318/1] وصية بالبناء على القبر. وقيد اللخمي ببناء البيوت, ولا بأس بالحائط اليسير ارتفاعه حاجزا بين القبور لتعرف. ابن عرفة وفتوى ابن رشد بهدم بناء على قبر نحو عشرة أشبار دليل حمل الكراهة على التحريم. وأفتى ابن رشد بوجوب هدم ما بني في مقابر المسلمين من السقائف والقبب والروضات, وأن لا يبقى من جدارتها إلا قد ما يميز به الرجل قبر قريبه لئلا يأتي من يريد الدفن بذلك الموضع, وذلك قدر ما يمكن دخوله من كل ناحية دون باب, ونقض ذلك لربه. قال وإن كان بناؤها في ملك بانيها فحكمها حكم بناء الدور انتهى وقيده ابن عرفة بما إذا كان في محل لا يأوي إليه الفساد. قال ابن عبد السلام وإن فعل ذلك فإنه يزال منه ما يستر أهل الفساد ويترك باقيه. وفي التنبيهات: اختلف في بناء البيوت عليها إذا كانت في ارض غير محبسة وفي المواضع المباحة وفي ملك الانسان, فأباح ذلك ابن القصار, وقال غيره ظاهر المذهب خلافه انتهى. قال في التوضيح: وأما الموقوفة كالقرافة التي بمصر فلا يجوز فيها البناء مطلقا, ويجب على والي الأمر أن يأمرهم بهدمها حتى يصير طولها عرضا وسماؤها أرضا انتهى. ولما صحح الحاكم في لاالمستدرك أحاديث النهي عن البناء والكتب قال, وليس عليها العمل لأن أيمة المسلمين شرقا وغربا مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذه الخلف عن السلف انتهى. وقال بعض الشيوخ لا يسلم له لأن أيمة المسلمين لم يفتوا بالجواز ولا أوصوا بفعل ذلك بقبورهم, بل تجد أكثرهم يفتي بالمنع ويكتب ذلك في تصنيفه. وغاية ما يقال أنهم يشاهدون ذلك ولا ينكرون. ومن أين لنا انهم يرون ذلك ولا ينكرون تلك الأحاديث لإمكان الجمع بأن يحمل ما في الأحاديث على البناء المشرف كما كانت الجاهلية تفعل, وتصحيحه أحاديث النهي عن الكتب خلاف قول ابن العربي. ولما لم تصح أحاديث النهي عن الكتب تسامح الناس فيه حتى فشا وعم الأرض وليس فيه فائدة إلا التعليم لئلا يدثر القبر.
وسئل ابن عرفة عن أعمى عير بالعمى، فقال ان كنت أعمى فقد عميت الأنبياء أو شعيب شك الناقل.
فأجاب بأنه يسجن، فأخذ وسجن وبقي أزيد من ستة أشهر في السجن ثم اتفقوا بعد ذلك أنه لا يلزمه إلا الأدب، ثم أخرج بعد ذلك من السجن.
[ ناقل الشتم هو الشاتم حتى يظهر خلافه ]
وسئل عن رجل رفعت عنه شهادات فيما يرجع لجناب سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم رجع رجل وابنه عن تلك الشهادة بعد أن
[367/2]
[368/2]
أخذ المشهوذ عليه وقيد وقالوا انما حملنا في الشهادة عليه بعض القائمين ونقضوا من هذه الشهادة رجوعا إلى الحق وطلبوا الوصول إلي القاضي ليراجعوا عنده خوفا أن يوخذ المشهود عليه بشهادتهما وذلك قبل الحكم عليه.
فأجاب يسجنون شهرا ويرسلون. واحتج بما قال في المدونة فيمن قال فلان يقول لك يا زان، فقال هو القاذف حتى تقوم البينة بما قال، لأن نافل الشتم هو الشاتم حتى يظهر خلافه. فسجن في هذه الولد وأبوه شهرا، ورفق بهما لكونهما أتيا راجعين إلى الحق وخوفا من الله وأنه كان بتحمل بعض الظلمة والخوف منه، وأرسلا لكونهما أتيا على هذه الصفة.
[ من قيل له اتق الله فقال أيتقى الله عند الغضب؟ ]
وسئل ابن أبي زيد عمن قيل له اتق الله، فقال: إن تقي الله عند الغضب ما يصنع به؟
فأجاب بأنه يستتاب، فان تاب ترك وان لم يتب قتل. قيل إن كان إنكار وجوب التقوى عند الغضب فهو كفر لأنه جحد لما دلت عليه الآيات والسنن والجماع، مثل قوله تعالى:﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب الآية وقوله اتقوا الله حق تقاته﴾ وقوله:﴿ اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾. ووقع ذلك في خطبه عليه السلام كثيرا. وكذا ان كان منه على وجه الازدراء والجرأة وعدم الاهتبال بهذه الخصلة الشريفة لأنه تنقيص للدين وان أجرى منه ذلك في وقت غضبه.
[ كلام الله يسمعه من أكرمه من الملائكة والرسل ]
=فأجاب : الجواب - والله تعالى الموفق للصواب ، أن القول قول زوجة الوصي ، ولا قول لربيبتها بالإيصاء ؛ لأن الزوجة أن البنات أقوى محبة ، وأثبت مودة ، وأحرص في صون بناتها أفلاذ كبدها ، وإسناد أبيهن الإيصاء بهن إلى أختهن ليس من حسن النظر ، بل هو أقرب إلى الضرر ، وهذا موجود عادة مستقرة لا ينكره إلا من عاند الحس ، وكابر المشاهدة ، والعلماء والفقهاء يقيمون مظنة الشيء مقام التحقيق ، أقاموا النوم المستثقل مقام الحدث ، فأوجبوا الوضوء ، وأقاموا الخلوة مقام الزنى فجرحوه ، وفي الموطأ عن سعيد إذا دخل الرجل على المرأة في دارها صدق عليها ، وإذا دخلت عليه في بيته صدقت عليه ، بناء منه على انبساط الرجل في داره وانقباضه في بيت غيره ، لا سيما من شروط الحضانة حرز المكان في البنت يخاف عليها ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « إنما النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه » . فهذا يقوي ما قدمنا . قال أبو الحسن اللخمي روي عن مالك في كتاب المدنيين أنه قال في رجل توفي وترك حشما شتى ، فتزوجت الغلام ، فقالت أخته : أنا آخذه . قال : يأخذه أولياؤه . وقال ابن القاسم : ليس للأخت في ذلك مقال فلم يجعلا للأخت للأب حقا في الحضانة ؛ لأن العادة جارية بالشفقة والحنان بين الأخوين للأم ، والتباغض والشنآن بينهما إذا كانا للأب ، لاختلاف ما بين أمهاتهم ، وعلى ذلك يربون وينشئون . قلت : فيجب على القاضي عزلها ، فإن قال قائل : وصي الأب . قيل له : الأب وكيل أولاده ، فإذا كان فيه حسن نظر ، وإلا رد ولا يمضي فعله ، وذلك بخلاف فعله في ماله ؛ لأن فعل الأب على بنيه فيه معنى الوكالة لغيره ، ولا يصح أن يكون وكيلا لغيره من لا يحسن النظر . كذا قال اللخمي رحمه الله تعالى . فالواجب عزلها لم قدمنا ، ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار » .
غاية الأمر أن في كلام ابن رشد وقوع تسامح في لفظه، وما ورد به السائل على هذا لا يرد على ما ذكره ابن رشد. أما ما ذكره عن المدونة وابن الحاجب فقد قرره بان الطلقة الأولى هي الثانية عن الشرط، والثانية هي التابعة، وهذا يؤيد ما قرره ابن رشد على الفهم المذكور، لأنه يرده. وممن
[370/4]
[371/4]
صرح بتقدير ذلك ابن عبد السلام لأنه قال فتقع الطلقة من الخلع أولا، وتتصل بها الطلقة المعلقة، وكذا وقع في كلام غيره. وأما قول السائل وقد ذكر هو عن عيسى ما ذكر فلا يرد ذلك على ابن رشد إنما هو مرتب على فهم عيسى، وفهمه مردود بما ذكر. نعم لو صرح بالنقل على ابن القاسم أنه يقول بأن الطلقة الرجعية هي الأولى والثانية هي الثانية تم النقد على ابن رشد.
[اختلاف الفقهاء في السبب الشرعي هل يقدر وجوده بعد مسببه أو معه]
فإن قلت: كلام ابن عرفة كأنه يتم به الرد فيما نقل عن المنتخبة فإنه قال حنث بطلقة اليمين، ثم وقعت طلقة الصلح.
قلت: لم ينقله عن ابن القاسم، فلعل ذلك على فهم عيسى، وهو منازع فيه، ولا شك في أن المسألة لا يمكن توجيهها على ما ذكر عيسى، لأنه خلاف القاعدة المعلومة في اللغة والشرع، لأن الشروط اللغوية أسباب.
الأجل وهو الذي اختص بلفظ الإجارة وبقي البعض على مسمى البيع كاختصاص المراطلة والصرف وغيرهما بنوع مخصوصة (كذا) من البيع، وهذا هو الظاهر وهو المتعين، فإن الذات وحدها أو مع غيرها لا ينصرف نحوها
[334/5]
العقد، ولا يكون الثمن أو بعضه عوضا عنها، لأن من شرط ما هو بهذه المثابة أن يكون مملوكا للعاقد، والذات لا ملك عليها في الحقيقة إلا لله عز وجل، وإنما يطلق الملك عليها في بعض المواضع مجازا لملك منافعها، فإنه ليس منه إلا ذلك، والله أعلم، وهذا آخر ما قصدناه، والله أعلم، انتهى.
قلت: وإلى اختصار هذا المعنى قصد الشيخ الفقيه الإمام القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله في قواعده فقال: قاعدة انفراد الله عز وجل بملك الأعيان فله وحده التصرف فيها بالإيجاد والإعدام، وإنما ملك عبيده المنافع وأباح لهم المعاوضة عليها إما على وجه ترجع فيه بالملك الأول وهو الإجارة وما في معناها، وبه يقع الجواب على ما زعم صاحبنا الفقيه أبو موسى بن الإمام بن علي ناصر الدين أورده عليه وذلك إن قال البيع أما أن يتسلط على الأعيان مجردة عن المنافع وهو باطل لما مر ولأنه بيع ما لا منفعة فيه أو ( ... ) (¬1) إجارة فيحتاج إلى شروطها أو عليهما وبطلان القسمين يبطله، وفي جواب الفقيه طول انتهى، قلت أصل هذا الجواب للإمام أبي عبد الله المازري رحمه الله تعالى قال ما نصه قول الفقهاء الملك في البيع في الأعيان وفي الإجارة في المنافع ليس على ظاهره بل الأعيان لا يملكها إلا الله تعالى لأن الملك هو التصرف وهو تعالى المتصرف في الأعيان بالإيجاد والإعدام، والأماتة والإحياء، وتصرف الخلق في المنافع فقط، وتحقيقه أن العقد إن ورد على المنافع بشرط رد العين للبائع فهو الإجارة، وإلا فهو البيع انتهى.
[كتاب الروض البهيج، في مسائل الخليج]
[تأليف محمد بن مرزوق]
بسم الله الرحمن الرحيم
قيل ليحيى: فإن اجتمع النساء حلقة للبكاء قياما بالصراخ العالي ولطم الخدود عند موت الرجل أو بعده بأيام وفيه نوائح أو ليس فيه، هل يجب على من استرعاه الله رعيته. أن ينهى عن ذلك ويغلط فيه بالهجم عليهن والضرب والطبع وخلع الأبواب؟ فقال: إذا نهاهن فركبن نهيه وأعلن ما نهاهن عنه، فأرى أن يعاقبهن ولا يبيح لهن ما لا يحل لهن.
[الخروج إلى المقابر]
وسئل يحيى عن الرجل يموت وتخرج أمه أو أخته أو امرأته، ويخرج
[420/6]
معهن نساء من جيرانهن إلى المقبرة، وعن المرأة يموت زوجها أو ولدها وبعض قرابتها فتعاهد قبره كل يوم جمعة وغيره، فربما بكت بصياح، وربما اجتمع إليها النساء يبكين بالصراخ العالي. هل ترى أن يطردن وينهون عن الخروج؟ وإن نهين ثن عدن أترى أن يضربهن بالدرة ويقمن أم ما ترى؟
فقال: لا أرى للنساء أن يخرجن للمقبرة للترحم على الأولاد والأزواج أصلا.
[في خفاف النساء الصرارة]
سئل يحيى عن الخف يعمله الخراز من مثل هذه النعال الصرارة، هل ينهى الخرازون عن عملها؟ فإن النساء يستعملنها عامدات لذلك، فيلبسنها ويمشين بها في الأسواق ومجامع الناس، وربما كان الرجل غافلا فيسمع صرير ذلك الخف فيرفع رأسه.
فقال أرى أن ينهى الخرازون عن عمل الخفاف الصرارة، فإن عملوها بعد النهي عليهم العقوبة. وأرى أن يمنع النساء من لبسها، فإن لبسنها بعد النهي رأيت أن تشق خرازة الخف ويدفع إليه، وأرى عليها الأدب بعد النهي.
[ في الرجل يرش قدام حانوته فيزلق عليه]
سئل ابن القاسم عن الرجل يرش بين يدي حانوته فتزلق الدواب فتنكسر، فقال: إن كان شيئا خفيفا لم يكن عليه شيء، وإن كان كثيرا لا يشبه الرش خشيت أن يضمن.
[هل على أرباب الدكاكين كنس طين المطر؟ ]
وسئل يحيى عن طين المطر إذا كثر في الأسواق هل يجب على أهل الحونيت كنسه وهو ربما أضر بالمارة؟ فقال لا يجب عليهم كنسه، لأنه ليس من فعلهم. قيل له: فإن أصحاب الحوانيت كنسوه وجمهوه في وسط السوق
[421/6]
الحمد لله. سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم, ومن التوفيق للتحقيق لا أخلاكم, جوابكم عن مسألة, وهي أن رجلا حبس ربعا على أولاد له ثلاثة,
[355/7] وهم محمد وعلي وأبو سعيد عل السواء بينهم والاعتدال, حبس ذلك عليهم وعل ذريتهم من بعدهم وعقب عقبهم, ماتناسلوا طبقة بعد أخرى, ومن انقرض منهم رجع نصيبه إلى عقبه, ومن انقرض من غير عقب, رجع نصيبه إلى أخويه المذكورين أو عقبهم, ثم توفي علي وترك بنتين قامتا مقامه ونزلنا منزلته, ثم توفي أبو سعيد وترك أولادا قاموا مقامه ونزلوا منزلته, ثم توفي محمد وترك بنتين قامتا مقامه, ونزلتا منزلته ثم توفيت إحداهما وتركت أختها وقامت مقامها ونزلت منزلتها, ثم توفي أحد أولاد أبي سعيد وترك اولادا ثم توفيت بنت علي ونزلت منزلتها, ثم توفي أحد أولاد أبي سعيد وترك اولادا ثم توفيت بنت علي ولم تعقب, لكن تركت بني عمها وهم بنت محمد وولد أبي سعيد وأولاد ولده المتوفى, وهم المذكورين فيما قبل, فهل رضي الله عنكم تدخل معهم بنت محمد أو لا؟ وإن دخلت كيف يكون قسمها, هل مع بني عمها فقط أو معهم ومع الحفاد أولاد ولد أبي سعيد المذكورين, وأيضا فأولاد ولد أبي سعيد كيف تكون قسمتهم مع عميهم ولدي أبي سعيد, هل يتنزلون منزلة أبيهم فيكون لهم من النيب ما كان لأبيهم أن لو كان حيا او يقاسمون عميهم في هذا النصيب ويكون سوية بينهم ولا شيء معها لهم؟ وأيضا إذا توفي العمان المذكوران ولدا أبي سعيد المذكور, وترك كل منهما أولادا فيصيرون مع الأحفاد المذكورين في درجة واحدة وطبقة متساوية, فكيف يكون قسم الحبس بينهم هل كما كان لأجدادهم لا فضل لأحدهم على الآخر, او يكون لكل فريق منهم من النيب ما كان لأبيه, فبينوا لنا جميع ذلك فلا فلا, ولكم الأجر الأسني, والمثوبة الحسنى, والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأجاب ابن ميسور شهادة الذين عرفوا أجرية الماء والأوساخ أتم وليس هذا عندي من التهاتر الذي ينظر فيه إلى أعدل البينتين فيقضى بشهادتها أو يسقط جميعها إذا تكافأت العدالة، ولا وجه للركوب وجميع الفقهاء إلا فيما يشكل الفصل فيه لا في مثل هذا وقطع الضرر عن محجة المسلمين واجب كيف دار الأمر والمنع من ذلك لازم والله الموفق للصواب بمنه وجميل صنعه.
فأجاب محمد ابن زرب: يجب أن تأمر بقطع الضرر عن المحجة ولا يؤخر ذلك فالله يأجرك عليه، وأما الشهود الذين شهدوا بجرية الأوساخ في القناة فلم يشهدوا بذلك لقوم بأعيانهم ولا بجرية دور بأعيانها فهي شهادة غير تامة حتى يشهدوا لمن هي إن شاء الله تعالى.
وأجاب محمد بن حارث بمثل قول ابن مخلد إلا في الركوب فلم يره فقال ينبغي أن ينظر إلى المكان الذي تستقر فيه أوساخ ماء القناة من المضارة فإنه موضع للمسلمين فيه حق فلا يحكم باستقرار الوسخ فيه ظاهرا دائما إلا بأمر قوي إن شاء الله.
[406/8]
[407/8] [من له أرض على شفة الوادي فصنع مركبا ليعبر عليه إلى الضفة الأخرى]
وسئل القاضي أبوعبدالله ابن الحاج عن رجل له أرض على ضفة الوادي الكبير ملصقة إلى الوادي فصنع فيه مركبا وجعل يعبر عليه الناس إلى الجهة الأخرى من الوادي واعترضه السلطان في ذلك وقال إنما مجرى الوادي لي ويريد أن يمنعه من العبور فبين لنا رحمك الله هل للسلطان منعه من ذلك أم للرجل أن يعبر ولا يمنعه مانع؟ مأجورا موفقا إن شاء الله تعالى.
وسئل ابن البراء عمن أوصى بثلثه لأول مولود يتزايد لابنته وتوفي بغير بلده، وأوصى لفقراء بلده بخمسين دينار هل هي من كامل التركة أو من الثلث؟
فأجاب: محمل الوصية الثلث إلا أن يجيز الورثة الزائد عليه، ولا بين هاتين الوصيتين، فيتحاصان في الثلث بقدر كل واحدة ولم أر فرقا مخيلا بين الوصية بالتسمية والجزء وهو الذي عضده سحنون، ووجهه ظاهر.
وأجاب البرجيني بمثل ذلك وزاد بيانا وهو إن كانت التركة مثلا ثلثمائة دينار فثلثها مائة يضرب فيها صاحب الثلث بقدرها، وصاحب الخمسين بذلك فيصير لصاحب الخمسين ثلثها ولصاحب الثلث ثلثاها، انتهى.
قيل: حكى ابن رشد في المقدمات خلافا في الوصية بالجزء والتسمية هل المقدم الأول أو الثاني أو هما على حد السواء، وهو مذهب المدونة فانظره.
وسئل عبدالحميد بن أبي الدنيا عمن أوصى بثلثه لأول ذكر يتزايد لابنته بشاهد واحد، وأقام بعد سنين ثم مات في غير بلد والوصية وقد أوصى
[360/9] حينئذ بخمسين دينارا للفقراء فهل يتحاص بها مع صاحب الثلث ويوقف ما يصير له حتى يعد الواجب أو يبقى بين الورثة.
فأجاب: إذا أطلق الشاهد الوصية لولد البنت ولم يذكر سفرا ولا ذكر مرضا فهي ثابتة، فإن صدقه الورثة أخذ ما صار له في الحصاص وإن لم يصدقوه حلفوا وأوقفوا المتحصل له إلى بلوغه فيحلف ويستحق، وإن نكل بطل حقه، وإن لم يحلفوا أخذوا محاصة الولد موقوفا بين الورثة على قدر مواريثهم حتى يتزايد الولد ويبلغ فيحلف ويستحق الوصية، وإن مات قبل البلوغ حلف ورثته واستحقوا الوصية، وإن ماتت البنت قبل الولادة بطلت الوصية.
قيل وهذه المسألة تجرى على الخلاف إذا قام للصبي شاهد بحق، هل يوقف ذلك للبلوغ أو يحلفون ويقسمون ذلك، والفرق بين الأعيان من الحقوق وغيرها، وانظر ابن يونس وغيره في الشهادات.
[من أوصى بثلثه لمن يولد من أولاده الثلاثة]
فأجاب : أردت بقولي عدالة الشهادة فيكون فيه من الأوصاف ما تجوز شهادته معها ولو لم يكن في صفاته ما يسقط شهادته ، وأما قولك قوم رتبوا للشهادة فهو فعل لا يجوز ولا يحل ، وفيه ضرر على المسلمين ، وإن تمادوا على هذا ولم يرجعوا عن ذلك فلا تكون فتواهم لله ، لأن هذا يوجب نقض أحكامهم ، إذ لا يقدر على تجريحهم من أراد تجريحهم ويصير الناس مجبورين عليهم والأحكام بهم مطلوبة ، فيجب قبول العدل وإسقاط هذا التركيب جملة ، فهو خلاف إجماع الفقهاء ممن يوافق مالكا أو يخالفه وخلاف [343/10] سنة المسلمين ، فالله الله ارجعوا إلى الحق واعرفوا ما تصيرون إليه ، وتوبوا من هذا الفعل ، ولا تتبعوا الأهواء فهي المفسدة التي تغلب من تبعها .
[من سلف مالا وأنفقه في ترميم منزل لغيره هل يلزم صاحب المنزل شيء من ذلك السلف]
وسئل المازري عمن اعترف أنه اشترى دارا لزوجه وأخته بينهما سواء ،
وأنه أخذ منهما مالا لاسترمام الدار فأدخله في مصالحة ، وأنه تسلف من صهره قدر ما أدخله فرم به الدار عوضا مما أخذه لهما فهل يلزم الأخت والزوجة شيء من هذا السلف أم لا ؟
فأجاب : إذا ثبت ما ذكر من الإقرارات وأنه ما أنفق ما تسلف من صهره إلا عوضا عما أخذه للمقر لهما فلا رجوع عليهما بشيء من السلف .
[من ادعى على المتوفى فصدقته زوجته]
وسئل عمن توفي وله ورثة غيب وحاضرون وجائزو الأمر وغيرهم ، فاعترف بعض من ناب عن فلان العطار أن له عند الميت دينا ثمن شراب وغيره فصدقته زوجة الميت فيما يذكر من غير يمين ولا بينة فادعى أن له ثمن شراب كذا وثمن حوائج أخذها منه ذكر قدرها فاعترفت الزوجة بالأول دون الثاني فهل يلزمها الجميع بتعميم اقرارها أم لا ؟
فأجاب : إذا شهدت فإنها مصدقة فيما يدعيه من ثمن شراب وغيره لم يكن لها رجوع فيما ادعاه إذا كان قصد في ذلك فيما يمكن ويشبه .
[رسم تضمن أن امرأة تسلفت دينارين ...]
340/11] وقد روي أن بشير النافق خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف. وثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال له: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال اليهودي لعمر رضي الله عنه: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم قال مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر رضي الله عنه فاستل سيفه ثم خرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت الآية وهي قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك﴾ إلى آخرها وقد نقل الشيخ ولي الله تعالى ابن أبي جمرة عن بعض ملوك العدل والصلاح، كان له ولد قد شغف بحبه قد جلس معه يوما على طعام، وأمه معهما وكان على الطعام دباء، فنظر الولد إلى الدباء وقال: لا أدري لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها؟ وأي شيء فيها يحب؟ أو كلاما قريبا من هذا فقام الملك أبوه واستغفل ولده هذا حتى رآه غفل وضربه بالسيف ضربة قطع فيها عنقه، فصاحت أمه فقال لها: لست صادقا في حب النبي صلى الله عليه وسلم إن سمحت في هذا. انظر هذا الأمر العظيم واعرف به قدر الإيمان في قلوب المؤمنين، تعرف الفرق بين حال الناس اليوم وبين حال من مضى نسأله سبحانه الخاتمة بفضله. وأما رمي هذا الرجل من حمل الحديث على ظاهره في جواز تسميته تعالى بالدهر بالزندقة، فذلك أيضا مما يستحق به الأدب، لأن الزندقة إنما تلزم من يجعله سبحانه وتعالى دهرا أي زمانا كما تقول الدهرية. أما من يسميه باسم الدهر، لظاهر الحديث مع جزمه بتنزهه جل وعلا عن حقيقة الزمان، وإنما لفظ الدهر عنده مشترك اشتراكا لفظيا بين الزمان وبين ذاته تعالى الواجبة الوجود، المنزهة أصلا.