وفي نوازل ابن رشد: إذا قرأ الرجل ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك وحصل للميت أجره وحصل له نفعه. وقال القرافي في الفرق الثاني والسبعين والمائة: مذهب أحمد بن حنبل وأبي حنيفة أن القراءة يحصل ثوابها للميت إذا قرأ عند القبر حصل للميت أجر المستمع. والذي يتجه أن يقال لا يقع فيه خلاف أنهم يحصل لهم بركة القرىن لا ثوابه, كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده. والذي ينبغي للإنسان ألا يهمل هذه المسألة, فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى, فإن هذه أمور مغيبة عنا وليس عنا وليس فيها حكم شرعي, وإنما هو في أمر واقع هل هو كذلك أم لا؟ وكذلك التهليل الذي جرت عادة الناس يعملونه اليوم ينبغي أن يعمل, ويعتمد في ذلك على فضل الله تعالى وما يسره, ويلتمس فضل الله بكل سبب يمكن ومن الله الجود والاحسان. وقال بعضهم: ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحال إلى زيارتها. وقال عليه السلام: إذا طين القبر لم يسمع صاحبه الآذان ولا الدعاء ولا يعلم من يزوره, فلا تطينوا قبور موتاكم, دعوهم يسمعون الذكر. ولا يزال تراب القبر يسبح الله مالم يطين القبر كل يوم عشر مرات حتى يغفر لصاحبه. ابن عبد البر: كل عبادة أو زيارة أو رباط أو غير ذلك من الطاعة
[
وذهبت غلاة المرجئة، وهي طائفة من المبتدعة، إلى أن النطق المجرد عن المعرفة بما انطوت عليه الكلمة الكريمة مع صلاة أوصيام أو مع عدم ذلك يكفي في الإيمان، ويكون للمتصف به دخول الجنان. عصمنا الله من الآراء المغوية والفتن المحيرة، وأعاذنا من حيرة الجهل وتعاطي الباطل، ورزقنا التمسك بالسنة ولزوم الطريقة المستقيمة إنه كريم منان.
وكتب بالمسألة أيضا إلى سيدي عبد الرحمن الواغليسي.
[383/2]
[384/2]
فأجاب الحمد لله تعالى. أسعدكم الله وسددكم وايانا لمرضاته. بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقد وصل إلي ما كتبتموه مما فهمتم من فتوى الشيخين أبي العباس بن ادريس وأبي العباس أحمد بن عيسي فيمن يقول لا إله إلا الله ولم يدر ما انطوت عليه أن فتوة سيدي أحمد بن ادريس نصها من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن حقا، فمقتضي هذا الفهم من جواب الشيخ أن من نطق بالشهادة يجزئه نطقه وإن جهل معناه وما انطوت عليه الكلمة من مدلولها، فاعلم أن هذا الفهم عن الشيخ رحمه الله باطل لا يصح، فإنه لا يلزم منه أن من قال ذلك وهو معتقد في الاله تعالى شبه المخلوقات، وصورة من صور الموجودات، أن يكون مؤمنا حقا. وقد وجدنا من الجهلية من هو كذلك وكتب الينا بذلك وأشباهه. ومن اعتقد ذلك فهو كافر باجماع المسلمين. وقد نص أيمتنا على ذلك وعلى غيره مما هو كفر باجماع، فلا يصح ذلك عن الشيخ أصلا ولا يصح أن يختلف في هذا أو شبهه. وفي هذا أجاب سيدي أحمد بن عيسي. وقد تحدثت أنا مع سيدي أحمد بن إدريس وذكرت له ما يقول صاحبنا فوافق عليه وقال هذا حق لا يقال غيره.
[ الاعتقادات الفاسدة على ثلاثة أقسام ]
=والجواب عن العاشرة : أن المرتهن ليس له بيع الرهن بما جعل له الراهن من التفويض في بيعه لانعزاله حكما بموت موكله ، إلا أن ينعقد عليه أنه أقامه مقام الوكيل المفوض إليه في الحياة ، ومقام الوصي التام النظر بعد الوفاة ، فله الاستبداد بالبيع إذا لم يقضه الورثة حقه ، وأما إذا شرط التصديق في البيع وأسبابه ، فلم أر نصا في عين نازلتكم ، ورأيت لابن الهندي رحمه الله ما يدل على "أنه لا يلزم ورثة الراهن بعد موته ما ألزم نفسه موروثهم في حياته ، قال فيمن باع سلعة بثمن إلى أجل على أن يبقى الدين إلى أجله ، وإن مات المطلوب ثم مات الطالب بعده أن ورثة الطالب لا يلزمهم التأخير" . انتهى . فهذه كالنص[360/3]على أن ورثة الراهن لا يلزمهم ما التزم موروثهم من التصديق ، ولما قال ابن العطار رحمه الله : "إذا قام الرجل على صاحب دينه وهو غائب فوجب له قبض حقه ، فلا يمين عليه إن كان شرط لنفسه أنه مصدق في الاقتضاء دون يمين تلزمه" . قال ابن الفخار : "وهذا غلط ؛ لأن الغريم إذا غاب وجب على الحاكم أن يستقصي حقوقه ولو كان حاضرا ما كان يدرأ ما يدرأ به عن نفسه في شرط تصديق الاقتضاء ، إذ يقول : شرطه لأجل كذا . إلا أنك من أهله ، فلا بد من قطع جميع ما يتوهم ذكره وهي يمين الاستظهار من السلطان لا يجوز للحاكم إسقاطها ، ولا يحكم على غائب حتى يستوفي جميع حقوقه ، ولا يأمن أن يأتي غريم آخر يستحق محاصة هذا الغريم الثاني لم يصدق الغريم الأول المحكوم له بدينه ، فكل من جاء من هؤلاء يقول للحاكم لم لم تستقص قبل أن تحكم ، فلذلك وجب في الغائب ما لم يجب في الحاضر" . انتهى . فإذا قال ابن الفخار في انتقاده على ابن العطار هذا الذي مر ذكره في حق الغائب ، ففي الميت آكد وأولى لغير ما وجه ، والله أعلم .
ويشتد شبها بالمسألة التي ذكرتم أن يكون المال الموروث قد تعدى فيه غيره، بحيث يلزمه ذمته، فإن مما تصدق عليه مسألة هذا الفرض، ويظهر لي أنه يمكن أن يفرق بين مسألة المدونة ومسألة ابن رشد بأن المنفي في المدونة المال وهو أعم من المعين والمبهم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فلا يبقى ما يصدق عليه اسم مال بأي وجه كان إلا ودخل تحت المنفي، عكس التلازم بينهما في الثبوت، لأن نقيض الأعم أخص من نقيض الأخص، والمنفي في مسألة ابن
[384/4]
[385/4]
رشد الأخص الذي هو العبد المعين، هذا هو ظاهر البساط، فإن حالف هذه اليمين إنما هو من يعتذر لمن سأله هبة عبد أو معونته في الحال أو نحو ذلك، ونفي الأخص لا يلتزم نفي الأعم، فلا يحنث بما له في الذمة من عبد، لأن المنفي لم يشمله.
فإن قلت: من أين علمت أن المراد عبد معين، بل لفظ عبد عام لوقوعه في سياق نفي يشمل المعين والمبهم، فعموم لفظ الحالف للعبيد في مسألة ابن رشد كعموم لفظ الحالف للأموال في مسألة المدونة، وإن ما ادعيتم من دلالة البساط لا يبعد تقديرها في مسألة المدونة.
