تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

309/1] من يريد نكاحها: فأما نظر الرجل إلى وجه المرأة بإذنها دون أن يغتفلها إذا أراد نكاحها فأجازه مالك, كما يجوز له النظر إلى وجهها في الشهادة لها أو عليها. ومن أهل العلم من لم يجز ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي لاتتبع النظرة النظرة, فإنما لك الأولى وليست لك الثانية. فتحريمه الثانية التي هي باختياره دليل على أنه لا يجوز لأحد ان ينظر إلى وجه امرأة إلا بنكاح أو حرمة تبيح ذلك. وقول مالك هو الصواب, لأنه إنما حرم من النظر إلى وجه المرأة ما كان لغير معنى يبيحه من نكاح أو شهادة انتهى. ومثل هذا من النصوص الدالة على تحريم النظر إلى الوجه كثير. وقد ذهب بعضهم إلى أن المسألة أعني النظر إلى وجه الشابة الأجنبية من غير عذر ولغير شهادة ذات قولين, ورأى غير واحد أنهما قائمان من المدونة من كتاب الايمان بالطلاق وكتاب الظهار. أما الأول فقوله في آخره: فهي كمن طلقت ثلاثا ولا بينة لها فلا تتزين له ولا يرى شعرا ولا وجها إن قدرت. وأما الثاني فقوله في المظاهر الذي لم يكفر: ولا يقبل ولا يباشر ولا يلمس ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفر, وجائز أن ينظر إلى وجهها, وقد ينظر غيره إليه انتهى. فرأوا أن اللفظ الأول الدال على منعه للأجنبي, والثاني على جوازه. وعندي أن الذي يوخذ من المدونة المنع ليس غيره, ولا حجة فيما في كتاب الظهار أنها زوجة بعد. وقد اختلف في تلذذه منها بما دون الوطء, والنظر أخف من ذلك. ويدل على ما اخترناه قوله: وجائز أن يكون معها في بيت ويدخل عليها بلا إذن إذا كان تؤمن ناحيته انتهى. ومعلوم أن الأجنبي لا يجوز له مثل هذا مع الأجنبية. وأما قوله وقد ينظر غيره إليه فهو جزئية لإتيانه معها بسور الجزءية, والجزئية إنما تصدق على بعض الوجوه, فيحمل على حالة العذر. وانظر كلام الاشارة إلى ما اخترناه.

353/2]

[354/2]

شهدتم لي في ظاهر أمره، فلا يصدق فيما ادعاه من أنه أراد بذلك ما سواه وبالله تعالى التوفيق.

[ إذا أسلم الصغير هل يحال بينه وبين حاضنه؟ ]

وسئل ابن زرت عن يهودي صبي أسلم وهو ابن ثمانية أعوام، هل يحال بينه وبين أمه التي تحضنه أو أبيه إذا كان حاضنا له؟

فأجاب فيه اختلاف. والذي أرى أن لا يحال بينه وبين من يحضنه أبا كان أو أما، فإذا كبر عرض عليه الإسلام فإن تمادى عليه وإلا ضرب وردد عليه الضرب حتى يتمادى على الإسلام. وقيل له إن ابن كنانة يبلغ به القتل إذا تمادى على اليهودية، قال هذا تشديد ولا أقول به.

[ في السب الغير المقصود الأدب فقط ]

وسئل عمن شهد عليه أنه تشاجر مع رجل فسبه وسب أبويه وزاد إلى ذلك إلى أن قال له الفعال الذي خلقك، وهو في نهاية من الحرج والغضب لما وقع بينه وبين خصمه، فقيم بهذا العقد حسبة عند بعض الحكام،فاستحضر القائل المذكور ووقف عليه وأعلم كيف ثبت وبمن ثبت فأنكر ذلك وتبرأ منه وأعذر إليه على واجب الإعذار وصيره القاضي مسجونا موثقا بالحديد وأجله آجالا وسع عليه فيها وتلوم عليه تلوما تاما. ثم استحضر وسئل هل له حجة في شيء غير التمادي على الانكار، فعجزه القاضي بعجزه. فأجبنا بما يجب عليه من الحكم.

