316/1] وكتب رضي الله عنه مجاوبا على مسألة الدعاء للميت ومعزيا بالمصاب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يا أخي وصل الله لكم أسباب السعادة, ورزقنا وإياكم لديه الحسنى والزيادة, تحصكم تحية محبكم, والقائم بودكم, فرج بن لب رحمه الله. أحمد الله سبحانه إليكم وأسأله ان يسبغ نعمه عليكم, وأعرفكم أنه وصلني كتابكم تذكرون فيه من فقدتم وبمن أصبتم, أعظم الله لكم الأجر, ورزقكم الرضى والصبر, فلا حول ولا قوة إلا بالله, ما شاء الله, إنا لله وإنا إليه راجعون, لله ما اخذ وله ما اعطى, وكل شيء عنده باجل مسمى, فاحتسبوا الأجر عند الله, فما يزال المؤمن مصابا في ولده وحامته حتى يلقى الله وليس له خطيئة. وحامة الرجل خاصته وأقرباؤه. ولهذا يعد اهل الفضل والدين الاصابة بفقد القرابة بابا من أبواب الكرامة, لأنه ثواب وأجر ساقه الله للعبد, والموت لابد منه على كل حال. فمن الناس من يكرم بسبب ما يعطى في ذلك من المثوبة, ومنهم من يمنع ذلك كأن يتوفى وهو لم يفقد قط أحدا من حامته. فمن نظر هذا النظر رأى أن الفقد عطية من الله سبحانه للفاقد, فتكون حاله بذلك إلى السرور أميل, ونفسه إلى رجاء الخير فيه أقرب. رزقنا الله الرضى بقاضئه, وجعل أسعد يوم لقائه بفضله ورحمته.
[قولهم: وأنت خير منزول به]
وسئل أبو محمد عمن صنع شعرا في سلطان ظالم، فقال له الرجل: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وكأنه دخل منزله ففتش كتبه فوجد فيها الشعر فقال له عليه السلام قطع هذا، فقال كاتب الشعر الملعون: محمد
[364/2]
[365/2]
مسكين عنى من المدينة إلى ها هنا، فأنكرت عليه هذه المقالة، فقال إنما قصدت قوله: اللهم أمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين.
فأجاب الذي عندي أنه يقتل ولا يقبل منه ذلك إذا شهد عليه عول، ولكن لا يقيم ذلك الا السلطان، فقيل له أرأيت إن عدا عليه من سمعه فقتله؟ فقال يقاد من إلا أن تقوم عليه بينة عدلة بذلك فينظر السلطان في ذلك. قيل لعله فهم عنه النقص بوصف المسكنة والازدراء بذلك فلهذا أفتى بقتله.
[ من وصف النبي عليه السلام بالفقر محتجا بالأحاديث ]
وسئل بعض الفقهاء عمن قال في مناكرة وقد احتج لمن فضل الابل في الأضاحي بقوله عليه السلام﴿ضحى بكبشين﴾ الحديث، فقال الأول لعله كان لم يجد ثمن الهدي فلهذا اقتصر على الغنم، فأنكر عليه ذلك من قوله في حقه عليه السلام، قال لا نكر فيه وتوفي عليه السلام ودرعه مرهونة عند يهودي في قوت عياله. فهل عليه في ذلك الكلام شيء أم لا؟
فأجاب أنه ذبح الغنم تقللا أو عدم الابل ثبت في الجواب لا في السؤال، فقد ثبت في البخاري وغيره أنه أخى في حجة الوداع مائة بدنة نحر أكثرها بيده، وضحى في المدينة بكبشين ذكره البخاري أيضا. وينظر لهذا القائل فان ظهرت قرينة تدل على أنه قصد تقلله عليه السلام من الدنيا رغبة عنها وتحقيرا لجميع أمورها، فهذه فضلة من فضائله عليه السلام، وان فهم عنه التنقيص وهو الغض قتل من غير استتابة، وان أشكل الأمر أدب بحسب حاله.
وتقيد بعقبه ما نصه : الحمد لله وحده أشهد سيدنا الشيخ الفقيه الجليل المدرس المفتي الحسيب الأصيل الأسنى قاضي الجماعة الأفضل الأشهر الأكمل أبو عبد الله محمد ابن سيدنا الشيخ الفقيه الجليل الخطيب البليغ الأكمل المرحوم أبي العباس أحمد بن عبد المالك الفشتالي ، وسيدنا الشيخ الفقيه الجليل المفتي الأسنى الأكمل أبو محمد عبد الله ابن الشيخ الفقيه الأجل الأسنى الأعدل الأكمل المرحوم أبي عبد الله محمد الأوربي المذكور فوقه ، أن الجوابين المذكورين أعلاه ، وهما المكتتبان عقب السؤال المذكور أعلاه ، عما جوابهما أفتيا به في النازلة المذكورة أعلاه ، وتقلدا الفتيا به في النازلة المذكورة ، وشهد عليهما وهما بحال كمال الإشهاد ، وفي منتصف ذي حجة متم عام تسعة وستين وسبعمائة .
[من تزوج امرأة ثيبا بولاية أخيها على صداق سمياه وشهد على الزوج والولي بقرب ذلك]
*وسئل الفقيه أبو الضياء مصباح بن محمد بن عبد الله اليالصوتي رحمه[342/3]الله عن رجل تزوج امرأة ثيبا بولاية أخيها شقيقها على صداق سمياه وشهد على الزوج والولي بتاريخ غدوة يوم الخميس القريب ، فروطا عن تاريخه ، وشهد على الزوجة يوم الجمعة المتصل بيوم الخميس المذكور ، وكان الزوج المذكور رجع عن النكاح المذكور في عشي يوم الخميس المذكور ، قبل وقوع الإشهاد على الزوجة المذكورة ، فهل ترون أن النكاح ثابت أم لا ؟ بينوا لنا ذلك بيانا شافيا مثابين على ذلك ، والسلام عليكم ورحمة الله .
=فأجاب : أكرمكم الله تعالى ، إذا ثبت ما ذكرتموه ، فليس للزوج المذكور رجوع ؛ لأن النكاح من جهته منعقد ، فإن أجازت الزوجة المذكورة النكاح المذكور بالقرب كما ذكر ، كان رجوع الزوج المذكور طلاقا يلزمه نصف الصداق ، وبالله التوفيق . وكتب مصباح بن محمد بن عبد الله اليالصوتي ، والسلام عليكم ورحمة الله .
[
نعم قد يجاب عنه رضي الله عنه إذ هو إمام غواض، واللخمي مع تحقيقه وبلوغه الغاية في الفقهيات، وابن عرفة مع اشتهار ملكته معقولا ومنقولا لم يتفطنا لما تفطن إليه الشيخ زعيم الفقهاء والإمام النظار، كشاف غوامض الأشرار. وكذلك ابن عبد السلام، حيث اعترض على اللخمي طلاقا. وابن رشد جعل التعليق في عدم اللزوم على قول القاضي إسماعيل، فإن جميعهم يظهر من قوله أن التعليق في لزوم الطلقة الثانية كمن أتبع الخلع طلاقا. وابن رشد جعل التعليق لا يلزم معه الثانية بخلاف من اتبع طلاقا. ويشهد له فقه سحنون فيمن قال كلما حضت فأنت طالق، قال ابن القاسم يلزمه ثلاث، وقال سحنون يلزمه اثنان، لأن الثانية تقع بالحيضة الثالثة، وبها تبين بناء منه على أن المشروط مقدر بعد الشرط، ولم ينقل عدم لزوم الثانية ممن اتبع طلاقا إلا القاضي إسماعيل، بل زعم ابن عبد السلام كما تقدم أنه تخريج لا منصوص. ويختص ابن عرفة باعتراض وهو أنه لما قرر مسألة من قال لزوجه كلما وقع عليك طلاقي فإنك طالق أنه إن كان قبل الدخول أو في الخلع فقال سحنون تقع واحدة على أصله بناء على أن المشروط مقدر بعد الشرط أن هذا لا يعرف لسحنون. وإنما يعزوه غير واحد للقاضي إسماعيل في الخلع وتكرير الطلاق، فاعتمد أنه لا فرق بين التعليق ومن أتبع الخلع طلاقا، وذهل عما تقدم في مسألة كلما حضت فأنت طالق.
[368/4]
[369/4]
[من أتبع الخلع طلاقا نسقا من غير فصل]
فإن قلت: ما يوجب التفرقة؟ وقد تقدم أن التعليق أشد اتصالا.
البحث الثالث الفروع التي نقل لا يتعلق ببحثنا منه شيء، قال رضي الله عنه معترضا على قولنا وكذلك في غير مسألة في يمينه المؤجلة بأكثر من أربعة أشهر ما نصه: إن كانت يمينه مؤجلة فلا يدخل عليه الإيلاء ولو كانت المدة أكثر من أربعين سنة، فإنه لا يمنع من الوطء على المعروف من المذهب لأنه بر بالتأجيل، أجبت قد صرح في المدونة في اليمين المؤجلة ثمانية أشهر أنه يطلق عليه بالإيلاء، وأنه إن ارتجع ثم لم يطأ حتى مضت الثمانية أشهر والعدة باقية فإن رجعته تصح، وكذا سائر المسائل التي نقلناها عنها، وكذلك فهمت من اليمين المؤجلة الطلاق المعلق الذي يكون في أصله على حنث ويصير بالتأجيل على بر، ونحن لم نرد ذلك ولا في لفظنا ما يدعو إلى فهم ذلك عنا، والله الموفق للصواب.
[مناظرة في حلية البيع وصحته]
مناظرة جرت بين الشيخ الإمام الراية أبي علي ناصر الدين المشدالي
[332/5]
البجائي، والشيخ العلامة النظار أبي موسى بن محمد بن عبد الله بن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى بمنه، قال أبو علي لأبي موسى ندعي أن البيع لا يصلح.
وسئل يحيى عن الرجل يدعى إلى العرس وهو الوليمة. أو الختان أو الصنيع فيسمع فيه ضرب بوق أو ضرب كبر أو ضرب مزهر، أو ضرب عود أو طنبور. ويعلم أن فيه شرابا مسكرا أترى له أن يجيب؟ قال يحيى: لا يجيب إذا علم أن فيه مسكرا. ولو أن البوق سرقه رجل لقوم ثمنه مكسورا. فإن كان ربع دينار قطع. وكذلك العود وغيره من الملاهي مما لا يحل. إنما تقوم مكسورة. وليس كذلك الكبر والدف المدور لأن هذين قد سهل فيهما. وإنما يقومان صحيحين.
[ما ينهى عن سماعه من آلة اللهو]
وسئل يحيى عمن استرعاه الله رعيته إذا سمع البوق في عرس أو الكبر والمزهر في غير عرس. فقال: أرى أن ينهى عن ذلك كله إلا أن يكون في
[417/6]
عرس، فقد بينت لك قبل هذا ما ينهى عنه وما سهل فيه أهل العلم لإظهار العرس. قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم:
[حضور حفلات اللهو والطرب]
وسئل عن رجل دعي إلى صنيع فوجد فيه لعبا أيدخل؟ فقال: إن كان الشيء الخفيف من الدف والكبر، والشيء الذي يلعب به النساء فلا أرى به بأسا. وذكر عن مالك في الدف والكبر أنه لا بأس به.
قال أصبغ: هي في العرس للنساء وإظهار العرس. وقد أخبرني عيسى ابن يونس عن خالد بن إلياس(¬1) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان(¬2) عن القاسم بن محمد(¬3) عن أبي بكر. عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أظهروا النكاح، واضربوا عليه بالغربال يعني الدف المدور. قال أصبغ: ولا يعجبني المزهر وهو الدف المركن. وأحب إلي أن لا يكون مع الدف غيره. وهو الذي تثتب فيه الرخصة في السلف الأول في العرس. وإن ضرب معه الكبر فلا بأس، ولا يجوز معهما غيرهما. ولا يجوز في غر العرس، ولا يجوز الغنا على حال في عرس ولا غيره. وقد أخبرين ابن وهب عن الليث بن سعد أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى البلدان أن يقطع اللهو كله إلا الدف وحده في العرس. قال يحيى: وبهذا آخذ. وهو رأيي.
وأما المنقول فقد نص في المدرس يموت قبل الاستيفاء أن لوارثه أخذ ما انكسر له, وقد أفتى الشيخ ابن عرفة بخلافه فقال: إن مات ما انكسر له, وظاهر مسائل الوصايا في كتابها الثاني من المدونة لا يأخذ إلا من حضر القسم, قال بعضهم وهذا في الطلبة واضح, ويبقى النظر في أصحاب
[352/7] الأعمال كالمؤذن والإمام والمدرس, والصواب أن يكون حكمهم كذلك, لأنه كله معروف في الأصل أو أجارة تعتبر متى خدموا, وتقع مسائل من هذا المعنى, منها إذا غاب الطالب قبل طيب الثمرة, ثم ورد بعد طيبها, أو إذا خرج المرتب وقد غاب الطلبة, هل يقف له المرتب اولا- لاحتمال أن لا يرجع, فإذا رجع استحق من حينئذ؟ ويحكى عن بعض الشيوخ أنه لا يعمل حساب لمن غاب, والصواب الفرق بين الغيبة الضرورية والاختيارية, فيجب له نصيبه في الوجه الول دون الثاني, كقول الإمام في مسألة السكن في الحبس حيث فرق بين خروج الانقطاع وغيره, وقد أفتى الشيخ ابن عرفة في طالب مات قبل طيب لزيتون, فطلب والده مرتبه بان لا شيء له حتى يطيب الزيتون وهو حي, فعل هذه الفتوى لا شيء للمعزول إلا إذا عزل بعد طيب الثمرة, لأن العزل كالموت, لكن النظر والاستحقاق ما قدمناه, والقياس ما أشرنا إليه, وقد علمت أن تسعة أعشار الفقه استحسان, وعشر واحد هو القياس, والمسالة محتملة لأكثر مما ذكرناه, وفيه ارشاد إلى ما يتعلق بما بقي من مباحثها, وما يجاب به كل واحد من الفرقين المتنازعين, والاشتغال بذلك يستدعي ضربا من الأسباب, والله جل جلاله الموفق للصواب, وبه التوفيق والهداية إلى مناهج التحقيق, وكتب عبد الله سبحانه أحمد بن محمد بن زكريا التلمساني خار الله له, وانجح في رضاه قصده وأمله.
وأجابني عنه الفقيه الصالح المحقق الأصولي الفاضل أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي, أبقاه الله تعالى بما نصه:
وسئل ابن رشد عن عين نبعت في وسط دار قديمة فأمسك صاحب الدار أن يخرج الماء فيها حتى أضر بها وضاق السكنى فيها وبإزاء الدار المذكورة عرضة لرجل ثان فهوى هذا الماء عليها فذهب صاحب الدار أن يخرج الماء إليها ويسرب له تحت الأرض ويكون صلاحا بالفريقين إذ ليس في العرصة ما يفسد وبإزاء العرصة ملك صاحب الدور، وفيه سرب قديم لمجرى ماء العرصة وللدور التي تلي الدار المذكورة مجار إلا هذه الدار ليس يصاب من يدري لها مجرى على العرصة لعدم الشيوخ، فأفتنا رضي الله عنك بوجه الحكم في هذه النازلة واشرحها فإنها مشكلة وفي أي كتاب هي أو من أي كتاب تخرج مأجورا إن شاء الله.
فأجاب: تصفحت رحمنا الله وإياك سؤالك هذا ووقفت عليه وإن كانت العين نبعت في داره من غير أن يستنبطها هو فيها ويستخرجها ولن يقدر على أن يغيب مائها في داره بالتغوير له فيها فمن حقه أن يرسله إلى هذه العرصة إن كانت في الجهة التي إليها انصباب الماء وليس له أن يحفر للماء تحتها سربا إلا بإذن صاحب العرصة ورضاه هذا الواجب فيما سألت عنه على منهاج قول مالك وأصحابه بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ((لا ضرر ولا ضرار))، ومن قوله: ((كل ذي مال أحق بماله)) وبالله تعالى التوفيق.
[من اشترى حقلا بمائه يوما في كل ثلاثين]
وسئل عن رجل باع حقل أرض بشربه من ماء معين للبائع يسقيه منه كل ثلاثين يوما على اختلاف ما يزرع في الحقل المذكور من أنواع الحبوب
[403/8]
[404/8]فلما كان في بعض الأعوام عجز المشتري عن زراعة الحقل المذكور وقال لا يترك حقه فيها هل له ذلك؟ فإن كان فماذا له هل يأخذ من الماء نفسه القدر الذي كان يمكن أن يسقي به حقله لو كان مزروعا ويفعل في ذلك ما شاء من سقي أرض أخرى أو هبة لغيره أو ما عسى أن يريد؟ أم قيمة ذلك دراهم؟ وكيف إن باع المشتري الحقل أو بناه دون ما إذا كان الحكم في حظه من الشرف في ذلك كله.
وسئل البرجيني عن رسم مضمنه أن فلانا أشهد على ننسف في صحته وجواز أمره أن أخته فلانة متى حضرت وليتها فلها عطية دنانير من ماله، وإن ماتت هي قبل ذلك فلا شيء لها من مالي سواء كنت حيا أو ميتا، فأوجب ذلك على نفسه على الشروط المذكورة والتزم عدم الرجوع في هذه العطية بعد أن عرف باختلاف أهل العلم فيها، فالتزم قول من قال بوجوبها في آخر شعبان عام أحد وعشرين وسبعمائة، ثم توفي بعد أعوام فقام من يطلب هذا الدنانير، فأظهر ورثته رسمي وصيته أحدهما بعام ستة وعشرين والآخر بعام سبعة وعشرين، ذكر في كل رسم أن هذه الوصية ناسخة لما قبلها من الوصايا، فهل هذا ناسخ لهذا الإلزام المذكور أم لا؟
فأجاب: الوصية من العقود الجائزة في الشريعة فله الرجوع عنها بخلاف التدبير فهو من العقود اللازمة، فإذا التزم في الوصية عدم الرجوع صار من العقود اللازمة كالتدبير، فإن قال في التدبير قصدت أن أغيره وأرجع إلى ما سميت كان له ذلك إذ لم تقم على عقد التدبير بينة، ولأبي عبدالله
[357/9] ابن أبي مسلم بعد كلام ذكره في نحو هذا: اختلف العلماء في إلزام ما حكمه عدم اللزوم مثل رفع ضمان ما غيب عليه من العواري والرهان والرجوع عن الوصية التي التزمها وكان له الرجوع فيها، والتزام عدم خروجها من بلدها أو دار أبيها أو نحو هذه المسائل، والمشهور أن الشروط لا تغير ما ثبت من الأحكام فقيل هو حقوق للناس ولا حق لله تعالى فيها فما ألزموه أنفسهم لزمهم.
وأجاب: البرني عن ذلك: إذا ألزم الموصى لنفسه عدم الرجوع ثم نسخها بعد ذلك فاضطرب المتأخرون فيها وعدم الرجوع هو رأيي.
وأجاب: ابن البرا: ما أشهد به على نفسه من عدم الرجوع لا رجوع له فيه قاله المتأخرون من المالكية كالتدبير، ثم جلب مسألة المدبر وما للتونسي في تعليقته هناك ومن تقدم.
فأجاب : اختلف إذا بعدت الغيبة هل يقيم القاضي للغائب فيه وكيلا أم لا ؟ فقال ابن القاسم : الغائب والصغير ينظر لهما القاضي ولا يقيم وكيلا ، وقال أصبغ : يقام لهما وكيل مأمون وهو أبين لأن الوكيل يبلغ من الكشف والبحث ما لا يبلغه القاضي ، لا يستغنى عن الوكيل ، وهذا في الدعوى على الغائب ، وأما الدعوى له فلا تضح إلا بوكالة من الغائب ، إلا أن يغصب له شيء في غيبته أو يأبق له عبد أو ما أشبه ذلك من الأمور التي يعلم أنه تعدى عليه فيها ، فينظر له من غير وكالة ، وإن كان له دين على من يخشى فقره أو على من أراد السفر إلى موضع بعيد ، أو له طعام يخشى فساده نظر له في ذلك كله وقال أيضا رحمه الله : أصبغ يرى أنه يقام للغائب وكيل ، فإن قدرنا على مذهب أصبغ أن هذا الوكيل كوكيل قدمه الغائب فلا ترجى للغائب حجة ، وإن قدرنا أنه ليس كوكيل للغائب فالحجة مرجاة للغائب ، فإن قيل فلا يرى وجه جعل هذا الوكيل للغائب حين ترجى له الحجة فيها فيقال : إن الخصام لا يكون إلا من طالب أو مطلوب ، ولأن طالب الغائب قد يقر بما فيه منفعة للغائب فيتولى الوكيل تقييد ذلك للغائب وما أشبه ذلك فابن القاسم لا يرى أن يقام وكيل ، ويقال للطالب أثبت ، فإذا أثبت أن الدار للغائب ماله وملكه على ما يجب كتب إليه مثل أن يكون بسرقسطة فيكتب القاضي إلى قاضيها بما ثبت ، ويعذر إليه القاضي المكتوب إليه ، فإن أسقط ما شهد عليه [341/10] به سقط والأ عجزه وكتب تعجيزه إلى القاضي الذي كتب إليه ، وقضى للطالب بالدار ، ولا حجة بعد ذلك للمقضي عليه ، وإن كان ببلد بعيد يقضى عليه فيه في رقاب الأصول لبعده كمصر والإسكندرية وشبههما ، فالوجه أن يثبت الطالب ملكه ، فإذا أثبته على ما يجب مضى له الحكم بالدار وأخرجها عن ملك الغائب ، ولم يقم له وكيلا وأرجى الحجة له ، وعلى مذهب أصبغ يقيم له وكيلا على نحو ما فسرنا من مذهبه ، ويحتمل قوله والعبد إذا ثبت عليه القتل
338/11] صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن. يعني رضي الله عنه أنا آتيك بالنص القاطع، وأنت تتلقاه بالرأي، وقد يحتمل أن يكون أبوه رضي الله عنه يوافقه على هذا الرأي، وقد يحتمل أن يكون غضب عليه لأجل ما رأى منه من سوء الأدب في اللفظ فقط عند سماع نهي النبي صلى الله عليه وسلم، إذ الواجب أن يتلقى أمره عليه الصلاة والسلام ونهيه بالسمع والطاعة والتعظيم وصفة التوقير والتجليل والتكريم. وحيث عرض للمؤمن من إشكال في معنى الحديث، نلطف في البحث عنه مع ضبط اللسان عن سوء الأدب في العبارة وليتلطف في استفادة أغراضه إن كان متعلما أو إفادتها إن كان معلما، بحسن اللفظ ودقيق الإشارة، كان يقول في هذا الحديث الكريم عند قصد تخصيصه أن قوله صلى الله عليه وسلم في بعض رواياته: "لا تمنعوا إماء الله" يفسر المراد من سائر الروايات بأن نجعل إضافة الإماء إلى الله تعالى إضافة تشريف لا إضافة ملك على حد قوله سبحانه: ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ وفي الحديث حكاية عن الرب تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت" الحديث. فعلى هذا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن منع النساء الصالحات المأمونات وكنى عليه الصلاة والسلام عن ذلك بقوله: إماء الله أى المطيعات لله، القاصرات أنفسهن على تحصيل رضى الله، التي لم يتملكهن الهوى، ولا استعبدتهن زينة الحياة الدنيا، تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم. الحديث ومن هذا المعنى تلطف الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما في الإشارة إلى تخصيص الحديث مع مراعات حسن الأدب في اللفظ فقالت رضي الله عنها: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل.