وأجاب عن مسألة تظهر من الجواب فقال: وسألتم عن قول القائل للميت يخاطب الله تعالى: وأنت خير منزول به, على من يعود ذلك الضمير؟ فاعلموا انه يعود في الأصل على الموصوف بمنزول, لأنه وصف قام مقام الموصوف بعد, أي وأنت خير منزل به. والضمير المجرو في موضع رفع مفعول لم يسم فاعله بمنزول. والمعنى أنه يقول: وأنت خير من نزل به, كما يقال: فلان أكرم من نزل به. ثم تقول إن شئت هو أكرم منزول به. فهذا جواب ما عنه سألتم, والله سبحانه يرحم من فقدتم ويبرد ضريحكم, وينور عليهم قبورهم, ويجعل الجنة ميعادا بيننا وبينهم, ويلحقكم(¬1) بعده جناح العافية, ويستعملنا وإياكم في الطاعة, ومعاد السلام عليكم.
[317/1] [نعي الميت من منار الجامع]
وسئل عن أهل موضع عادتهم إذا مات لهم إنسان يصعد أحدهم في ربع النهار في المنار في الجامع الأعظم ويقرأ شيئا من القرآن ويذكر ما يفعل المؤذن بالليل ثم يدور في المنار ويقول مات فلان وجنازته في كذا, إلى أشياء كثيرة من نحو هذا.
فأجاب إن ذلك من أشد النعي الذي جاء النهي عنه في الحديث, فالواجب التقدم فيه بالنهي عنه والمنع لقبحه بفعله في الصوامع التي لم يشرع فيها إلا الاعلان بالأوقات لإقامة شرائع الصلوات.
[عشاء القبر]
وسئل عن الطعام الذي يصنع للقراء على الميت وغيرهم عند تمام سابعه, ذكر ذلك بعض الناس هنا انه ممنوع ولا يجوز أكله, وفاعله ما قصد غير الترحم على الميت وصلة الأرحام.
ابن عبد النور: لقائل أن يقول قد لا يتوجه التكذيب على الأول لأنه لم يرد عدم الوجدان دائما. وإنما يعني أن وقت الضحية بالغنم لم تحضره بدنة، فانه عليه السلام كان متزهدا في الدنيا راغبا عنها تحقيرا لشأنها فكانت مرة توجد ومرة لا توجد لاختياره الفقر على الغنى ولو شاء لتبعته جبال تهامة ذهبا وفضة كما ورد. وكانت ترد عليه الغنائم فيقسمها ولا يتمسك منها بشيء حتى قال﴿ليس لي إلا الخمس، والخمس مردود عليكم﴾. واستقراء الأحاديث يدل
[365/2]
[366/2]
على زهده عليه السلام ورغبته عن الدنيا وتقلله منها. وآية المساكين في قوله تعالى:﴿ قل لا أجد ما أحملكم عليه﴾ في أفضل الأعمال وهو الجهاد تدل على ذلك. وأيضا فقد كان عليه السلام مشرعا فيضحي بالغنم مرة والابل اخرى ليدل على مشروعيتة الأمرين، فقد خرج البخاري أنه عليه السلام نحر بالمدينة وأخبر أنها سنته.
وقوله فان أراد القائل تقلله من الدنيا تزهدا فيها الخ فله أن يقول هو غير قصدي فلا يقع في تغليظ الجواب وأغفل الجواب بالشرط، وصوابه أن يقول فهذا صحيح ولا شيء عليه فيه لو صدق، ونحو ذلك.
وقوله في الجواب تقلبها الخ وزهده إنما كان تبرعا رغبة عنها لسرعة انقراضها وتقلبها، وان التكثر من الدنيا غرور ويجر إلى كثرة الحساب والمناقشة.
وقوله إن أشكل الأمر أدب فما وجه هذا التأديب؟ ولم لا يحسن الظن بالمسلم؟ لا سيما إذا لم يعرف بشيء قبلها. وأي دليل على أدبه؟ قيل يحتمل أنه لما كانت الدنيا عند أربابها لها شرف لا سيما في هذا الزمان، وفي قلتها إزراء على من اتصف بالفقر.