وقد سئل الشيخ أبو محمد عن الفرق بين من فتح الباب فكسر الجرة أنه يضمن وبين مسألة كتاب الدور فيمن بنى تنورا في دار اكتراها أو في داره لخبزه فاحترقت منها الدار أو بيوت الجيران نقلته بالمعنى أنه لا يضمن، وفي كلا الموضعين فعل ما يجوز له، فأجاب أن رب الدار كان فتحه للباب وجنايته في فور واحد وهو مباشر، وفي مسألة التنور أول فعله جائز لا جناية فيه، وإنما نشأت المفسدة بعد ذلك، ونحوه للقابسي في مسألة التنور، وإن الأصل كان الضمان لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء أي الخطأ الذي يلزم ما تولاه المتلف بنفسه وفعله، وأما ما حدث من فعله فلا، قلت والفرق أن الإذن إذا كان عاما فالضمان، وإذا كان خاصا فلا ضمان، ويدل على ذلك مسألة كتاب تضمين الصناع من وضع قلالا فعثر عليها رجل فتكسرت يضمن، ومما يدل على أن الإصلاح على أرباب الدور ما في النوادر أن حبيبا سأل سحنونا عن القناة في حائط رجل قديمة وهي مضرة بجاره فقام عليه فقال لا يغير القديم وإن أضر بجاره، وسأله حبيب عن أفران توقد للفخار بين الدور منها القديم
[347/5]
فأجاب: الحكم في ذلك أن الزوجة المسوق لها ما ذكر، إن كانت مالكة أمر نفسها وقت البيع الأول من والدها ووقت الإقالة التي انعقدت بينهما وهي إذ ذلك عالمة بالسياقة المذكورة، وبانتظامها لذلك الموضع ودخوله فيها، ولم تتكلم ولا أقامت في ذلك بشيء، فلا مقال لها إلا في حظها من الثمن قبل الزوج، بعد أن تحلف يمينا بالله أنها ما سكتت عن طلب حقها هذه المدة كلها رضي بسقوط حقها جملة. وإن اعتذرت بأنها لم تعلم بدخوله تحت السياقة إلا وقت قيامها بحقه، وظهر دخوله تحتها، حلفت على أنها لم تعلم بذلك وكانت على حقها في الشركة في الموضع وفي الشفعة في السائر وإن كانت محجورة لوالدها وكان وقت البيع الإقالة عالما بحق بنته في المبيع، ولم يذكر فهو مسلم في خروجه عن ملكه، ويبقى الطلب بالثمن بقدر ما ينوب حظها. وإن ظهر الآن دخوله في السياقة بحيث لا يظهر بوجه الاستبهام الأمد في تاريخ النكاح بالسياقة مع تاريخ البيع، فلا حق لها في الموضع في أصله، ولا في الشفعة فيه وعلى الزوج اليمين أنه ما أنكحها إلا بعد البيع، فإن حلف لم يبق لها حق. فإن نكل عن اليمين وجب لها قبله حظها من الثمن ولا مقال لها في الأصل، لتعلق حق المشترى فلا يؤثر فيه نكوله لأنه لو أقر بحق لغيره بعد بيعه لم يقبل منه إلا فيما يجب عليه من الثمن. وإنما اليمين هنا في جهة الزوج والسلام.
[ من اكترى أرضا لزراعة قصب السكر واشترط بقاء شيء منه عند تمام المدة]
وسئل عمن اكترى أرضا لزراعة قصب السكر ويشترط المكري على المكتري أن يترك عند تمام المدة منه أي ممن يكري الأرض منها، وقد يكون في الأرض جدرة لصاحبها، ويشترط بقاءها على ملكه بعد تمام المدة.
[441/6]
الثالث أن مسجد المدرسة لم يبن لله عز وجل بالقصد الأول من المحبس, وإنما بني لوصف الفندقية أو الخانكية عن المدرسة ألا ترى عامة المدارس لا صوامع لها لدعاء الخلق للصلاة ما عدا اليعقوبية والفارسية- تغمدها الله برحمته, ومع ذلك فمذهبي في المدرستين معا
[372/7] الحاقهما بغيرهما لما ذكرناه, ولما نذكره إن شاء الله تعالى, وليس الأمر كذلك في بيوت الطلبة أعني أنها بنيت لله بالقصد الول من المحبس, ولا يستوي من قصده المحبس أولا مع ما جاء تبعا, وهذا الوجه وإن كان خاصا بالإمام والمؤذن, ففيه إيثار الطلبة بكونهم هم المقصدون بالقصد الأول.
الرابع أن مسجد المدرسة مستغنى عنه لاسيما ولا توجد مدرسة إلا قريبة من الجامع الأعظم, وأن مسجدا محدثا بني بقرب الجامع الأعظم, قد بلغ الغاية من الزهادة فيه, لأنه لا يسوغ إلا لمن لا عقل له أن يترك الصلاة في الجامع الأعظم- مع ما ورد من أن الصلاة فيها بخمس وسبعين صلاة حسبما خرجه ابن حبيب في واضحته, ويصلي في مسجد قد اشتمل على بدع كثيرة, كالتزاويق الملهية وشبهها, وإذا تقررت الزهادة فيه شرعا, فقومته تابعة له في الزهادة, أعني الإمام والمؤذن, فلا يستويان مع من قصدهم المحبس أولا, وإعانتهم على ما هم بسبيله مندوب أو واجب.
الخامس أن المسجد المحدث جعله الشيخ أبو الوليد بن رشد رحمه الله على ثلاثة أوجه: إن قصد بانيه تفريق جماعة الأول هدم الحادث وترك مطرحا للزبول كما فعل - صلى الله عليه وسلم - بمسجد الضرار, وإن قصد الخير وأوجب بناه تفريق جماعة الأول, ترك عطلا لا يصلى فيه إلا أن احتيج إليه لكثرة الجماعة, وإن قصد الخير ولم يؤد إلى تفريق جماعة الأول, فهذا لا مغمز فيه, إلا أنه عرضه لأن يقل جماعة الأول فيترك المحدث عطلا, وما انقسمت حاله إلى هدمه أو تركه عطلا أو عرضة لأن يترك عطلا, لا يساوي قومته مع من أعانتهم واجبة أومندوبة شرعا, وهم المقصودون بالحبس قصدا أوليضا.
لأنا نقول: وإن كانت هنا من دعوى المعروف فأصل المذهب المالكي في المدونة وغيرها من أمهات الرواية توجهها. نعم لو كانت دعوى تهمة في معروف لم تتوجه اتفاقا صرح به غير واحد، ومن زعم من أصحابه أن الحكم منع أرباب الماء من إجرائه في قواديس ودفنها في بطن الساقية فقد صادم النصوص، وخالف المنصوص، ويلزمهم أن يقولوا بمنع أربابه من تحويله قبل دخوله إلى روض جارهم الأعلى وصرفه إلى أرض أو روض له آخر أو بيعه لمن يحق له من فوق الروض للأعلى إلى روض مسامت له أو نازل عنه إلى غير ذلك من اللوازم والوهنات والله تعالى يعلم المفسد من المصلح، وهو المسؤول سبحانه أن يرشد الجميع لما فيه رضاه بمنه وفضله لا رب سواه. وكتب المسلم على سيادتكم وليكم في الله ومعظمكم فيه عبيدالله أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي وفقه الله.
[حكم قنطرة يجاز عليها إلى جنات ومزارع]
وسئل الصائغ عن قنطرة يجاز عليها إلى جنات ومزارع والجنات تليها ولهم رسم من الماء أكثر مما لأهل المزارع فربما هدم القنطرة أو بعضها هل
[424/8]
[425/8]هو على جميع من يمر عليها أو على أصحاب الجنات والمزارع بقدر نفعهم بالماء.
فأجاب: بمثل هذه المسألة يحتج من ينتفع بالقنطرة ويصلحون بينهم في النفقة على قدر النفع بها والحكم إذا تشاحوا أن يجمعوا أهل المعرفة فيقدرون كل ما ينتفع به كل واحد منهم من جريان الماء على القنطرة ويفرضون على كل واحد بقدر نفعه وهذا قد يبعد، والإصلاح بينهم والمحالات أولى.
[حكم مرج فيه بساتين وزرع]
376/9] فالقائمة بخطي هذا وهي زهراء حرة لوجه الله تعالى، ولها من مالي خمسون مثقالا وما احتوت عليه خزائنها من ثوب يصلح لها وهي مصدقة فيما عينته من ذلك على من ضايقها أو منعها شيئا من حقها، وكتب فلان بن فلان وفوق هذا وثيقة تقتضي أن هذا خطه على ما دلهم العيان والمعرفة بالخط لا يشكون، وثبت ذلك لمن سأله في تاريخ كذا.
فأجاب: إذا لم يشهد الموصي على خطه لم يثبت لزهراء بمن شهد لها بدفع الكتاب إليها بعد وفاته، وسقط الحكم بما تضمنه الخط المذكور، إذ قد يكون أراد أن يؤامر نفسه ولم يعزم على إنفاذه، والرواية عن مالك مسطورة، انتهى.
قيل ما ذكره عن مالك هو ما رواه الباجي وغيره، من كتب وصيته بيده فوجدت في تركته، وعرف أنها خطه بشهادة عدلين لم يثبت منها شيء حتى يشهد عليه، إذ قد يكتب وصيته ولا يعزم، رواه ابن القاسم في المجموعة والعتبية، وفي الموازية عن أشهب لو قرأها ولم يأمرهم بالشهادة فليس بشيء حتى يقول: إنها وصيتي وإن ما فيها حق، وإن لم يقرأها. ابن يونس عن الموازية إذا أتى إلى الشهود بوصية وقرأها عليهم إلى آخرها فلا تنفذ إلا أن يقول اشهدوا على بما فيها، فلم يحمل إتيانه بها وقراءتها عليهم بنفسه مما ينفذها.