فأجاب الواجب على هذا المشهود عليه بما شهد به عليه مما تضمنه العقد الأدب الموجع، إذ لم يقصد على ما تضمنه العقد إلى سب الله تعالى، وإنما قصد إلى السب المنازع له فجرى على لسانه بالحرج مالم يعتقده والله أعلم. ولو قصد إلى سب الله تعالى بما تضمنه العقد لوجب عليه القتل، والحد في الأدب مصروف إلى اجتهادك على قدر حاله مما يعلم من استهتاره أو اعتدال أحواله وبالله تعالى التوفيق.

وأجاب ابن الحاج: الواجب فيمن سب الله تعالى بما يتساب به الناس بينهم القتل بغير استتابة. وكذا يجب على هذا ابعده الله وقبحه وأمثاله

[354/2]

[355/2]

عين النازلة ، لكن الخبر مظنون لا يقطع على صدقه أم لا يخص القرآن ؛ لأنه مقطوع بنقله وصدقه ؟ فيكون أرجح من خبر الواحد ، هذا بعد تصفية ما قدمنا جميعه من النظر في الحقائق ، أو دعواه في حقيقة ومجاز ، هذه كلها نكت ذكرتها على الجملة ، فمن كان له أدنى فهم عرف ما وراءها ، وبعد عنده أن يكون هذا كله يعد من مسائل الأصول ، لكنها وإن كانت عندي من مسائل الفروع ، فقد قدمت ما يمنع الرجل عن هذا ، ولقد أذكر أني كنت صبيا حين راهقت الحلم بين يدي إمامي في الأصول رحمة الله عليه ، وكان أول يوم من رمضان وبات الناس بغير[334/3]عقد نية للصيام ، فقلت إن هذا اليوم ما نقضيه على مذهب بعض أصحاب مالك في رواية شاذة ، فأخذ بأذني أستاذي وقال لي : إن قرأت العلم على هذا فلا تقرأه ، فإنك اتبعت فيه بنيات الطريق ، جاء منك زنيديق بهذه اللفظة تصغير زنديق ، فأنت ترى أيمتنا الذين كانوا يخافون الله عز وجل يباغلون في النكير على المتساهل في أمر الدين ، والخروج من مذهب إلى مذهب ، لما يؤدي إليه ذلك من الفساد ، والله سبحانه عالم بأسرار العباد ، وقال عليه السلام : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وفي هذا القدر كفاية .

[إذا سكن الزوج في دار زوجته لا كراء عليه]

سئل عمن حلف بطلاق امرأته واحدة ألا يصالحها، قال لا يرد لها ما أعطته، بل وإن قال لها أنت طالق البتة إن صالحتك فصالحها طلقت عليه بالبتة ورد لها ما أعطته، قال عيسى: والفرق أنه حين صالحها في الأول خنث فيها بطلقة اليمين ثم وقعت عليه طلقة الصلح وهي في عدة منه يملك رجعتها فيها، فأخرج من يده ما كان يملك من رجعتها بما أخذه منها، وحين صالحها في الثانية طلقت عليه البتة، ثم يقع الصلح وهي بائنة، فأخذ منها ما أخذ بغير شيء يخرجه من يده، فلذلك رد لها ما أعطته. ابن رشد: أما الذي حلف بطلقة واحدة فالاتفاق أنه لا يرد لها ما أخذ منها في الصلح. وأما إن حلف بالبتات أو بالواحدة قبل البناء، فقال ابن القاسم يرد لها ما أخذه منها، وحكم البرقي عن أشهب لا يرد، وبه أقول وهو الصحيح في النظر والقياس، لأن أصل الشروط لا يكون إلا تابعا لشرطه، فإذا سبق الصلح صح ومضي، ولم يجب على الزوج رد ما أخذ، وبطل الطلاق واحدا كان أو ثلاثا لوقوعه بعد أن كانت بانت. ووجه قول ابن القاسم على ما فسره عيسى أنه جعل الطلاق سابقا على الصلح، فإن كان الطلاق واحدا في المدخول بها مضي الصلح لوقوعه في العدة وملكت المرأة نفسها، وإن كان ثلاثا أو واحدة في غير المدخول بها بطل، ورد الزوج ما أخذ لوقوع الطلاق حينئذ في غير زوجة.

وهذا عكس قول، إذا لو تقدم الطلاق على الصلح لزم أن يقع عليه بالصلح طلقة ثانية، إذا كان الطلاق واحدة في المدخول بها، ولم يقله أحد لا هو ولا غيره انتهى. فانظروا قوله لم يقله أحد لا هو ولا غيره. والمنصوص في المدونة وغيرها أن من قال للمدخول بها إن خالعتك فأنت طالق تلزمه طلقتان، واحدة باليمين وأخرى بالصلح، وكذا قول ابن الحاجب فإن لم يقيد فطلقتان وسلمه شراحه. وقد نقل نحوه عن عيسى فيما ذكر أعلاه فإنه يحنث بطلقة اليمين، ثم وقعت عليه طلقة الصلح، وهذا كله والله أعلم بناء

[360/4]

[361/4]

لزيد على درهم من أجر ثوب خاطه لي وله أيضا عليك درهم من أجر ثوب خاطه لك فنتبايع أنا وأنت الثوب والدرهم بالكتاب على أن لا نتقابض الدرهمين، لكن على أن تدفع أنت عني للخياط ذلك الدرهم في الإجارة التي له علي، وأدفع

[324/5]

أنا عنك ذاك الدرهم لذلك الخياط في الإجارة التي له عليك، فانظر بأي الصورتين تلحق هذه، وما أرى أحدا يلحقها بالصورة الأولى فيجيز، بل بالثانية فيمنع، إذ لا فرق في صريح الفقه بين أن يدفع الدرهم في يده أو يدفعه لمن ناب عنه في القبض بوكالة أو حوالة، بل هذه أشد لما فيها من الحوالة في الصرف، فإنها كمن باع درهما بدرهم وأحال كل واحد منهما من يقبض له الدرهم من بائعه منه بخلاف الصورة الأولى فإنهما لا مصارفة فيها إلا بالقول دون الفعل، وإذا تبين لك المنع في أجرة الخياط فكذلك في أجرة السمسار، إذ لا فرق في العمل ولا في صريح الفقه بين أن تكون تلك الأجرة التي يطلبانه بها لزمت عن خياطة أو عن سمسرة، فالصورة الأولى هي التي أشار إليها رضي الله عنه حيث قال إنه جائز إذا لم يرد إخراج العينين، ولا شك أنه كما قال ولا إشكال في جوازها، وأما قياس مسألة السمسار أو المخزن عليهما فشتان ما بينهما، فإن قيل نحن لا ننظر هذا النظر وإنما نقول كل واحد منهما دفع للدلال الدرهم الذي له قبله، وقد آل الأمر إلى أن الكتاب مبيع بالثوب لا غير إلى هذا آل الأمر فلا حاجة بنا أن نقدر كل واحد دفع الدرهم الذي على صاحبه ليلزم ما ألزمتم، وكذلك نقول في مسألة الخياط التي فرضتم، قلنا مذهبكم أن الدرهم اقتضى أن الذي دفع كل واحد هو جزء من ثمن سلعة الآخر فلا محيد لمذهبكم عن لزوم ما ألزمناكم، سلمناه، فكيف تصنعون إذا وافق الدلال أحدهما على درهم قائم والآخر على درهم فرادي فلا تمكن هنا مقاصة ولا غيرها مما أجبتم به؟ قال رضي الله عنه ولقد دقق بعض التونسيين فقال فيمن عقد عقدا تجب فيه المناجزة إن البائع هو الذي دفع أجرة

