فأجاب أم ثواب القراءة فمقصور على القارىء ولا يصل على غيره, لقول الله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وقوله إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وقال تعالى: من عمل صالحا فلنفسه والعجب من الناس من يثبت ذلك بالمنامات, وليست المنامات من الحجج الشرعية التي تثبت بها الأحوال, ولعل المرئي في ذلك من تخبيط الشيطان وتزيينه. ولا يجوز أهداء شيء من القراءات ولا من العبادات, إذ ليس لنا أن نتصرف في ثواب الأعمال بالهبات كما نتصرف في الأموال بالتبرعات. والظاهر أن الميت يعرف, لأنا أمرنا بالسلام عليهم, والشرع لا يامر بخطاب من لا يسمع. ولما وفد رسول الله صلى الله
[324/1] عليه وسلم على قليب بدر قال: ما أنتم بأسمع منهم لما أقول: وقد ذهب بعض العلماء إلى أن أرواح الموتى بأفنية القبور, ولقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم يعذبون في قبورهم. والوقوف عند رأس الميت والاستغفار له مشروع.
[الإمام مالك لا تعجبه زيارة القبور]
وسئل مالك عن زيارة القبور للاعتبار.
فأجاب بأن قال ما يعجبني. فقيل له أنه يعتبر, فقال ما يعتبر؟ إنما يرى ترابا.
[ملك الموت وكيل بقبض كل روح مخلوقة]
وسئل ابن لبابة عن قول الله عز وجل كل نفس ذائقة الموت.
فأجاب إن ملك الموت وكيل بقبض كل روح خلقها الله تعالى حتى الذرة والصؤابة, فلا تكن في شك من هذا.
وسئل أبو زرعة العراقي عن أرواح غير البشر من الملك والجان هل يقبضها عزرائيل أو غيره؟ وهل فيه اختلاف أم لا؟ وما القول في سائر ذوات الأرواح من الدواب والوحوش والطيور؟
فأجاب لا أعلم في ذلك شيئا صريحا, لكن ظاهر الحال أن الذي يتولى ذلك هو ملك الموت المعروف وأعوانه, وإنا لا نعلم للموت سوى ملك واحد وأعوانه. فمن ادعى للموت ملكا سواه في الملائكة والجن والبهائم فعليه بيانه, ومن جعله ملك الموت في كل معنى فقد تمسك بظاهر ما ورد في ذلك, مع أن الخواص في هذا بغير يقين تكلف مع عدم الاحتياج إلى معرفة ذلك.
ووقعت نازلة أخرى في رجل سب شريفا وشهد عليه جماعة جلهم أحداث، وكان ذلك في أول ولاية سيدي عيسى الغبريني رحمه الله وقيد وبقي زمانا نحو السنة، فاجتمع الفقهاء عنده فوقع في قضيته أنه يجتهد في أدبه فسجنه سنة وضربه مائة سوط وأرسله.
وأخرى في رجل يقال له أبو شريكة سب شريفا أيضا وشهد عليه نحو الخمسة وأربعين رجلا من لفيف الناس، ففر ولحق بالقيروان والبادية، ولم يزك
[373/2]
[374/2]
أحد ممن شهد عليه، فبقي أزيد من عام منفيا عن البلد. فلما أيقن بعدم ثبوت الرسم عليه أتى ومكن من نفسه فسجن.
فاستفتي فيه الشيخ الإمام أبو عبد الله ابن عرفة رحمه الله.
فأجاب بأن ذلك النفي يقوم مقام السجن ويجتهد فيه القاضي، فأخرجه القاضي في سقيف دار السلطان وضربه مائة سوط شديدة. قال القاضي بعد أن كنت عزمت على ضربه مائتين فرأيت من ايلام الضرب ما اقتصرت فيه على المائة وأرسله.
ونزلت أخرى بين يدي القاضي المذكور وهو أن رجلا من صنف الطلبة شهد عليه بشهادات تقتضي الوقوع في جانبي الجهتين العظيمتين على وجه التضاحك والاستهزاء وعدم الاهتبال فيما يلقيه من الكلام المضحك، مما فيه سخافات وقبيح المنطق وعدم التفطن في عقوبة ما هو متكلم به. وشهد عليه بذلك جماعة لكن جلهم ممن هو مخالط له ممن يظن به أنه يتملح بذلك الذي يظهر منه من أطراف الناس ومن شأنهم تعاطي المكوس بالشهادات وغيرها ولم يزك أحد منهم، فأخذ وبقي في السجن نحو العام ثم أخرجه وضربه في سقيفه نحو الثمانين سوطا وأرسله.
ونزلت أخرى وهي أن رجلا ينسب للشرف ولقراءات السبع، وكان ممن شهد على الذي قبل هذا ثم رجع عن شهادته، ثم سافر ثم رجع فقيد عنه أنه ذكر عنده الأسباط عليهم السلام فقال ناس (كذا) أشراف وشهد عليه بذلك ثلاثة ونحوهم لكنهم ليسوا من أهل القبول، فأخذ وسجن وأزيد من ستة أشهر وأرسله. قال ولو لا أن الأسباط في نبؤتهم خلاف لعاقبته بأكثر من ذلك.
ومنها : من خالع زوجته وقال الموثق في الوثيقة اختلعت له بكالئ صداقها قبله وأبرأته من جميع المطالب كلها ، وقد كان أشهد لها في رسم صداقها أو في غيره بما بقي عليه من النقد ، أو لها عليه دين من سلف أو غير ذلك ، هل يدخل ذلك في عموم الإبراء أم لا ؟ وإذا قلتم بدخوله ثم راجع الزوج الزوجة ، وقال الموثق في رسم الرجعة : راجعها على أن بذل لها كذا وكذا[351/3]وأعادها على كالئ صداقها ، هل يعود عليه ما أشهد به مما بقي من النقد بهذا اللفظ أم لا ؟
ومنها : من قال عليه الطلاق بالدين هل يلزمه ذلك أم لا ؟
ومنها : من قال في يمينه : وحق الله تعالى . هل تلزمه الكفارة أم لا ؟ وكذلك : يعلم الله . بلفظ المضارع ، أو إن شاء الله ، هل هذه أيمان أم لا ؟ وكذلك إذا قالت المرأة بالسنة تلزمها ، أو في رقبتها ولم تذكر صوما ، أو بالسنة فقط ، هل يلزمها الصوم أم لا ؟
ومنها : بيع الحاضن إذا لم يضمن الشهود معرفة السداد في الثمن ، وأنه أحق ما بيع ، أو لا يملك غيره ، وصغر المحضون ، وكونه في حضانة البائع ، هل هو بيع لازم للمحضون ، ويحمل الحاضن على أنه ما باع إلا بعد وجود هذا الأشياء أم لا ؟
ومنها : الراهن إذا فوض في بيع الرهن للمرتهن وصدقه في البيع وأسبابه دون مشورة قاض ولا سواه ، وقلنا بإعماله على القول به ، ثم إن الراهن مات فهل للمرتهن أن يبيع دون مشاورة الورثة ، أو ليس له أن يبيع إلا بعد مشاورتهم ؛ لأن الحق قد انتقل إليهم ؟
ومنها من اكترى دابة إلى مكناسة(¬1)مثلا كل يوم بدرهم ما طال سفره ، وربما زاد على ذلك الموضع ، هل هو كراء فاسد أم لا ؟
ومنها : إذا كان راعيان أحدهما يرعى خيلا مثلا ، والآخر يرعى بقرا ، ثم يرد أحدهما على صاحبه في المسرح أو في المورد أو يردان معا ، ثم يضرب عرض فرسا هل تلزمهما معا إذا أوردا معا أو الوارد منهما ، أو لا تلزمهما ؟
الحمد لله. هذه الرواية على تفسير عيسى وما ألزمه ابن رشد لابن القاسم فيما يتوقف على صحة تعليق القبلية ووقوعه مقدما على الشرط، كأن يقول إن قدم زيد فأنت طالق قبله بشهر، وقع الخلاف فيها بين فريق من الشافعية والمالكية، والفريق قائل بصحة التقديم، وقال المالكية لفظ التقديم لغو، ولا يقع المشروط إلا بعد شرطه. وبيان مدرك الخلاف بمقدمة، وذلك أن الشروط اللغوية أسباب شرعية، والمسببات الشرعية قسمان قسم قدره الله عز وجل في أصل شرعه، وقدر له سببا معينا ولم يجعل للمكلف فيه تصرفا
[375/4]
[376/4]
ونص سحنون على أن الخمسين والستين في الطريق كثير والعشرين قليل، وأين هذا من الأمر المذكور هنا؟ وأين هنا إمضاء لا يتوهم فيما اختلف فيه من تعارض لاحتمال القدم والحدوث في الضرر؟ هل يحمل على الحدوث أو القدم؟ لأن هذا في مثل هذه المدد المذكورة لا في مثل السؤال، ويكفي أن الحكم بالحدوث في مثل هذا لا بد فيه من استناد إلى علامته، وههنا انتفت علامة الحدوث، بل تحققت علامة القدم، بل ترجحت الأقدمية بترجيح احتمال كونه من واضع البلد بالقرائن التي ذكر السائل، ولا يتوهم أيضا جريان قول ابن حبيب فيه أن الضرر لا يحاز بحال، ولا قول ابن مزين ما يتزايد من الضرر لا يحاز بطول الزمان، لأنهما مع كونهما على خلاف المشهور إنما يجريان فيما تحقق إحداثه، وقد علمت ما قال ابن حبيب في الشجرة، وليس قولهما فيما قدم جدا أو جهل أمره مع احتمال الحدوث، ومما يدل على أن احتمال الإحداث مع القدم ملغى ما روى أشهب عن مالك فيمن مات عن أرض لا ماء فيها ولا غرس فاقتسمها الورثة وباعوها وغرسها المشتري فمنهم من اشترى ماء فساقه، ومنهم من اكترى أو منحه، فأقاموا نحو أربعين سنة حتى عمر ذلك عليهم ثم باع بعضهم فقال المشتري لمن يمر بمائه لا أدعك تمر به، وقال الآخر
قال يحيى إن كان يقدر على أن يفلا وينحى القمل لزمه. وإن كان لا يستطاع أن يفلا لكثرة القمل فأراه غشا فيرد به.
[في امرأة اشترت رمادا فقال لها البائع جيد]
فجعلت فيه غزلها فخرج لها كيف جعلته ولم يبيض. قال يحيى: إن بقي عند البائع من الرماد شيء اختبر وإن لم يوجد عنده منه شيء، حلف أنه ما باع إلا جيدا وبريء إلا أن تقيم المرأة بينة أنها غزلها في الرماد الذي اشترته من هذا البائع.
[في رجل اشترى من صيرفي دراهم مسماة]
وأراه المشتري الدينار فنقر فيه بائع الدراهم، فتلف. قال يحيى بن عمر عن عبيد عن أصبغ عن أبي الفرج، عن ابن القاسم، عن مالك أنه ضامن. قال أصبغ: وكذلك إن غصبه الصراف أو اختلس من يده. وقال في النقر: وسواء عندي نقره نقرا يتلف من مثله، أو نقره نقرا خفيفا لا عطب في مثله، إلا أن يؤذن له في نقره فنقره خفيفا لا يعطب في مثله، فصار في ذلك فلا شيء عليه. وإن كان أخرق ضمن.
[من تعدى على دينار فكسره]
وقال يحيى فيمن تعدى على دينار فكسره يغرم مثله في وزنه وسكته، وقيل له: إنه ليس يوجد مثله بنقصه. فقال: يمضي به إلى أهل المعرفة
[428/6]
بالدنانير فيقال لهم: ما يسوى هذا الدينار صحيحا بنقصه من الدراهم. فإن قالوا يسوى كذا، أعطي من الدراهم ما قالوا.
[من وضع دينارا بين أسنانه ليختبره فكسره]
قيل ليحيى فلو أن رجلا أتى بدينار لرجل ليريه إياه فأخذه الرجل فجعله بين أسنانه لينظر إن كان ذهب الدينار لينا أو يابسا فكسره. وسنة الدينار، في الاختبار أن تجعل بين الأسنان فما كان منها لين الذهب علم أنه جيد. وما كان يابس الذهب علم أنه رديء. فقال يحيى: إذا كان ذلك سنته كما ذكرت فلا ضمان عليه.
[من اشترى فولا أخضر قائما في أصوله]
في الذي يشتري الفول الأخضر قائما في أصوله يبيع الفول ويريد أخذ قصبه فيقول البائع: ليس لك القصب. قال يحيى: إن كان لأهل البلد في ذلك عرف حملوا عليه، وإلا فالقصب للمشتري.
[
361/7] بمقتضى نص المحبس, وكذا ابنها المسؤول عنه, لأن قول المحبس وإن لم يكن أخ فلأقرب الناس بالمحبس من ولد أو حفيد , يعين أن يكون المراد فيه بقوله ولد أو حفيد أو ولد الإناث وأولادهن ذكورا كانوا أو إناثا, وأن أولاد أولادهن كذلك ما سفلوا إذا لم يبق ما يصدق عليه اسم ولد المحبس أو حفيده بعد اشتراط انقضاء أولاده الذكور وأولادهم, إلا ولد البنات وأولادهن, وهذا ظاهر لا خفاء به.
لا يقال: المشهور من المذهب ما نص عليه في المدونة وغيرها من الدواوين إن ولد البنات لا يدخل في قول المحبس ولدي ونحوه من الأفاظ التي تساويه , ووجه ابن رشد رحمه الله هذه الرواية بأن الولد صار حقيقة عرفية في الذكور, وإن كان ذلك في قول المحبس حبس على ولدي ونحوه ولم يذكر مرجعا, وفي مسألتنا هذه ذكر بعد انقراض العقب المذكور, أن ذلك يرجع إلى أقرب الناس بالمحبس من ولد أو حفيد, فتعين قطعا أن يكون المراد بهذا الولد وهذا الحفيد المذكورين آخرا ما قلنا, لأنه إن أريد بهما الولد الذكر والحفيد الذكر, لم يكن لذكرهما معنى, ولكان تكرارا محضا, لأن الأولاد الذكور وأولادهم, قد دخلوا أولا في قوله على أولاده وما عطف عليهم, وإنما قلنا إن الأحفاد من البنات يدخلون ذكرانا كانوا أو إناثا, وإن كان قد اضطرب في لفظ الحفيد لغة, لأن الحقيقة العرفية الآن في لفظ الحفيد, أن عام فيمن كان من ولد ولد الشخص كيف كان, وهذا كما وجه به ابن رشد الرواية المشهورة عن مالك في أولادي أو ولدي وولد ولدي, لا يدخل فيهم ولد البنات, ثم إن هذا الابن المسؤول عنه رجع إليه هذا الحبس المذكور بعد أمه من وجه آخر, وهو قول المحبس يرجع الحبس لأقعدهم وهو الأقعد بأمه, إذ الضمير في أقعدهم يرجع إل قوله أو حفيد, وقد بينا المراد بهما, على أنه لا يحتاج ‘لى الدخول في قوله أو
[
قيل: ما ذكره من أن الشاهد لا يشهد إلا بما يتيقن صواب ولم يرد على هذا إلا الشهادة على الفهم، وفيها خلاف هل يعمل بها ويشهد كسائر الشهادات؟ أو يؤديها فهما كما تحمل ولا يعمل بها؟ وأما شهادة العرفاء نحوهم فإنما يشهدون بما يظهر لهم دليله عرفا فلا يعبرون عنه إلا بقولهم ظهر لنا من دليل الحال كذا لا سيما إذا قلنا إنه من باب الخبر يجزئ فيه واحد كشهادة العرف وكشهادة العقد والقحط وغير ذلك ولا يعرف ذلك إلا بالظاهر فالصواب إعماله.
[ماء نهر مشاع لم يعلم كيفية إشراك القوم فيه]
وسئل أبوعمران عن نهر مشاع بين قوم منهم من مات ومنهم من بقي ومنهم من فر من الظلم ولم يتعين لأحد منهم فيه شرب يوم أو ساعة فهل يجوز شراء ملك من تلك الأملاك بشربه من ذلك النهر.
فأجاب: لا يجوز حتى يعلم شربه كم هو، فإن جهل أهل الموضع أنصبائهم في ذلك من ذلك الماء فعليهم أن يصطلحوا على ما شاؤا إذا كانوا رشداء بالغبن. وفي سماع ابن القاسم ومن باع نخلا ولم يبين كم هو سدس أو خمس فالبيع فاسد ويرد وفي أول قسمتها من باع مورثه من هذه الدار من رجل فإن عرف مبلغه جاز وإن جهل أحدهما أو كلاهما لم يجز.
وأجاب غيره عن مسألة نهر مشاع بين قوم مات بعضهم وبعضهم باق في موضعه وفيه مياه مغصوبة وهو في غالب الزمان لا قيمة له ومبتذل هل يجوز شرب ذلك الماء واستعماله أم لا؟ فقال أما وقت ابتذاله ولا قيمة له هناك فيجوز شربه واستعماله، وأما حين تكون له قيمة وتشاح الناس فيه فلا يجوز استعماله حينئذ.
[413/8]
[414/8] ... [من باعت حانوتا لمن يجاورها ولها ملك يجري ماؤه على سطح هذه الحانوت]
وسئل المازري عن امرأة باعت حانوتا ممن يجاورها فيه بحانوت آخر يبيع فيه ويشتري ولها ملك يجري ماؤه على سطح هذه الحانوت إلى آخر فطلب المشتري قطعه وطلبت هي بقاءه على ما كان عليه واتفقا على عدم الجريان وادعت المرأة على المشتري بذلك حين البيع فهل يقطع أم لا؟
366/9] فأجاب: الحكم التشريك بينهم في الثلث وقسمته على المحاصة، والوصية الثانية ليست بنسخ للأولى، وكذلك الوصية الثالثة ليست بنسخ للثانية حتى يقع التصريح بالنسخ ولا يصح قوله في الوثيقة: لا يشركه أو لا يشركهما أن يكون نصا في النسخ، والمشهور في المذهب أن من أوصى بثلثه لزيد ثم أوصى به لعمرو أنه يكون بينهما.
[مسألة في معنى ما تقدم]
وسئل عن معنى ما تقدم وهو يظهر من جوابه رحمه الله.
فأجاب : الصواب عندي أن لا يجوز إقرارها لزوجها أصلا بفاضل ميراثها لأن المسلمين ورثتهما فيه ، فكما أجمع مالك وأصحابه على عدم جواز إقرار من له وارث فكذلك هذا لأن المسلمين ورثته ، وهو قول المخزومي ، ورجع إليه سحنون ورجحه ابنه محمد مع إجماع مالك وأصحابه أن لا تجوز وصية من لا وارث له بأكثر من ثلثه ولقوة التهمة في إقرارها لزوجها .
[من أثبت دينا على آخر ببلنسية ثم أشهد لغيره وسماه]
وسئل ابن الحاج عمن أثبت دينا على آخر ببلنسية ثم أشهد لغيره وسماه ، ثم أراد المقر له الذهاب إلى بلنسية واقتضائه فهل يحلف المقر له أو المقر ؟
فأجاب : يحلف المقر له لأنه صاحب الحق .
وأجاب : ابن حمدين : بحلف المقر له والمقر جميعا وهي كمسألة سئل عنها الصفراوي ، وهي الرجل يكون له الدين على الرجل فيهبه لآخر في غيبة المديان ثم يسلم للموهوب له ذكر الحق إن كان له ذكر حق ثم يحضر الغريم فيطلبه الموهوب بالدين فيدعى إيصاله إلى مستحقه الأول وهو الواهب ، فينكر دعواه ، فهل يتوجه له على الواهب يمين أم لا لكونه خرج عن ملكه ؟ وإن توجهت عليه فنكل عنها فهل يجب في ذلك شيء أم لا ؟
فأجاب : لا يتوجه على الواهب يمين لكن إن ادعى المديان على الموهوب علم ذلك استحلفه أنه لا يعلم أنه وفاه .
[350/10] وأجاب ابن عوف : إذا كانت دعواه دفع الحق للواهب قبل الهبة فلا يتوجه على الواهب يمين ، ويقضى على المديان بدفع ذلك إلى الموهوب وإن كانت دعواه بعد الهبة وجبت اليمين على الواهب فإن حلف برىء من الغرم ، وإن نكل غرم الغريم ما أخذ منه ، وحق الموهوب متوجه إلى المديان في الوجهين .
والدليل يصح أن يكون عدميا أو جزؤه عدميا، فظهر ضعف ما سلكه الإمام المذكور في معنى الحديث من كل وجه.
فإن قلت: ما حكمة العدول في الحديث عن الحقيقة إلى المجاز، وهلا قيل لا تسبوا الدهر فإن الله هو موجد الحوادث كلها لا الدهر؟
[345/11] قلت: عدل في الحديث إلى المجاز لما فيه من المبالغة في النهي(¬1) عن سب الدهر لأن حمل الدهر على ذاته تعالى بطريق الحصر يقتضي ظاهره أن كل ساب الدهر فسبه إنما هو لله تعالى وهذه المبالغة العظمى عن سب الدهر فيها دلالة على عظيم جرأة ذلك الأخرق الذي يسمع هذا النهي على ما هو عليه من المبالغة الشديدة ثم يقول: هو كفرا وعنادا أنا أسب الدهر فما أجدر هذا الفم الذي صدرت منه هذه المقالة الشنيعة أن تسال دماؤه. ولقد صدق في مثل هذا الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا". نسأله سبحانه السلامة ظاهرا وباطنا من جميع أنواع سوء الأدب، التي تفضي بصاحبها دنيا وأخرى إلى سوء العطب، بجاه نبيه مصطفاه من خلقه، سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم صلاة وسلاما ينجلي بها عنا في الدنيا والآخرة كل الأحزان والكرب. ونص الجواب المسؤول عنه:
الحمد لله جواب ما وقع فيه البحث والسؤال يتوقف على تحقيق قاعدة، يجب إحضارها بالبال، وبتقريرها يندفع كل إشكال، واعتبارها يصحح أو يبطل ما قيل في المسألة أو يقال، ومن جهلها خبط في المسألة خبط عشواء، وركب من عمياء، فلم يدرك الأنقال، ولا ما قيل فيها من الأقوال، فنقول والله المستعان بالقوة والجلال.
فقد أجمع المتكلمون والأصوليون على إطلاق الاسم على الله جل جلاله، وعظم كماله، إن سمى به نفسه أو سماه به رسوله، وتواتر أو اجتمعت عليه أمته.