[نازلة من معنى السابقة]
قلت ونزلت في عام تسعة وثمانين وثمانمائة مسألة من هذا المعنى للتاجر الشامي الفاسي الأصل القاطن بتونس، كان كتب إلى شقيقه أبي الحسن علي وهو القاطن بفاس ما نصه: الحمد لله وقد وصل كتاب محمد بن فرج وأنت تسلم فيه على محمد بن فرج فكتب لي كتابين وأنت لم تكتب إلي، وأنا اليوم كبرت وشبت ثم إن هذا المسخوط قدم زوج أمه إذا أنا مت يكون عرضا منه، فلما رأيت فعل هذا، أولا فيه خير ثم جردت الثلث نصفه لأولادك ونصفه للمساكين، وكتبت لك عقدا بخمسمائة فارسية بتاريخ شهر كذا من عام أربع وستين وثمانمائة، وثم ظهر كتاب آخر نصه: يا أخي وأنا إن شاء الله يهبط
[
فأجاب : أكرمكم ، الذي جرت عليه فتوى وليكم ما ارتضاه معظم المتأخرين من شيوخ مذهب مالك رحمه الله وأنه إن كان للمقر على نفسه عاصب معروف وصدقه العاصب المعروف كان الميراث كمن أقر له الميت وثبت بذلك النسب ، وإن كان المقر ليس له عاصب معروف فميراثه لمن أقر له المقر ، ولا يثبت بذلك نسب بينه وبين المقر على مذهب ابن القاسم .
وأهل هذه المذاهب يرون أن حديث الممرض والمصح إنما هو ندب إلى أن لا يؤذي مسلم مع وجود المندوحة عن ذلك، وإنما هو عند الأكثر في صاحب الماشية المريضة لا يرد بها على صاحب الصحاح، لأنه يؤذيه لكراهية ذلك، ابتداء ونفرة نفسه عنه وإن كان ينبغي له أن لا يفعل ويوقع نفسه في معارضة العذر إن جربت إبله،
[354/11] قال تلك جربتها وعلى الأذى بذلك دل ما في حديث الموطأ قالوا يا رسول الله وما ذاك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه أذى يسيل من الجرباء من الماء في المبارك ويكون منها روائح يلحق الصحاح ضررها من الإصابة ليس من باب العدوى" وأما حديث الفرار من المجذوم فذلك أيضا للتأذي أيضا برائحته.
قال قتيبة: تشتد راحة الجذام عنى يسقم من أطال مجالسته، ومواكلته، وربما جزمت امرأته بمضاجعته، وربما نزع أولاده في البكر وكذلك ما كان من السل: فالأطباء تأمر أن لا يجالس المجذوم أو المسلول لا يريدون بذلك معنى العدوى وإنما يريدون الرائحة وأنها قد تسقم من شمها. قال: والأطباء أبعد الناس من الإيمان أو شوم. وذكر مثل ذلك في الجرب الرطب بسبب مائه إن وصلت إلى الصحيح وذكر أن ذلك معنى الحديث، حسبما تقدم.
وفي العتبية أن مالكا سئل عن إدامة النظر إلى المجذوم فقال: أما في الفقه فلم أسمع بكراهيته، وأرى ما جاء من النهي في ذلك إلا مخافة أن يفزع أو يقع في نفسه من ذلك شيء. وتكلم القاضي على الرواية وفسرها بمعنى ما يتوهم في شأن العدوى من باب النهي عن حلول الممرض على المصح، قال: مخافة أن تمرض إبله بقدرة الله، فيظن أن ذلك بسبب ورود الإبل المرضى عليها، وأنها هي التي أعدتها بعد أمن ملابسته أسباب الفتن عند وجود المندوحة، والمرض الذي تكلم فيه مطرف وابن الماجشون إنما هو الجذام، لمكانه في باب التأذي به، ولا شك أنهما لم يتكلما على مطلق المرض، وفي الجذام أيضا بخصوص حديث البخاري.