تقرأ سورة يس عند الاحتضار, لا عند الغسل والدفن]
وسئل أبو اسحاق الشاطبي عن سورة يس بالجمع عند غسل الميت.
فأجاب إن في تلك القراءة ما في قراءة الحزب, وتزيد بأنها قراءة القرآن في موضع إزالة الأقذار والأوساخ التي ينزه القرآن عنها, ويكفي المؤمن أنه لم يكن من عمل السلف, وإنما جاء في قراءة يس ما جاء عند الاحتضار لا عند الغسل ولا عند الدفن ولا غيرهما.
وسئل أيضا عن تصبيح القبر سبعة أيام بعد الدفن. هل يثبت ما نقل فيه أنه كان معمولا به عند السلف؟ وهل تجوز قراءة القرآن على القبور بالجمع كما يفعله الناس اليوم؟
[328/1] فأجاب إن تصبيح القبر هو يسمى في القديم المأثم. قال الطرطوش فأما المأثم فممنوعة بإجماع العلماء. والمأثم هو الاجتماع في المصيبة, وهي بدعة منكرة, ولم ينقل فيه شيء, وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والرابع والسابع والشهر والسنة, فهو طامة. قال وقد بلغني عن الشيخ أبي عمران الفاسي, وكان من أيمة المسلمين, أن بعض أصحابة حضر صبحة(¬1) فهجره شهرين وبعض الثالث حتى استعان الرجل عليه فقبله وراجعه. قال وأظنه استتابه ألا يعود. وقد حكى عياض الرخصة فيه عن أهل القيروان بعد أن أشار إلى أن ذلك بدعة لم تكن في السلف. وأنت ترى ما حكى عن أبي عمران الفاسي وهو من أكابر أهل القيروان, فالله اعلم بصحة ما نقله عياض. وكذلك ما حكي عن ابن طاوس عن أبيه لا يثبت والله أعلم. واما قراءة القرآن على القبور جميعا هو نحو ما تقدم. والله أعلم. وأما قراءة القرآن على القبور جميعا هو نحو ما تقدم.
وسئل ابن عتاب عمن أقرت بدين وأوصت به لقوم وأوصت أنهم يأخذونه بغير يمين وأوصت أن يضرب على قبرها خباء ويقرأ القرآن على قبرها بأجرة ذكرتها.
فأجاب أما قتل المذكور بما ذكر فلم يقم عندي تمام الدليل الدال على ابتداء القول به بحال الاجمال في لفظ الجد بالنسبة إلى حمله على الجد الأقرب أو مقابله أو تعميمه أو اشتراكه، مع كون القائل ضعيف البصر بحيث يشبه صدقه بجهل عين المقول له، وهو يوجب جهله بمحل الحكم كمحصن تعمد وطء امرأة وقام دليل على أنه إنما وطئها لاعتقاده أنها أمة بينه وبين أخيه فتبين أنها أجنبية حرة. والواجب الذي لا شك فيه أدبه، وقدره بحسب اجتهاد الحاكم مع اعتباره جرأة القائل أو عافيته، والصادر منه فلتة نادرة بحسب حاله. وأما الإعذار إليه في الشهادة الصادرة من الشاهدين فالاعذار فيها من حيث تعيينها الشخص المقول له في زعمها فهو باق لا من حيث ثبوت قوله عريا عن كونه عينته البينة. ويجب أن يؤكد نهي هذا المسمى المدعي الشرف عن سب الناس أشد من نهي غيره والله أعلم انتهى.
[ ينهى الشريف عن سب الناس أكثر مما ينهى غيره ]
وقال سيدي أبو القاسم البرزلي رحمه الله: وقعت هذه المسألة بالقيروان حالة كوني فيها مفتيا، وانتصر بعض من ينتمي للطلب له فقال لا يلزم هذا إلا الأدب، لأنه لا يخلو إما أن يريد الجد الأقرب أو الأطراف، فلا يلزمه ما يلزم هذا. فرددت عليه بأن الجد المنسوب هو إليه المضاف للشريف مقول بالتشكيك، فيحتمل التعميم بالأضافة أو جدا واحدا بالاطلاق، فليس تناوله للجد الاوسط كتناوله للجد الأطراف العالي لأنه مقول بالتشكيك لا لأنه أحد أفراد العموم، فليس تناول العموم لكل واحد من أفراده بالظاهر كتناوله
[377/2]
[378/2]
لأفراده إذا كان قليل الافراد أو متوسطا، فتناوله بالظاهر أقوى. وأما قوله فلا يلزمه إلا الأدب فليس بصحيح لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق. ألا ترى فتيا الامام شيخنا ابن عرفه ينهى الشريف عن سب الناس أكثر مما ينهى غيره.
[ من قال لشريف أبي وجدي خير من أبيك وجدك ]
=الجواب الأول عن المسألة الأولى : أن النكاح الواقع على الصفة المذكورة صحيح ، قال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الباجي في ترجمة ما لا يجوز من النكاح ، محتجا للقول بصحخة النكاح الموقوف ، ما نصه : والدليل على جواز النكاح الموقوف من جهة القياس ، أن كون النكاح موقوفا على إجازة مجيز لا يمنع صحته ، أصل ذلك إذا كان موقوفا على القبول ، فساق رحمه الله موضوع نازلتكم موضوع مساق الاحتجاج ، ولا يحتج بمختلف فيه ، واشتراط كونه طالبا أو فارسا مما يفسد النكاح ، لما فيه من المخاطرة والغرر ، وإذا لزم الزوج أن يترك الطلب والفروسية فالنكاح به نكاح فيه خيار كالنكاح بالجعل .
=والجواب عن الثانية : أن البلد إذا كان معروفا بالكوالئ ، فمن ادعى من الزوجين ما يشبه كالئ مثلها ، كان القول قوله مع يمينه ، وكذلك في قدر الصداق ، وبهذا أفتى أبو صالح أيوب بن صالح ، وقال محمد بن معمر بن لبابة : يقال للمرأة أقيمي البينة أن زوجك أوجب لك ذلك على نفسه كالئا ، فإن لم تقم البينة لم يجب لها شيء إلا يمين الزوج إن كان باقيا يريد ، أو ورثته[355/3]على نففي العلم إن كان فيهم من يظن به العلم ، وإن كانوا غيبا أو صغارا فلا ، وإنما صداق المثل في التفويض أو في النكاح الفاسد ، مثل القيمة في البيع الفاسد إذا فات ، وليس ما سألتم عنه حفظكم الله من ذلك .
وسئل سيدي أبو عبد الله بن مرزوق عن قول ابن رشد إذا قيل لمن استخفى في داره رجل من ظالم يريد قتله إن لم تحلف دخلنا فقتلنا، إن ترك الحلف فلا شيء عليه. قوله هنا مشكل لأن يمينه هذا قادر على حقن دم مسلم، وكل قادر يجب عليه حقنه بيمينه، لأن الله سبحانه أوجب على المكلف حفظ دم أخيه المسلم، واليمين هنا سبب حافظ متعين فلا يجوز ترركه، فكيف يقول الشيخ فلا حرج عليه إن لم يحلف؟ فتأمله.
فأجاب: البحث في هذه المسألة كالبحث الذي تقدم لي في بعض أجوبتي في قول المازري: إن خاف الموت بحضور الجمعة جاز التخلف، وكالبحث الذي تقدم لي أيضا في بعض أجوبتي مع ابن حزم في قوله إن طلب الكفار مال المسلم لم يعطوه وإن خيف الاستئصال، وقد تقدم منه في الفصلين ما فيه كفاية، وتلخيصه هنا أن يقال: إن المستحلف هنا إنما يقدر على استخلاص الرجل بفعل محرم وهي اليمين الكاذبة الغموس، وهي منهي عنها بقوله تعالى ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ وغيرها من الآي والأحاديث الدالة على تحريم اليمين؛ وقول عيسى عليه السلام ألا وإني أنهاكم أن تحالفوا بالله صادقين أو كاذبين.
وإذا أكره الرجل على فعل محرم بالتخويف بقتله وسعه أن يصبر للقتل ولا يفعل المحرم على ما قدمنا من النصوص في الفصلين المذكورين، فالمخوف بقتل غيره أحرى، إلا أن يكون الدرء بفعل محرم عليه واجبا، وأن يسعه تركه لما علم أن المكرة إنما يعذر في الإيمان وغيرها بالتخويف الواضح بما يؤلم في
[378/4]
[379/4]
العلة خاصا ببعض صور المسألة وإن لم يتعين هنا لاحتماله كما تقدم، فيجب التوقف فيها أو ردها بالتأويل إلى الأصول المحققة التي لا إشكال فيها، وبعد ظهور ما في مسألة العتبية من الإجمال والاحتمال والإشكال كيف يسوغ ادعاء أنها نص في مسألة خليج البلد المذكور؟ فإن قلت إن لم تكن نصا فيها تكون أصلا لها تقاس عليها، قلت وهذا أيضا من النمط الأول، أما أولا فإن
[342/5]
مثلنا من المقلدين لا يقيس ولو كانت أقوال الإمام لمقلده كنصوص الشارع للأمة لكن المقلد ارتقى لتلك المنزلة كما أشار إليه القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله في أجوبته وأوضحته إيضاحا جليا في كتابي المسمى "بالمومي إلى طهارة الورق الرومي" وأما ثانيا فلئن سلمنا أن هذه الرتبة لا تتعذر في مقلدي الزمان وما أعز وجودها لكن إنما يقاس على أصل جلي بنص حكم أو راجح في إفادة حكمه، وهذه الرتبة تلزم صاحبها أن لا يثق ب حكم مسألة حتى يبذل جهده في تحقيق موضوعها ووجوب احتمالاتها وما يعارضها من نصوص أو قواعد كما يجب ذلك على المجتهد المطلق، بل المقيد أولى بزيادة البحث فيما ليس بنص أو ظاهر مما يحتاج إلى القياس فيه لقصور درجته على الاطلاع على المدارك، وقد قال أبو عمر بن الحاجب رحمه الله يمتنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص إجماعا، ثم قال وكذلك كل دليل مع معارضه انتهى.
من عاوض بفدان له بعضه مرهون]
وسئل عن رجل عاوض بفدان مع آخر بفدان آخر وكان في فدان أحدهما ثلاثة مراجع مرهونة أخذها بعد المعاوضة ثم مات فوقع فيها النزاع.
فأجاب: المراجع المذكورة داخلة في الفدان المذكور فيه وتحت حكم المعاوضة، إلا أن تكون تلك المراجع الثلاثة معينة بنفسها خارجة من الفدان على حدة منه بحيث لا تشملها حدوده لمصيرها متميزة بتختمها وحدودها على حيالها فحينئذ تكون غير داخلة تحت حكمه موروثة عن صاحبها لورثته.
[من باع بعض أملاك بناته لمصلحة نفسه]
وسئل عن رجل ركبته ديون تستغرق ذمته وتزيد على ذلك بسبب أنه دخل في أمور من المخزن حتى باع أملاكه وبعض أملاك بناته التي صيرت لهن من قبل الغير على عهد لهن وهو يريد أن يبيع ما بقي لهن.
فأجاب: الحكم الشرعي منع الأب من بيع ما هو على ملك بناته مما تصير لهن من قبل الغير وهو لهن في الهبة المذكورة من قبل أمير أو بالتصيير المتقدم من الأب في الثلث الذي كان قد وجب لهن إذا ظهر بالبيان الخوف على ذلك من جهته ويجعل ذلك موقوفا بيد ثقة. وإنما يجوز للأب أن يبيع ملاك ولده الذي تحت حجره إذا باع عليهم لمصلحتهم، ولما هو سداد في حقهم. وأما أن يبيع ذلك لنفسه كما في هذه النازلة، فلا سبيل إليه، لاسيما مع خراب ذمته. وما باع لنفسه من ذلك فمردود قبل منع الحاكم له
[433/6]
من ذلك وبعده باتفاق، إن لم تكن له ذمة يقضي منها الثمن لمن باع ملكه من أولاده لنفسه، وعلى اختلاف إن كانت له ذمة. والحكم فيما باع وفات عينه كالمقر المذكروة -كذا- رجوع الأولاد بثمن ذلك على من اشترى إن تأتى ذلك، وإن تعذر فعلى الأب يكون دينا عليه كسائر ديونه.
[بيع الثمرة قبل بدو صلاحها]
وسئل عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها.
365/7] الذي أوله الحمد لله وحده سيدي رضي الله عنكم, وىخره السلام عليكم ورحمة الله والبركة, لصحة ذلك كله لديه بالواجب, وبعد أن سئل ذلك منه وهو بمجلس نظره, ومقعد قضائه من حيث ذكر, وفي رابع ذي قعدة سنة ستة وتسعين وسبعمائة.
وأجاب عنه بلدينا الفقيه القاضي أبو علي الحسن بن عثمان بن عطية الونشريسي رحمه الله ورضي عنه, بما نصه: الحمد لله تعالى, والجواب والله الموفق للصواب بفضله: أن الذين طلبوا أن يكونوا مع القومة سواء في الحصاص, قد أنصفوا من أنفسهم إذ لم يجعلوا لأنفسهم مزية على غيرهم, وأما القومة الذين أرادوا أن يستكملوا مرتباتهم, ويختص الحصاص بالطلبة, فقد قسموا لأنفسهم فوق واجبهم, وأضافوا الكمال لجانبهم, ولو انعكس المطلبان, لظهر الأمر وبان أن الواجب في الحبس أن يعمل بمقتضى لفظ المحبس ومقصده, وهؤلاء خالفوا لفظ المحبس وخالفوا مقصده, أما مخالفتهم لفظه فظاهر, لأن المحبس لم ينص في تحبيسه عل تفضيل ولا تبدئة, وإذا انتفى التفضيل والتبدئة وتعينت التسوية, تحاصوا جميعا, وأما مخالفتهم لقصد المحبس فظاهر أيضا لأن المدرسة إنما بنيت للطلبة, لأن المدرسة مشتقة من الدرس والدارسون هم الطلبة, وما منهم الاشتقاق يقتضي علما دالا على الحكم, فهم المتبوعون وغيرهم تابع لهم, ولا يصح تقديم التابع على المتبوع, وإذا لم يصح تقديم التابع على المتبوع, فأدنى مراتبهم أن يشاركوا غيرهم في الحصاص, وقد نص أصحاب الأحكام والموثقون, أن القاضي إذا قدم على الحبس تاظرا وجعل له رزقا, فإنه يعذر في ذلك لسكان الحبس, ومعنى الإعذار لهم فيه, أن يقولوا مثلا وجدنا من ينظر لنا بدون ما ننظر به, أو وجدنا من ينظر لنا لوجه الله عز وجل, وإن أوجبه لهم الأعذار في الناظر, وجب لهم في المذن والبواب وغيرهما, بل وفي الفقيه فيقولون وجدنا من يقريء لنا بدون ما تأخذ, أو وجدنا من يقرأ لنا لوجه الله العظيم, وإذا كانوا بهذه المثابة, فهم الأصل ولهم
فأجاب: ليس لهم أن يأخذوا منه إلا ما طابت به نفوسهم لأنه وإن كانت فيه فضلة لا شك فيه فلهم أخذه بالثمن وإن استغنى عنه أربابه. قيل له فإن اشترى رجل أرضا من بعض أهل ذلك النهر ولم يسم للأرض شربا من الماء فأراد أن يأخذ من حظ البائع ما يسقي به تلك الأرض.
فأجاب: إن كان كل واحد من أهل النهر يصرف حصته من الماء حيث شاء فليس لمشتري الأرض شيء من الماء وإن كانوا إنما يسقون الأعلى فالأعلى فلمشتري الأرض أن يسقي به بعد من يليه.
[نهور ماء بين أرض قوم]
وسئل عن قوم لهم أرض يزرعونها فنبت في طرفها أسمار فخرج منه ماء فاستغنى عنه أهل الأرض فسال إلى أهل أرض قوم آخرين فكانوا يسقون منه من نحو ستين سنة ثم احتاج إليه أصحاب الأرض التي أصله فيها وأرادوا صرفه عن أولائك.
فأجاب: إن ثبت أنه ظهر في ملك أولائك فإن كان من حازه يدعيه
[417/8]
[418/8]لنفسه بالملك طول هذه المدة بحضرة من هو في أرضه وعلم بدعواه ولم ينكر فهو لمن حازه وإن لم يعلم بدعواه أو علم ولم يدعه ملكا فهو لرب الأرض قيل هذا نحو ما وقع في كتاب السداد والأنهار في حجرة انهدمت وفيها بئر فبقي الجيران يسقون من بئرها الزمان الطويل ثم قام ربها وأراد بناءها ومنعهم الماء فله ذلك ابن رشد وهذا مما لا خلاف فيه إنما ثبت حجره ثم أبيح بعد ذلك فلصاحبه منعه ووقع مثله في طرق وقعت في رسوم بغير إذن أربابها وطال زمانها ثم أراد أربابها منعها وأن يجعل في وجهها حائطا يمنع المارة مثل طرق قرطاجنة أيام الشتاء وطريق بالجزيرة من تونس المحروسة فإنهم يقومون بذلك ولهم منعها وجعل حظيرة في وجهها ولا تحاز أبدا وإن اختلف ملاكها لأنها بغير إذن أربابها ولا باختيارهم لا سيما إن كانت أرض حبس أو مخزن وقول من جعلها من باب الجيازات خطأ، ومسألة الحجرة دليل ذلك والحيازة على المشهور إنما هي موجبة للملك فيما لا يعلم أصله ووقع في هذا الأصل في كتاب الولاء خلاف فيه.
[
وسئل السيوري عمن له أولاد وله ربيبة من امرأة أخرى، ركن إليها دون الأولاد لقيامها به، فحضرته الوفاة فأشهد أن لزوج ربيبته عنده كذا وكذا دينارا، وأنه أحاله على مديان له وأبرأ الربيبة وزوجها من جميع الدعاوى كلها، فهل للورثة يمين عليها أم لا؟
فأجاب: إذا ثبت ما ذكرته فإقراره وبراءته لمن ذكر لا يصح.
[من حضرته الوفاة فاعترف لزوجته بدين صداقها]
وسئل عمن حضرته الوفاة فاعترف لزوجته بدين صداقها وأن لها عنده من ثمن قش باعه لها، ولا يرثه إلا هذه الزوجة ومن هو منها.
فأجاب: إذا اعترف أنه باع من القش ما يمكن أن يكون مثل ما ذكره، فاعترافه جائز)(¬1).
[من أوصى بثلث نصيبه في دار على مسجد...]
وسئل سيدي موسى العبدوسي عمن أوصى بثلث نصيبه في دار على مسجد ومات ولم يعلم نصيبه ما مبلغه في الدار ولا كم هو منها، وقم عليه أناس بالديون فأثبتوا رسما بأن الدار المذكورة ماله وملكه كلها، ولم تزل على ملكه، إلى أن مات، فهل يقضى بثلث الدار المذكورة للمسجد المذكور أم لا؟
فأجاب: لا يجوز تنفيذ ثلث الدار في الوصية لأن الموصي لم يوص إلا بثلث نصيبه من الدار، وهو لم يعينه، فلا سبيل إلى إعمال هذه الوصية لأن النصيب مجهول والحكم بالمجهول حرام، والله ولي التوفيق سبحانه. وكتب موسى بن محمد بن معطي لطف الله، قلت: في اعتراض بعض المعاصرين على هذا الجواب اعتراض ساقط لا يخفى، فلا نطول به.
[وصية الصغير الذي يعقل القربة]
وسئل القاضي ابن عبدالسلام عن صبي سنه فوق عشر سنين أوصى بثلثه لنفر من الناس، فبعد وفاته قام عصبته على الموصى لهم وقالوا: الصبي
[370/9] لم يعقل القربة ولم يميز بين الحسنات والسيئات فوصيته باطلة، وقال الموصى لهم: بل يعقل ويميز، فعلى من ترى الإثبات؟
فأجاب: يسأل شهود الوثيقة، فإن قالوا نعلم أنه مميز، أو ثبت ذلك بغيرهم صحت الوصية، فإن عجز الموصى لهم عن إثبات ذلك لم تنفذ الوصية، انتهى.
وسئل الشيخ أبو إبراهيم إسحاق ابن ابراهيم عن الرجل يقر في صحته أو عند موته أن فلانا أخوه ثم يموت فلا يعلم إن كان أخاه لأمه أو لأبيه يرثه أو من رضاع هل يستحق بهذا الإقرار ميراثه ؟ وليس ثم وارث غيره أو ثم وارث بعيد القرابة ابن عم أو مولى إلا أنه ثابت النسب وكيف إن شهدت بينة بذلك ولم تبين كيف هو أخوه وكيف إن أقر الميت أن فلانا وارثه ولم يقل هو أخ ولا ابن عم ولا مولى هل يرث بهذا الإقرار شيئا ؟ وهل يعطى المقر له أنه أخ الميراث أم يقضي له باقل المنازل ؟ أفتنا يرحمك الله .
فأجاب : الذي ذهب إليه مالك رحمه الله وأصحابه أنه لايورث أحد بالشك إلا بقطع الشهداء بأن لا وارث للمتوفى غيرالمشهود له بوراثته ، وهذان الفصلان من كلامه يأتيان على جميع ماسألت عنه في هذه المسألة ، وكان [353/10] عبد الملك يرى الشهادة بالوراثة لاتتم إلا على القطع ، فأما الشهادة في الإخوة أو الأعمام أو ابني العم أو العصبة فإذا لم تقطع البينة بقعددهم حيثما امتد نسبهم وبأنهم إخوة للأب أو أعمام للأب أو عصبة للأب فشهادتهم غير تامة لا يجب بها ميراث حتى يقطع أنه أخ لأب أو ابن عم لأب أو عصبة لأب ، وإلا فلا ميراث لواحد منهم ، وإقرار المتوفى لمن يقر انه وارثه مسجلا ساقط إلا أن يكون عالما بالفرض مبرزا مرضيا فإقرار مثل هذا ماض لمن أقر له . وسبيل أهل الذمة فيما وجب لبيت مال المسلمين من مواريثهم كسبيل ماوصفنا من المسلمين لأنه حكم بين المسلمين والمشركين ، وبالله تعالى التوفيق .
[الجهل بالقعدد مانع من الميراث]
348/11] الدهر بالزمان كافر، فقد بلغ المنكر في الإنكار حتى وقع فيما تحتاج فيه إلى الاعتذار. وحاصل ما حوم عليه على ما في كلامه من الخطل وما تضمنه من الخلل، أن الدهر لا يكون من الأسماء ولا من الصفات، ولا يكون من صفات الذات، وإنما هو من صفات الأفعال، فهو مخلوق من المخلوقات، فلا يصح أن ينسب له أثر من الآثار، وإنما هو من أثر الاقتدار فمن نسب للدهر فعلا من الأفعال على الحقيقة فهو كافر على كل حال، ومن نسب له من غير اعتقاد فقد أتى ما نهي عنه الشرع، فليستغفر، ولا يرتكب العناد، فإن كان هذا مراده فهو صواب، وإن قصر عنه الخطاب غير ما طال به لسانه، وخطه ببنانه، من نصبة المسلمين إلى ما نسبهم إليه، وسب الدهر على ما حقق لديه، يجب أن يضيق عليه بالإلجام، لا سيما إن كان يظهر هذا للعوام، وإن استرشد واهتدى لطلب سند الحديث ومتنه عند أهل الاقتدار قلنا في بيان ذلك، المراد الحديث عند المحدثين، صحيح الإسناد ومتنه، له محامل عند المحققين الذين يجب لهم الانقياد أما الإسناد فلا خفاء به على ما كتب الصحيح، وأما المتن فروي من وجوه بعضها مرجوح، وبعضها راجح. في بعض الطرق: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" وفي بعضها يقول الله: "يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار" وفي بعضها: "وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار". فقوله سبحانه: أنا الدهر يروى بالرفع على الخبرية، أي أنا الفاعل لا الدهر، ويروى بالنصب على الظرفية، والعامل هو أقلب. ويحتمل أن يكون النصب على الاختصاص، والظرفية أرجح، فلا يكون عليه حجة لمن جعله اسما من أسماء الله تعالى ويظن من لا تحقيق لديه أنه اسم وهو عند حذاق المتكلمين جهل وذريعة لقول المعطلة وإنما المعنى إن الله سبحانه فاعل لما ينسبه الدهرية للدهر، كما في التنزيل حكاية عنهم: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾. والمعنى على الوجه الثاني: أقلب الليل والنهار طول الدهر.