قلت: من هنا نتعلم أن ما وقعت به الفتوى بتلمسان سنة ست وسبعين من إباحة حفر القبور ونبشها لإنشاء سور أو برج مكانها مع عدم الضرورة الملجئة لذلك خطأ صراح, ولا يحل ولا يباح(¬1).
وسئل سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق عن مقبرة لها ثمانون سنة وأزيد, وإذا حفر فيها لميت توجد بعض عظام الموتى, فهل يجوز الدفن فيها أم لا؟ وهل حد أهل العلم في ذلك حدا أم لا؟
فأجاب أما امقبرة فلا يجوز تغييرها أبدا. وما وقع في طرر ابن عتاب من حرثها بعد سنين سماها فليس بالقوي, مع احتمال للتأويل عندي, واتلله أعلم.
قلت: ونص ما في الطرر من كتاب الاستغناء: أخبرني بعض الشيوخ عن وهب أن المقبرة تحرث من العشر سنين فصاعدا إذا ضاقت عن الدفن فيها. وقال غيره لا يجوز لأحد أخذ حجارة المقابر العادية, ولا تزال عنه لأنه حق لأهلها, ولا ينشأ بها قنطرة ولا مسجد ولا يكشف عنها. وعلى هذا
[330/1] المعنى لا يجوز حرثها, لأن في ذلك تبديلها وتغييرها لأنها من الأحباس لا تغير. وقال بعد هذا: وما حرث مما عفي من المقابر أو مما لم يعف بالكراء, ويجعل ذلك في أكفان الفقراء والمساكين وحفر قبورهم. فانظره. انتهى.
[حمل تراب المقابر للتبرك]
وسئل أحمد بن بكوت عن تراب المقابر الذي كان الناس يحملونه للتبرك هل يجوز أو يمنع؟
فأجاب هو جائز ما زال الناس يتبركون بقبور العلماء والشهداء والصالحين. وكان الناس يحملون تراب سيدي حمزة بن عبد المطلب في القديم من الزمان. فإذا ثبت أن تراب قبر سيدنا حمزة يحمل من قديم الزمان, فكيف يتمالأ أهل العلم بالمدينة على السكوت عن هذه البدعة المحرمة؟ هذا من الأمر البعيد.
قلت: من هذا القبيل ما جرى عليه عمل العوام في نقل تراب ضريح الشيخ أبي يعزى وتراب ضريح الشيخ أبي غالب النيسابوري للاستشفاء من الأمراض والقروح المعضلة.
فأجاب الواجب في ذلك تأديب القائل المذكور بحسب اجتهاد القاضي بمقتضي جرأة القائل وقلة جرأته إن كان ذا جرأة فليضرب نحو أربعين سوطا، وإن لم يكن من أهل الجرأة فيكفي فيه سجن شهرين ونحوهما. وهذا كله استحسان، والمقدم في ذلك ما يظهر لحاكم الموضع انتهي.
[ لعن ألفا من أجداد خصمه القرشي ]
ونزلت بالقيروان مسألة وهي أن طالبين وقعت بينهما مشاجرة فقال أحدهما: لعن الله ألفا من أجداده، وكان الآخر ينسب لقريش وربما نسب إلى بني أمية، فثبت عليه ذلك وأخذ وقيد ونفي في السجن، ثم فر ولحق بالمهدية عند بعض قرابة أمه، فجاء الخبر إلى قاضي الجماعة فبعث لقاضي المهدية فسجنه، وأتي أبوه إلى ابن عرفه رحمه الله وكان يترصد له طريقه ويبكي، فقال له يوما سألتك بالله لا تأتيني ومالك عندي خيرة ولا راحة، وكان رأيه فيه القتل، ولكن قاضي الجماعة أبقي عليه حين لم يأمر بالإعذار إليه ولا قطع حجته وبقي سنين في سجن المهدية. ثم لما نزل النصاري عليها أطلقوه فبقي حتى انتقل النصاري عن البلد فأمر برجوعه إلى السجن وربما قيل لو شاء الله فر وراح في قضيته من ينظر فيها، ثم فر بعد ذلك لناحية الجريد ثم للبلاد المشرقية.
