فأجاب قال ابن يونس عن ابن حبيب: وأرواح المؤمنين خاصة تطلع قبورها ومواضع أجسادها, وقد صارت الأجساد رميما ذاهبة وراجعة, ثم تأوي إلى جنة المأوى تكرمة من الله تعالى لها. ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسليم على القبور وزيارتها انتهى. وهذا عام في الأطفال وغيرهم والله أعلم. وقد جاء ما يدل على أنهم مجتمعون مع آبائهم في الجنة من طريق أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله بفضل رحمته إياهم الجنة. قال يقال لهم ادخلوا الجنة, فيقولون حتى يدخل آباؤنا فيقال ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم. ففي هذا دليل أنهم يجتمعون مع آبائهم في المحشر وفي الجنة.
وسئل المواق عن السابع الذي يعمل للميت ويحضره القراء وغيرهم من الرجال ويحضره النساء ويجلسن قريبا من الرجال, فهل يمنعن من الحضور مع
[327/1] الرجال؟ أم يؤمرن أن يجلسن بعيدا من الرجال؟ بينوا لنا ذلك مثابين مأجورين.
فأجاب كا سيدي أبو القاسم ابن سراج رحمه الله يقول: بدعة الضلالة أن يحكم على حكم من أحكام الشريعة بغير حكمه, فلا فرق بين من يقول عن المباح مستحب أو واجب, أو يقول عنه مكروه أو حرام. والفلاح كله منوط بالوقوف عند حدود الله, ومن يتعد حدود الله فكما قال سبحانه. والصفة المذكورة مباحة بدليل أن رسول الله صلى اله عليه وسلمأمر العواتق والحيض وذوات الخدور يخرجن في الفطر والأضحى في صحيح مسلم. فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. وقصارى مدرك المفتي في مسألة السابع ان يقول هو مباح, ومن تركه وفعل خيرا منه فهو سابق بالخيرات, وإن تركه ولم يفعل خيرا منه فهو ظالم لنفسه.
وسئل ابن لبابة عن الذي يموت وهو معروف بالفسق والشر أأصلي عليه وأحضر جنازته؟
فأجاب لا, دعه لغيرك إلا أن يلزمك ذمام الصلاة, وإنما يرغب في شهود جناوة الصالحين.
[
وسئل أيضا عن رجلين أحدهما شريف بعقد في يده، فوقعت بينهما مشاجرة، فقال غير الشريف منهما للشريف لعن الله الشرف الذي تنتسب إليه وشهد عليه بذلك.
فأجاب يصفد في الحديد ويضيق عليه. فإن ثبت قوله بما يجب الثبوت به ضرب عنقه إن لم يكن فيه مدفع، وإن لم يثبت ذلك عليه ضرب بالسوط ضربا وجيعا، وكان قدره ومبلغه على قدر ما يعرف من سفهه وقلة دينه وجرأته.
[ من لعن شريف جده فلعن جد الشريف ]
وسئل ابن عرفه من شريف تشاجر مع رجل اسمه عبد الرحمن، فدعاه عبد الرحمن للحاكم، فقال له الشريف لعن الله جدك إن رجعت، فقال له عبد الرحمن جدك. فهل يجب على عبد الرحمن الأدب أو القتل؟ فإن كان يجب
[376/2]
[377/2]
الأدب فأسقط الشريف حقه، فهل يسقط الأدب أو لا بد منه؟ فإذا وجب الأدب فهل يكون سجن الرجل مكبلا أياما بالحديد كافيا في أدبه أم لا؟ وسئل الرجل المذكور عن مقالته التي نسبت إليه على معنى الإعذار إليه فوافق على أنها صدرت منه وادى أنه لا يعرف الشريف المذكور ولا ميزه من غيره هل هو الذي وقعت منه المكالمة أم لا؟ فهل يسقط هذا اعذاره فيمن شهد عليه بذلك أم لا؟ وكيف إن كان الرجل المذكور ضعيف البصر جدا فهل يعذر بذلك أم لا؟
ومنها : هل يسوغ للإنسان أن يفضل نفسه في الأكل والشرب على والديه ، أو ولده ، أو زوجته مع عدم التقتير عليهم في حقهم بما يشبه أكل مثلهم ، أم لا يسوغ له ذلك ؟ أو يسوغ في بعضهم ولا يسوغ في البعض ؟
ومنها : إذا أعطى الرجل للمرأة ما تفتدي به من زوجها ، أو أعطاه هو من يده لزوجها بأمرها على أن يتزوجها ، أو كان ينفق عليها في العدة ، أو في غير العدة على ذلك ، ثم لم يكن بينهما نكاح ، إما منها أو منه ، أو انعقد النكاح بينهما ، ولم يبق إلا توكيل الولي ، وإعطاء الزوج للشهود ، ويشيع لها ما جرت[354/3]العادة بتشييعة في ليلة العقد ، ثم طال الأمر ولم يقع إشهاد على الولي ، ثم إنها بدا لها في ذلك ، هل يلزمها في هذه الوجوه شيء مما خسر الزوج أم لا ؟ وهل يرد الشهود الأجر ؛ لأن النكاح لم يتم ، أم لا ؟ وهل يسوغ للشاهد أن يطلب إجارة أخرى إذا أرادوا تكميله أم لا ؟
فهذا ست وعشرون مسألة ، المراد من الله ثم منكم الجواب عليها ، ولكم الأجر ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
فأجبت عن جميعها بما نصه : الحمد لله حمدا يتجدد ويتوالى ، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد صلاة نجد بركتها في الآخرة والأولى ، وبعد : فإنك أيها الأخ العظيم مقداره ، الشريفة مآثره وآثاره ، سألتني الجواب عن أسئلة صعبة المرام ، متعلقة بالحلال والحرام ، لا يهتدي لحل مقفلها إلا الجهابذة العلماء الأعلام ، والفضلاء الأماجد الكرام ، فأقول مستعينا بالله ومتوكلا عليه ، ومتبرئا من الحول والقوة إليه :
وتأول عيسى إرادة ابن القاسم فهو في غاية الإشكال، وإلزام ابن رشد له على ذلك طلقة ثانية في العدة، وإنما مراده طلقة ثانية بسبب التعليق، وتلزمه الثلاث بطلقة الصلح. ولا إشكال في أن هذا مراده، وإنما الإشكال في وجه إلزامه ابن القاسم الطلقة الثانية على معنى التعليق، ووجهه والله أعلم أنه لما جعل الثلاث المعلقة على طلقة الصلح لازمه بطلاق سببها وهو طلقة الصلح، فكأنها غير ناشئة عنها، إذ لو كانت ناشئة عنها مع التقدم للزم الدور كما قالت الشافعية، وما ثبت للثلاث من حيث التعليق من كونها تلزم مع بطلان طلقة الصلح يثبت للواحدة من تلك الحيثية ضرورة اشتراكهما في ذلك المعنى، وإنما يفترقان في البينونة، والواحدة لا تبين العصمة، فإذا وقعت طلقة الصلح بعد الطلقة الواحدة على تفسير عيسى لزم أن تقع بعدها طلقة أخرى حسبما اقتضاه التعليق، إذ الطلقة المتقدمة إن كانت ناشئة عن طلقة الصلح لما وجدت مساويتها في الحيثية، وهي الثلاث، بدون طلقة الصلح، فوجب أن يثبت للواحدة ما ثبت لما يليها وهي الثلاث. فلو تأولت الرواية على نحو ما تأول القاضي إسماعيل مسألة كتاب العتق لكان صوابا، لأن الإرادة واقعة على الصلح الواقع سواء كان واقعا في العصمة أم لا، ولا يبقى في المسألة إشكال بوجه، لأن الطلاق حينئذ معلق على الإرادة وهي سابقة على الصلح، والمعلق عليها واقع معها، فيلزم سبقية الطلاق على الصلح والله أعلم.
[377/4]
[378/4]
[من حلف لزوجته بطلاقها إن كان رذلا]
وسئل بعض الشيوخ عن رجل حلف لزوجته بطلاقها إن كان رذلا.
فأجاب: إن كان يأكل في حانوت الرواسين والهراسين فقد حنث، وإن كان إنما يشتري منهم ويسوق إلى داره وإلى حانوته ويأكل فلا حنث.
[من استخفى في داره رجل من ظالم يريد قتله، هل يحلف ليستر عليه؟]
التقادير؟ قلت يمنع ذلك اختلاف الأحكام، فقد تقدم ما حكى ابن رشد في المسألة من الخلاف في تحويل مجرى أجراه الله عز وجل في أرض رجل وعدم الخلاف فيما
[341/5]
بناه الآدمي وقضوا بمجرى ماء المطر على الجاري دون إجراء ماء مرحاض أو غيره وعلى أهل أرض سفلى بناء أهل العلي فوقهم في أرضهم فكثر ما ينصب عليهم من ماء المطر بسبب البنيان بأن لا يمنعوا، وفرق ابن رشد، في هذه المسألة أعني مسألة العتبية بين جري السيل بنفسه وإجراء صاحب الخليج له كما أشار إليه بتشبيه ما أصابت الدابة بسبب السائق ولأنه إذا تهدم الحائط بماء استحق صاحب الخليج إجراءه فيه بسبقية أو قدم لم يضمن وهو أول المسألة كما تضمنته كبرى القياس، وتقدم دليلها الجزئي، ويأتي الكلي إن شاء الله تعالى، وأما إشكالها فمن حيث إن في نص الحكم الذي أفتي به الإمام رحمه الله ورضي عنه إيماء إلى أن علة الضمان عنده عدم تمكين صاحب الحائط من السقي بماء الخليج ويلزم بمقتضى مفهوم العلة واعتبار عكسها أن صاحب الخليج لو مكنه من السقي بمائة لم يضمن ما أفسد عليه، ولا خفاء بما في اعتبار هذه العلة وحكمها من الإشكال أما ما فيها فلأنها عدم، وقد علمت أن التعليل بالعدم لا يصح في المطلق باتفاق، وفي المضاف على رأي الأكثر، سلمنا صحته هنا على رأي الأقل لكونه مضافا، لكنها علة لا تظهر كما لو تمكن من السقي بإذن أو غيره ثم زاد صاحب الخليج فيما ساق إليه ما تهدم بسببه فإنه يضمن مع التمكن المذكور، لا يقال ضمن بتعديه في الزائد لأنا نقول إذا علل الضمان بالتعدي وجب أن يعلل نفي الضمان بالإذن في الإجراء لا بالتمكن من السقي لوجوب تقابل علني المتقابلين ولا تنعكس أيضا لانتفاء الضمان مع انتفاء التمكين بسبقية صاحب الخليج أو قدمه والأذن في الإجراء بلا نفع في الماء ونحو ذلك، سلمنا أن النقص لا يؤثر في صحة العلة ولا عدم العكس لجواز تعدد العلة الشرعية، لكن يجب أن يكون حكم هذه
فقال يحيى: لا يهجم عليهن، ولكن يأمرهن يلبسن ثيابهن ويستترن ثم يخرجن ويقول لهن: قد عملتن نهي وكراهة العلماء لما فعلتن، ثم يؤدبهن على قدر ما يرى.
قال يحيى: وكذلك الميت إذا نحن عليه أو يبكين الصراخ العالي وينهاهن برفق ولين أول مرة، فإن عدن أدبهن على قدر ما يرى.
[لا يجوز بيع اللحم مخلوطا مع الدوارة والشحم]
مسألة أخرى. كتب إلى عبد الله بن أحمد بن طالب بعض قضاته يقول وقد نهيت الجزارين أن يخلطوا الفؤاد مع اللحم. فما يقول القاضي في البطون مثل المصران والكرش وشحم البطون والدوارة. هل ترى أن أمنعهم من خلطه؟ فكتب ابن طالب بخط يده: أما اللحم فلا أرى أن يبيعوا معه فؤادا ولا بطنا ولا يسعر عليهم.
قيل ليحيى: هل يعجبك هذا من قوله؟ وهل تقول به؟ فقال: نعم لأن سعر اللحم على حدة، والبطون على حدة. لأن اللحم يباع رطلين بدرهم والبطون ستة أرطال بدرهم، فلذلك لا يجوز أن يخلط اللحم بالبطون انتهى.
[الحكم في دارين مشتركتين بين أخوين إحداهما أجود من الأخرى وتنازعا]
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب عن أخوين كان بينهما داران، إحداهما أجود من الأخرى. وكان أحدهما منذ أعوام قد أخذ غرفة من الدار الجيدة وصيرها برجا للحمام وبنى بابها وفتح لها بابا للدار الثانية. وكانت الدار الجيدة تكرى غالبا، ثم اجتمعا وسكناها أقل من سنة، ثم انفصلا على أن خرج كل واحد من الأخوين بدار. فلما رجع كل واحد لما انفرد به، تنازعا
[432/6]
في الغرفة. وقال الذي خرج بالدار الدنية ما رضيت إلا على أن تبقى لي الغرفة كما هي. وقال الآخر: الغرفة من داري وسفلها لداري.
فأجاب: إذا كان انفصال الأخوين على أن خرج كل منهما بدار وكانت الغرفة حينئذ في وقت انفصالهما على ذلك شارعة الباب إلى الدنية مسدودة الباب الذي إلى جهة الدار الجيدة وسكنا الغرفة فهي للدار الدنية ولا مقال فيها لصاحب الدار الجيدة، لأنها على هذا الوجه من حقوق الدار الدنية.
[
364/7] الحمد لله. أكرمكم الله تعالى إنما يتبع في الأحباس قول المحبس ولا يتعدى ولا يخالف, وهو قد سمى لكل نوع ما ياخذ, فصاروا شركائه, وصار خلاف قول المحبس, وقول المحبس لا يتعدى ولا يتجاوز, وحجة الطلبة أقوى, من حجتهم أن يقولوا لولا نحن ما بنيت المدرسة, ولا جيء بكم إلا من أجلنا, اللهم لو سمى لبعضهم ولم يسم للآخرين, فمن سمي لهم مقدم على من لم يسم له, قاله مالك فيمن حبس حائطا أو غيره مما له غلة على أقوام, وسم لبعضهم ما يعطى في كل عام, ولم يسم للآخرين شيئا, قال الذين سمى لهم أولى من الآخرين إذا انتقصت الغلة, إلا أن يعمل فيه عامل فيكون أولى بحقهفي ذلك, وهذا العامل مثل الرباع في الثمار, وكذلك الذي يتولى تقديمه والقيام عليه, وكذلك ما لابد للمدرسة منه ممن يتولى فتحها وغلقها وكنسها ووقيدها مقدم, إذ لولا هؤلاء لخربت, لكن إجازة المثل إن لم يوجد من يتولاه بدون ذلك أو باطلا, وبالله التوفيق, وكتب محمد بن عبد المومن لطف الله تعالى به.
وتقيد أسفل هذا الجواب بعد الحمد لله بالموافقة عليه ما نصه: ما قاله الفقيه أبو عبد الله صحيح- إن شاء الله- حسبما دلت عليه الروايات, وكتب إبراهيم بن محمد بن إبراهيم اليزناسي, لطف الله به, شاكرا حامدا والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وتقيد بعقب هذه الموافقة, ما نصه: أشهد قاضي الجماعة بالحضرة العلوية المولوية- وهو عبد الرحيم بن إبراهيم اليزناسني أبقى الله تعالى بركاته وحرسها- بصحة رسم التصحيح المرسوم فوقه يليه, الذي أوله بعد الحمد لله ما قاله الفقيه, وآخره شاكرا حامدا, والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته, وبصحة الجواب المنتسخ فوق رسم التصحيح المشار إليه, وهو الذي أوله أكرمكم الله تعالى, وآخره وكتب محمد بن المومن لطف الله تعالى به وأبقى مدده, وانه ارتضاه حفظه الله عن السؤال المنتسخ أولا أعلاه,
[
فأجاب: وهذا بحال ما ذكرت إن رأى الإمام أو عدول المسلمين إن لم يكن أمام بيع ذلك أوقات فعل ذلك ويصرف ثمنه في منافع المسلمين وإن رأي بيعه من أصله فعل وإن لم يكن من يقوم بها فليتحر كل من أجرى منه شيئا فيتصدق بقيمته أو يدخله في منافع المسلمين.
وسئل عن قوم أخرجهم السلطان من موضعهم واصطفى رباعهم ولهم حقوق في أنهار لهم فيها أشراك لم يحل بينهم وبين ما لهم من تلك الأنهار وهي مشاعة بينهم يقتسمونها على أجزاء معلومة ليس لأحد منهم يوم لا يعدوه هل لمن بعدهم أن يمنع من حظه أن يأخذ ولا يكون للممنوعين عليه تبعة.
فأجاب: ليس له ذلك وإن أخذ قدر حقه فليقسمه مع الممنوعين على قدر شركتهم في النهر وينظر له فيهم إن غابوا.
وسئل عن نهر بين قوم يقتسمونه يوم الجمعة لقوم ويوم السبت لآخرين ولكل قوم يوم من الجمعة معلوم فدفع بعض أهل النهر عن حظوظهم وأمكن الذين لم يمنعوا من أخذ حقوقهم من يوم غير يومهم هل يجوز ذلك لهم؟
فأجاب: بأن قال لا إن لم يجد أخذ يومه بعينه لم يحل أخذه سواه. قيل
[416/8]
[417/8]جعل الأيام كأنها أعيان مغصوبة والصواب أن الماء مشاع لكنه يجري على قسمة الغاصب كمسألة أخذ الزكاة ممن وجبت عليه وآخذوها أهل جور وفيها خلاف. وكذا لو غصب عينا وقسمها مثل حيوان أعطى لبعض المالكين قسمة نصيبه وحبس نصيب بعضهم والمشهور في هذا أن قسمته لغو واختلف فيما يؤخذ به من القولين في الزكاة، وفي المدونة مسألة الخوارج وفيها تأويل.
[نهر تنفجر عيونه شتاء وتقل صيفا]
وسئل عن قوم لهم نهر تتفجر عيونه في الشتاء وتقل في الصيف، وربما غارت فيه وعادة أصحابه أن لكل واحد شربا معلوما وبجوارهم أرض لقوم أرادوا أن يدخلوا معهم في ذلك الماء ويأخذون منه حقا يسقون به أرضهم وأبى ذلك عليهم أصحاب النهر وقالوا ما نعطيكم إلا ما فضل عنا ومنعوهم ذلك رأسا؟
قلت: مسألة اللؤلؤي والنوادر من نمط واحد ولم يقصد الموصي في كل منهما الضرر وإنما قصد القربة في اعتقاده، ولا كذلك مسألة ميمونة، فالظاهر قول ابن القاسم فيها والله أعلم. ثم ما عزاه الشيخ لابن القاسم من مراعاة الضرر في الثلث لابن عطية عنه خلافه ونصه: ووجوه المضارة كثيرة لا تنحصر، وكلها ممنوعة، يقر بحق، وليس عليه، ويوصي بأكثر من ثلثه، أو لوارثه، أو بالثلث فرارا عن وارث محتاج، وغير ذلك، ومشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله مضارة ما دام في الثلث فإن ضار الورثة في الثلث مضى ذلك، وفي المذهب قول أن المضار ترد، وإن كانت في الثلث إذا علمت بإقرار أو قرينة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم﴾ الآية انتهى.
فأنت ترى ما نسبه لابن القاسم خلاف مشهور مذهبه، ومذهبه أيضا في ذات الزوج أنها لا تمنع من التبرع في الثلث ولو قصدت الضرر، وهو قول أصبغ في واضحة ابن حبيب خلاف قول مطرف وابن الماجشون وأشهب عن مالك واختيار ابن حبيب.
[من أوصت بوصية فأراد زوجها ردها]
وسئل سيدي قاسم العقباني عمن أوصت زوجته بوصية فأراد زوجها ردها واعتل بأنها كانت تكرهه.
فأجاب: قول الزوج كانت زوجتي تكرهني فلا وصية لها لأنها قصدت بوصيتها الضرر كلام ساقط لا تتعطل الوصية به، والله الموفق بفضله.
[من له زوجتان إحداهما محبوبة...]
وسئل عمن له زوجتان إحداهما محبوبة، والأخرى بغيضة ويبغضها ببغض أولادها فأوصى لولد ولد المحبوبة منه هل تصح هذه الوصية أم لا؟
[369/9] فأجاب: الوصية ماضية والله الموفق بفضله.
[من له أولاد وله ربيبة من امرأة أخرى]
وسئل الفقيه أبو الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي عن رجل كانت له زوجتان فمال إلى إحداهما وبنيها ، ونفى الأخرى وبنيها فأشهد أن نصف هذه الدار للزوجة المنقطع إليها وأن هذه الماشية لها ، وهذا الموضع لبنيه منها أو لصغيرهم ، وأن لها عليه دينا ، أو قال أكلت لها متاعا وفيه أعطيتها ما أعطيتها ولم يعلم ذلك إلا بقوله ، فجاءت المنفية وبنوها بعد موت الزوج يطلبون الواجب لهم في ذلك ونفقتهم .
فأجاب بما نصه : الواجب أن إقرار الزوج المذكور للزوجة المتهم إليها والتأليج لها بالدين وتصيير نصف الدار المذكورة لها عندي باطل حتى يعلم [352/10] أصل الدين بالبينة أو يقوم لذلك دليل انها كانت تقتضيه منه أو تطلبه به طلب الاقتضاء الشديد المؤدي إلى المخاصمة فيه والمحاكمة فيصح الدين ويبقى النظر في صحة التصيير وفساده ، فإن رفع يده عن الجزء الذي صير وحازته عنه عقب التصيير صح ، وإن لم تقبضه عنه حتى طال الزمان أو مات بطل على قول أبي عمران وغيره ، وصح على قول يحيى بن عمر وسخنون وأبي بكر بن عبد الرحمان وغيرهم ، فيترجح عندي الحكم في هذه النازلة بقول أبي عمران ومن قال بقوله في هذه النازلة خاصة لما ثبت من ميله إليها ويحمل على أنهما لم يعقداه من أول عقدهما لاعلى أن الجزء المصير لايقبض إلا بعد موت أو فراق فلا يجوز بإجماع العلماء ، وأما الزوجة ا المنفية فإن لها الرجوع في تركة الزوج بنفقتها وبما أنفقته على أولادها الصغار من مالها أو ما تسلفت أو احتالت حتى بلغوا مبلغ الكسب وما تصدق به من أرض على كبير فلم يقبضه على المتصدق حتى مات بطل ، وما تصدق به على صغار بنيه فهو ماض لهم إن مات الأب قبل رشدهم لأنه الحائز لهم وإن لم يقبضوه في حياته بعد رشدهم حتى مات الأب بطلت ، وكتب لكم بذلك وليكم في الله تعالى راشد بن أبي راشد الوليدي لطف الله به .
[الرجل يقر فى صحته أو عند موته أن فلانا أخوه ثم يموت]
هكذا كان يجب على صاحب القصيدة أن يفهم المراد، ولا يشتغل في العناد، حتى بدرت منه البادرة الشنعاء، إن صح ما نقل عنه في قوله: إنه يسب الدهر، فإن ثبتت التسمية فالمقالة كفر، وإلا فهي زلة لما فيها من مناقضة الرسول صلى الله عليه وسلم وما زعم أن مبني قصيدته على إبطال ما احتج به الدهرية، على تقرير ثبوت الإسمية ومستنده إبطالها على مذهب من أبطلها من الأيمة. يقال له: إن فهمت أن الحجة على الدهرية على ثبوت التأويل، فما هو جوابك له إن قال لك الأصل عدم التأويل؟ فإن الدليل بلا دليل لجواب، إلا ما دل عليه المعقول، أو أرشد إليه المنقول: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ أرانا الله الحق حقا ورزقنا اتباعه، وجنبنا طرق الباطل وأشياعه. وكتب عبد الله المشفق من ذنبه، أحمد بن محمد بن زكري.
وقال أيضا في جواب آخر في النازلة نفسها ما نصه: الحمد لله ما اعتقده الرجل في الدهر الوارد في الحديث الصحيح، أنه ليس باسم لله صحيح، وما صرح به من سب الدهر ولم ينزع، فهو لذلك مناقض للشرع. وما حكم به من ضلال من اعتقد أنه اسم ضلال، فإن شبهة القائل بالاسمية ظاهر الحديث، فيتخيل أنها من الشبهة القوية، وإنكاره كون الدهر صفة إن عناها نفسية أو معنوية فظاهر، وإن عناها فعلية فمنكرها على تقدير تفسير
[