فصل: فإن قيل بين لي صورة العقود التامة في المعاوضات، إذا العقد في الاصطلاح إنما يقع على الإيجاب خاصة كبيع الخيار، أو الإيجاب والقبول في المبيع المبتل، فنقول: قد بين ذلك مالك في كتاب بيع الغرر حيث قال سحنون: وقد قال بعض كبار أصحاب مالك: لا ينفذ بيع إلا على أحد أمرين: إما على صفة توصف، أو على رؤية قد عرفاها. أو يشترط في عقد البيع أنه بالخيار إذا رأى. فقد بين الشيوخ أن قوله ذلك في البيع عن معرفتها بتناول السلعة الحاضرة والغائبة والصفة وحدها، كتناول جواز الغائبة. وقد قال ابن يونس: هذان منعقدان. والثالث جائز غير منعقد، وهو البيع على خيار الرؤية. فقد بان لك بهذا الفرق بين ما تم فيه العقد وبين ما لم يتم.وأنه متى وقع الإيجاب وحده، أو الإيجاب والقبول على شرطه المشروع فذك بيع قد تم. وما بيع على خيار الرؤية فإنما يقع الإيجاب فيه بعد رضي المشتري بعد أن تتقدم له الرؤية. وقد اختلف في هذا البيع هل هو موصوف بالفساد أو هو جائز بشرط أن يكون لهما الخيار جميعها أو يجوز على خيار المشتري وحده بعد الرؤية؟

[405/6]

فصل: وقد بينا أن حكم الإقالة لا يصح جوابهم فيها، إلا على أنها من ناحية البيع على خيار الرؤية، لما فيها من الغرر وقد تبين أن قوله في السلم: من مات من المتبايعين لزم البيع ورثة الهالك، لأنه بيع قد تم بوقوع الإيجاب والقبول منهما، ولم يبق إلا مجرد القبض فيلزمه اقباضه. ومما يدل على ذلك أنهم قالوا في التبدئة: أول من يبدأ من مال الميت هذه المعينات. أعني: ما تم عقده بالإيجاب والقبول ولم يقبض.

فصل: ومثال ذلك في عقود الهبات والصدقات أن الوارث لا يلزمه من ذلك إلا ما تم عقده على الموروث في حياته بالحوز التام.

وسئل يعضهم عما وقع بمدرسة القنطرة من تونس, وهي أن في حبسها الموقوف على أهل الحبس رسوما وقد لا يفي دخلها بخرجها في بعض السنين فيكسر مرتب الطالب أو المدرس أو نحوهما من أهل الحبس.

فأجاب بأنه يحتسب له ما انكسر ويأخذه ورثته إذا مات. وأجاب ابن عرفة بأن من رحل أو مات بطل ما انكسر له, واعترض الأول بأن قال هذه مشقة تؤدي إلى إخلاء المدرسة إذا استحقه السابق برحيل أو موت دون من هو بها الآن, قيل والصواب لا يستحقه إلا من حضر كما قاله مالك في كتاب الوصايا الثاني وهذا في الطلبة واضح, ويبقى النظر في أصحاب الأعمال كالمؤذن والإمام والمدرس والبواب, هل حكمهم كذلك, لأنه كله معروف في الأصل أو إجازة تتعين لهم متى قدموا, وتقع مسائل شاهدناها وهي إذ غاب الطالب قبل طيب الثمرة ثم ورد بعد طيبها, وإذا خرج المرتب وقد غاب بعض الطلبة هل يبقى موقوفا له أو لا لاحتمال أن لا يرجع فإذا رجع استحق حينئذ؟ وقد كان الشيخ أبو عبد الله بن عرفة رحمه الله لا يعمل حسابا لمن غاب, والصواب إذا كانت غيبته ضرورية مثل خروج الطلبة للصبف أو لأهلهم, أو لغير ذلك من الضروريات, وهو منقطع فإنه يوقف له نصيبه, وإلا فلا, ووقعت مسألة وأجريت على ذلك وهي أن طالبا توفي في الصيف, ثم لأتى زمن طيب الزيتون فطلب والده ما انكسر لولده, فأفتى ابن عرفة أن لا شيء له حتى يطيب الزيتون وهو حي, قيل وكان يتقدم في مسألة الوصايا إذا أوصى أن يعطي لرجل دينارا من غلة داره او جنانه في كل سنة أو من انكسر له في أحباس المدارس شيء لعدم الخراج في بعض السنين, أنه يأخذ ما يغتل بعد ذلك, قال ابن عرفة وهذا ما دام بالمدرسة, فلو انتقل إلى غيرها فلا يكون

[343/7] له المنكسر, لأنه حينئذ ليس هو من أهل الحبس فخروجه كموته, وكذلك لو خرج عنها وقصد الرجوع إليها ولم يغب غيبة انقطاع.