[ رأى نسخة من السيرة بخط ضعيف فقال: هذه سيرة رديئة ]
وسئل سيدي أبو القاسم البرزلي عمن رأى نسخة من السير بخط ضعيف على من يرى قراءته، فقال هذه سيرة رديئة فقيم عليه ونكر مقالته وشنع عليه.
فأجاب لذي عندي أنه ينظر إلى القائل فإن كان متهما في دينه فيشدد عليه في الأدب ويختبر أمره، فإن لم يظهر له شيء عوقب وسرح، وإن ظهر
[379/2]
[380/2]
عليه ريبة قوية أطيل سجنه. وإن كان ممن لا يتهم فيحمل على أنه أراد الخط لسياق القضية، وينكر عليه هذا اللفظ حتى لا يعود إليه والله تعالى أعلم.
[ من قال لا أعطيك ما تطلب ولو أتى رسول الله عليه السلام ]
=والجواب عن الرابعة : أن المرأة يقضى عليها على المشهور أن تتجهز إلى زوجها بصداقها ، قال ابن عات في طرره عن بعض المفتين : "أؤكد ما يجعل فيه النقد ما يتوطآنه ويتغطيانه من القراش والمرفقة والملحفة واللحاف ، فإن فضل شيء ففراش يجلسان عليه ، ونحو ذلك ، وإن لم يفضل شيء فعلى الزوج أن يبتاع ما يفترشانه ويتوطآنه ويرقدان عليه ؛ لأن ذلك يلزمه لها ، وعلى الأب أن يخرجها بكسوة بذلتها سواء كان كساها قبل النكاح أو بعده ، وليس له إخراجها عريانة كالخادم إذا بيعت ، فإن كانت خلقة كان على الزوج أن يكسوها ؛ لأن [356/3]كسوتها عليه"(¬1). انتهى . وقال ابن مزين : "على المرأة أن تتجهز إلى زوجها بصداقها ، وتتخذ له الأفرشة واللحاف والمتاع والصحفة والقدح والخادم إن حمل ذلك الصداق ، كما أنه ليس للزوج أن يسكنها بيتا لا سقف له ، ولا طعام فيه ، ولا إدام ولا معاش ، وكذلك ليس لها أن تخرج إليه بغير فراش ولا وطاء ، وإنما يتزوج إلى أهل بيت وشوار وتتزوج المرأة لتخرج إلى مسكن وطعام ومعاش وزوج يقوم عليها"(¬2). انتهى . لا يقال : إنما قال ابن مزين على المرأة أن تتجهز بصداقها وتتخذ به الأفرشة واللحاف بحيث يطلبها الزوج بذلك ، وفرض النازلة المسئول عنها أن الزوج مسقط لحقه في الغطاء ، وطالب من الزوجة صرفه في كسوتها فقط ، فبين المستدل به والمستدل عليه بون بعيد ؛ لأنا نقول : لا يلزم من إسقاط الزوج حقه فيما ذكر في نازلة السؤال ، إسقاط حقها هي فيه إذ لم يتمحض الحق فيه للزوج حتى يسقط بإسقاطه وحده ، بل هو قدر مشترك بينهما ، وما هذا سبيله لا يسقط بإسقاطه أحدهما بل بهما معا .
وفي كتاب الإكراه ن النوادر: وإن كان آمنا على نفسه وإنما أراد أن يقيه بيمينه فقد أوجر لزمه الحنث، وفي كتاب الأيمان منها عن ابن المواز: قال مالك فيمن طلب ليقتل فخبأه رجل عنده وأحلف بالطلاق ما هو عنده، قال قد أوجر وطلقت عليه امرأته. وقال أشهب لا شيء عليه، والمكره على اليمين لا تلزمه، وكذلك المكره على الحنث، يريد أشهب إن خاف إن لم يحلف عذب بضرب أو سجن. وفي كتاب الإكراه منها أيضا قال أصبغ في ثمانية أبي زيد: وإن قال له سلطان احلف على كذا وإلا عاقبت ولدك أو بعض من يلزمه أمره فحلف له كاذبا، قال فهو حانث إلا أن يخاف إن لم يحلف عاقبه في بدنه فلا شيء عليه في يمينه انتهى. فحكمهم عليه الموجب عليه إخراج مال في الكفارة أو طلاق زوجة أو عتق عبد أو حج أو صيام أو نحو ذلك مما يشق عليه فعله، دليل على أنه لا يجب عليه القدوم على اليمين، أما أولا فلأنه قدوم على معصية، لأنه يحلف على الكذب، ولذا حكموا بحنثه، وأما ثانيا فلإلزامه ما يشق عليه بالحنث، وقد تقدم أنه لا يجب عليه فعل المعصية ليخلص نفسه من القتل، فأحرى ألا يجب عليه فعلها.
[379/4]
[380/4]
ليخلص غيره. وتقدم أيضا أنه ليس أخذ مال شخص لتخليص أخر بأولى من العكس، فأحرى إدخاله في مشقة فادحة.
فقولكم في الصغرى قادر على حقن دم مسلم، إن عنيتم قدرة شرعية فممنوع، وإن عنيتم غيرها لم يفد، وعند هذا ظهر منع صدق الكبرى كلية، فلا ينتج القياس لفوات شرط إنتاج الشكل الأول.
وقولكم في دليلها إن الله أوجب حفظ دم المسلم، إن أردتم بكل ما يمكن حفظه حتى بالفعل المحرم كائنا ما كان فممنوع، وإلا لزم حفظه بما يؤدي إلى مفسدة أعظم منه، وهو خلاف ما اشترط في تغيير المنكر، لأن هذا من تغيير المنكر؛ وإن عنيتم بما يسوغ شرعا فمسلم، ولا نسلم أن اليمين الكاذبة منه كما قلتم هنا أنها متعينة فتجب، إذ هو محل النزاع، فبان صدق منع الكبرى ودليلها كليين.
[
في المستقبل إلا أن يكون سبب غرامتهم غير ما ذكر، وإن كانت بغير حكم فهي بمنزلة رضاهم بترك حقهم، وهو لا يفيد التعدي لغيرهم، قال ابن حبيب قال ابن القاسم فيمن له أرض بيضاء والطريق يشقها فأراد تحويله لموضع آخر منها أرفق به وبأهل الطريق أن ذلك ليس له، وليس لأحد أن يحول طريقا وإن كان إلى أسهل من الأول، وإن رضي له بذلك من جاوره من أهل القرى، لأنها طريق لعامة المسلمين، فلا يأذن فيها بعضهم إلا أن يكون طريقا لأقوام بأعيانهم فيأذنوا في ذلك، قال ابن الماجشون ينظر الإمام فيه، فإن رأى في تحويلها منفعة للعامة في مثل سهولتها وقربها أو أقرب أو أسهل فأرى أن يأذن في ذلك، وإن رأى ذلك ضررا بأحد من المارة وبمن جاورها منع من ذلك، وإن حولها بغير إذنه فليتعقب ذلك الإمام فما كان صوابا أمضاه، وإلا رده انتهى.
وسئل عن رجل توفي وعهد بنصف داره وفي الدار المذكورة برج حمام داخل الدار وكان له باب لناحية الزقاق ويتضرر منه، فسده ورد بابه على سقف الدار التي للعاهد قبل البرج داخل في الدار أو خارج عن الدار.
فأجاب بأن قال: ينظر في البرج وقت العهد، فإن كان حينئذ مدخله من الدار إذا صيره صاحبه كذلك حينئذ عهد بنصف الدار فيكون نصف البرج إذن داخلا في العهد. وإن كان إنما عهد والبرج يدخل إليه من خارج الدار، ثم بعد ذلك صير مدخله من داخلها فلا يدخل شيء من البرج في العهد والسلام.
[من اشترى دارا وأراد هدم سقيفة بها فنازعه البائع بأن البيع لا يشملها]
وسئل فقيل له: المرغوب منكم أن تقفوا على الرسمين الدائر أحدهما بالآخر، إذا المستظهر بهما يريد هدم السقيفة المذكورة وهو قد اشترى الدار والسقيفة بقبليها ممن كان قد اشتراها من وارث الدار المذكورة. ولم يجر في رسمي المشترى ذكر السقيفة إلا ما ذكر من الحقوق وكافة الحرم. وقد مات وارث رب الدار والمبتاع منه وكل واحد من الرسمين بشاهد واحد كما ترى. ورب الغرفة في الرسمين ينازع فيما ذكر، ويحتج بقدم السقيفة ويدعي أنه ابتاعها مع الغرفة ولا بينة له. وهو قد ابتاع الغرفة من وارث عياد المذكورة في
[435/6]
الرسمين. وقد مضى وارث أحمد البائع، واعترف أنه لم يبع السقيفة من مبتاع الغرفة منه. وثبت ذلك من إقراره. وليس في رسم الابتياع ذكر السقيفة إلا ما ذكر أنه ابتاع الغرفة بحقوقها والسقيفة مع ذلك لا منتفع لرب الدار فيها إلا ما هو يدعي من الضرر به. وإنما كان ينتفع بها في السنين الماضية صاحب الغرفة. وكذلك هو ينتفع بها إلى الآن. وقد حازها لجهته بباب.
367/7] العبدوسي رحمه الله بما نصه: الحمد لله الجواب أن القومة الذين يخدمون الحباس من مؤذن وبواب ووقاد من له خدمة في الأحباس قابض وناظر وشاهد ومدرس, وكل واحد من هلاء يبدأ بما يعطى له, فإن كان المحبس على ما يعط لكل واحد فلا ينقص ما سمى, ويجوز أن يزاد أذا لم يوجد من يعمل بما سمى واقتض نظر الناظر في الأحباس زيادته لمعنى يوجد فيه ولا يوجد في غيره, فإن ضاق الحبس نظر في الأهم, ويحافظ عل نصه إذا فهم, وإلا فالأقرب إلى ما عسى أن يقصده, وإن بقي بعد هؤلاء شيئ أعطي للطلبة الملازمين المواظبين على القراءة هنالك, والله ولي التوفيق بفضله, وكتب موس بن محمد بن معطي لطف الله تعالى به.
وتقيد بعقيه بعد سطر الافتتاح ما نصه أشهد: الأجل الفقيه العالم العلم الفذ الأوحد, الصدر المعظم الأسرى الكمل, أبو عمران موسى بن الشيخ المعظم المقدس المرحوم موسى بن الشيخ الأجل الأسنى, المعظم الأسري, الأفضل الأكمل, المبرور المقدس المرحوم أبي عبد الله بن أبي عبد الله محمد بن المعطي لطف الله تعالى به, أن هذا جوابه بخط يده, وتقلده وأفتى به في المسألة المسؤول عنها أولا فوقه وارتضاه, إشهادا صحيحا عرف قدره, وشهد عليه وهو حفظه الله تعالى بحال كمال الاشهاد وعرفه, وفي حادي عشر شعبان المكرم سبعة وسبعين وسبعمائة, عبد العزيز بن عبد الله التازغدري, ومحمد بن عبد الله الأزدي, وعبد الرحمان بن محمد الأزدي, شهد على خطهم لموتهم فاستقل, قابله بأصله فماثله, وأشهده النائب عن قاضي الجماعة بمدينة فاس, وهو علي بن محمد بن أحمد بن عيسى الغدريس, أعزهما الله تعال وحرسهما باستقلال الرسم المذكور لصحته عنده, وثبوته لديه بالواجب, وذلك بمجلس نظره, ومقعد حكمه وقضائه من المدينة, وفي اوائل شعبان المكرم عام اثنين وثلاثين وسبعمائة
وأجاب عنه الفقيه الإمام العالم أبو العباس أحمد بن قاسم بن
[
وأجاب غيره: ما شهدت البينة بملكه ومنعه أولى إذ ليس في شهادة الآخرين ما يزيل ملك صاحبها عنها ولا يضره ترك الناس يسقون منها إذا استغنى عنها سواء كانت صدقة أو تحبيسا ومتى احتاج إليها رجع فيها ومنع الناس منها إلا أنه يستحب له ترك الناس يسقون ويجوز له بيع مائها وهذا نص الرواية. والبينة التي شهدت بالملك أولى ولا يصح الاعتراض على الملك بما احتج به القائم.
وسئلوا عن مثلها أيضا وهي رجل له أرض وفيها فدادين لقوم من الحضر يسلكونها بطرق لهم ويصلون إليها بطرق من أرضه فنهاهم مدة فلم ينتهوا فتركهم لاعتقاده أنه لا يثبت لهم طريق عليه بذلك فلما كان بعد زمان حازها لملكه وبنى في وجهها بنيانا منع منه المارة عليه فبعد سبعة أشهر هدمه أصحاب الفدادين وقالوا لنا حق فيها لتركك إيانا الزمان الطويل فيها وطلبوا خصومته وامتنع حتى يردوا بناءه كما كان فهل لهم فيها حق أم لا؟ وهل عليهم إعادة البناء قبل الخصومة أو بعدها أم لا؟ ولهذا بئر قد أحاطت به أرضه من كل جهة فقام عليه أهل الفدادين وقالوا إنها مشاعة لجميع أهل الرجل فهل فيها حق أم لا؟
[419/8]
[420/8]فأجاب بعضهم: أما البئر فلا حق لهم فيها إلا أن تقوم لهم بينة فيها بحق قديم معلوم وأما الطريق فله بناؤها وقطعها عنهم ولا حجة لهم بتركه إياهم يمرون عليها لتساهل الناس في ذلك ويسارته عليهم واستغنائهم عنه، فله قطعها متى أراد إلا أن تكون طريقا واضحة جادة وطال زمانها الخمسين والستين سنة ويقع الانتفاع بها ولا تزرع فلا تغير حينئذ على ما وصفت لك زوال ذلك، وعلى من هدم الحائط بناؤه ورده على صفته. ولا يجوز لهم ما فعلوا وهذا قول أصحاب مالك ونص أهل العلم.
371/9] على ما دونه في التأكيد عند الضيق أن يبدأ ( )(¬1) ولا أعلم من قال، بل المنصوص في المدونة وغيرها كما قدمناه الحصاص، وقد قيل في الصدقة لغير معين بإجبار المتصدق على الإخراج، وهو نص ما في كتاب محمد ومثله في بعض روايات المدونة، وعليه اقتصر غير واحد، والقول الآخر ينفي الإجبار في كثير من روايات المدونة، وعليه اختصر كثير المختصرين لا يصح تخريجه هنا لوجوه الأول أن الصدقة تفتقر إلى الحوز اتفاقا في المذهب، وقال به جماعة في غير المذهب، والأمة مجتمعة على عدم افتقار الوصية إلى حوز إذا كانت بالثلث فأقل لغير وارث، ولا قصد ضرر، الثاني أن الصدقة قال جماعة من العلماء كثيرون إنها لا تلزم بالقول جملة، ولا أعلم خلافا أن الوصية تلزم بموت الموصي، ولا يشترط القبول إذا كان الموصى له مجهولا لتعذره وعدم تعين الراد للاستحقاق، الثالث أنه قيل في هذا النحو إنما لم يقض عليه لأنه لا وفاء فيه إلا مع النية، ومتى قضي عليه بغير اختياره لم تصح منه نية، فلم يكن هناك وفاء، وفقدان هذه العلة في الوصية واضح، قلت الآتي على طرد هذا الثالث، وقياس التعليل أن لا يقضى لمعين أيضا والمذهب خلافه.
[وضعت امرأة يدها على مال الميت دون إيصاء ولا تقديم]
وسئل في التاريخ أيضا عن رجل توفي عن زوجة وابن منها فوضعت يدها على مال الميت من غير إيصاء ولا تقديم، واتسع عليها الزمان اتساعا يمكنها الرفع للحاكم ولم تفعل، وذلك من نحو خمسة عشر عاما، وأشهدت أثناء المدة في الصحة بمال استسلفته من مال الولد وأشهدت في مرض الموت بمال آخر له عليها من متروك الأب، وأن بعض المتروك تلف بالمدرسة عند دخلة السلطان أبي الحسن تلمسان، وأنها اشترت له من الثياب الصقليات وشبهها ما ليس يسترشد شراؤه له، وهي قضية ابن الشامي، وتوفيت عن ابن وبنت صغيرين، وعن الابن المذكور بعد بلوغه.
فأجاب : أما المثبتة أنه ابن ملوكة فإنه لايثبت بذلك نسبه من الهالك المقر ، وأما المقر لهم على تقرير عدم المقر له قبلهم فإن كانوا لا يجتمعون مع المقر في جد واحد فلا ميراث لهم وإن كانوا يجتمعون معه فيصح إقراره لهم لكن بعد البحث والاستقصاء عن المقربة بسلفات ، فإن لم يثبت نسبه منه وجهلت عينه فحينئذ يكون الميراث للمقر لهم ، ومن أقر منهم لهذا القائم لزمه إقراره على نفسه دون الآخرين ، وليس في المقربه المجهول العين تمويت بالتعمير ، وإنما هو البحث والتنقير على قدر اجتهاد القاضي فإن وجد ريبة وأحس بخبر طول وزاد فيه ، وإن لم يجد ذلك قصر في الأجل ، وقال أيضا في هذه المسألة أما القادم من سلفات فلا ميراث له لا بما ذكر المقر المتوفى ولا بما أثبته بالرسم المذكور وما حكم به المسدد باطل ، والميراث للمقر لهم ثلاثتهم ، ولا شيء للرابع المتعدي في التغلب ، وما استهلك من ذلك واستغله لزمه غرمه ، ولم يثبت له ملك فيعطيه أو بعضه للقائم ، وقد تكررت علي هذه المسالة من قبلكم ومن قبل القادم فأجبت عنها مرارا والله حسيب من كتم أجوبتنا ، والواجب رد ذلك للمقر لهم ، ومن ادعى القريب بدرجة فصاعدا [355/10] بحيث يكون أقرب للمتوفى من غيره فليثبته بواجبه وينظر في ذلك إن شاء الله تعالى .
[إقرار من حضرته الوفاة أن فلانا وارثه]
وسئل عن رجل حضرته الوفاة وقال لرجل اشهد على أن فلانا وصي على مالي يقضي منه ديوني وما بقي فهو وارثي وقريبي ، لكن ينقسم المال بينه وبين فلان بنصفين النصف له والنصف لهم لقوم سماهم بأعيانهم ، فهل يرثه هذا الرجل المقر له مع القوم المسمين معه أم لا ينفذ هذا الإقرار ؟
فأجاب : إذا لم يكن له وارث معروف ثابت النسب ببينة فإقراره للمقر
فيحمده إن سعد وقضى أربه ومطلبه، ويذمه إن نزل به ما يكره فيقول: يا خيبة الدهر، وما في معنى ذلك مما ذكر في الحديث، فقيل لهم لا تسبوا الدهر إلا وقوله في الحديث: "فإن الله هو الدهر" معناه: فإن الله سبحانه هو الفاعل لما تنسبوا للدهر وقوله عليه الصلاة والسلام: "يؤذيني ابن آدم" معناه: يخاطبني بما يخاطب به من يصح في حقه التأذي، لأن التأذي معناه الضرر، ويتعالى سبحانه أن يلحقه ضرر، وأما الدعاء بهذا الاسم فغير سائغ على طريق الجمهور الذاهبين لتأويل الأحاديث وصرفها على ظاهرها ويمنعون كونه
[