323/1] المشي أمام الجنازة أو خلفها, ومسألة المشي تعم, إذ لا إمام فيها ولا مأموم. وقد جعل حال الصلاة هي حال الشفاعة, إذ لم تأت شفاعة في غيرها, وجاءت الأحاديث بشفاعة الجماعة المصلية على الجنازة: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه, ومن صلى عليه مائة شفعوا فيه. ولم تر شفاعة الصلاة منوطة بالإمام وحده, فإذن لا فرق في استقبال الجنازة بين الإمام والمأموم. ولم ينقل من العمل ولا من الأقوال أن تكون الجنازة خلف المصلين عليها الإمام وغيره. وأورد بعض الناس شبهة في هذا بالصلاة على الغائب عند من يجيزها, فيلزمه تقديم المصلين عليها لإمكان حصول هذا المعنى عند غيبتها, لكن هذا حال ضرورة مع إمكان أن يكونوا خلفها فلا يلزم في موضع السعة وتعيين المتقدم. وقد كنت وقفت على اتفاق في المسألة ككلام الفخمي, لكني لم أعثر عليه الآن والسلام.
وسئل السرقسطي عما عليه الناس إذا توفي لهم احد يوقدون في البيت الذي توفي فيه مصباحا سبعة أيام كل ليلة, فهل هذا من السنة او من البدع المضلة؟
فأجاب ما ذكر من ايقاد المصباح في البيت الذي يموت فيه الميت سبعة أيام بدعة منكرة يجب تغييرها والنهي عنها.
وسئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله عن ثواب القراءة المهدى للميت, هل يصل أم لا؟ وهل يعلم الميت بالزائر أم لا؟
وأما الشاهدان اللذان رجعا عن بعض شهادتهما قبل الحكم فإنه لا عمل على ما أبقيا من شهادتهما ولا على ما رجعا عنه منها. وهذه المسألة من إحدى المسائل الست التي لا يعمل فيها على الشاهد إلا مع كونه منقطعا في العدالة مبرزا فيها ممن لا يتهم في عقله، وأما قبول شهادتهما فيما يستقبل فإن قالا شبه علينا فيها ووهمنا جازت شهادتهما فيما يستقبل، واختلف في أدبهما. ومذهب سحنون وغيره ترك أدبهما وعليه العمل والله وأعلم.
[372/2]
[373/2]
وأجاب غيره بترجيح القتل بعد إثبات موجباته.
[ قتل ابن القصير بتونس لفحش لسانه في سب الناس والازدراء بالعبادات ]
ووقعت نازلة في رجل يقال له ابن القصير وهو رجل أشتهر عنه فحش اللسان وكثرة السب للناس، فرفعت قضيته إلى قاضي الجماعة أبي مهدي سيدي عيسى الغبريني وطلب منه رفع الشهادات عليه، وكان مسجونا في سجن أمير المؤمنين نصره الله، فتأخر قليلا ثم رأي أنه لا يسعه إلا سماع الشهادات فيه، فرفعت عليه شهادات كثيرة بأنواع من السب والسفاهات على الناس، وسجل عليه سجل كبير هو في العدد مثل مسألة أبي الخير الزنديق، لكون ألفاظه ظاهرة في الكفر والتعطيل والتعرض لجناب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما يجب عليه في كل واحدة منها القتل، وألفاظ ابن القصير راجعة لسب الناس وفيها ما يجري علي ألسنة الناس من ذكر الألف في السب، وأشدها أنه اللف(كذا) في شريف ثبت عنده بشاهدين زكيا. وقال مرة إنه أزدرى الصلاة ونحوها من العبادات فهو زنديق، وثبت هذا أيضا ببعض من زكي مع مشارك غيره بما في هذا الفصل الأخير، فاجتهد في القضية وحده لكونه امتحن الرسم المذكور ولم يشاركه غيره في ذلك، فأنتجت فكرته قتله، فشاور فيه أمير المؤمنين فصرف القضية إلى اجتهاده فيما يظهر، فقتل عن رأيه بعد إثبات الموجب عنده بسبب الخصلتين المذكورتين عنه.
ومنها : إذا ضاع رسم الصداق للزوجة ، أو لم يكونا كتبا رسما ثم تطالب الزوجة بالكالئ ، وتقول : رفعت لي فيه كذا . ويقول لها : لم أرفع لك شيئا في الكالئ . أو رفعت لك كذا وكذا ، لشيء لا يشبه ، فهل يقبل قولها ، أن أتت بما[350/3]يشبه ، أو يحكم لها بكالئ المثل إن أتت بما لا يشبه ؛ لأن العرف جار بالكالئ ، والقول قوله ؛ لأن الأصل براءة الذمة ، وكيف أن مات الزوجان أو أحدهما ؟
ومنها : إذا طالبت الزوجة أو وليها الزوج بالبناء ، وأعسر بالنقد وضرب له الأجل ، وحكم عليه بإجراء النفقة والكسوة ، هل للزوج أن يكسوها من صداقها ؛ لأن من حجته أن يقول : لا تلزمني كسوة إلا بعد أن تخلق شورتها . أو ليس له ذلك ؛ لأن الزوجة تقول : أنا لا يلزمني إلا التجهيز به عند إرادة البناء .
ومنها : إذا أرادت الزوجة أن تشتري بنقدها ملوطة(¬1)مثلا ، أو قطيفة ، أو خادما ، وليس فيه فضل عن ذلك ، وقال الزوج : لا تشتري به إلا ملحفة وقباء ، مثلا ، وكنبشا وما تمتهن في كل يوم ، لأني لا يلزمني كسوة حتى تخلق لها . هل يعمل على قول الزوج أو على قول الزوجة ؟ فإذا قلتم بشراء ما قال الزوج ، هل لها أن تقول : الملحفة في حقي زينة لا ألبسها كل يوم ، وإنما تأتيني بما ألبس كل يوم . أم لا ؟ وكيف عن أرادت الزوجة أن تقبض الدراهم ، وتقول : أنا أشتري ما يصلحني . ويقول الزوج : لا أدفع الدراهم ، وإنما تشتري أنت . والزوج أو الولي يقول ذلك .
ومنها : إذا طالبت الزوجة الزوج بعد البناء بالنقد ، وقالت له : دخلت دون دفع . أو ليها ، وأنكر ذلك الزوج ، وحلف على ذلك ، هل له أن يطالب الزوجة أو وليها بالتجهيز ؟ لأنه يقول : أتتني بلا شورة ، لأنك قلت : لم تقبض ما تتشور به . أم ليس له ذلك ، ولا يلزمها التشور ولا وليها .
أصله بناء على أن المشروط يقدر بعد الشرط أولا، وإن لم يعرف سيدنا الإمام ابن عرفة هذا الأصل لسحنون بل لغيره. وما نقل عن سحنون في هذه المسألة هو الذي جعله ابن رشد مقتضى النظر والقياس، وعزاه لإسماعيل في المسألة المسؤول عنها قائلا لوجود تقدم الشرط على المشروط، فالصلح واقع والعصمة بائنة، فيجب تمامه، وطلاق الحنث لغو، واحدة كان أو ثلاثا لوقوعه بعد الصلح في غير زوجة، ولا سيما على ما زاده ابن الحاجب في فرضها من قوله أوفي الخلع فهي نظيرتها. وباتفاق هذين الإمامين أشهب وسحنون على أن المعلق متأخر عن العلة الشرعية تأخرا زمانيا يعلم صحة ما قاله سيدنا الإمام ابن عرفة من عدم لزوم المساواة بين العلة العقلية والشرعية، إذا لا يمكنهما أن يقولا بالتأخر الزماني في العلة العقلية مع معلولها ونحوه على القول بلزوم ما زاده على الواحدة في مسألة كلما وقع عليك طلاقي أحداث في مسألة المسؤول عنها يمضي الخلع وتمامه، ولزوم ما زاد على طلقة الخلع ضرورة أن المعلق والمعلق عليه وقعا معا في زمن واحد، والمحل موجود، فيلزم الزائد، فتكون المسألة ثلاثية الأقوال: تمام الخلع ولزوم ما زاد على طلقة الخلع، وهو المخرج، وتمام الخلع وعدم لزوم ما زاد هو قول أشهب، ولزوم طلاق الحنث وما وقع به الخلع، وأظهرها القول المخرج والله أعلم.
[صحة تعليق القبلية ووقوعه مقدما على الشرط]
وأجاب عنها بعض فقهاء تونس أيضا، ونصه:
فأجاب: ليس لصاحب الأرض تحويل الساقية المبنية في أرضه لموضع آخر من أرضه وإن كانت قديمة البنيان لا يعلم من بناها إلا بإذن من تمر عليهم الساقية لسقيهم وطحنهم وإن لم يكن عليهم في ذلك ضرر، هذا نص قول ابن الماجشون في الواضحة وقول عيسى في العتبية، ولا أعلم في ذلك نص خلاف، وإنما اختلف في تحويل ساقية أجرى الله سبحانه وتعالى فيها الماء من غير عمل ولا ضرر في تحويلها، وكذا اختلف في الذي. يمر إليه الماء في أرض رجل هل يحوله إلى موضع آخر لا ضرر فيه على صاحب الأرض أم لا؟ ثم تكلم في المسائل الثلاث بما يوقف عليه في كتابه، ومسألتنا منها هي الأولى التي قال لا يعلم فيها نص خلاف.
ويتشبث بهذه المسألة مسائل كثيرة وهي وإن كانت مناسبة إلا أن في جلبها طولا يخرجنا عن المقصود ويوجب السآمة ونذكر بعد إن شاء الله تعالى منها مسألة من عليه في أرضه ممر للمسلمين لشدة الحاجة إليها في المسألة فقد ظهر من هذه النصوص صحة المقدمة أن الضرر القديم لا يمنع كان أقدم أو أحدث أو مجهول الأمر، إلا أن قديم لإطلاقهم القدم في أكثر العبارات، وليس القدم المذكور في هذا السؤال بالذي يتوهم دخوله فيما اختلف فيه من مدة الحيازة على تقدير تأخير هذا المجرى على الدور لما ذكر السائل من كثرته وعدم العلم بأصله، وأكثر ما قيل في المختلف فيه يسير جدا بالنسبة إليه، وقد قال سحنون في قناة جرت على دار رجل سنة ذلك قليل وأربع سنين وخمس حيازة، وقال ابن لبابة عشر سنين في ضرر الطريق قليل وروى ذلك عن أصبغ والذي عرف من قول أصبغ أن الضرر لا يحاز أقل من عشرين سنة،
[339/5]
قيل ليحيى: فإن قال البدوي إنه تدخل على مضرة فيمن يشتري مني نصف دينار أو ثلث دينار، فربما طالت إقامتي فمتى أرجع إلى بلدي وإنما معي زاد يومين أو يوم أكثره. قال يحيى: قال مالك: يقال له حط من السعر نصف الثمن أو ربعه فتنفذ طعامك وترجع سرعا إلى بلدك. وأما ما ذكرت من المقام والمضرة فأنت تريد أن تبيع نافقا وتريد أن ترجع سريعا إلى بلدك فلا تمكن من هذا لأنه ضرر على المساكين.
قيل ليحيى: فإن جلبه من لا يعرف بيعه ولا يأكل أراه ليأكله. فقال: إذا صح هذا خلي بينه وبين طعامه ينقله إلى داره.
[لا تجوز المراكنة في البيع إذا إلا السعر]
قيل ليحيى: فإن أراد الرجل إن يبيع قمحا جلبه من منزله إلى بيته، فاحتاج إلى ثمنه، فعرض منه قليلا في يده في السوق فاشترى منه الحناطون على الصفة ليكتالوه في داره، ينقلوه إلى حوانيتهم. فقال يحيى: أرى أن لا يمكن البائع أن يبيع في داره وأرى أن ينقله إلى أسواق المسلمين.
قيل ليحيى: فإن أهل القصر عندنا ليس لهم رحبة يصب فيها الطعام. قال: أرى أن يكتروا حوانيت ويبرزوه فيها. ويمنع الحناطون أن يشتروا في الدور إذا كان السعر غالي وأضر ذلك بالسوق. وإذا كان السعر رخيصا ولم يضر بالسوق خلي بين الناس وبين أن يشتروا حيث أحبوا ويدخروا. قيل ليحيى: فإذا أراد الرجل الذي لا يعرف بيع الطعام، ولا يحتكره، أن يشتري في الغلاء قوت سنة. قال: لا يمكن ذلك فيمن اشترى شيئا لا يعرف سعره.
[427/6]
[يحرم غبن المسترسل]
سئل سحنون عن الرجل الغريب يدخل السوق وهو جاهل بالسعر فيقول للبياع: أعطني زيتا بدرهم أو قمحا. ولا يسمي له البائع سعر ما يشتري منه هل يصلح هذا أو تراه من العدل؟
فقال بيع الزيت والقمح معروف ليس فيه خطر. قال يحيى: غبن المسترسل حرام ورأى أنه يرجع عليه فيأخذ ما بقي من سعر السوق.
[فيمن اشترى ثوبا فوجد فيه قملا]
360/7] شرط عليهم فيها من السكن في ورد ولا صدر, إذا قد يكون له غرض فيما اشترطه من ذلك عليهم, فيلزمهم الشرط على ما احبوا أم كرهوا, ولا يجوز لهم عقد المعاوضة فيها بالكراء أصلا, كان في السكن فضل للكراء أم لا, بل ولا يجوز لأحد من المحبس عليهم والحالة هذه أن يسكن في حظه أحدا من غير أهل المحبس, استغنى أو لم يستغن, لأن المحبس في هذا الوجه إنما أباح للعقب الانتفاع لا المنفعة, والفرق بينهما معلوم في كتب الأيمة لسنا الآن لبيانه, وبهذه الجهة تعرف وجه الرد لفعل كثير من أيمة مساجد الحواضر في كرائهم لكثير من الدور المحبسة على سكنى أيمتها شرطا من الواقف, ومن فعل ذلك منهم فقد أكل حراما وأطعمة أهله والناس, وكان ذلك قدحا في إمامته ورد الشهادة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكتب العبد المستغفر الفقير إل الله تعالى أحمد بن محمد بن محمد بن علي الونشريسي وفقه الله وخار له.
سئل ابن مرزوق التلمساني من تازا عن الحبس المعقب
وسئل الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق من بلد تازا المحروسة بالله, عن مسألة نصها: سيدي, رضي الله عنكم, جوابكم عن رجل حبس عل أولاده أملاكا ثم على أولادهم وأولاد أولادهم الذكور منهم والإناث, ومن مات منهم ولم يخلف عقبا فيرجع إلى اخيه إن كان, وإن لم يكن أخ فلأقرب الناس بالمحبس من ولد أو حفيد, ومن مات منهم دون ولد, فيرجع الحبس المذكور لأقعدهم, وسكت ها هنا ولم يذكر مرجعا, وبقي من أعقاب الذكور بنت, ثم ماتت البنت وتركت ابنا فهل يرجع الحبس المذكور إلى الابن المذكور أم لا؟ بينوا لنا ذلك مأجورين إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله تعال وبركاته.
فأجاب رحمه الله, بما نصه: وهو مقيد أسفل السال الحمد لله وحده. إن كان الأمر كما ذكر وكانت الألفاظ الادرة من المحبس كما قيد, فإن البنت الباقية بعد انقراض عقبه المذكور, كانت داخلة في الحبس
[
وعكسه ما سئل عنه الزواوي في قوم لهم دور الدبغ داخل مدينة القيروان قديمة فعمد بعض العمال وبنى لهم خارج البلد دور الدبغ وأخرجهم من موضعهم إليها كرها فبعد ثلاثين رجع بعضهم إلى موضعهم فأراد أن يرده للدبغ كما كان فمنعه بعض الجيران واحتج ببقائه نحو ثلاثين عاما.
فأجاب: بأنهم مغصوبون على الخروج.
فأجاب: إن ثبت ما قالوا فليس لأحد منعهم.
وسئل أبوحفص العطاء عمن فعل الخل في داره فقال له الجيران تؤذينا رائحته وتؤذي الحيطان.
فأجاب: إذا قال أهل الطب إن الرائحة تؤذي وقال أهل البناء إن ذلك يؤذي الجدرات منع من ذلك إلا أن يبني دون حيطانهم حائطا يمنع الوصول إلى حيطانهم ولا يكون يؤذيهم فلا يمنع وذكر أن الشيخ أبا بكر بن عبدالرحمن أفتى أيضا بالمنع من أجلهم ومن أجل الحيطان.
[من له جنة بالإرث وبالشراء وفي الجنة ساقية]
وسئل بعض الفقهاء عمن حصلت له جنة بالإرث من أمه وبالشراء من أبيه في مرضه الذي توفي منه وفي الجنة ساقية يجري عليها الماء فقال له صاحب الجنة ليس لك الدخول إلى جنتي ولا جواز عليها فقال رب الساقية عندي رسم بذلك فأخرج رسما فيه شهادة لها أمد بعيد مقتضاه نزلنا عن أمر القاضي فلان لاختبار الجنة التي يجري عليها الماء لجنة فلان فظهر لنا أن له التصرف في يوم جريان الماء في الساقية المذكورة إلى جنته، فهل قول الشهود ظهر لنا تملك للحقوق بمجرد الظهور؟ أم لا تكون شهادتهم عاملة إلا بعد استنادها إلى العلم؟
[412/8]
[413/8]فأجاب: إذا ثبت ممر الماء بوجه صحيح فلصاحب الماء اتباع مائه وإصلاح مجراه إن احتاج إلى ذلك بغير مضرة تلحق صاحب الجنة زيادة على الحاجة وليس له غير ذلك من تطرق لخدم ولا لغير ذلك وأما شهادة الشاهد فلا يحل له أن يشهد إلا باليقين الذي لا يدخله ريب وليس له أن يشهد بغالب الكف وظاهر الحال.
365/9] وأبي حنيفة أن لا يلزم التجويز إلا من أجاز بعد الموت لا قبله لكان حسنا. لا سيما ومخالفة البنات للوالد فيما أراد منهن عند موته يصعب جدا، وعذرهن في ذلك ظاهر، والنفوس مجبولة على حب المال والشح به، فانظروا في هذا كله.
[شروط إجازة الورثة الوصية]
وسئل رحمه الله عن شروط إجازة الورثة الوصية للوارث.
فأجاب: لإجازة الورثة الوصية للوارث شروط: أحدها كون المرض مخوفا منه الموت وقت التجويز، ثانيها أن لا يكون قد صح بعده وكان موته من مرض آخر بعد ذلك، ثالثها أن لا يكون في عيال الموصي ونفقته، أو تحت رفده وإرفاقه وإحسانه أو تحت دينه فيعتذر بعد الموت الوارث المسلم أنه خاف أن يقطع عنه إن صح أو يعنف عليه في اقتضاء الدين، رابعها أن يحصل القبض في حظ من سلم قبل فوت ذلك بموت الوارث المسلم أو مرضه المخوف الذي يتصل به الموت، أو بفلسه على احد القولين في المذهب، وهي الذي جرى به العمل عند أهل الوثائق فلا يسع خلافهم، خامسها أن يكون الورثة عالمين بأن الوصية للوارث لا تجوز إلا بإجازتهم، وأجازوا مع هذا العلم، سادسها أن يكون من مسلم مالكا لأمره جائز الفعل في ماله غير صغير ولا محجور عليه.
[من أوصى بوصية بعد أخرى]
وسئل عمن أوصى بوصية بعد أخرى، هل تكون الثانية ناسخة للأولى أولا ويتحاصان؟
فأجاب: أعرف في المذهب قولا أن الوصية بالثلث، ثانيا ناسخة للوصية به أولا، وإن لم يذكر النسخ، وأن القصد إليه كثر في هذه الأزمنة، والله تعالى أعلم.
[من عهد بثلث جميع متخلفه...]
وسئل عمن عهد بثلث جميع متخلفه لفلان يكون ماله وملكه، لا يشاركه فيه أحد، ثم عهد به بعد ذلك لشخصين آخرين وقال فيه لا يشاركهما فيه أحد.
[
فأجاب : إذا ثبت نسبه فله نقض القسم وابتداؤه ، وله الرجوع في الغلة على من لم يترك له شيئا من الورثة ، وأما من ترك له فلا مقال له فيه ولو بات بحجة مقبولة في قوله ظننت عدم الثبوت إذ قد اعترفوا له بصحة النسب ، ولا يعدم معرفة الغلة إذا كان عالما بمبلغ السنين ، إذ لا تكاد تتفاوت ، وقد اختلف في هبة المجهول إذا تفاوت ما ظهر منه عما يظن عن الواهب .
[من اعترف بابن عم له وثبت الاعتراف إلى أن توفى]
وسئل أصبغ بن محمد عمن اعترف بابن عم له وثبت الاعتراف إلى أن توفي عن شقيقه وهذا المقر به فأثبت الآخر أنه أخ المقر له وأراد قسمة ما حصل له والاستشفاع بما باعه .
فأجاب بأن لا دخول معه بوجه ، وبه أفتى ابن رشد وقال إنما توريثه استحسانا لا قياسا لو أقر له المقر له لدخل معه فيما أخذ وفي ثمن ما باع ولا شفعة له فيما باع لما تعلق به من حق المبتاع ولو قال لا أدري هل أنت ابن عمي أولا فلا يدخل معه ، وبه أفتى ابن العواد وقال إنما توريثه على قول ابن مسعود ، وإنما هو إقرار له بمال .
وقال ونزلت أيام الشيوخ مسألة تقرب من هذه وهو أنه أقر رجل بأخوين أنهما إبنا عمه ، فمات أحدهما قبل موت المقر ، ثم مات المقر ، فأراد الباقي أخذ كل المال ، فأفتى فقهاء العصر أنه ليس له إلا نصف المال ، إذ لم يقر له [349/10] بأكثر من ذلك ، فكذلك هذه ، وحكى هذا ابن سهل ، ثم حكى عن ابن مالك وابن فرج أن جميع المال للباقي منهما وطول في ذلك ، وسيأتي إن شاء الله تعالى .
[من حضرتها الوفاة فاعترفت أن زوجها عاصبها من جهة العمومة]
وسئل ابن الضابط عمن حضرتها الوفاة وورثها زوجها وابنتها فاعترفت الآن أن زوجها عاصبها من جهة العمومة فهل إقرارها مفيد ويأخذ فاضل ميراثها أم لا ؟
344/11] من بنائه جواز تسميته تعالى بالدهر ومنعه على اختلافهم في جواز التسمية بما ثبت بخبر الآحاد، فإن ذلك لا يتم له إلا لو سلمنا أن هذا الحديث يدل على تسميته تعالى بالدهر، كيف والقرائن متصلة ومنفصلة تمنع من ذلك؟ واللفظ إذا دلت قرينة واحدة فكيف بقرائن كثيرة على قصد التجوز به منه أن يقال: دل على الحقيقة أو ثبتت به الحقيقة، لأن الحقيقة والمجاز من عوارض الدلالة باللفظ، لا من عوارض اللفظ. والدلالة راجعة إلى ما يقصده المتكلم بلفظه، فحيث قام الدليل على مقصوده فلا ثبوت لغيره من لفظ، إلا دلالة اللفظ عليه. فإذا هذا البناء رمى به هذا المفتي في غير محله إن كان بناه لنفسه، وإن كان تابعا فيه لغيره فقد بان بما ذكرناه ضعفه أو فساده كائنا من كان. وبهذا تعرف أيضا ضعف ما أتى به المفتي المذكور من بحث وجواب في قوله لا يقال: يتعين أيضا تأويله على المذهب الأول لإيهام الفساد، لأنا نقول: الموجب لصحة الإطلاق في المذهب الأول التوقف، لا توقيف المقيد بعدم الإيهام لامتناع كون العدم علة أو جزء علة في الحكم الثبوتي انتهى. وذلك أنه يقال له: قد بأن بما سبق من المرجحات، أنه لم يثبت من الشرع توقيف بتسميته تعالى باسم الدهر، إذا القرائن المتصلة دلت على أن الشارع لم يقصد في ذلك الحديث إلى إثبات التسمية، بل إلى إثبات حكم من أحكام الألوهية، والمانع عندنا من حمل الحديث على التسمية ما قررناه أولا لا إيهام الفساد الذي اعترضه هذا المفتي، على أن اعتراضه عليه أيضا ساقط، لأن من يعتبر نفي إيهام الفساد في جواز تسميته تعالى، إنما يعتبر على أنه شرط أو عدم مانع، وكلاهما ليس علة ولا جزء علة ثم أيضا لا نسلم أن التوقيف من الشرع علة لصحة الإطلاق، كما اعتقده هذا المفتي، بل دليل، لأنه نص على حكم شرعي ونصوص الأحكام الشرعية أدلة عليه لا علل لها.