وارثه إنما محل ذلك على أن الذي يلي النظر في ذلك مثل سحنون في اجتهاده وعدله في قضائه ومع أنه مستبد بتلك الفتوى بل العمل على قول أصبغ ومن قال بقوله من أصحاب مالك ، وهو مذهب أهل العراق ، وهو الأجح ، وقد قال أبوالحسن اللخمي رحمه الله إنما يحسن الخلاف إذا أوصى به للأغنياء وأما إذا أقر به للفقراء فلا يختلف في ذلك قول سحنون ولا غيره أن ذلك ينفذ للفقراء ، فتأمل هذا كله تقف على صوابه وعلى ماهو أفضل عند الله تعالى في ذلك ، وأما الذي انتزع الوديعة من يد من أودعها الميت عنده فهو ضامن لما تلف منها ، لأنه حين انتزعها منه أخذها على وجه الاقتضاء والإبراء من المودع من طلب من يستحقها فللمقر له أن يتبع من شاء ، إما المودع أوالمستقتض ، فإن أخذها من المودع رجع المودع بما غرم على المقتض ، وإن أخذ ذلك من المقتضى لم يرجع المقتضى بما غرم على أحد على حكم اقتضاء الكفيل من الغريم ، فاعلم ذلك ، وكتب لكم بذلك كله بخط يده بعد السلام عليكم وعلى الأخ في [360/10] الله أبي العباس رحمة الله وبركاته راشد بن راشد الوليدي ، وتقيد بعقبه ما نصه : هذا الجواب الذي ذكره الفقيه أبوالفضل راشد صحيح عليه العمل وبه يقول عبد السلام بن إبراهيم لطف اللة تعالى به .
[رجل توفى فادعى عليه ابن أمة كانت في ملك ابنته أنه ولده]
المذهب الثاني أن يكون قوله عليه السلام: "لا عدوى" نفيا لأحكامها التي كانت للجاهلية بناء على اعتقاد صحتها في زعمهم، لا نفيا لوجودها، فلم يتعرض الحديث للوجود، لكنه تعرض للأحكام العلمية ويبقى الوجود، الله أعلم بحقيقته، لأنه من علم الغيب. قال بعض أهل العلم هذه الطريقة في تفسير
[355/11] العدوى: هي أن يكون ببعير جرب أو بإنسان جذام فتتقى مواكلته أو مساكنته، حذرا أن يعد وما به إليك، فيصيبك ما أصابه، يقال أعداه الداء، فأبطل الإسلام هذه الأحكام، ويكون هذا النفي على هذا المعني مفيدا معنى النهي عن اجتناب الناس بعضهم بعضا لمكان الأدواء والأمراض. "المسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يظلمه". مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائرة في السهر والحمى" وفي شرح البخاري، وقد أنكر بعض السلف أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالبعد من ذي عاهة مجذوما كان أو غيره، وقالوا: قد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مجذوم أقعده معه، وفعل ذلك أصحابه المهديون، وذكر ذلك عن أبي بكر وابن عمر وسلمان وغيرهم، وذكر إنكار عائشة لحديث الفرار من المجذوم، محتجة بحديث إبطال العدوى. وتأول أصحاب هذا المذهب حديث الممرض على ما تقدم من الندب إلى ترك الحلول خشية التأذي، ولما يقع في النفس من معارضة القدر عندما يصيب ذلك، وإن كانت الإصابة قد يكون مثلها مع عدم الحلول. وأما حديث الفرار من المجذوم، فما أن الرائحة والتأذي بها من باب الإصابة لا من باب العدوى كما سبق. وحكم هذه النازلة على هذا المذهب غير خفي.