[ لا عذر لمن سب النبي عليه السلام وهو سكران ]
وسئل ابن رشد عن شرطي سب النبي صلى الله عليه وسلم بسب قبيح مرة بعد أخرى وهو سكران أو غير سكران؟
امرأة وصي على ابن لها من قبل أبيه عقدت له النكاح مع ابنة لزوجها وهي في شدة مرضها ]
*وسئل القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد المالك الفشتالي عن امرأة وصي على ابن لها بالإيصاء من قبل أبيه ، وهذا الابن يعتريه جنون وصرع في أكثر أوقاته ، فهو غير قادر على التكسب ، وليس له مال إلا ما استقر بيد الوصي المذكورة من ميراثه في أبيه ، ثم إن الوصي المذكورة مرضت مرضا شديدا أشرفت منه على الموت ، فعقدت النكاح على الابن المذكور مع بنت لزوجها في شدة مرضها بصداق ثقيل لا يفي به ميراثه المذكور ، وتوفيت من مرضها المذكور في غد يوم إنكاحه ، فهل يفسخ هذا العقد لوقوعه على هذه الأحوال ، ولما فيه من عدم النظر للابن المذكور ، وتعريضه للضيعة والفقر ، أو لا يفسخ ؟ وإذا قلتم : إنه لا يفسخ . فهل يلزم الصداق الوصي المذكورة ، لكونها تعلم أن ماله في حال العقد لا يفي به ؟ وإن قلتم : إنه يلزمها ذلك . فهل يكون لورثتها حجة في كون الابن المذكور يرث من الوصي المذكورة ما يؤدي منه بقية الصداق ، ويفضل له إن احتجوا بذلك ؟ أم لا يكون ؟ فإذا قلتم :[343/3]إنها تكون . فهل تقابل هذا لحجة بكونه لا يفضل له إلا ما ينفق في أمر يسير ، ويبقى عالة على الناس ، مع ما به من العلة المذكورة ؟ بينوا لنا ذلك كله بيانا شافيا تؤجرون .
=فأجاب : الحمد لله ، الجواب - والله تعالى الموفق للصواب - أن عقد الوصي المذكورة النكاح على ابنها وهي على ما وصفتم من الأحوال مع ابنة الزوج التي هي في عصمته ، وهي مغلوبة معه على جل أمرها ، محل للتعقب والنظر ، فإن ظهر فيه عدم النظر والسداد فسخ ولا صداق لها إذا لم يقع بناء ولا دخول ، وبهذا يستغنى عن بقية السؤال ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، وكتب محمد بن أحمد الفشتالي .
قلت: لعله والله أعلم أشار إليه الشيخ أبو الحسن الصغير في مسألة من اتبع الخلع طلاقا نسقا من غير فصل ما معناه لطول عهد به أنه لما لم يفصل ما يعد فاصلا فكأنه أراد أن يطلق ثلاثا بدءا ففرضها يصير بمنزلة من قال أنت طالق ثلاثا في كلمة، ولا كذلك والله أعلم مسألة التعليق، فكأنه يقول إن وقع طلاقي فأنت طالق، وبطلاق البينونة بانت، ويدل عليه عدم الميراث إن ماتت من فورها، والعقد على الخامسة والأخت بلا خلاف. فنسأل مولانا أن يرشد الجميع إلى الصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
وأجاب عنها من فقهاء تونس القاضي أبو عبد الله الزلديوي بما نصه:
الحمد لله. كلام ابن رشد ظاهر والله أعلم، واستشكالكم له من جهة قوله يقع عليه بالصلح طلقة ثانية لطلقة الصلح، وهو إنما قال يقع عليه بسبب الصلح ثانية، يعني بالنسبة إلى الطلقة الأولى التي هي طلقة اليمين على ما لزمه ويتقدر ذلك بأن طلقة الأولى لو جعلت متقدمة على الخلع لكانت غير مسببة عنه، لاحتمال تقدم المسبب عن سببه، إذ الشروط أسباب ويلزم حين وقوع الخلع المجعول سببا في الطلاق أن يقع المسبب ضرورة لاستحالة سبب دون مسبب، وإلا لم يكن سببا فيقع الطلاق المسبب عنه، وهي طلقة ثانية بالنسبة إلى الأولى المحكوم بتقدمها على الخلع مع طلقة الخلع المتوسطة بينهما فتلزمه الثلاث، ولا شك أن هذا لم يقله أحد، وقد حكي شيخنا الإمام السيد ابن عرفة كلام ابن رشد وسلمه، وهو دليل وضوحه عنده، وعادته في نقله وتحقيقه لا يخفاكم. وفي هذه المسألة والمقيسة عليها أبحاث واعتراضات وتوجيهات للمتقدمين والمتأخرين، وذلك لا يحتاج إليه هنا، وفي تخريج اللخمي بحث لابن عبد السلام وتفريق بين المسألتين، ونازعه فيها به وفرق هو بفرق آخر حسبما قرر ذلك في مختصره. وإنكار الشيخ رحمه الله لوجود
[369/4]
[370/4]
فأجاب: أبو موسى بأن قال هذا باطل بالإجماع، فقال أبو علي استعمل البحث، فقال أبو موسى فما بيان عدم الصحة فقال أبو علي لأنا نقول الثمن الذي يقع به البيع إما أن يتوجه نحو الذات المبيعة مجردة عن المنافع أو نحو المنافع مجردة عن الذات أو نحوهما معا، والأقسام الثلاثة باطلة، فالقول بصحة البيع باطل، بيان بطلانها أما أن توجه الثمن نحو الذات مجردة عن المنافع باطل فلأن المنافع من شرطها الحصر إلى أجل وقد فقد الشرط فتعقد صحة البيع فيها، وأما أن توجه الثمن نحوهما باطل فلأنا لما أقمنا الدليل على بطلان كل فرد فرد لزم منه بطلان المركب فتلخص من هذا عدم صحة البيع مطلقا. فأجاب بأن قال نختار أن الثمن يتوجه نحوهما معا وقولكم إنا قد أبطلنا كل فرد فرد فيكون المركب باطلا قلنا لا نسلمه لأن حكم الأفراد من حيث هو أفراد مغاير لحكم المجموع من حيث هو مجموع اعتبارا بالنصاب في باب الزكاة فإن أجزاء النصاب على انفرادها لا يثبت معها حكم فإذا اجتمع النصاب ثبت الحكم، ولأن المركب مفتقر والأفراد غير مفتقرة، فظهر التقرير، ولأن المركب ينقسم، والأفراد غير منقسمة لبساطتها، فظهر التقرير، والجواب من وجه آخر وهو أنا لا نسلم انحصار القسمة في الثلاثة، قولكم أما أن يتوجه الثمن نحو الذات مجردة عن المنافع، قلنا لم لا يجوز أن يتوجه نحو الذات من حيث هي ذات مع عدم التعرض لسلب المنافع لأن الفرق بين سلب الحكم والحكم بالسلب وقولكم إن الثمن يتوجه نحو المنافع مجردة عن الذات قلنا لا نسلم، لم لا يجوز أن يتوجه الثمن نحو المنافع من حيث هي منافع مع عدم التعرض لسلب الذات؟ لأن أيضا الفرق بين سلب الحكم والحكم بالسلب فتكون الأقسام خمسة على هذا التقرير، فبطل حصركم، وإذا بطل لم يحصل الغرض المقصود من بحثكم انتهى.
[333/5]
وسمعت سحنون، وسئل عن طعام الوليمة أهو طعام العرس؟ قال: نعم. وقيل له: فالرجل يدعى إليها أترى أن يجيب؟ فقال: إلا إذا كان فيها اللاعبون واللهو فلا. وإن لم يكن فيهما ذلك. فقد جاء فيه من الأحاديث ما جاء. أي شيء معناه. قال يحيى: معناه أنه قد أمر أن يجيب له.
قال سحنون: وسئل مالك عن الرجل يمر على الطريق فإذا باللاعبين على الطريق، أترى أن يمضي أم يرجع؟ فقال: إن لم يخف أن يشتهي ذلك قلبه فليمض وإلا فليرجع(¬1) وقد أخبرنا عن الحارث بن مسكين(¬2)، قال:
[418/6]
أخبرنا أشهب قال: سألت مالك بن أنس عمن يدعى إلى الوليمة وفيها إنسان يمشي على الحبل، وآخر جعل على جبهته خشبة عظيمة ثم يركبها إنسان، وهي على جبهته. فقال مالك لا أرى أن تؤتى وأرى أن لا يكون معهم.
قيل له أرأيت إن دخل ثم علم بهذا أترى له أن يخرج؟ قال: نعم لقول الله عز وجل: ﴿فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾.
وفي موطأ ابن وهب عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه ببني زريق سمعوا غناء ولعبا. فقال ما هذا؟ فقالوا نكح فلان يا رسول الله. فقال: كمل دينه هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح حتى يسمع دف أو يرى دخان.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أيوب بن شرحبيل(¬3): أن مر من قبلك فليضربوا على الملاهي بالدف، فإنه يفرق بين النكاح والسفاح، وامنع الذين يضربون بالبرابط. قال أبو الطاهر: يعني العيدان الطنابر.
[تكسر القدور التي لا تستعمل إلا للخمر]
الحمد لله. لا شك أن ما نص عليه المحبس في وثيقة التحبيس أن مقتضى العرف زمن التحبيس, إذ الغالب أنه مقصد المحبس, فيجب الحمل عليه لرجحانه على مقابله, والعمل بالراجح متعين, وقد نقل أهل الأصول في ذلك الاجماع, والفرار إلى الأعراف عند الاجمال مشهور عند
[353/7] الفقهاء في أبواب الوكالات والوصايا وغيرهما, ولا خفاء أن غرض المحبس من الايقاف على المدرس في المدرسة ونحوها بحسب شهادة العرف, انما هو الاعانة له عل مهماته الدنيوية, عل أن يحبس نفسه لتعليم طلبة تلك المدرسة أصالة, وغيرهم تبعا, وينصحهم في ذلك اكمل نصيحة, بحيث يستغنون به فيما يخسنه من العلوم عن غيره, وجرت عوائد الشيوخ قديما وحديثا, أن يجتهدوا في فصل الشتاء بسرد القليل من المسائل وإفراغ الوسع في نقل ما للعلماء فيها, وتحقيق ما يخصها من مباحث وأنظار, ولا يسمجون لأنفسهم في هذا الفصل بشيء من البطالة, فإذا انصرم هذا الفصل أجموا أنفسهم بعض الإجمام, ثم شرعوا في إقراء الطلبة والمبالغة في نصيحتهم بقدر الآمكان, لاسيما طلبة المدرسة التي تضاف إليهم, وعادتهم في سائر فصول السنة غير فصل الشتاء أن تسرد عليهم كثرة المسائل, ويقتصرون عل بيان صورة كل مسألة مع نقل ما لابد منه عليها من المباحث والأقوال, وحل ما يعرض في ذلك من نظر وإشكال, إذ ختم الكتب والتأنس بالمرور عل مسائلها على الوجه الذي ذكرناه آنفا, من أنفع شيء للمتعلم, سيما من كان مبتدئا في هذا الشأن, وبالجملة فيجتهد المعلم في تعليمهم على وجه لا يأتي عليهم فصل الشتاء إلا وقد حصل لهم من التعليم الوقوف عل المسائل والتأنس لمعانيها, ما يتأهلون به لفهم ما يلقي إليهم المدرس في فصل الشتاء من دقيق الأبحاث والنقل الغريب, فار الشتاء لهم كالعرقلة (كذا) والتمرين بما حصل لهم في غيره, وبهذا تعرف ان جل منفعة الطلبة بالمدرس, إنما هو في غير فصل الشتاء, فإذا تحققت هذا, علمت أن ما اعتاده بعض المدرسين في هذه
فأجاب: إن ذلك له إذا كان له في أخذه منفعة وأما إن أراد أن يأخذ ويحفر له بركا يحبسه فيها ولا يتركه لمن يشاركه فيه فليس ذلك له.
وسئل عن رجل حفر في حائطه بئرا وسقى به أعواما وعلى مقربة منه حوائط لقوم أخر من جيرانه كانت عامرة فتحاسدوا معه وشرعوا في حفر ما في حوائطهم وفي عمارتها مدة غير أن مائهم غير كاف لحاجتهم ولا عميم لأرضهم فرغبوا إلى جارهم أن يمدهم من فضل مائه لتخلص لهم ما جعلوه من الخضر يتوسع لهم مدة طويلة إلى أن جفوه بكثرة القوم منهم ومن أولادهم وعمالاتهم الزمه ذلك وأحرجه واشتد قلقه وعال صبره لهم وبالا عليه ترى صبره عليهم وتوسعته لهم هذه المدة توجب لهم حجة بدعوى ملك إن ادعوه؟ وكيف إن احتجوا عليه ببئر دائرة كانت لجميع المسلمين فوق حائطه وعلى مقربة منه قد باد رسمها ودرس وخفى موضعها وطمس لتفاهتها ويسارة خطبها وقالوا له: هذا الماء الذي استجاب(¬1) لك في حائطك إنما هو ماء البئر القديمة التي كانت للمسلمين فوق حائطك فلا أثرة لك فيه علينا إذ نحن وأنت فيه سواء ولا ندعك عليه وحدك دوننا وجماعة المسلمين لا تطلب شيئا من ذلك ولا تذكره لغناهم عنها مع علمهم بركاكتها وضعفها ويسارة خطبها، مع أنهم على غير يقين مما زعمه هؤلاء. أترى لهم الكشف عن ذلك دون جماعة المسلمين وهم لا يريدون بذلك حسبة وإنما هو على الوجه المذكور؟ أم لا سبيل لهم إلى ذلك بين لنا ما يجب مأجورا إن شاء الله.
[404/8]
[405/8]فأجاب: لا يستحق جيران الرجل في بئر جارهم حقا بانتفاعهم بفضل مائه على الوجه الذي ذكرت وإن طال زمن ذلك وله منعهم إياها إذا شاء وإن احتاج إلى ماء البئر التي ببناء المسلمين ومن حقوقهم وثبت على هذا الرجل أنه استفرغ ماءها وصيره إلى نفسه قضي عليه بردم بئره حتى يرجع الماء إلى البئر التي لجماعة المسلمين وبالله تعالى التوفيق.
[من باع بيتا في داره وكان مجرى الماء على دار البائع]
وأجاب ابن الضابط: للموصى الرجوع عن وصيته يريد في غير العتق، لأنها ليست بإيجاب ولا إيقاع، وإنما هي وعد بعد الموت فله الرجوع عنها ما لم يلتزم عدم الرجوع، فيخرج عن حكم الوعد وتلزمه، وقوله للموصى الرجوع عن وصيته إلى آخره، يريد غير العتق، والعتق على ثلاثة وجوه فعند السفر والمرض له الرجوع، وإن ذكر التدبير فليس له الرجوع، واختلف إذا قال ذلك وهو صحيح، فحمله ابن القاسم على الوصية، وأشهب على التدبير. اللخمي: ولا فرق بين أن يعلقه بموته أو بموت فلان أو إلى سنة، والأول أحسن للعادة، وقد اشتهر في الناس أن للموصى الرجوع عن الوصية ومحمل عدم الرجوع في التدبير العادة أيضا فيها، ثم جلب كلام اللخمي إلى آخره.
[وصية من ضعف عقله]
وسئل أبوعبدالله بن شعيب وهو قاض بفاس عن رسم مضمنه الشهادة على فلان قبل موته يشهد أنه ضعف عقله، وقل ميزه وفهمه، ولم يزل عليه إلى أن مات وقيد عنه في بعض وصاياه من عدم الرجوع في الوصية أنه نقص فهمه وعقله عن فهم هذا الكلام ومعرفته إلى أن توفي فهل له رجوع عن وصيته بعد الشهادة بعدم الرجوع أم لا؟ وهل تصح وصية من هذا حاله أم لا؟
[358/9] فأجاب: يسأل عن ضعف العقل وما ذكر معه، فإن أراد وصفه بالسفه فوصية السفيه جائزة، وإن أراد أنه مصاب في عقله فوصيته مردودة إلا أن يعتريه المرة بعد المرة فتلزم في حال العقل دون عدمه، وأما التزام عدم الرجوع فالمنقول لزومه بناء على أن الأصل الرجوع فالتزامه عدم ذلك خلاف الدليل وإن الأصل في العقود اللزوم، فخرج عن هذا الأصل الوصية لموجب، فإذا التزم عدم الرجوع رجع إلى الأصل، وخلاف ذلك مصادم للأصول.
[من أوصى في مرضه بصدقة وعتق وحبس والتزم عدم الرجوع ثم أوصى ثانية]
وسيده بالصحراء أو بمصر يعذر إلى سيده ، وحينئذ يحكم عليه ، لأنه إن قتل لبعد سيده لم تبق له حجة إذا قدم . ابن سهل وإرجاء الحجة للغائب فيما يحكم به عليه أصل معمول به عند القضاة والحكام لا ينبغي العدول عنه ولا الحكم بغيره ، إذ هو منه كالإجماع في المذهب إلا شيئا ذكر عن سحنون أنه لا ترجى له حجة وهو ضعيف لا يوجد عنه في الأصول ، إنما رأيته في حواشي المدونة المسموعة عن ابن وضاح أو على رواية ومنها أدخله ابن الهندي في وثائقه ، والله أعلم ، وعنه في كتاب ابنه وفي العتبية خلافه على ما عينه جماعتهم وجرى العمل من فتواهم ، ولابن الماجشون في ذلك تنويع في كتاب ابن حبيب وإرجاء الحجة مصرح عنه في أصولنا الواضحة وغيرها ، وهو في المدونة في مواضع في ثاني النكاح وفي الخلع وكتاب الشفعة وغيرها .
[إقرار المريض لبعض ورثته]
وسئل الشيخ أبو القاسم السيوري عن إقرار المريض لبعض ورثته .
فأجاب : إقراره لابنته في صحته بصداق أمها يؤخذ به ، وإقراره في مرضه الذي مات فيه لا يؤخذ به ولا في قوله كنت استهلكته لها وقول الشاهد تصدق في صحته لها بداره وحزت لها ماض وتحلف فيه إن كان وحده ، فإن نكلت وهي لا يجوز أمرها رجعت اليمين على المنكر من الورثة سفيها كان أو رشيدا ويبرأ ، وتحلف إذا رشدت وتستحق ما شهد به الشاهد . وما أقر به من الدنانير في صحته وأعطاها مالا بساوريها ببعض المبيع ينقض البيع ويتم الإقرار وما اختلف من الإقرار لشخص واحد في الصحة أخذ بالأكثر ، وما كان في [342/10] المرض لوارث فلا يجوز وما أوصى به لمن ينكح ابنته فلا يجوز .
[من أشهد في صحته إلى حين وفاته أن بني فلان ورثته]
فانظر كيف حسنت رضي الله عنها الأدب في عبارتها نساء فتبرأت من إضافة منع النساء إلى نفسها أو إلى أحد من الناس كالأزواج والحكام، بل أضافته إلى من هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم من له الحكم بالمنع وغيره، بحسب ما جعل له تعالى وأرسله به كما قال تعالى:
[339/11] ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾. وهذا والله أعلم نكثة تعبيرها رضي الله عنها في هذا الموضع برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعبر بنبي الله. ومرادها بقوله والله تعالى أعلم: لمنعهن المسجد أي يمنعهن بصريح القول، وإلا فقد علمت رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام قد منع المأمونات من الخروج إلى المسجد بطريق الإيماء لتعليق النهي عن منع النساء من الخروج بكونهن إماء الله على ما مر تقريره، أو لما علم من قواعد شرعة العزيز المحكم من انخرام المصالح للمفاسد، التي تلزم راجحة لتلك المصالح، أو مساوية لها، إذ درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ومن هذا المعنى تلطف عمر رضي الله عنه في منع زوجته من الخروج إلى المسجد فلم يتجاسر رضي الله عنه على شدة غيرته أن يعارض نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمنع زوجته من الخروج بصريح القول أو بصريح الفعل، لكن تلطف في ذلك لما رأى فيه من المصلحة حتى امتنعت زوجته رضي الله عنها من الخروج لنفسها. وهذا الاحتمال الثاني أولى من الأول في تأويل غضب عبد الله بن عمر على ولده بلال، وسبه له رضي الله عنهم، وقد زاد في المصابيح أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه لم يكلم ولده وهجره بسبب ما صدر عنه إلى أن مات. وإذا كان هذا حال السلف في الإذعان لما يطرقه التخصيص والتأويل فيه فكيف الحال من نهيه عليه الصلاة والسلام عن سب الدهر. فهذا يدلك على عظيم جرأة ذلك الأحمق الذي يقول: بل أنا أسب الدهر معارضا لكلام من لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه.