فأجاب يجوز التوسل إلى مولانا العظيم الكريم بأحبائه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد توسل عمر بالعباس رضي الله عنهما, وكان ذلك بمشهد عظيم من الصحابة والتابعين, وقبل مولانا وسيلتهم وقضى حاجتهم وسقاهم. وما زال هذا يتكرر في الذين يقتدى بهم فلا ينكرونه, وما زالت تظهر العجائب في هذه التوسلات بهؤلاء السادات نفعنا الله بهم وأفاض علينا من بركاتهم. وورد في بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بعض الناس الدعاء فقال في أوله قل: اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة. فقال الإمام الأوحد عز الدين بن عبد السلام: هذا الخبر إن صح يحتمل أن يكون مقصورا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه سيد ولد آدم, ولا يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء, لأنهم ليسوا في درجته, وأن يكون هذا إنما خص به نبينا على علو درجته ومرتبته انتهى.
قلت: جاء هذا فيمن يتعلق بالقسم على مولانا العظيم, لا فيما يرجع إلى التوسل إلى الله سبحانه, والله الموفق بفضله.
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب: هل يشترط في حق المأمومين في صلاة الجنائز أن تكون الجنازة أمامهم؟ وذوكر بما وقع في تبصرة اللخمي حين تكلم على المشي مع الجنازة, وقوى القول بأن المشي أفضل, وضعف من وجه خلافه بكونهم شفعاء, فإن الشفاعة إنما هي في الصلاة خاصة.
فأجاب إن كلام اللخمي كاف في المسألة حيث قال: ولا خلاف أنه لا يجوز حين الشفاعة وهو وقت الصلاة أن يجعل الميت عن خلفه ويتقدم ويشفع(¬1) الخلاف, ولا يصح تقييد اطلاقه بالإمام, لأن مبناه على مسألة
[
وأيضا فعلى تقدير أنه حمل كلامه على مدلوله العرفي الحادث فيحتمل أن القائم لم يصدق النائب أنهم شرفاء لكونه ممن لا تقبل شهادته لهم، إما لكونهما مسخوطين أو لما بينه وبين ابن فلان من صداقة أو قرابة، فيتهمه أن يكون حماهما بذلك ويوقعه في عظيم من الشناعة والاشاعة
[371/2]
[372/2]
ويدل على ذلك ما قاله القاضي رحمه الله في كتاب الشفا فإنه قال ما نصه: لو قال لرجل من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم قولا قبيحا في آبائه من نسله أوولده على علم أنه من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اتفق لي مع القاضي ابن عبد السلام رحمه اله أيام نظري في القيروان ما أذكر، وهو أن رجلا تشاجر مع رجل في مطالبة بينهما وارتفعت أصواتهما وارتفع بينهما الكلام، فقال المتعالي على الآخر منهما صل على محمد، فأجابه بأن قال لا صلى الله عليه. انتهى كلامه الخطأ الزائف، صلوات الله وسلامه على محمد وعلى أنبيائه أجمعين. وشهد عليه بذلك ثلاثة من الناس وزكوا واعذر إليه. فأجابني رحمه الله: ولعل قوله لا صلى الله عليه(¬1)يعني القائل له صل على محمد، لكنه أبقوه في السجن حتى يلطف الله، فأبقيته في السجن حتى انفصلت عن النظر من القيروان.
فأنت ترى كيف التمس له هذا التأويل البعيد جدا مع إنكاره أن يكون قال له شيئا، ومع التحامل على وضعه ضمير الغيبة في موضع ضمير المخاطب. ولكن الخطب شديد في عظيم حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وفي عصمة دم المسلم. والذي عندي في المسألة أنه لا يترتب على من سب أو دعا أو تنقص إلا بشرطين اثنين: أحدهما أن يحمل اللفظ على مدلوله العرفي، والثاني أن يصدقه في ذلك. فإن عدما أو أحدهما فالذي عندي فيها أنه يؤدب أدبا موجعا شنيعا ويطال حبسه.
[ من رجع عن شهادة هل يقبل في غيرها ]
مسائل سئل عنها المؤلف وأجوبتها ]
*وكتب إلي يسألني الفقيه العدل والبركة الفاضل أبو العباس أحمد ابن الشيخ المبارك الصالح أبي عبد الله محمد الخالدي أكرمه الله عن عدة مسائل بما نصه : الحمد لله وحده ، وإليه يرجع الأمر كله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، إلى السيد الفقيه المدرس المحقق العالم العلامة المفيد الحافظ القدوة ، فاتح أقفال الغوامض والمعضلات ، ومظهر أسرار المشكلات ، سيدنا وبركتنا ، وإمام عصرنا ، ومصباح زمننا ، سيدي أبي العباس أحمد ابن الشيخ الفقيه المنعم المبرور المقدس المرحوم بفضل الله تعالى أبي زكريا يحيى الونشريسي أبقى الله تعالى بركاته ، نرغب إليكم في جوابكم الشافي بما ثبت عن الأئمة المتقدمين نصا ، أو بما أفتى به مشايخ الدين من المتأخرين تخريجا ، أو بما ظهر لكم بسديد نظركم قياسا ، وتبينوا لنا من المسائل المقيس عليها عن مسائل قد أشكلت علي ولكم الأجر ، والسلام عليكم .
منها : إذا قال الرجل ابنتي فلانة قد أعطيتها لولد أخي أو لولد فلان ، والولد صغير وليس له وصي ولا مقدم من قاض يقبل له النكاح ، وبقي الأمر إلى أن بلغ الصبي وأجاز ذلك العقد ، هل هو نكاح فاسد أو صحيح ، وهل هو من باب إيجاب النكاح إن كان إيجاب النكاح لا يفتقر إلى القبول بالقرب ، وكيف إن كان له كافل وقبل له النكاح بالقرب ، هل قبوله عامل إذا قبل الصبي بعد بلوغه ، أم لا ؟ وإن قلتم بصحة النكاح في الفرض الأول إن زاد فيه إن خرج مثلا طالبا أو فارسا وخرج كما شرط ، هل يلزم البنت هذا النكاح أم لا ؟
ورد سيدنا الإمام ابن عرفة هذا الفراق قائلا: لا يلزم مساواة العلة الشرعية العقلية في جميع الأحكام، إذ الشرعية يمنعها مانع بخلاف العقلية لا يمنعها، ومبني الفرق على لزوم المساواة ملزما له الجمع بين الضدين في قول القائل: إن تزوجتك فأنت طالق، مفرقا بأن الطلاق المتبع للخلع تأخر إنشاؤه على الخلع، فلم يجد محلا، بخلاف المعلق تقدم إنشاؤه على الخلع، ولذا يلزم من كان حين وقوع الشرط قائما. وذا يناسب جعل ثبوته مقارنا للخلع فيلزم.
ويمكن إجراء هذه المسألة المسؤول عنها على مسألة من قال لزوجه إن وقع عليك طلاقي أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق. هل تلزمه طلقتان في الأولى وثلاث في الثانية بطلاقه إياها قبل البناء؟ بناء على أن المعلق عليه واقعا في زمن واحد (¬1). فالمحل موجود، أو واحدة فيهما؟ إذ المعلق بعد المعلق عليه فلا محل، وهو نقل ابن شاس عن سحنون، وتبعه ابن الحاجب قائلا على
[374/4]
[375/4]
ومن ذلك أيضا وهو نص ما في مسألتنا نقله أبو محمد ونقله الباجي أيضا وجعله أصلا وقاعدة كلية في كل ضرر قديم قال من كتاب ابن سحنون سأل حبيب سحنونا عن قتادة في حائط رجل قديمة وهي مضرة بجاره فقام عليه فقال لا يغير القديم وإن أضر بجاره، وسأله عن أفران توجد للفخار بين الدور منها القديم والحادث فربما شكا جيرانها أذى دخانها وربما أمسكوا فكتب إليه القديم منها لا يتعرض له انتهى، ونقل أبو محمد قال رجل لأشهب في أرض وعين بينهما أرض لرجل منعني من إجراء عيني لأرضي في أرضه، قال إن كانت أرض جارك أحييت بعد إحيائك العين وأرضك فلك المر في أرضه، وإن تجري ماءك فيها إلى أرضك انتهى، قلت ولعل ما في المدونة لابن القاسم من إيهام منع هذا من الإجراء هو إذا لم يجي قبله فيكون قول أشهب وفاقا ويحمل ما في المدونة على أن انشاء صاحب العين كان بعد إحياء المتوسط، على أن المنع ليس بصريح في المدونة، ولذا اختصرها البراذعي على السؤال والجواب لأنه لم يرها جوابا، وقال في المدونة بأثر هذه المسألة وهي أيضا من شواهد أن القديم لا يغير، ولو كان له في أرضك مجرى فأراد أن يحوله في أرضك إلى موضع أقرب إليه فلك منعه، وليس العمل على ما روى عمن عمر في هذا انتهى، ولها تعلق بمسألتنا فإن مجرى البلد المذكور مستحق
[338/5]
لأرباب الدور والجنات وغيرهم من أهله، فمن أراد تحويله أو قطعه لم يمكن من ذلك ومأذون لأصحابه في الانتفاع به فلا يضمن ضرره حسبما تضمنته المقدمة الثانية، ودليلها ما مر للمدونة وغيرها ولسحنون في القناة والفرن وما يأتي إن شاء الله من أسئلة ابن رشد، سئل عمن في أرضه ساقية مبنية قديمة يجري ماؤها لسقي جنات تحتها وطحن أرحى فأراد نقلها إلى أعلى أرضه وإخراجها بعد ذلك إلى مخرجها من أرضه الأولى وأبى ذلك أصحاب الأرض.
فيما عند الناس من فضل الطعام إذا احتيج وفيمن يريد أن يبيع في غير السوق، وفيمن يريد أن يشتري في الغلاء قوت سنة. قال يحيى بن عمر في المحتكر إذا احتكر الطعام وكان ذلك مضرا بالناس في السوق: أرى أن يباع عليهم ويكون لهم رأس مالهم، والربح يتصدق به أدبا لهم وينهوا عن ذلك. فمن عاد ضرب وطيف به وسجن.
[ التسعير ظلم، لا يعمل به من أراد العدل]
وسئل ابن القاسم عن قول مالك: ينبغي للناس إذا إلا السعر واحتاج الناس إن يبيع ما عندهم من فضل الطعام أن يبيعوا. قال: إنما يريد مالك طعام التجار الذين خزنوا للبيع من طعام جميع الناس إذا اشتدت السنة، واحتاج الناس إلى ذل، ولم يقل مالك: يباع عليهم. ولكن قال: يأمر بإخراجه وإظهاره للناس، ثم يبيعون ما عندهم مما فضل عن قوت عيالهم كيف شاؤوا ولا يسعر عليهم.
قيل: فإن سألوا الناس ما لا يحتمل من الثمن؟ قال: هو مالهم يفعلون فيه ما أحبوا ولا يجبرون على بيعه بسعر يوقت لهم. هم أحق بأموالهم. ولا أرى أن يسعر عليهم. وما أراهم إذا ارغبوا وأعطوا ما يشتهون أن لا يبيعوا. وأما التسعير فظلم لا يعمل به من أراد العدل. وما قال يحيى: قوت عيالهم يعني قوتهم سنة كانوا تجارا أو حرثوا لأنفسهم، فترك لهم قوت سنة ويؤمرون ببيع ما بقي.
[426/6]
[يؤمر البدوي بعرض طعامه في الأسواق العامة]
قال يحيى وأرى على صاحب السوق أن يأمر البدويين إذا أتوا بالطعام ليبيعوه فلا يتركوه في الدور والفنادق، وأن لا يبيعوه في الفنادق ولا في الدور، وأن يخرجوه إلى أسواق المسلمين حيث يدركه الضعيف والعجوزة الكبيرة.
359/7] فأجبته بما نصه: الحمد لله تعلى المنصوص لابن القاسم والمعلوم من مذهبه في رسم إن خرجت من سماع عيسى وروايته عن مالك في رسم البز من سماعه, أن المبدأ من أهل الحبس فيما كان من سكنى أو غلة أهل الحاجة حيث كانوا, فهم يبدؤون وإياهم يؤثر وليس يقسم ذلك بينهم على عددهم, ولكن على كثرة عيال أحدهم وعظم مؤونته أو خفة مؤونته على قدر ما يسع كل واحد منهم من قدره وقدر عياله, فإذا سدت حاجتهم وفضل عنهم فضل, رد عل الأغنياء كل واحد منهم على قدر ماله وكثرة حاجته, وليبس العزب المنفرد كالمتأهل المتعيل, والحاضر أولى بالسكنى من الغائب, والغائب المحتاج, اولى من الغني الحاضر, على الاجتهاد مايرى واليها والناظر فيها, ولا يخرج أحد من مسكن كان يسكنه, ومن انقطع عن البلد الذي حبس عليه فيه, كان من أقام أولى منه إذا كان سكناه البلدة التي خرج إليها سكنى انقطاع, وإن قدم منها لم يخرج له غيره, وغن كان القادم أحوج منه لأنه لم يسكنه الذي هو فيه على وجه الضرورة, وإنما سكنه حيث تركه القادم وانقطع عنه.
فإذا علمت هذا فالمستغني من أهل الحبس الخارج باختياره من الدار المحبسة, لا حق له في كراء ولا سكنى, قال في المدونة عن مالك ومن حبس على ولده دارا فسكنها بعضهم ولم يجد بعضهم فيها مسكنا, فقال الذي لم يجد مسكنا أعطوا لي من الكراء بحسب حقي, فإن ذلك ليس له, ولا يخرج أحد لأحد, لكن إن غاب أحد ومات سكن فيه غيره, قال ابن القاسم معن قوله: إن غاب أو إن كان يريد المقام في الموضع الذي غاب إليه, وأما إن كان يريد أن يسافر إلى موضع يرجع, فهو على حقه. انتهى.
وما قدمناه من عدم استحقاق الخارج المستغنى بشيء من الكراء والسكنى, مقيد بما إذا لم يكن في السكنى فضل, وأما إن كان في السكنى فضل, فله على أحابه قسطه, ما لم تكن الدار المحبسة على أن سيكن المحبس عليه شرطا من المحبس, فليس لهم حينئذ أن يخالفوا ما
[
411/8]ما يبقى من الماء بعد النزع وجرت العادة بأن موضع أهل السقي يفتحون الأم مهما احتيج إلى فتحها ويسرحون(¬1) ما يجتمع فيها من أتفال فأتى رجل دباغ فأحدث بقرب ذلك دار الدبغ والتزم فتح بعض هذه الأم مهما امتلأت على أن تجري إليها قناة الدار التي أحدثها للدبغ فهل يصح ذلك ويجوز أن يؤذن له في ذلك؟
فأجاب: هذا كراء مجهول لا يصح ولا يجوز فيه الإذن. قيل مثل هذا ما وقع بدار الدبغ بداخل سور القيروان أنه مهما وقعت المادة من السور التي تخرج فيها الساقية أن أرباب الدور يبنوها وهذا كراء مجهول إن كان بناؤهم يزيد على قدر ما يتضرر به من سمر (كذا) الساقية وإن كان قدر ما تفسد بينوه فهو حكم شرعي يشترط لأن سبب الهدم قناتهم. وفي العتيبة في خليج لرجل تجري تحت جدار لرجل آخر يجري السيل فيه فهدمه فقال صاحب الحائط لصاحب الخليج ابن لي حائطي وقال الآخر لا أبنيه فقال مالك أرأيت لو أراد صاحب الخليج الذي أفسد حائط الرجل، ابن رشد لأن حائط الخليج ساق الماء فأشبه سائق الدابة في وجوب ضمان ما وطئت الدابة فإذا كان رب الحائط يسقي به الضمان لأنه ساق الماء معه فلم يغتر.
وسئل ابن زيتون عن مسجد قديم الموضع فخرب ما حوله من الديار فأحدثت بجوار المسجد دور للدبغ ثم قام بعد زمان محتسب وقطعها ونقلها إلى خارج البلد ثم أراد الآن بعض أرباب الدور إعادتها للدبغ فأنكر عليه من أراد الاحتساب في حق المسجد لما ينالهم من نتن الدبغ وتغيير مائه وما يخالطه من نجاسة مع تقدم بناء المسجد وحدوث ما ذكر أهل المسجد.
فأجاب: ليس لهم إعادة الدور للدبغ إذا كان ريح الدبغ ونتنه مؤذيا
[411/8]
[412/8]لأهل المسجد وتقرر النهي عن دخول المسجد لأكل الثوم على أن الريح المنتنة من الضرر.
364/9] إن كان الحبس معينا لمن يولد فاستحقه صنف ثم إنه انقرض في حياة المحبس وبقي الحبس لمن يولد بعد قال لا يوقف الحبس في الفترة بعد المحبس عليه في حياة المحبس عليهم إلا أن يولد له، لأنه يمكن أن لا يولد له حتى يموت فيكون توقيف الغلة عمن يجب له من المرجع الذي جعل مرجعه إليه ضررا.
[من أوصى بحانوت ينفق من غلتها على يتيمة حتى تكبر وتتزوج]
وسئل ابن فرحون عن رجل أوصى أن يدفع بعد موته لصبية بكر غلة حانوته ينفق عليها منه إلى أن تبلغ وتتزوج ويدخل بها، وعاش الموصي إلى أن بلغت الصبية وتزوجت، ثم مات الموصي قبل الدخول بها، وقد أوصى بثلثه للمساكين، فهل تحاصصهم هذه الصبية بوصيتها ويباع ثلث الميت حيثما كان؟ وبماذا تحاصصهم؟ هل بعمر أو بوقت دخول مثلها أو إن كان مضى للعقد عليها ما جرت به العادة للابتلاء، يلزم الزوج البناء وتبطل الوصية.
فأجاب: الذي أرى وأقول به أنها تحاصص الموصى لهم بقدر ما ينوبها إلى أن يدخل بها كما ذكر الموصي، إلا أن تمتنع ويعلم أن امتناعها لأجل الوصية فيسقط حقها من وقت امتناعها ونحو ذلك لابن القاسم، وبالله التوفيق.
وأجاب يوسف بن أحمد: يجب أن يحاصص أهل الوصايا بما يمكن أن يتأخر دخول مثلها لمثل الزوج، ولها نظائر في مذهب مالك، رحمه الله.
[من أوصى لذكور أولاده بوصية فأجازها الإناث في حياته]
وسئل الأستاذ أبوسعيد بن لب، رحمه الله عمن أوصى لذكور أولاده بوصية فأجازها الإناث في حياته.
فأجاب: الغالب على مقاصد أهل البوادي اليوم الخروج في وصاياهم للورثة عن معنى القربة بالجملة، وإنما المعلوم من شأنهم في مثل هذه النازلة إيثار الذكور ببعض المتروك عوضا عن النحل التي خرج بها الإناث فصار ذلك فرارا ببعض المال عن بعض الورثة لا بقصد التقرب إلى الله تعالى في الوصية، فلو حكم في هذه الأزمنة لأجل هذا بقول ابن الماجشون والشافعي
[
وسئل الفقيه أبو القاسم بن مشكان عمن سلم في نفقة ابنته على أن سلم أهل أمها في جميع ما يخصهم بالإرث منها وبقيت الطفلة في كفالة جدتها لأمها إلى حين وفاته فسئل أبوها عن إنفاقه عليها فقال : ما أنفقت عليها شيئا إلا بعض هدية ، وشهدت بذلك بينة ، ثم عاتبه بعض أهله في هذا الإقرار فرجع وقال : أنفقت عليها وهي مع جدتها لأمها في غير بلد سكناه هل إقراره الأول أو دعواه الثانية عامل ؟
فأجاب : إذا تقدم من الأب إشهاد بما ذكر لم يلتفت بما وقع بعد ذلك .
[وجه قول ابن القاسم في الذي يقر لابنه وأجنبي]
وسئل الفقيه أبو محمد بن أبي زيد عن وجه قول ابن القاسم في المدونة في مسألة الذي يقر لابنه وأجنبي فما يصير للولد دخل فيه الورثة ،كيف هذا ولا ميراث إلا بعد أداء الدين ؟ فإن اتهموه في إقراره للابن بطل ، وإلا وجب له .
فأجاب : قول أشهب يبطل الإقرار للابن لأنه يؤدي إلى أنه متى حصل شيء للورثة أخذه الأجنبي ودخل معه الابن في المخاصمة ثم وجه قول ابن القاسم .
[348/10] [من توفى وترك ورثة وقد كان أقر بدين لبعض الورثة]
وسئل عمن توفي وترك ورثة وقد كان أقر بدين لبعض الورثة وغيرهم فكتم الوارث وغفل الشهود وقسمت التركة ، فلما حضرت الوارث المقر عنده الوفاة اعترف بالابن وأعطاه سهمه في الذي بيده وقاله في غلة ما مضى من السنين وكذا تطوع وارث أقر بنصيبه مما تصير له وحالات الولد أيضا فيما مضى من الغلة ثم ثبت إقرار الميت بولد فقام يطلب نقض القسم وطلب ما سامح فيه من الغلة وقال فعلته بجهلي بقدره وظننت أن لا بينة لي فهل له رجوع في ذلك وفي الغلة على بقية الورثة ونقض القسم أولا ؟
قلت: تلك القاعدة مختلف فيها، وقد قيل: إن النص على علة حكم كاف في تعديته لجميع محال العلة من غير احتياج إلى تعبد بذلك. فإذا بنينا على هذا القول فلا إشكال، وإذا بنينا على الأصح، فإنه لا يكفي دون التعبد بالقياس، فالشرع إنما نهى عن سب الدهر لاعتقاده الفاعلية فيه بعد أن عبدنا بالقياس، فيلزمه من جهة التعبد بالقياس، تعدية حكم السب لمن وجدت منه الفاعلية حقيقة، وهو مولانا جل وعز. وأيضا لو لم يكن فيه إلا سد الذريعة وحماية الجناب الأرفع عن التعويضات المحرمة، وليست هي من باب القياس لكان كافيا في المنع، بل لو لم يكن فيه إلا التسخط بالقضاء المحرم بإجماع لكان أيضا كافيا في المنع.
فهذه أوجه ظاهرة لنا في ترجيح ما اخترعناه من منع حمل الحديث على ظاهره في جواز تسميته تعالى بالدهر، كل واحد منهما يستقل وحده بتعيين صرف اللفظ عن ظاهره، فكيف عن اجتماعها؟ وبعضها يكاد يكون قطعيا.
وقد انعقد الإجماع على وجوب العمل بالراجح، فكيف بما شمت فيه روائح القطع، وبهذا يعرف ضعف أو فساد ما نقله السائل عن بعض أيمة تلمسان،
[