وأمل ابن ماجه فقال فيه: حدثنا نصر بن علي الجهضمي, حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا اسماعيل بن مسلم المكي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن ملك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت تجزىء عنه الفريضة, ومن اغتسل فالغسل أفضل. فهؤلاء الرجال كما ترون كل مشهور باتلفضل والعدالة. وأما الترمذي فقال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى, حدثنا سعيد ابن سفيان الحجدري, حدثنا شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت, ومن اغتسل فالغسل أفضل. قال وفي الباب عن أبي
[39/1] هريرة وعائشة وأنس, قال أبو عيسى حديث سمرة رواه بعض أصحاب قتادة عن الحسن بن سمرة بن جندب, وروى بعضهم عن قتادة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا انتهى. فإن كان المقال هذا المقرر من اضطراب الاسناد والارسال فالأمر قريب لما علمت من مذهب من يرى راجحية المرسل المطلق, فكيف بما يقوى بالاسناد, وإن كان غير ذلك فما عملته, هذا ما يخص السنن, وأما وجه استدلاله منه فقد بينه هو, ويزيده وضوحا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل التقسيم بين الوضوء والغسل, فأحدهما قسيم الآخر, فإذا ثبت أحدهما انتفى الآخر وبالعكس. فيكون الغسل مجردا عن الوضوء أفضل فيكون مجزئا عنه.
فلنقتصر على ما أشرنا اليه من مباديه , واليك تمامه : سلمنا أن ما جمعتم به
أرجح وان تسميته الأولى نسيكه مجازا لكنكم بنيتم بحثكم في تضعيف منع
البيع واباحته على ان عله منع البيع متحدة , وهى كونها نسكا ضحية , وعلى
ان هذه العلة انتفت , فان تسميتها نسيكه مجاز , فينتفي الحكم , ونحن من
وراء المنع في المقامين .
أما الأول فلجواز كون منع البيع معللا بقصد الذابح النسك وان جهل
كونه مجزيا كما أشرنا إلى هذا الأصل فيما تقدم , وكما نص عليه (ابن حبيب ) في
التضحى بالمعيبة كما تقدم , والجامع ان كلا منهما لا يجزئ أضحية , فتبين عدم
انحصار عله منع البيع فيما ذكرتم . ولعل قصد ( أبى برده ) النسك بألاول هو
الموجب لأضافتها اليه في قوله صلى الله عليه وسلم " نسيكتك " أى بجعلك الأول
كذلك .
واما الثاني على تقدير تسليم الأول فمبنى على اشتراط عكس العلة , وفيه
من الخلاف ما قد علمت . فتلخص من هذا ان استدلال ( القابسى ) أو غيره
على منع البيع بلفظ الحديث ليس هو من حيث أن يقتضي كونها نسكا مجزئا
في الأضحية , فانه منفى بقوله " ليس من النسك في شئ " بل من حيث قصد
النسك بها . وربما يقوى هذا الاعتبار قوله في الحديث ان هذا " يوم اللحم فيه
مكروه أو اللحم فيه مغروم وأنى عجلت نسيكتى لأطعم أهلي وجيراني أهل دارى "
وفى معناه أيضا قوله " وذكر هبه من جيرانه " وهذا يدل على أنه قصد
[44/2]
[45/2]
بهذه الذبيحة التقرب إلى الله تعالى أما ضحية أو صدقه , وهو قصد مانع
البيع .
تنبيه : قولهم سماها نسيكه مجازا لاعتقاد ( أبى برده ) ذلك ظاهر الاشاره
بنقلك إلى اعتقاده القربة بالطلاق واعتقاده كذلك حقيقة لا إلى اعتقادها
قربه مجازا , لأنا لا نطلع على ذلك , ولأن الظاهر من أمره اعتقاد الحقيقة ,
وحينئذ يكون المعنى سميت قربه مجازا لاعتقاده ( أبى برده ) كونها قربه حقيقة ,
=فأجاب الفقيه الصالح أبو سالم إبراهيم بن عبد الله اليزناسني رحمه الله بأنه لا حد عليها ، وقد قالوا في عين المسألة إنه لا حد عليها ؛ لأنها تقول سمعت بموته ونعي لي ، لكن هذه إنما ذكرت ذلك بعد قولها ظننت ، وقد يكون ذلك بسبب ظنها ، وإن قلنا إن ذلك ليس بسبب الظن ، فهنا أيضا طول الغيبة دليل على الموت ؛ لأن الغالب مع الحياة الأوبة والرجوع ، وقد يقال : إن رجوعها من الظن إلى قولها الثاني ، تعذر به لدرء الحد بالشبهة ؛ لأن هذه الشهادة ليست على الزنا والله الموفق للصواب .
=وأجاب الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم بأن المرأة المذكورة يجب[38/3]عليها الحد إن اعترفت بإصابة الزوج وتبين كذبها فيما ذكرت من موت الأول ، وذلك بأن لا يسمع ما قالت من غيرها ، ولم تعذر بجهل والله أعلم .
=وأجاب الفقيه أبو محمد عبد العزيز القيرواني أكرمكم الله تعالى أنه يدرأ عن المرأة المذكورة الحد لقوله عليه الصلاة والسلام : «ادرءوا الحدود بالشبهات» لا سيما من يجهل ذلك واله الموفق للصواب والسلام عليكم والرحمة والبركة .
وأما إذا اشترط المطلق على زوجته مؤنة رضاع ولده حولين أو فوق ذلك، وهي المسألة الثامنة، فقال في رسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب التخيير والتمليك: وسئل عمن صالح امراته على أن عليها كفل ولد منها ثلاث سنين لا تتزوج، فقال: أليس قد كانت ترى أن هذا الشرط لا يجوز، وأنه ليس من شروط الناس، وثلاث سنين مثل عشرة، أريات إن قال لها: لا تتزوج خمس سنين، يشترط تحريم ما أحل الله، قيل له: أرأيت إن شرط عليها ألا تتزوج حتى تفطم ولدها؟ قال: يشترط عليها تحريم ما أحل الله! قيل له: أفترى لها أن تنكح؟ قال: لا أدري، قال الله عز وجل: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ (¬1) على تحريم ما أحل الله، قال ابن نافع: وكان مالك لا يرى
[36/4]
[37/4]
بأسا أن تنكح وإن اشترط كفله عليها، وأما أنا فلا أرى أن تنكح في الحولين إذا اشترط ذلك علهيا، قال ابن رشد في كتاب ابن المواز: إن ذلك يلزمها، ولا تنكح حتى تفطم ولدها، مثل قول ابن نافع، ويأتي على ما في المدونة أن المرأة إذا آجرت نفسها ظئرا فليس لها أن تتزوج، أنه ليس للمصالحة على رضاع ولدها أن تتزوج في الحولين وإن لم يشترط ذلك عليها، وما في رسم الرهون من سماع عيسى من هذا الكتاب: أنه ينظر في ذلك فإن كان يضر بالصبي (¬2) لم يحل بينها وبين الصبي التزويج قول رابع في المسألة، وإنما وقع الاختلاف في هذا لما يتقى من ضرر ذلك وما كانت العرب تغتفره من ذلك حتى هم النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى عن ذلك، وأما اشتراطه عليها ترك النكاح بعد الحولين مدة قريبة أو بعيدة فلا اختلاف أن ذلك لا يلزمها، كما لا يلزم الزوج اشتراط ذلك عليه.
فأجاب: الجواب، وبالله التوفيق، أن الزوجة إن كان لها بينة أنها دفعت لزوجها ما نابها في حظها من بنء الدار وعلم البينة يكون بالإشهاد على الزوج أو اعترافه أنه توصل لذلك فبهذا تكون براءتها مما يجب عليها، وإن لم تكن لها بينةن فيجلب من الورثة من يظن به العلم أنه لا يعلم أن موروثه توصل لشيء
[40/5]
مما ناب الزوجة من البناء، فإن نكلوا عن اليمين فتحلف الزوجة إنها دفعت وتبرأ، فإن نكلت سقط حقها، وأما سكوتها على بيع زوجها حظها من الفدان وأصل التوت وعلمها بذلك فيعد ذلك رضي منها بما فعل، واعترافها بأن زوجها قال لها: نعطيك فذلك دعوى منها، ولو فرضنا أن تقوم لها بينة بذلك لم تسمع، لأن قوله: نعطيك فعل مستقبل ووعد لم يتم، فهذه الزوجة ليس لها إلا حظها من ثمن المبيع لعلمها وسكوتها، والسلام على من يقف عليه من كاتبه محمد القرعة لطف الله به.
[زوج امرأة لها عصبة صغار باع ربعا متخلفا عنها
ثم رشد أحد العصبة]
وسئل القاضي أبو عبد الله بن أحمد الفشتالي رحمه الله عن مسألة امرأة توفيت فورثها زوجها وولد أخيها فعمد الزوج إلى موضع من المواضع المتخلفة عنها وباعه، وتحصل حظ أحد الغاصبين من ثمنه بيده، وهذا الغاصب حينئذ صغير مهمل، ثم بلغ هذا الغاصب الحلم وملك أمره، واشترك مع الزوج المذكور في تجارة، وبقي شريكا له مدة إلى أن جرى بينهما شنآن بسبب الشركة، ثم وقع بينهما تفاصل في جميع المطالب والحقوق، ولم يقع فيه منهما تنبيه على ما تحصل بيد الزوج للعاصب من ثمن الموضع المذكور، ولم يصرحا به، ثم إن العاصب المذكور تصدق بجميع حظه الصائر إليه بالإرث من عمته المذكورة على رجل فقام المتصدق عليه واستظهر على ورثة الزوج لكونه توفي بالرسم الذي أشهد فيه على نفسه بحظ العاصب المذكور من ثمن الموضع المذكور، وطلبهم بذلك، واستظهروا عليه برسم التفاضل الواقع بين مورثهم وبين المتصدق، بينوا لنا الحكم في ذلك مأجورين مشكورين والسلام.
وقد ذكر لي مولاي الوالد رحمه الله أن الشيخ الفشتالي قاضي فاس رحمة الله عليه، كان يفتي بالشاذ في مسألة المضغوط، ويعتل بمثل ما ذكرت. وبهذا علل صاحب القول قوله فقال: بيع المضغوط أحق باللزوم من بيع غيره، لأنه أنجى له نفسه. والقول الشاذ قوي الدليل، ولكن الناس يقولون بلسان مقالهم وحالهم: اقض لنا أيها القاضي على الجادة. والجادة المشهور والله الموفق بفضله.
وأجاب غيره بما نصه:
ما أخذه المضغوط على وجه الاستسلاف رده، وما أتلفه بالبيع فالأكثر أن له رد المبيع وعليه الثمن إن صرفه في منافعه. فإن أخذه الضاغط من يد المبتاع أو وصل إليه من يد البائع، فله أخذ مبيعه ولا غرم عليه. وقال سحنون(¬1): إن كان المبتاع دفع الثمن للبائع، فليس له سبيل إلى ما باع إلا بعد غرم الثمن.
وقال ابن كنانة: البيع لازم غير مفسد، وهو أحرى بوجوبه ولزومه، لأنه أنقذ به نفسه من العذاب ومن السجن.
قال بعضهم وهو اختيار بعض قضاة فاس من كبرائهم، كان يأخذ بهذا المذهب ويقضي به. وكان الحاكي يرجحه.
[42/6]
قال بعض الكبار: وإليه تركن النفس، لما ذكر الذاهب إليه من علة الحكم والحمد لله أولا وآخرا.
وأجاب أبو حفص سيدي عمر القلشاني(¬2) بما نصه: نصوص المذهب متظافرة أن بيع المضغوط غير لازم، وأن له الرجوع في عين شيئه، دون ثمن يدفعه إن كان الذي اشتراه عالما بالغصب. وأما شراء المضغوط لسلع بثمن عين ممن يعلم بضغطه، وأنه يدفعها في مظلمة، فلم أقف عليها منصوصة. إذ نصوصهم إنما هي في البيع، ولكن مقتضي الفقه أن لا فرق بين بيع المضغوط ممن يعلم بضغطه وبين شرائه منه ما يعلم أنه يدفعه في ظلم. وعليه فله استرجاع داره المرهونة دو ثمن يدفعه، ويرجع بائع السلعة بالثمن أو بأعيان سلعه إن وجدها قائمة عند الضاغط الظالم والله تعالى أعلم.
[ضمان المضغوط]
وسئل سيدي قاسم العقباني عمن تحمل عن مضغوط.
39/7] بالجذام إذ كثروا ليكونوا بناحية عن الناس لئلا يضروا بالناس فهم أحق بها, وما كان من وقف فإليهم يقصد, وهذا كان باجتهاد أول(¬1) أو العلماء أمروا بذلك للتعليل المتقدم, فإن سكنى الأصحاء باختيار منهم عما فضل عنهم ولهم فيه منفعة, ولعل هذا سمحوا لهم في السكنى, فالقاعة حبس والبناء باق لبانيه, ويورث عنه ضريرا كان أو صحيحا, فالسكنى حقيقية للأضراء والأصحاء على ما مر, فإن وقع التضايق فالأضراء أحق, ويأخذ من بنى نقضه قيل للأضراء فيما يسكنون فيه على ما جري عادة حكام المسلمين المتقدمين إن عرفت, وإلا فالاجتهاد في الوقت على ما عرفتك به عندي.
[جواز إحداث سلم أو غيره للصعود إلى سطح المسجد]
وسئل السيوري عن مسجد له أسطح, ويحتاج إليه لشدة الحر في الصيف وفي الشتاء للشمس, فأراد اهل المسجد إحداث درج للصعودلمصلحة, لذلك هل يجوز أم لا ؟ وإذا لم يجز فهل يصنه سلم من عود يصعد عليه فوق المسجد ؟ وذد نزلت من غير موضع, فمن الناس من فعل الأول, ومنهم من فعل الثاني, والمساجد قديمة لم يكن فيها شيء من ذلك.
فأجاب إن كان الدرج لا يمنع أحدا من المصلين, أو لا يحتاج إلى الموضع الذي يعمل فيه الدرج للعادة, فيفعل من عود بحيث لا يضيق.
[اختلاف في جواز نقل أنقاض المسجد وبيعها]
وسئل عمن أخذ عمودا من مسجد خرب بإزاء قصر الأمراء فجعله في الجامع, وأخذ العمود الذي هو مكانه وباعه ممن بنى عليه حنية أو حنيتين وعلويا, وقيم الجامع الفاعل لهذا من أهل الدين لكن ليس من أهل العلم,
[
فأجاب: أكرمكم الله. إن الذين أذن لهم في أخذ الماء من ساقية صاحب الدار الذي أذن لهم لا ينقطع عليهم ما أحدثوه لوجوه: أحدها ما اعتذر به المانعون لهم من أنهم يتضررون بأخذهم الماء على قلته وتشاحن الناس فيه غير صحيح لأن لهم حقا في الماء في الساقية الكبرى، وإنما تعذر عليهم سلوكه في الساقية ودثرت وتعطلت فأرادوا أن يأخذوا من الساقية الكبرى حقهم ويسلكون به في ساقية الذي أذن لهم حتى يصل إلى دارهم. وإذنه صحيح ولا مقال لشركائه في ذلك إذا كان ما اشتركوا فيه عن طريق
[38/8]
[
وسئل عن زنقة ضيقة فيها ثلاثة أبواب لثلاثة من الدور فبنى أحدهم في داره فندقا عظيما، وبنى الثاني أيضا في داره فندقا أقل من هذا الأول، وليس بين أبواب الفندقين والدار الثالثة إلا نحو من ثلاثة أذرع، وليس في البلدة غير هذه فمن حيث ما أتت الرفاق والمسافرون قصدوا إلى هذين الفندقين من شدة عمارتهما وجلوس الناس عند أبوابها وتضيق الرفاق في الخروج والدخول بطل سكنى الدار الثالثة لكنه ينتفع بها لغير هذا، هل يجب لصاحب الدار أن يقوم على صاحبيه ويمنعهما مما أحدثا من الضرر، إذ الدخلة والخرجة مشتركة بينهما أم لا؟
فأجاب: له القيام إذا كان الضرر كما ذكرت إذا لم يمض من ذلك من الأمد ما تكون فيه الحيازة إلى مثله وهو ساكت لا يغير، فيلزمه ولا قيام له بعد ذلك إذا لم يكن لذلك إلا الأمد اليسير لا تكون له حيازة في مثله حلف ما سوغ له ذلك إلى الأبد ثم قضى له بالضرر. ابن رشيق اختلفت أقوالهم في
[42/9] أمد حيازة الضرر فمنهم من قال عشرة أعوام وفيهم من قال عشرون عاما وبالأول مضى العمل.
ابن حوير واختلفوا في المدة التي يستحق بها الضرر فمنهم من رجح القول بالعشرة أعوام وقال إن العمل به ومنهم من قوى قول من قال عشرين عاما واختلفت أيضا مذاهبهم في السكوت عن ذلك هل يعد رضي أم لا؟ واستلوح منه على احتمال هل ينفي عنه الرضا إشهاده بأنه غير راض أم لا ينفي عنه ذلك يقوم بالتخاصم في ذلك قبل مضى المدة التي يستحق فيها الضرر.
المتيطي ومن أحدث عليه ضرر وعلم بذلك ولم ينكره ولا اعترض فيه عشرة أعوام ونحوها من غير عذر يمنعه من القيام فيه فلا قيام له بعد هذه المدة، هذا مذهب ابن القاسم وقال ابن الهندي وابن العطار وقال أصبغ لا ينقطع القيام في إحداث الضرر إلا بعد سكوت عشرين سنة ونحوها، وبالأول القضاء إلا أن يكون المحوز عليه صغيرا أو مولى عليه أو بكرا غير معنس فلا يضرهم ذلك وإن طال، وانظر تمامه.
فإذا كان إمامه قد أتى في فرع بني على علة اعتبر فرعها في نوع الحكم لا يجوز له هو أن يخرج على أصل إمامه فرعا مثل ذلك الفرع ، لكن عليه من قبيل ما شهر جنسه لجنس الحكم ، فإن النوع في النوع مقدم على الجنس في الجنس ، ولا يلزم من اعتبار الأقوى اعتبار الأضعف . وكذلك إذا كان إمامه قد اعتبر مصلحة سالمة عن التعارض لقاعدة أخرى فوقع له هو فرع تلك المصلحة لكنها معارضة بقاعدة أخرى أو بقواعد فيحرم عليه التخريج حينئذ لقيام الفارق ، أو تكون مصلحة إمامه التي اعتمد عليها من باب الضروريات . فيفتي هو بمثلها ، ولكنها من باب الحاجات أو التتمات ، وهاتان ضعيفتان مرجوحتان بالنسبة إلى الأول ، ولعل إمامه راعى خصوص تلك القربة ، والخصوص ما ثبت هاهنا . ومتى حصل [37/10] التردد في ذلك والشك وجب التوقف ، كما أن إمامه لو وجد صاحب الشريعة قد نص على حكم ومصلحة من باب الضروريات حرم عليه أن يقيس عليه ما هو من باب الحاجات أو التتمات لأجل قيام الفارق ، فكذلك هذا المقلد له لأن نسبته إليه في التخريج كنسبة إمامه لصاحب الشريعة . والضابط له ولإمامه في القياس والتخريج أنهما متى جوزا فارقا يجوز أن يكون معتبرا حرم القياس ، ولا يجوز القياس إلا بعد الفحص المنتهى إلى غاية أنه لا فارق هنالك ولا معارض ولا مانع يمنع من القياس والتخريج . وهذا مشترك فيه بين المجتهدين والمقلدين للأئمة المجتهدين فمهما جوز المقلد في معنى ظفر به في فحصه واجتهاده أن يكون إمامه قصده أو مراعيه حرم عليه التخريج ، فلا يجوز التخريج حينئذ إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة والعلل ورتب المصالح وشروط القواعد وما يصلح أن يكون معارضا وما لا يصلح ، وهذا لا يعرفه إلا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة فإذا كان موصوفا بهذه الصفة وحصل له هذا المقام تعين عليه مقام آخر وهو النظر وبذل الجهد في تصفح تلك القواعد الشرعية وتلك المصالح وأنواع الأقيسة وتفاصيلها .
وقال أيضا رحمه الله: أما قولكم في مكتوبكم: إن ثم أقواما في الرقص والغنا. كيف تدعي المسامحة فيه وكثير من خيار أصحابنا كانوا ينقلون أن أشياخ فاس كانوا ينكرون ذلك، فهو كلام وارد، لأنه لم يذكر في الجواب أن أحدا لم ينكره وإنما ذكر أن الناس سومحوا فيه أي إن كان مكروها عند الفقهاء، فليس في ذكر المسامحة في العمل ما يقتضي نفي الكراهة عند جملة، بل لفظ المسامحة يعطي ثبوتها مع ما بعده من قوله: وإن فرض أن يتخلل ذلك ما يتردد المجتهد بين إجازته ورده، فهو يقضي بأنه مظنة لنكير من ينكر ولرد من يرد. وقد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر الله تعالى فقد أباحته الصوفية وعلمت به ودأبت عليه واستقرؤوه من قول الله سبحانه وتعالى في أصحاب الكهف: ﴿إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض﴾ وإن كانت الآية لها محامل أخر سوى هذا. والكلام إنما هو في حركة الجسد عند الذكر من حيث نفسها لا بالنظر إلى ما يقترن بها مما هو خارج عنها فلا يسمع مع هذا أحدا(¬1) عنده شفقة إسلام وهو الإيمان أن يمنع لأجل حركة جسد فيها ما فيها من المقال بنا، مأوى للغرباء الواردين ومجتمعها للضعفاء وأبناء السبيل، إلى ما لهم في ذلك من سد الحاجة وزوال الفاقة. أما إذا كان ذريعة ووسيلة إلى ما لا يحل ولا يجوز كما وصفتم. ومما علمتموه من شأن أولائكم القوم، فلا كلام في منع ما يكون من جنس نوافل الخير والقرب لمكان ذلك المخوف المتوقع، فكيف ما الخلاف فيه بين كرهة وإباحة أو دخول منع فأنتم في واد ونحن في واد. ولو بين السائل ما بينهم لورد الجواب كما أردتم. وما ذكرتم من الأحكام المتعلقة بعمل أهل المدينة وغيرها، فليس من شاكلة ما وقع الكلام فيه، لأنا لم نستفد حكما شرعيا في الرقص والغنا من عمل الناس في هذا الوقت، بل حكم المسألة معلوم مفروغ منه مشهور،
[