[أين تكون الأرواح بعد الموت]
وسئل ابن برجان عن أرواح المؤمنين أين تكون بعد الموت وقبل يوم القيامة؟ فإن قلتم أنها في جنة المأوى كما قاله بعض العلماء, فهل أرواح
[325/1] عصاة المسلمين معهم أم لا؟ فإن قلتم أنها معهم فكيف يعاقبون بعد ذلك؟ وإن قلتم مع أرواح الكفار فأين فائدة الإيمان؟
فأجاب الحمد لله. ذكر ابن حبيب عن علمائنا أن المؤمن إذا دخل قبره تذهب روحه إلى عليين, وبها تجتمع أرواح المؤمنين, وهي على صورة طير بيض إلى يوم القيامة بالغداة والعشي, ثم تأوي إلى جنة المأوى في ظل إلى قناديل من نور معلقة بالعرش. وإنما سميت جنة المأوى لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها. وأما أرواح الكفار والفساق فيذهب بها بعد فتنتها وعذابها إلى سجين, وهي صخرة عظيمة سوداء على شفير جهنم فيها تجتمع أرواح الأشقياء والفجار والكفار في أجواف طير سود تعرض على النار بالغداة والعشي إلى يوم القيامة. والأشقياء المذكورون مع الكفار هم الذين لا يعرفون جواب الحق عن سؤال الملكين في القبر. والله أعلم بذلك, وهو المسؤول ان يعيننا على الحق في المحيا والممات, إنه مجيب الدعوات.
وأجاب الفقيه أبو العباس أحمد بن عيسى البجائي فقال: أرواح العباد ومأواها على أربعة أقسام, أما أرواح السعداء غير الشهداء ففي عليين وهو موضع في الجنة, وأما أرواح من أراد الله انفاذ الوعيد فيه من العصاة ففي سجين مع أرواح الكفار. قال بعض الأشياخ وفي إلحاق العاصي بالكافر اشكال والله تعالى أعلم.
[مرض الصغار وموتهم ودخولهم الجنة]
وسئل الشيخ أبو عبد الله المسفر عما يصيب أولاد المؤمنين الصغار من شدة المرض ولزوم البكاء, لمن يكون ثوابه؟ هل للولد أو لأبويه؟ وهل يسأل الصغير في قبره كالكبير أم لا؟ وهل يدخلون الجنة ضغارا كما ماتوا أم كبارا؟
ونزلت أخرى في مجلس القاضي المذكور حضر فيه شرفاء لخصومة في حقوق بينهم، فدار بينهم الكلام حتى قال أحدهم لم يتنبأ نبي في بلده، فقيد عليه المقال أبو زكرياء بن منصور وأديت عند القاضي المذكور، فقال له القاضي النبي صلى الله عليه وسلم تنبأ في مكة، وكانت من الرجل جهلا، وربما جرت على ألسنة بعض العامة جهلا منهم، وربما قصدوا بهذه اللفظة على
[374/2]
[375/2]
إنه لم يظهر حتى يخرج من بلده، فوقع الانفصال من الفقهاء على أنها ترجع لباب جحد النبوءة على أنه قالها جهلا عن قصد فاستتابه فتاب وتجاوز عنه.
ونزلت أخرى بالقيروان في حدود عام سبعين وسبعمائة في رجل نسب رجلا إلى خيانة، فقال: على أبوي الذي قال هذا لعنة الله من الخالق والمخلوق. فأخذ وضيق عليه بالغرفة، وزكي عليه رجلان فأنكر وأعذر إليه في الشهود ومن زكاهم فلم يأت بمدفع، وانتهت قضيته إلى الإمام ابن عرفة والمفتي حينئذ الغبريني، ففارضه في المسألة فقال إن الذي في الشفاء فيها قولين في القتل، فأفتي بعد النظر في حال شهود الوقت وقضاة الكور بمائة سوط أو بمائتي سوط وسجن ثمانية أشهر أو أربعة. وأفتي ابن عرفة بضرب مائة سوط وتسريحه. فأخذ قاضي الجماعة ابن خلف الله حينئذ بهذه الفتوى واعتمد على ظاهر كلام ابن رشد في فتوى له.
وسئل سيدي عيسي الغبريني عن رجل ثبن عليه انه تشاجر مع شريف فقال له الرجل أصلك أصل دنيء فنعوذ بالله منت مقالته. وثبت عليه بثلاثة من المقبولين، وذلك بالقيروان، فبعثوا فيها من القيروان وصاحب القضية غائب عنها.
ومنها : إذا عدت الماشية على زرع فأكلته ، أو أفسدته ، وكان معها راع ، أو لم يكن ، وكان ذلك في ليل أو نهار ، والأرض أرض مزارع ومساريح ، كيف الحكم في ذلك ؟
ومنها : إذا قال الموثق في عقد الضمان : ضمن فلان لفلان أداء كذا وكذا[352/3]عن فلان في جميع أحواله . هل للمضمون له أن يطالب من يشاء منهما ، أو لا يطالب الغريم في حضور الضامن ؟ وكيف إن اجتمع رهن مفوض في بيعه وضامن ، هل رب الحق مخير يطلب الضامن أو يبيع الرهن أو يتعين عليه أحدهما ؟
ومنها إذا مات الوالد بعد دخول ابنته البكر ، وقبل بلوغها السبع سنين ، هل يحكم لها بحكم اليتيمة أو بحكم ذات الأب ؟
ومنها : إذا سكت أحد الورثة عن حقه ، وبقي الآخر يستغل ويكري ويسكن ، ثم يقوم يطلب حقه في الغلة والأصل ، أو مات وقام ورثته ، أو قام على ورثته الحائز ، هل يعد سكوته هبة لما استغل أم لا ؟
ومنها : إذا كان الرجل ينفق على ولده أو ولد أخيه ، أو أجنبي إلى أن يبلغ ويصير يأخذ بيده في جميع أموره كلها ، وربما يسافر بمال المنفق ثم يطالب المنفق ويقول له : المال بيننا نصفين ؛ لأنه بسبب قيامي نما . هل له شيء أم لا ؟ وإذا قلتم بإعمال قوله هل للمنفق أن يحاسبه بجميع النفقة ، أو لا يحاسبه إلا من يوم بلغ ، ومن أي وقت تقدر خدمته ؟
ومنها : إذا زوج الوالد أحد الأولاد في صحته ودفع عنه الصداق ، ثم يمرض فيقوم يعين لمن لم يزوجه شيئا ، ويقول لهم : هذا في مقابلة ما زوجت به فلانا . هل هذا الفعل ينفذ على الأولاد أم لا ؟ وإذا قلتم بإعماله ونفوذه إذا طلب ذلك الأولاد بعد وفاة الأب ، هل يكون لهم ذلك أم لا ؟
ومنها : من ادعي عليه بشيء ، وأنكر ذلك من حيث وجبت عليه اليمين ، وأراد أن يصالح عليها بشيء إلى أجل ، هل يراعي في ذلك دعوى المدعي ، أو يجوز ذلك مطلقا ؟
كالزوال لوجوب الظهر، وهلال رمضان لوجوب صومه؛ وقسم جعله إلى خيرة المكلف إن شاء أوقعه بلا سبب أو بسبب، كدخول دار مثلا، وذلك مثل الطلاق والعتاق، وحيث جعل له التصرف في الأسباب اختلف هل جعل له مع ذلك التصرف في تقديم حكم السبب على المسبب؟ فمنهم من أمضى ومنهم من ألغى القبلية وأبطلها، واحتج بأن ما يتركب على اللفظ لا يتقدم عليه، إذ فيه مخالفة الوضع الشرعي. وأيضا فالقياس على ما إذا قال أنت طالق قبل شهر فإنا أجمعنا على أن زوال العصمة بهذا اللفظ لا يكون منذ شهر بل من الآن، وزوال العصمة مسبب عن لفظه الطلاق كما لا يتقدم هذا السبب على مسببه بوصف القبلية. وكذا ما نحن فيه احتج المثبتون للقبلية بأن ما نظرتم فيه هو من الأسباب التي عينها الشرع ولم يجعلها إلى خيرة المكلف مما نحن فيه، واحتجوا بأن قالوا كما فعل له الشارع المسبب على السبب حقيقة، بل مرادنا انعطاف حكمة مقدما من باب إعطاء المعدوم حكم الموجود، كإعطاء دية الخطأ موروثة ولا تجب إلا بالموت، وبعده لا يملك الميت شيئا، فقدر الشرع ملكه لها سابقا على الموت؛ وكالرد بالعيب أنه نقض للبيع من أصله، مع أنه يؤدي إلى رفع الواقع، وهو محال. قلتم المراد بالرفع الرفع حكما لا حسا، وكقولكم في بيع الخيار في أحد الأقوال عندكم، إذا أمضى أنه يمضي من أوله، فتعطف حكم الإمضاء المتأخر على لزومه من أول، ورتبتم على ذلك أحكاما في الشفعة، وكل ذلك من إعطاء المعدوم على حكم الموجود.
[إذا قال: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا]
هذا الماء لم يزل هكذا منذ أربعين سنة قال مالك أرى أن يدعوهم القاضي بأصل أنفسهم فيحملهم عليه، وإن لم يكن إلا ما هم عليه أقروا على ذلك وإن يكن له أن يمنعه انتهى، وقال ابن سحنون سأل حبيب سحنونا عما يحدث في طريق المسلمين من الكنف والحمامات وغيرها ويطول فيه الزمان نحو عشرين سنة أو أكثر لا يرفع الحكم قال لا حيازة في طريق المسلمين بخلاف حيازة بعض الناس على بعض إلا أن يتطاول أمر هذه القناة مثل ستين سنة ونحوها فيترك إذ لا يعلم بأي معنى وضع ذلك انتهى، فإن قلت بم قولك في رسم أوله مرض من سماع ابن القاسم عن مالك وهي ثلاثة مسألة من كتاب السداد والأنهار من العتبية ونصها: وقال مالك في خليج لرجل يجري تحت جدار لرجل آخر يجري السيل فيه فهدمه، فقال صاحب الحائط لصاحب الخليج ابن لي حائطي، وقال الآخر لا أبنيه. قال مالك
[340/5]
من اشترى تينا في شجرة ليس له من ورقه إلا ما يصلح به السلال]
قال ابن شبل(¬1) فالتين تشترى ثمرته في الشجر فيريد المشتري أخذ الورق. قال: ليس ذلك له. والورق للبائع.
قلت له: فما يصلح به السلال من الورق؟ قال ذلك شيء جرى الناس عليه ولا بد لهم منه. وللمشتري أن يأخذ ما يصلح به سلاله حتى يفرغ من بيع ثمرته. وليس له ما سوى ذلك.
قيل ليحيى: فإن اشترى الفول الأخضر والمقاتي البطيخ في البحائر، وفيه الحشيش الثابت فيقول المشتري: هو لي. ويقول البائع: هو لي. فقال: الحشيش للبائع، إلا أن يشترطه المشتري في شرائه.
[ليس للعمال الذين حلجوا القطن أخذ حبه وغباره]
قيل ليحيى: فالقطن المحبب يدفع إلى العمال يحلجونه ويندفونه،
[429/6]
أفلهم الحب والغبار الذي يقع منه؟ فقال يحيى: لصاحب القطن ولا يكون للعمال.
قيل له: فإن اشترطه العمال مع إجارته. قال: الإجارة فاسدة لأنهم اشترطوا شيئا مجهولا.
قيل له: فإن وقعت هذه الإجارة بحال ما وصف لك فقال يحيى: يعطى العمال إجارة مثلهم ويكون الغبار والحب لصاحب القطن.