393/8]الماء لمن تحتهم لم يظهر الماء في بطن الوادي وتغور بعد أيام في سواني الأسفلين ويرفعون منها الماء في السواني للسقي فقال الأعلون إذا كان الماء لا يصل إليكم على وجهه وإنما يصل إليكم رشحه تحت الأرض وذلك مضرة بنا فلا كبير منفعة لكم فاتركوا فضلة الماء لنا ننتفع به، فقال الأسفلون إذا انتفعنا به فسواء كان من فوق الأرض أو من تحتها المقصود وصوله وما وصل منه إلينا. ما ترى في ذلك مأجورا إن شاء الله.

فأجاب عليه: تصفحت السؤال ووقفت عليه وما حق الأسفلين على الأعلين إذا سقوا أن يسرحوا الماء إليهم إذا وصل نبعه إليهم من تحت الأرض أو من فوقها وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.

وأجاب ابن الحاج رحمه الله عن مسألة تظهر من جوابه، ونصه: إذا ثبت الحكم بقطع جري الماء على الطريق من الجنات لضرر ذلك بالطريق أشهد القاضي والحاكم بذلك على نفسه ببينة عدلة لا مدفع فيها لأصحاب الجنات ولم يكن له طريق سواه بطل حقهم في السقي به إلا أن يجرحوا شهود العقد الذين ثبت بهم الضرر عند الحاكم فيكونون حينئذ أحق بالماء لسقي جناتهم زمن حاجتهم إلى السقي، ومن تمام ثبوت الحكم الذي لا تصح دونه حيازة الموضع الذي حكم بقطع جري الماء عليه لثبوت الضرر عنده فيه فإذا تعذر ذلك بما ذكرت من أن جنان ابن هذيل الذي تضمن العقد أن الماء المذكور لا يتجاوزه ولا يثبت تجديده ولا يوجد من يحوزه إلى ما في الأمر من الالتباس بما تضمنه العقد من أنه لم يجر قط في المحجة الممرور عليها إلى الأرحى فالواجب أن يبطل الاعتبار بالسجل المذكور فلا يكون فيه حجة لأصحاب الأرحى ويستأنف النظر في الأمر فلا يمنع أصحاب الجنات من إجراء الماء في الطريق لسقي جناتهم التي قد أنشؤوها على ذلك الماء إلا أن يعظم الضرر بذلك على الناس في المحجة ولا يمكن رفعها بما ذكرت من تبليطها بالحجارة أو تحصين مجراه فيها.

[393/8]

[

حاصل ما يجمعه كلام أئمة الأصول كالإمام الغزالي والرازي والآمدي وغيرهم من المتأخرين أن الأحكام الشرعية قسمان منها ما هو متقرر في ذاته، كوجوب الشعائر من الصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، ومنه ما هو غير متقرر كالحكم الاجتهادي الذي لا يستند إلى قاطع فيتقرر بحكم الحاكم ويقضى به على الناس أجمعين حسما لقطع الخصومات وسدا لأبواب المشاجرات، إذ لو جاز النقض بعد الحكم لنقض ذلك النقض، ثم نقض النقض بعده، إلى ما لا يقف عند غاية، ولا ينتهي إلى غاية، حتى لا يوثق بحكم مستقر، وفي ذلك إخلال بحكمة نصب الحاكم وتهييج لدعاوى الخصوم ومصادمة لمقصود الشرع في حفظ النظام، فلذلك لم يجيزوا فسخ الأحكام بعد صدورها من الحاكم، حتى قالوا إن المجتهد لو أداه اجتهاده إلى الخلع فسخ وليس بطلاق كما نقل عن الشافعي، فخالع امرأته بعدما سبق له فيه طلقتان ثم تزوجها قبل زوج ثم تغير اجتهاده إلى أن الخلع طلاق وأنه لا يحل له البقاء

[

فأجاب : أما ما أكرهه عليه الوالي بإنفاقه مما تحت يده في السجن فإذا ثبت ذلك فالأقرب عندي محاسبته به إذ لا قدرة له على مدافعة هذا الوالي الجائر ، وهو أمين فيما بيده ، وليس ذلك في ذمته ، وأما تركه الإشهاد فيما خرج عنه فلا يحاسب به إلا أن يأتي بإشهاد على ذلك ، وأما دخله فلا بد من بيان كيفية شرط هذا القاضي عليه أنه لا يكون دخله إلا بالإشهاد هل معناه أنه لا يقبض من أحد شيئا إلا بحضرة شاهدين أو معناه أنه كلما قبض شيئا اعترف بقبضه عند الشهود ، والأول من المعنيين ليس بصواب شرطه لأنه يؤول إلى التضييع ، والثاني منهما صواب في حق الحبس وحق السكان على كل تقدير ، فيسقط له من المرتب ما أخل به من الشرط ، وأما كون الشهود لم يضمنوا معرفة الخدمة والوقوف عليها فإن حكم الجبس عندي في ذلك حكم ربع الأيتام وإصلاح لها ، فانظروا ذلك في الوصايا من كتاب الوثائق ، فأوفاها في ذلك كلام المتيطي وإن كان يقدر المقدم على إثبات ما أصلحه أنه كان محتاجا للإصلاح فيقدم له ما أظهر جديدا أو يحاسب ، والله أعلم .

[أهل قرية تنازعوا في أملاك ببعض حاراتها]

وأما الجواب عن السؤال السابع أجابوا عنه بأجوبة وأصوبها أن ذلك جبر فيه لباب صاحب القطيعة، وأنه فيه إشارة إلى أن ربه يحميه وينصره، ويجبر قلبه، لأن الله يقول: "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" وقد صرح في أحاديث كثيرة بذلك، فإن الله أرأف بعبده المؤمن، وإن كان عاصيا من أم الابن وأبيه، حتى قال أرباب القلوب، ونقلوه حديثا: إن المجاهدين إذا قالوا يا رب لبى كل واحد منهم مرة واحدة، والعبد العاصي القاصي إذا قال يا رب لباه مولاه ثلاثا، فتقول الملائكة: ربنا لبيت هؤلاء مرة ولبيت هذا ثلاثا، فيقول الكريم الجواد الرحيم: المجاهد نادى واستدل بجهاده. وكذلك العالم استدل بعلمه، والحاج بحجه، والعبد العاصي أتى إلى ربه بذنبه منكسرا من قلبه، وأنا جابر القلوب المنكسرة، رحمن الدنيا والآخرة. وكذلك قال في قوله: ﴿ثيبات وأبكارا﴾ قدم ذلك جبرا لقلب الثيبات، وكذلك قوله النبي صلى الله عليه وسلم: "حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة" فجبر قلب النساء لما انكسر قلبهن عند قوله: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين﴾ إلى غير ذلك.

فإن قلت: هذا الجواب قد يتمشى على كل معنى ذكر في الآية لأن أهل الطريقة ذكروا وجوها، وأهل الحقيقة ذكروا وجوها وغيروا العبارات على قدر المقامات، كما أشار إليه الفخر وغيره.

[331/11] قلت: الأوجه المذكورة فيها ما هو صحيح، وفيها ما هو سقيم، وفيها ما يظهر عليه الاعتزال، وفيها ما يظهر عليه الإشكال، لكن أكثرها يتمشى عليه الجواب، لأن الطرف الأول من الأقسام هو أدنى المقامات، فقدم جبرا للقلوب على كل قول.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٤٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٤٠٠