فأجاب أما مسألة زيارة قبور الوالدين فنعم تزار, ويخرج لها كانت قريبة أو بعيدة, ولا يعترض علينا النبي صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد. إذ معناها شدها للصلاة لا لغير ذلك. وممن نص على ذلك الإمام أبو الحسن ابن بطال في شرح البخاري, وأبو حامد الغزالي في الاحياء. وأما خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل البقيع فإنما خرج بالأمر ليتبركوا بسماع كلامه وكونه بينهم والاستغفار أمر زائد. وممن نص على
[321/1] ذلك شهاب الدين القرافي, وكونه كان بالأمر في البخاري ومسلم, وليودعهما كما وقع في مسلم كالمودع للأحياء وللأموات. وأما القراءة على القبر فنص ابن رشد في الأجوبة, وابن العربي في أحكام القرآن له والقرطبي في التذكرة على أنه ينتفع بالقراءة, أعني الميت, سواء قرأ على القبر أو قرأ في البيت وبعث الثواب له, او في بلد إلى بلد. وأما شهاب الدين في القواعد فنص على أنه لا ينتفع بذلك إلا إذا قرأ على القبر مشافهة, وهو قول خارج عن المذهب ينحو إلى مذهب الشافعي.
وسئل أبو القاسم الغبريني عن رجل وقع بينه وبين قوم مشاجرة وخصومة، فجرى منه كلام في شتمه وشتم آبائه وأجداده، فقال الساب المشار إليه لا تشتم بني فلان فإنهم شرفاء، فقال له الرجل المذكور حينئذ عليهم وعلى آبائهم وأجداد أجدادهم وقبيل قبيلهم لعنة الله، بعد أن قيل له إنهم شرفاء، وشهد عليه بذلك أربعة أناس منهم عدلان، وزاد أن الرجل مما تغالى في السب قال بعد قوله وقبيل قبيلهم إلى مالا نهاية له، أو قال مالا غاية له، لا يشكان في أحد اللفظين. وشهد آخرون باللفظ المتقدم من غير زيادة. فما يلزم لقائل هذه المقالة على الوجه المفسر فيه على الزيادة أو دونها أن ثبت ذلك عليه وعجز عن الطعن بعد الأعذار؟ وكيف إن أدى العدلان شهادتهما على ما قيداها من تلك الزيادة ثم قالا بعد الأداء إن الرجل الشاتم المذكور لما قيل له لا تشتم بني فلان فإنهم شرفاء سكت، وشهد بأداء الشاهدين العدلين عند الحاكم شهادتهما على قيد أولا من حضره حينئذ، وشهد آخرون بسماع ذلك منهما ومن أحدهما كما ذكر عنهما أولا. وهل يجوز لهذا الحاكم قبل شهادتهما في غير هذه المسألة أم لا؟
إذا بينا وجها يسوغ عذرهما ولا شبهة لتوقفهما. جوابكم عن هذه المسألة فصلا فصلا بالنسبة إلى الشاتم فيما يتعلق عليه، وبالنسبة إلى الشاهدين فيما صدر منهما. وهل يبطل عمل شهادتهما لما تقدم تاريخها عن هذا الموطن لكون الحاكم صرح برفع أيهديهما عن منعهما من الشهادة لهذا الموجب المشروح؟ جوابكم عن ذلك فصلا فصلا مأجورين والسلام.
[370/2]
[371/2]
مملوكة عقد عليها النكاح ، ثم ثبت أنها حرة الأصل]
*وسئل بعض الفقهاء عن مملوكة عقد عليها النكاح بحكم الإجبار على أنها مملوكة للعاقد ، ثم ثبت أنها حرة الأصل ، فهل ينفسخ نكاحها ؛ لأنها حرة بكر زوجها بحكم الإجبار من لا يملك الإجبار عليها أم لا ؟
=فأجاب : وقفت سيدي على القضية أعلاه ، وما اقتضاه نظركم فيها هو الواجب بالشرع ؛ لأن الزوجة المذكورة مجبورة على النكاح المذكور ، وعقد عليها بولاية الملك لا بغيرها ، فلما ثبتت الحرية المذكورة ، ثبت أن العقد عليها بالملك لم يصادف محلا في نفس الأمر ، فوجب فسخ النكاح للمعنى الذي أشرنا إليه ، ولفوات الولاية وتوكيلها من يعقد نكاحها ، فهذا ما عند محبكم في المسألة ، والله سبحانه يحفظكم ، والسلام عليكم .
[ابنة بالغ هربت من دار أبيها مع رجل ثم استبرأها فزوجها منه ثم طلقها قبل البناء]
*وسئل بعضهم عن رجل له بنت بالغ في سنها ، هربت من دار والدها مع رجل ، وأقامت معه أياما على الفساد ، ثم بعد هذا أخذها والدها وردها لداره ، واستبرأها بثلاث حيض ، وزوجها من الرجل المذكور الذي هربت معه ، ثم إن الرجل طلقها قبل الدخول بها ، إلا أنه جعل لها في رسم الطلاق أنه طلقها بعد البناء ، وسئل عن ذلك فقال : قبل البناء كان طلاقها ، إلا أني جعلت بعد البناء ، وثم بينة عادرة تشهد أن الطلاق هو قبل البناء . وطلبت الآن للزواج ، فهل تعتد قبل أن تتزوج ، أو لا تلزمها عدة لكونها مطلقة قبل البناء ؟ وهل يجبرها والدها على الزواج دون إشهاد عليها لكون بكارتها زالت بالزنى ؟ أو لا يجبرها ويشهد عليها ؟ بينوا لنا ذلك .
=فأجاب : إن البنت المعقود عليها إن لم يعلم لها بمتزوجها خلوة فلا عدة[348/3]عليها ولوالدها أن يعقد عليها جبرا من غير استئمار ، وإن عقد عليها بإذنها فهو الأولى للخروج من الخلاف .
[من صنعت لزوجة ابنها حوائج ظلت تلبسها مدة ثم قامت تطالبها بها ]
لو تقدم الطلاق على الصلح لوقع عليه بالصلح طلقة زائدة على المتقدمة على الصلح، وهي ثالثة باعتبارها في نفس الأمر، وثانية باعتبار طلقة الصلح، ويحتمل أن يكون ثانية تصحيف ثالثة، ويبقي النظر فيما قاله ابن رشد من اللزوم في شرطيته إذ لقائل أن يقول إن الطلقة التي قرر ابن القاسم وقوعها قبل الصلح من الطلقة المشروطة بالصلح، فهي مقدمة تقديرا خاصة، وحينئذ بطل التلازم، فلا يلزم رائدا عليها عند وقوع الصلح. وكذلك فيما اعترض به قول ابن القاسم موجها لقول عيسى في لزوم وقوع المشروط قبل شرطه فغير لازم، لإمكان توجيهه بأنه من باب التحنيث بالأقل، فعند وقوع المصالحة قبل آخر حرف منها، وقع الطلاق المركب على الصلح، فليس من باب تقديم المشروط على شرطه المخالف للمعقول، بل من التحنيث بالأقل، كما أشرنا إليه، وهي قاعدة المذهب. ويمكن توجيهه بما أشار إليه ابن عبد السلام من وقوع المشروط والشرط معا، لأن الشروط اللغوية أسباب شرعية. فهي من باب العلة والمعلول، والتقدم بحسب الذات بينهما لا بحسب الزمان، فهما واقعان معا كحركة الأصبع مع حركة الخاتم، وإن كان الشيخ ابن عرفة لم يسلمه بإلزامه الجمع بين المتضادين فيما إذا قال إن تزوجتك فأنت طالق، وبأنه مبني على مساواة العلل الشرعية للعلل العقلية في جميع أحكامها، وليس الأمر كذلك لجواز تخلف الحكم عن الشرعية لمانع ولا يجوز ذلك في العقلية، وهو بحث جيد كبحثه مع اللخمي في تخريجه المسألة على مسألة من أتبع الخلع طلاقا، فإن الطلاق المتبع متأخر إنشاؤه عن الخلع، بخلاف مسألة ابن القاسم، فطلاق الحنث فيها مقدم إنشاؤه على الخلع، فناسب وقوعه مقارنا، وحيث قصد التعليق فيلزم والله أعلم.
وأجاب بعض فقهاء تونس أيضا عنها بما نصه:
فأجبته بجواب وسميته: "الروض البهيج في مسائل الخليج". وهذا نصه: الحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده، ورضي الله عن آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين من بعده، إن كان الأمر على ما وصف لا يلزم أرباب الجنات ولا أرباب الدور بناء ما تهدم بسبب جري الماء المذكور، إذ لا يخلو حال مجراه المذكور من ثلاثة أوجه: إما أن يعلم تقدمه على بناء الدور التي تشكى أهلها ضرره، أو يعلم تأخره على بنائها، أو يجهل الأمر، فإن كان الأول فلا خفاء أن لا متكلم لهم لأن تعمدهم البناء رضي منهم بما يحدث من ضرره، وإن كان الثالث فكذلك لأن إعطاء حكم السبقية أو التأخر مع احتمال الأمرين على السواء ترجيح بغير إعطاء حكم السبقية أو التأخر مع احتمال الأمرين على السواء ترجيح بغير مرجح، إلاأن يحدث على أهل الدور في القسمين ما لم يعتادوه من المجرى المذكور بشيء زيد فيه فلهم التكلم عند إحداثه، وإن كان القسم الثاني فسكوتهم كما ذكر مع تطاول الأمر إن لم يمنعهم مانع من التكلم دليل على رضاهم بما أحدث عليهم وإسقاط لحقهم فيه، وبدون هذه المدة بكثير يحاز الضرر في حق المعنيي نوفي حق غيرهم، فكيف بما لا يعرف أهل قرون مبدأه على ما وصف السائل؟ فلما لم يقع أصله على تطاول الآماد لم يكن للقائمين المذكورين قطعه ولا القيام بضرره، وإن أمكن تأخره على ما ترى من النص فيما أتى عليه من السنين أقل من هذا بكثير مع العلم بحدوثه، والحاصل من الأمور الثلاثة أن هذا ضرر قديم، وكل ضرر قديم لا يمنع منه، وكل ما لا يمنع منه من الضرر لا يغرم، أما قدم هذا الضرر فمعلوم ضرورة لإدراكه حسا أو تواترا، وأما كون الضرر القديم لا يمنع منه فقال في المدونة ومن فتح في جداره كوة أو بابا يضر بجاره في التشوف عليه منه منع، فأما كوة قديمة أو باب قديم لا منفعة فيه وفيه مضرة على جاره فلا يمنع انتهى، وفي المجموعة قال ابن القاسم وإن كانت له كوة تضر بجاره لم
قيل لمالك من اشترى وزنا من اللحم والزعفران وغير ذلك أيأخذ ذلك بميل في الميزان؟ فقال: حد ذلك أن يكون لسان الميزان معتدلا. وإن سأله أن يميله لم أر ذلك له قال: وأرى للسلطان أن يضرب الناس على الوفاء. ابن وهب قال: قال مالك: الوفاء عندي إذا ملأ رأس الكيل، وأما الرزم والزلزلة فلا أراه من الوفاء. رأيته كأنه يكره ذلك وقال سمعت مالك وسئل عن التطفيف في الوبيات. قال له صاحب السوق: إنهم يستوفون في الحوائط، ويكيلون للناس ها هنا بكيل دون ذلك فرأيت أن يمسح برأس الوبية ولا يبخس فيه أحد، فقال مالك: عليك أن تأمر الناس بالوفاء هنالك وها هنا فمن ظلم فنفسه يظلم. وكره مالك مسح رأس الوبية تطفيفا كراهية شديدة، وقال: أكره التطفيف وقرأ هذه الآية مرتين: ﴿ويل للمطففين﴾.
[تسعير صاحب السوق}
قال ابن وهب وسمعت مالكا وسئل عن صاحب السوق يسعر فيقول: إما بعتم بكذا وإما خرجتم من السوق. فقال مالك لا خير في هذا.
[رفع السوق لواحد]
قيل لمالك: فالرجل يأتي بطعامه وليس بالجيد، وقد سعره بأرخص من الآخر الطيب، فيقول صاحب السوق لغيره: إما بعتم مثله وإما قمتم من السوق، فقال: لا خير في ذلك، ولكن لو أن رجلا أراد بذلك فساد السوق لرأيت أن يقال له: إما أن تلحق بسعر الناس، وأما خرجت، وأما أن يقال للناس كلهم: إما أن تبيعوا بكذا وإما أن تخرجوا فليس بصواب.
[424/6]
[الوفاء في الكيل]
وعن ابن الماجشون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بتصيير الكيل، وأن يبايع عليه. وقال: إن البركة في رأسه ونهى عن الطفاف وحدث ابن الماجشون أنه بلغه أن كيل فرعون إنما كان على الطفاف مسحا بالحديد. قال ابن حبيب: وسمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان: كان مالك يأمر أن يكون كيل السوق على التصيير، وكان ينهى عن الطفاف، وكان يكره رزم الكيل وتحريكه قيل له فكيف يكون؟ قال: الملء للصاع من غير رزم ولا تحريك ويسرح الكيال الطعام بيده على رأس الكيل، فذلك الوفاء.
فاذا جعل ابن المواز نصيبه الثالث من اولاد الهالك عن غير ولد في مسألته المعطوفة على الولى, يرجع على الباقين من الولد وولد الولد مع قول المحبس ويشترط أن من مات منهم ولم يترك ولدا فنصيبه على إخوته فلان يرجع ما هلكت عنه احدى بنتي محمد بين أختها الباقية وجميع أشراكها في الحبس من بنت علي واولاد أبي سعيد وأولادهم, مع خلوهم عن النص المذكور في مسألة محمد ابن المواز, اولى وأحرى, لايقال بالوجه الذي أدخلتم به جميع أهل الحبس من بنت علي وبني أبي سعيد وبني بنيهم فيما هلكت عنه بنت علي, يلزمكم أن تدخلوا جميعهم أيضا فيما هلكت عنه أحد ولد أبي سعيد, فلم اختص به أولاده دون إخوته, ودون بنت محمد؟ أنا نقول منع من دخولهم قول المحبس بعد ذكره العقب وعقب العقب, ومن انقرض منهم رجع نصيبه إلى عقبه, واولاد المتوفي من ولد أبي سعيد عقب له, فإذا تقرر بما ذكرناه دخول بنت محمد وبني أبي سعيد وبني بنيهم فيما هلك عنه بنت
[358/7] علي وقلنا بدخول حفدة أبي سعيد على أبيهم وأعمامهم, فاختلف المذهب في كيفية القسم بينهم على أقوال, قيل على اهل الحاجة منهم والمسكنة والمؤونة والعيال والزمانة دون غيرهم, وهو المعلوم من قول ابن القاسم, وبه صدر ابن رشد في ىخر مسألة من رسم البز عن سماع ابن القاسم, وصرح بمشهوريته في المسألة السادسة عشرة من رسم الرطب من السماع المذكور, وقيل يساوي بينهم وهو نص رسم القطعان من سماع عيسى, ورسم الصلاة من سماع يحيى, وهذا قول المغيرة في المدونة, وبه جرى العمل في نقل أجوبته واختيار اللخمي وابن عبد السلام وغيرهما من الشيوخ, وقيل بتبدئة الأقرب على الأبعد, إلى غير ذلك من الأقاويل.
وأجاب أبوعبدالله بن شعيب إذا كانت الساقية مملوكة العين ليس لأحد التصرف فيها في عين ولا منفعة إلا بإذن أربابها وهو متفق عليه، فمن غرس وسقي منها فعليه كراء ما انتفع من إمرار الماء في الساقية ويسد عليه المرجى ولا يمنع من الغرس لاحتمال بقائه بعلا أو اشترى الماء أو اكترى به ممن له الحق وهذا إن تعين صاحب وإن لم يتعين كالحبس فيتعذر الانتفاع ولا يتعذر الانتفاع بأرض الحبس ويرى من له النظر إكراء ذلك إما مساقاة أو مشاهرة ولا يتوقع من ذلك مفسدة لامتداد الأيدي لها لا طالب له فحينئذ يباح له ذلك ولا حيازة على مالك الساقية إذ لا شبهة تدل على ذلك ولا يدل السكوت على الرضى والعمارة تكون إلى مدة ومطلقة.
وسئل موسى بن أحمد عن ورثة تقاوموا أرباعا فضم كل واحد منهم أصلا بقيمته وترادوا الفضل وشرط بعضهم أن يجري للجنة التي ضمها ساقية من ماء الأرحى على جنة الآخر وليس للمشترط حق في هذه الساقية وقام أصحاب الأرحى بمنع هذه الساقية. فهل حكم هذا الاستحقاق إن كانوا عالمين أن لا حق بهم في هذا الماء علمه بعضهم؟ أو هل جهالتهم لذلك تؤدي إلى فساد البيع لاشتماله على بيع ما لا يملك؟ وإن كان هذا فهل يؤل إلى فسخ جميع الأملاك المتقاومة أو الملك المشترط هذا فيه وحده؟ وكيف إن أقر المشترط الآن أنه حق أصحاب الأرحى أو قال لم أعلم بذلك حين الشرط؟
فأجاب: الذي يظهر لي أن الصفقة إذا وقعت على ما وصفت فهي جائزة ولا يفسدها على شرطه أحدهما على الآخر من إجراء الماء فيما صار له من الربع فإن منعه أرباب الماء من ذلك كان القدر الذي اشترطا بإجراء الماء فيه لمشترطه ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء إذ لم يستحق من يد أحدهما شيء مما صار له، وإنما الذي يمنع منه المشترط لم يقع بينه وبين أخيه فيه معروضة وبالله التوفيق.
[409/8]
[410/8][حمام له ساقية قديمة يجري فيها ماؤه فتضرر به بعض الجيران]
362/9] أو عبد بعينه، فما يحدث في ذلك من غلة من حين وفاة الموصي إلى حين وجود الموصى له خلاف في المدونة وغيرها من الكتب. قيل: ما أشار له فيها هو قوله: من أوصى لرجل برقبة جنانه أو أمته أو عتقها فأثمر الجنان عاما أو عامين، أو ولدت الأمة وذلك قبل موت الموصي، والثلث يحمله الجنان وما أثمر والأمة وولدها، والثمرة للورثة دون الموصى له، وما أثمر الجنان بعد موته قبل النظر في الثلث فالثمرة للموصى له، ولا تقوم الثمرة مع الأصل ثم ساق المسألة وقال: قد قال غير هذا، وهو قول أكثر الرواة، ثم ذكر أن الغلة المجتمعة في الإيقاف تقوم مع الأصل في الثلث، فانظر الذي أشار إليه الشيخ رحمه الله.
وسئل عن مثلها عبدالحميد بن أبي الدنيا، وذلك رجل أوصى بثلث ما يخلفه لأول مولود يولد لبعض ورثته، ومن متروكه جنات، وقد تزايد المولود المذكور فلمن يكون عائدا اغتلال الثلث المذكور من يوم وفاة الموصي إلى اليوم الذي ولد فيه المولود المذكور، أيكون ذلك للورثة في تلك المدة المذكورة أم يكون للموصى له؟
فأجاب بعد سطر الافتتاح بما نصه: من شرط ملك الموصى له قبول ما أوصي له به، ومن حين القبول يكون الاغتلال والخراج على المشهور من القولين، وقبول هذا لا يتصور إلا بعد وجوده فيقبل الناظر له ويحكم له بما أوصى له به وبغلته حينئذ، وبالله التوفيق، وبعد وصول الجواب ورد عليه السؤال بأن قيل له: وصل جوابكم المذكور فسئل الناظر المذكور للولد الموصى له وهو والده، هل قبل لولده المذكور الوصية المذكورة أم لا؟ فقال: قبلت له الوصية المذكورة من حين تزايد، وقبلت له الغلات فيما مضى تاريخه قبل وجود المولود، وقبل القبول هي للموصى له وقال الوارث: ليس كذلك، وإنما هي للورثة من يوم القبول يملك الموصى له الأصل واستغلال الغلة.
فأجاب: لا يعمل بالقبول إلا بعد وجود الموصى له، ومن بعد وجوده وقبول والده يكون له الاستغلال لا قبل ذلك على المشهور من مذهب مالك.
[
وسئل عمن اعترف لولده بدين بعد أن حكما حكما ورضيا به وأشهدا على أنفسهما بإنفاذ حكومته فبعد الخمسة عشر عاما طلبه ببعض الدين وهو الباقي له فقال له الأب ما يلزمني من الباقي شيء لأن الحكم كان أغلظ علي وطبع على مخزني وخفته ثم اعترفت لك فقال الولد لم نعرف قط هذا من الحكم ، وقد بقي في حكومته سنين كثيرة وزال عنها ولم يذكر شيئا من هذا وقضيتني بعض الدين وقد وقع رضاك بتحكيمه فيلزمك بقية ديني .
فأجاب : يلزمه بقية الدين ، ولا حجة له فيما ذكر ، لاسيما في زمن مر عليه يقدر على الإدلاء بحجته فلم يفعل .
[من صور الوصية للغائب]
وسئل التونسي عمن قال في وصيته للغائب مائة دينار وآخر يعرفه وهو المصدق على ذلك ودين آخر لقوم سماهم ، قال فيباع الربع من أخي ويدفع عني ، وهو المؤتمن عليه ، ولا يحلف عليه ، فرفع الأخ الوصية إلى القاضي بعد موته فأخرج شهودا قوموا له الربع وباعه منه بثمن معلوم وطلب حجة أولاد الميت فقال بناته الكبار والصغار على أبينا دين وكيف يكون دين بلا عقود ؟ فأمضى الحكم عليهم وذكر فيه الكبار دون الصغار ، ما ترى في هذا ؟
[346/10] فأجاب : أما تعيين الغائب الذي قال أخي يعرفه فتعيين الأخ له بقوله فيه مقبول ، ويأخذ المائة ، وحكم القاضي له بها ماض بإقراره ولو كان في ولاء ولا اعتراض لمن قدح مع العدالة وعدم القدح فيها ، وأما الذين لم يصدقوا وقال الميت ان لهم بينة فيما أثبتوا حكم لهم به ويبقى الغائب والصغار على حجتهم .
وأجاب المازري : إن إقرار جميع الورثة بدين أو وصايا لازم لهم ولا يلزم عبد المحسن ما أقربه لأخيه مع يمينه إذا لم تقم بينة ، وله رد نصيبه مما باعه إخوته وعلى صفة ما شهد به عليه عند القاضي بعد يمينه أنه مكره غير طائع بالبيع ولا مختار ، وما ثبت أن عبد الرحمان وأمه دفعا له من ديون أو وصايا قامت بها بينة أو أقربه الورثة في زمن جواز إقرارهم فلورثتهما المحاسبة به فيما وجب عليها .
[
342/11] رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ونحوه. ومما يرجح أيضا كون الحديث ليس على ظاهره، ما تقرر في فن العربية والبيان من قاعدة: أن المعرفة إذا أعيدت بلفظ التعريف فهي الأولى بعينها وقد أعيد في الحديث لفظ الدهر المذكور معرفة في قوله عليه الصلاة والسلام لا تسبوا الدهر، بلفظ المعرفة في قوله: فإن الله هو الدهر والأول بمعنى الزمان قطعا، فيكون الثاني كذلك، للقاعدة السابقة، فيتعين الحذف ليتم ذلك، أي فإن الله مدبر الدهر السابق، وهو الزمان الذي تنسبون إليه الفعل يعني فلا يصلح الشيء من التدبير البتة، حتى يلام أو يسبب على أمر حتى يقع فيه مما لا يلام ويمدح على شيء يقع فيه فلا يلام، وذلك لأن من ليس غنيا في نفسه عن الفاعل كيف لا يتوهم فيه أن يكون فاعلا، لأن من لوازم المخترع للفعل أن يكون إلاها غنيا عن كل ما سواه. ومما يرجح أيضا كون الحديث ليس على ظاهره، ما تقرر في فن الأصول في قاعدة تعارض المجاز والاشتراك أن الأصح تقديم المجاز على الاشتراك. ووجه ذلك هنا أنه إذا تقرر أن الدهر حقيقة أيضا في ذاته تعالى لزم الاشتراك، وإذا تأولنا الحديث زال الاشتراك، ولزم إطلاقه في حقه تعالى مجازا فيتعين التأويل، لما عرفت في تلك القاعدة أن الأصح تقديم المجاز على الاشتراك.