قيل ليحيى وكذلك الطحان يطحن القمح تخرج منه النخالة. قال: نعم النخالة لصاحب القمح على ما ذكرته لك في القطن. قيل له: وكذلك الخرقات التي تقع من السراويلات والتقصيص في الثياب عند الخياطين.
قال: نعم هي لصاحب الثياب، وكذلك ما أشبه ذلك كله مما يستعمل عند العالمين.
[في الشاة إذا ذبحت وبقيت الجوزة في البدن]
قال يحيى: هي ميتة. ولا تؤكل.
قلت ليحيى: فما يصنع بها؟ فقال: توضع حيث لا يوصل إليها.
قيل له: فإن ذبحت وبقي نصف الجوزة في الرأس ونصفها في البدن. فقال: تؤكل. قال أحمد: قال سحنون: إنما تؤكل في جلود الأضحية. وقال حمديس(¬2): ما علمت أن سحنونا نهى عن بيع جلود الأضحية. قال: وصحبته من سنة ثلاث وعشرين إلى أن مات. قال حمديس: يؤمر بأن لا يبيع الجلد، فمن باعه لم يفسخ بعيه.
362/7] حفيد, وإنما يحتاج إليه من هو أقعد بهذا الولد بعد موته من أب او اخ, وكذا البنت على المشهور ونحوهم, والله تعالى أعلم, ومنه سبحانه وتعالى التوفيق, وكتب عبد الله تعالى محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق, غفر الله له ولطف به آمين انتهى.
وتقيد بطرة الجواب وأسفله وأحيل فيه عليه ما نصه. الحمد لله أشهد الفقيه الأجل, العالم العلم الأوحد, الصدر الحافظ الحاج أبو عبد الله محمد بن الشيخ الأجل المرحوم بفضل الله تعالى, أبي العباس أحمد بن العالم المحدث الخطيب أبي عبد الله محمد بن مرزوق الواقع اسمه عقب الجواب المقيد عقب السال المكتتب هذا بطرته وأسفله, أن الجواب الواقع عقب السؤال المذكور هو جوابه, وهو الذي أفتى به, إشهادا تاما شهد عليه بذلك وهو بحال كمال الاشهاد عليه وعرفه, بتاريخ أواخر جماد الأولى عام تسعة وثمانمائة أحمد بن إبراهيم بن أحمد المكناسي, وسالم بن أحمد الحسنية أمه.
وتقيد عقبه أعلم باستقلاله قاسم بن سعيد بن محمد بن محمد العقباني وتقيد بعقبه أعلم بإعماله عبد الرحيم بن إبراهيم اليزناسي لطف الله تعالى به.
[التحبيس على مساجد الإباضية وعلى فقرائهم]
وسئل سيدي عيس الغبريني رحمه اللهعن أناس من أهل المجمة حبسوا على مساجد الإباضية وعلى فقراء منهم الملازمين للمساجد المذكورة, فإن انقرضوا رجع ذلك لمن على مذهبهم بالجبل, فإن لم يكن رجع ذلك على جزيرة جربة, وقال السائل ثم قام قائم من أهل السنة وخرب مساجدهم, فسأل السائل هل يكون الحبس باطلا لانقطاع هذه الطائفة ويرجع ميراثا أو يرجع حبسا أو يرجع لفقراء أهل السنة؟.
فأجاب بما معناه: القيام عل هؤؤلاء واستتابتهم من الأمور اللازمة لمن
[363/7] ولاه الله الحكم, وأحباسهم يجب إبطالها, إذا كانت على من يتمذهب بمذهبم, ثم قال وبعد أن أراح الله منهم, فترجع إلى الناس بالمحبس ممن هو على مذهب أهل الحق, فإن يكن رجع إلى الفقراء والمساكين.
فأجاب: الشراء يتضمن ملك جميع منافع المشتري للمشترى ولو كان عالما بجريان الماء فعلى البائع قطعه وصرف الجريان فإن امتنع حكم عليه بزواله.
[من بنى ساقية في طريق فأضرت بالمارة]
وسئل البرجيني عن قصرين متقابلين وأرضهما حبس وبينهما طريق واسع فعمد قوم فبنوا ساقية في الطريق تخرج إلى فدان لهم فأضرت بالمارة فلا يقطعونها إلا تكلفا وإذا نزل الشتاء تزلق الطريق فقام من يحتسب في ذلك صدام لهم على ذلك وجعلوا حفرا من تراب فرد الطريق ثم رد كل واحد إلى فدانه ما يليه من الوادي إذا نزل المطر وبقي واحد له أول(¬1) الماء لم يرد شيئا فأراد أن يرد بعد أعوام كثيرة وقال لهم لا فرق بيني وبينكم فهل لهم في هذا الماء حق أم لا؟
فأجاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار)) فلا يجوز لأحد أن يحدث في طريق المسلمين ما يضر بهم في ممرهم وتصرفهم وعليه فيه حرج ومشقة وينهى أشد النهي ويجب على من بسط الله يده من حكام المسلمين زجره عن ذلك فإن لم ينته عاقبه عقوبة يرجع بها عن فعله ولا يسامح بمثل هذا لأنه يؤدي إلى تسامح فيه ومن لا قائم له، فالحاكم هو النائب عن المسلمين فيه وأما أصحاب الفدادين إذا نزل المطر ورد كل واحد ما يليه لنفسه فمن حق الأول أن يرد متى احتاج إلى ذلك وليس استغناؤه بالذي يمنعه من طلب حقه
[414/8]
[415/8]متى أراد ذلك.
[قسم ساقية مشتركة]
وسئل أبومحمد الصائغ عن ساقية بين شريكين أو شركاء يريدون قسمتها بينهم وفيها بئر واحدة فهل يعطى كل واحد منهم نصيبه بالقرعة والقيمة ويترك البئر والجابية وهو مجتمع الماء والموضع الذي تدور فيه الدابة مشتركا بينهم ويسقي هذا يوما أو يومين وكذا شريكه إن كانا اثنين وإن كانوا ثلاثة قسم أثلاثا وتبقى البئر بينهم كذلك على الإشاعة أو تباع عليهم ولا تقسم لأجل عدم قسمة البئر؟
فأجاب: الغالب على مقاصد أهل البوادي اليوم الخروج في وصاياهم للورثة عن معنى القربة بالجملة، وإنما المعلوم من شأنهم في مثل هذه النازلة إيثار الذكور ببعض المتروك عوضا عن النحل التي خرج بها الإناث، فصار ذلك فرارا ببعض المال عن بعض الورثة، لا بقصد التقرب إلى الله بالوصية فلو حكم في هذه الأزمنة لأجل هذا بقول ابن الماجشون والشافعي وأبي حنيفة أن لا يلزم التجويز إلا من أجاز بعد الموت لا قبله لكان حسنا، لا سيما ومخالفة البنات للوالد فيما أراد منهن عند موته يصعب جدا، وعذرهن في ذلك ظاهر، والنفوس البشرية مجبولة على حب المال والشح به، فانظروا واعملوا في النازلة على شاكلة الشروط المذكورة فيها، ونزلوا خصوصها على ما تقتضيه تلك القيود والربوط، والشروط المشار إليها أن يكون المرض مخوفا منه الموت وقت التجويز، وأن لا يكون قد صح بعده ومات من مرض آخر، وأن لا يكون الورثة في عيال الموصي ونفقته أو تحت رفده وإرفاقه وإحسانه، أو تحت دينه فيعتذر بعد الموت بأنه خاف أن يقطع عنه ذلك إن صح أو يعنف عليه في اقتضاء الدين، وأن يحصل القبض في حق من سلم قبل فوت ذلك بموت الوارث المسلم ومرضه المخوف الذي يتصل به الموت، أو بفلسه على أحد القولين في المذهب في هذا، وهو الذي جرى به العمل عند أهل الوثائق، فلا يسع خلافهم، فقد قال صاحب الوثائق المجموعة في الوصية المجازة إنها كالهبة لا تتم إلا بمعاينة الشهداء، وأن يكون الورثة عالمين بأن الوصية للوارث لا تجوز إلا بإجازتهم وأجازوا مع هذا العلم، فإن قالوا بعض
[367/9] الورثة لم أكن أعلم أن تلك الوصية لا تجوز حلف أنه ما كان يعلم ذلك، وكان له نصيبه، وإن كان مثله يجهل ذلك، وأن يكون من مسلم جائز الفعل في ماله غير صغير ولا مولى عليه محجور.
[إجازة الورثة هل هي تقرير أو إنشاء؟]
وأجاب أبو محمد ابن عبد الله بن ابراهيم الربعي : اليمين تجب على الواهب لحق الموهوب في تتميم الهبة ، فإن حلف تمت الهبة ، وإن نكل عن اليمين حلف الغريم وبرىء ، وبطلت الهبة . ورأيت نظير هذا في الطرر ، وأظن أني رأيتها في مختصر فضل عنه ، قال بعض أصحابنا لو قتل رجلا خطأ وشهد على قتله واحد وعليه دين يحيط بماله فأبى ورثته من المقاسمة فإن لغرمائه أن يقسموا ، وكذا لو كان على الورثة دين وأبوا من الحلف فلغرمائهم أن يحلفوا ويستحقوا الدية قال فضل : وهو جيد على أصولهم ، ورأيت لبعض أصحابنا لو قتل خطأ فوهب ديته لرجل من كنت ترى يحلف في هذا ويستحق ديته ؟ الورثة أو الموهوب له ؟ بمنزلة ما لو أن رجلا كان له على رجل دين بشاهد واحد فوهبه لرجل آخر فيحلف الموهوب له ويستحق الدين وهو جيد أيضا إنما يحلف من كان له الحق يوم الحق ، ألا ترى أن الحق يجب للصغير بالشاهد الواحد أنه لا يحلف الأب ولا الوصي على الصغير ، قيل وزاد ابن رشد قولا أن الأب يحلف ، فعلى هذا يحلف الواهب ، ونقل قولا أنه يحلف الصغير ، فعليه ما وقع في هذا الجواب .
[من توفي وورثه ولداه لا غيرهما فاعترف رجل آخر]
واختلفوا هل يسمى بما لم يأت به نص حملا على ما ورد به النص، إن صح معناه ولم يمنع منه نقل، ولا استحالة عق، كما اختلفوا في التسمية بما ورد بخبر الواحد. فمن حذاق الأشاعرة من جوزها واعتمد في الإطلاق على ذلك، ومنهم من منع. وسبب الخلاف هل إطلاق الاسم من باب العمل بخبر الواحد وجب على ما تقرر في أصول الفقه أولا فلا تجوز به
[346/11] التسميات وإن وجب له العمل في الفقهيات؟ فإذا تقررت هذه القاعدة، ظهر ما ينبني عليها من الفائدة، فمن جور التسمية بخبر الواحد جوز إطلاق لفظ الدهر اسما لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر". وقد ذكره الإمام فخر الدين في تفسيره في مجموع كلمات وهي: يا هو يا من هو هو، يا من لا إله إلا هو، يا أبد، يا دهر يا ديهور. وقال أنه ظفر به في بعض الكتب. وأما من لا يجوز التسمية بخبر الواحد فيمنع إطلاق لفظ الدهر اسما لله، لا سيما وهو اسم للزمان، فيتعين عنده تأويل الحديث، إما بأن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر، وإما بحذف المضاف أي رب الدهر، أي خالقه ونحو ذلك. ولا يقال: يتعين تأويله أيضا على المذهب الأول دفعا لإيهام الفساد، لأنا نقول: الموجب لصحة الإطلاق في المذهب الأول، هو التوفيق لا التوقف المقيد بعدم الإيهام، لامتناع كون العدم علة أو جزء علة في الحكم الثبوتي، على ما تبين في أصول الفقه، فإن صح الخبر بالاسم صح الإطلاق، ولا يمنع منه الإيهام، كما في صحيح مسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق".