تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقولكم لأن وجه المرأة إلى قولكم يجوز مسه, فيه نظر, إذ لقائل أن يمنع حكم القضيتين على بعض التقادير. أما الصغرى فإن أردتم ليسا بعورة بالنسبة إلى الصلاة فمسلم, وإن أردتم بالنسبة إلى نظر الأجنبي إليهما الذي هو مقصودكم فلا نسلم كونهما ليسا بعورة ولا كونهما يجوز النظر إليهما من الأجنبي, بل المذهب أو مشهوره خلاف ذلك. قال في الرسالة: وليس في النظرة الأولى بغير تعمد خرج, ولا في النظر إلى المتجالة ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه, وقد أرخص في ذلك للخاطب. انتهى. وقال في موضع آخر: ولا يخلو رجل وامرأة ليست منه بمحرم, ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها او نحو ذلك أو إذا خطبها. وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال انتهى. فقوله في المتجالة أن يرى وجهها دليل على ان الذي نفي أن يرى من الشابة هو الوجه ليتوارد النفي والاثبات على محل واحد. ومفهومه أن النظرة الثانية المقصودة والنظر إلى الشابة لغير عذر حرجا, وما فيه حرج فهو محرم. وكذا قول ابن الجلاب ولا بأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة أبيه الخ ما ذكر من المحارم, فإن فيه دليلا على انه لا يجوز النظر إلى وجه غير من ذكر منهن. وفي جامع المقدمات ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة إلا من عذر من شهادة أو علاج أو عند إرادة نكاحها انتهى. وقال في النكاح الأول من البيان حين تكلم على مسألة الخاطب إلى

[

سمعوا منه مما شهدوا به حسبما تقدم، فلك الفضل في الجواب مأجورا إن شاء الله.

فأجاب الواجب فيما شهد به على هذا الرجل الضعيف الدين أو الخارج عن ملة المسلمين أنه قال في النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الشهود الذين شهدوا عليه بذلك عن الكلام الذي جر قوله ذلك وكان سببا له وخرج عليه جوابا له. فان تبين بذلك تبينا لا يشك فيه أنه قصد بذلك إلى الغض منه صلى الله عليه وسلم والانتقاص له والاحتقار لشأنه والوضع له عن مكانه، ولم يكن عنده مدفع في البينة التي شهدت عليه بذلك وجب عليه القتل، وان لم يتبين أنه أراد بذلك سوى اثبات كونه من البشر ليس بملك من الملائكة وجب عليه الأدب الموجع، إذ لم يقره النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يذكره بمثل هذا، وقد كان غنيا عنه وفي مندوحة منه، وما ذكرت من أنه شهد به عليه شاهد واحد وفشا عنه في موضعه وقريته يوجب عليه الأدب إن ثبت عليه وبالله التوفيق.

[ من سبه رجل بمحضر شهود فرغبوا إليه في العفو ووعدهم فشهدوا ثم أنكر ]

وسئل عن رجلين اثنين تنازعا بين يدي الحاكم في دين لاحدهما على الآخر، فبلغ بينهما الكلام بحيث سب الرجل المدين صاحب الدين ورماه برق، فطلب حقه في ذلك وأراد أخذ شهادة من حضرهما، فرغب إليه بعض الحاضرين في العفو عنه وذكره ودادا كان بينهما، فقال المسبوب للراغبين له في العفو أعقد عقدا وتشهدون فيه بما عندكم ولكم عندي كل ما تريدونه، ففعل ذلك وشهدوا له ثم اقتضوه ما وعدهم به من العفو فأنكر ذلك وقال إنما أردت بقولي لكم عندي كل ما تريدون من وجه الصلح في الدين الذي وقع فيه الطلب، لا في اسقاط ما وجب عليه لي في سبي. فبين لنا رضي الله عنك ماذا يلزم هذا الثالب، وهل يسقط حق المسبوب ما قاله للراغبين في العفو؟ متفضلا إن شاء الله.

فأجاب يلزمه العفو إن سألوه إياه بعد أن شهدوا له بأنه هو الذي سألوه أولا، فهو الذي أوجب لهم على نفسه بقوله لهم عندي كل ما تريدونه إن

[

تعالى قال ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ فينظر في قوله حتى تنكح زوجا غيره هل هذه اللفظة التي هي النكاح مطلقة على العقد بمجرده حقيقة ؟ أو على الوطء بمجرده حقيقة ؟ أو على الثاني حقيقة والأول مجازا ؟ وإذا نظر في هذا ، نظر بعده في اختلاف الأصوليين في الحقيقتين هل[333/3]يشتمل عليهما لفظ واحد إذا كانا من جنسين مختلفين ، أو لا يصح دعوى العموم في هذا الجنس في الألفاظ ، واختلاف الأصوليين معروف ، ثم ينظر أيضا في أحد اللفظين إذا كانا حقيقة والآخر مجازا ، هل يصح فيه دعوى العموم ؟ كما مال إليه أبو المعالي وخالف القاضي فيه ؟ أو لا يصح ذلك العموم ؟ ذكره القاضي في التقريب والارشاد وذكر علة ذلك ، وهذا من دقائق مسائل الفقه ، فليقف الناظر فيه وقفة حتى يتحقق عنده الصواب من هذا كله ، ثم ينظر نظرا آخر في حديث رفاعة لما سأل رسول الله (صلعم) عن إباحتها لزوجها ، وقوله عليه السلام ، «لا ، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» فخاطب امرأة بعينها ، فهل يتعدى خطابه إلى سائر النساء على المشهور الذي عليه أكثر الأصوليين ؟ أو يوقف الحكم على تلك العين التي خاطبها حتى يدل الدليل على تعديه إلى سواها كما يميل إليه القاضي رحمه الله في هذا الأصل على أصل كذا على الجملة ، وإن كان بعض أشياخي يرى أن هذا الحديث ربما خرج عن هذا الأصل لما فيه من التنبيه على التعليل ، فيكون طردا من باب التعليل لا من جهة تعدي اللفظ إلى غير العين المخاطبة ، وهذا الذي قاله بعض أشياخي مما يتسع المقال فيه ، فإن قلنا إن ذلك لا يتعدى لم يكن في الحديث حجة ولا بيان لما في القرآن ، وإن قلنا بأن الحديث يتعدى من جهة لفظه لا من جهة تعليله كما قال بعض أشياخي ، نظر نظر آخر أدق من الجميع ، وهو اختلاف الأصوليين في العموم الوارد في القرآن : هل يخص بأخبار الآحاد ، لكون الخبر الواحد نصا في

وبالجملة: فجواب هذه المعارضة وما في مسألة الأختين من تقسيمها وما يجب فيها وذكر الخلاف فيها وتوجيه أقاويلها توجيه معارضتها وأجوبتها يجمع فيها تأليف من كلام المغربي في ثلاثة مواضع من النكاح والاستحقاق ومن الرد بالعيب، ومن كلام الشيخ ابن عرفة قبل كلامه على التسليم في الصداق، وكلام ابن الحاجب في اتحاد الشبهة وتعددها. فأنظروها، ولعلكم تفيدون منها ما تقع به المراجعة إن شاء الله، والله سبحانه يعين على القيام بحقه، والوقوف عند حده، وهو سبحانه أعلم، وبه التوفيق، لا رب غيره، ورحم الله من رأي خلة فأصلحها وعيبا فستره، أو فائدة غفل عنها يفيدها، أو قاعدة ذهل عنها فيذكرها ويعيدها، فإن الإنسان محل النسيان، والمولى سبحانه يتكرم علينا بالعفو والغفران. وصلى الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

[من حلف بطلاق امرأته ألا يصالحها]

وسئل من يأتي ذكره من الفقهاء الأعلام عن مسألة نصها:

[359/4]

[360/4]

جوابكم رضي الله عنكم عن مسألة أشكل فيها علي بعض كلام ابن رشد، وذلك أن في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الإيمان بالطلاق.

منه، قال رضي الله عنه بل أكثر الناس غير عالم بذلك، أجبت إن عني غير عالم بكتب الوثائق فغير مسلم بل الحق أن جميع الناس يكتبونها فضلا عن أن يعلموا أنها تكتب، نعم قد لا يحسنون طريقة ضبط الموثقين لها، وإن عني غير عالم بالتوظيف فلا يسلم، بل هذا أمر لا يجهله أحد من خلق الله تعالى، ولقد قال الغزالي في كلام عرض له في بعض مصنفاته إن الخراج الموظف على الأرضين لم يخل منه عصر، قال رضي الله عنه وأما إلزام بطلان البيع عند تبايع سلعة بأخرى إذا طلب منهما الوظيف معا لأنه عرض يعرض مع كل واحد منهما عين متجانس فهذا مما كنا ننزهكم عن إيراد مثله وبيان ما يتعلق به أو ما يلزمكم مثله في أجرة الدلال إذا كان للدلالة عليهما معا أجرة أجبت هذا الذي نزهتمونا عنه نحن لا نتنزه عنه بل نركب معه أيضا مسألة الدلال التي ألزمتمونا ونقول يلزم الربا في الجميع على قولكم، وقد قلنا ذلك ابتداء، والعجب أين غابت عنكم مسألة الدلال من كلامنا، وهي مسطرة فيما كتبنا لكم تشاهدونها؟ ثم إنكم تعددونها علينا، قال رضي الله عنكم واعلموا رضي الله عنكم أن بيع سلعة بأخرى مع كل واحدة منهما عين متجانس للآخر جائز إذا لم يريدوا إخراج العينين، وإنما يفسد البيع إذا قصد إلى إخراج العينين، فكل واحد منهما يدفع عينا ويأخذ مثلها فيؤدي إلى التفاضل المعنوي في مثل هذه الصورة يعطي كل واحد منهما ما يطالب به من أجرة الدلال أو وظيف ولا يعود إلى يده مثله ولا تفاضل هنا بوجه ولا توهم منع، والله سبحانه أعلم، أجبت إذا باع ثوبا ودرهما بكتاب ودرهم على شرط أن يتقابضا الثوب والكتاب ويتقاصا الدراهم ولا يقبض واحد منهما من صاحبه درهما فلا إشكال في جواز هذه الصورة، وإنما تبايعا ثوبا بكتاب لا غير وإلى أفعالهما ينظر مالك لا إلى أقوالهما صورة ثانية أن يبيعه كذلك لكن يخرج كل واحد منهما درهما من عنده فيدفعه إلى صاحبه، والمذهب المنع كما ذكرتم، صورة ثالثة يكون

فصل: ومما يدل أيضا على أنها لا تلزم ورثة المشتري باتفاق الفقهاء، على أن من مات فقد قلت ديونه، وانتقل ملكه إلى ورثته بعد قضاء دينه وإنفاذ وصيته بعد أن أوصى. وذلك يوجب للوارث استقرار يده على ما ورثه، ولا يمنع من التصرف فيه بوجه، بل يكون مخاطبا فيه بالحقوق الواجبة كلها، ولا يلزمه فيه إلا ما أوجبه على نفسه أو أوصى به الموروث بعد موته فيخرج من ثلثه، أو عقد في حياته في شيء من ذلك عقدا قد تم.

فصل: فإن قيل: فإن الإقالة عقد قد تم ثم أردنا عليهم التقسيم، فقلنا: لابد أن يكون قوله متى أتيتني بالثمن فقد أقلتك أو قال: إلى شهر أو إلى سنة وشبه ذلك عقدا قد تم أو يكون عقدا لم يتم.

فإن قيل: هو عقد قد تم لوقوع الإيجاب والقبول فلم يرجح بالبيع والهبة والصدقة، وأنت أيها المعترض تجيز ذلك، فإذا بطل هذا القسم تعين القسم

[404/6]

الآخر ضرورة. وهذا منهج السبر والتقسيم. ومن الدليل على صحة هذا أن مالكا وابن القاسم يقولان فيما عقده الموروث في حياته ووقع إيجابه عليه، والإيجاب والقبول من الآخر، أن ذلك يلزم الوارث بعد موته.

ومثال ذلك في باب المعاوضات أن يبيع منه صبرة على الكيل بيع بتل، أو يكتري منه دابة معينة إلى بلد من البلدان، ثم يموت أحد المتعاقدين قبل قبض المكتري أو بعده، أن ذلك مما يلزم ورثتهما بعدهما.

وقال في باب السلم في الثمار: ومن مات من المتبايعين لزم البيع ورثة الهالك منهما لأنه بيع قد تم. دليله أن الوارث لا يلزمه بيع لم يتم.

وقال أيضا في الأكرية والإجارة: تلزم بالعقد، ولا يجوز إلا بالأجل، يعني أو ما يقوم مقامه. ثم قال أيضا: ولا ينتقض الكراء بموت أحد المتكاريين وليكروا مكانه غيره.

341/7] أعلم- بما أشار هذا الشيخ من مراعاة قصد المحبس أفتى بعض المتأخرين فيمن بنى مدرسة وجعل فيها بيوتا للسكنى, وشرط في أصل تحبيسها ألا يسكنها إلا من يصلي الصلوات الخمس في مسجدها إن لم يكن إماما في غيرها, وأن يحضر الحزب المرتب فيها لقراءة القراآن إن كان قارئا ويحضر الميعاد في وقته, ومن لم يفعل ذلك فليس له سكنى.

فأجاب بأن الشروط المذكورة يجب الوفاء بها ولا تحوز مخالفتها, قيل ومن هذا المعنى الدخول إلى المدارس لقضاء الحاجة بها والوضوء والشرب من مائها وهو لم يكن من أهلها ولا أعدت الميضأة ةالشرب إلا لأهلها.

[لا ينبغي لأحد أن يستعمل ماء المدرسة وهو ليس من أهلها]

وسئل ابن عرفة عنها.

فأجاب إن كان من جنس أهلها ساغ له ذلك, لأن الحبس لأهل ذلك الصبف وهو غير معين فمتى وجد ذلك الصنف جرى حكمه على ما صح لأهلها, وإن كان من غير صنف أهل الحبس فلا يجوز له ذلك, وكذا عارية بيت السكنى من بعض أهل الحبس, فإن كان المستعير من أهل ذلك الحبس جاز, وإلا لم يجز لوجهين: فقدان التحبيس عادة, والتصرف في المنفعة بالهبة وهو لم يؤذن له إلا في نفسه فقط.

[يرجع في استحقاق حبس المرضى إلى شهادة الطبيب]

وسئل بعضهم عن السور إذا قل خراجه واحتاج إلى الاصلاح هل يجبر الناس على سكنى ربعه أم لا؟

فأجاب لا يجبر الناس على السكنى في حوانيته ورعه, وأفتى ابن الحاج في مسجد بني بقرب آخر للضرر بوجوب هدمه, وترجع قاعته إلى الباني لعدم قصد البر. وأفتى أيضا في حبس على المرضى بأن شهادة الأطباء أن به مرضا يقال له الجذام يوجب له السهم, ولو كان على المرض القطع فتقطع

[342/7] أنملة فما فوقها يوجب السهم, قيل والصواب أن تكون النملة التي توجب له نقص العمل, لأن قصد المحبس العجز عن العمل, وتعذره كالأجذم ولا يعتبر المرض المذكور في كتاب الأيمان بالطلاق.

[كسر مرتب الطالب أو المدرس بنقص دخل الحبس]

392/8]تسرح الماء لمن تحتك؟ وكيف إن أحدث الأعلى غرسا وثمارا لم تكن أو مكان ما انحطم من ثماره فمانعه صاحب السفلي وقال له: لا تحدث على ما يزيد إمساك الماء عني ويضر بثماري التي هي أقدم من جديدك هل تكون له حجة في ذلك أم لا؟

فأجاب عليه: تصفحت السؤال ووقفت عليه ولا يجب أن يبدا الأعلون على الأسفلين إلا بسقي ثمارهم أما ما أحدثوا من الخضر والمباقل فلا يبدأ به على الأسفلين إلا أن يكون فيما يفضل عنهم ما يقوم بهم فلا يضرهم تبدية الأعلون عليهم لسقي خضرهم ويتركوا ثمارهم. وأما إحداث الأعلى غرسا بعد إحداث الأسفل، فقيل: إنه يبدأ على الأسفل وإن لم يفضل عنه ما يقوم به من ظاهر الحديث وهو قول أصبغ.

وقيل: يبدأ الأسفل عليه إلا أن يكون فيما يفضل عن الأعلى ما يقوم بالأسفل وهو قول ابن القاسم في رواية أصبغ عنه وهو الأظهر في القياس ولا يدخل هذا الاختلاف في إنشاء الأرحى فوق الجنات ولا في إنشاء الجنات فوق الأرحى إذا نشأت الجنات فوق الأرحى كانت أحق من الأرحى بالسقي زمن السقي قولا واحدا وإذا نشأت الأرحى فوق الجنات فأهل الجنات أحق بالسقي زمن حاجتهم إلى سقي جناتهم قولا واحدا، وأما جبر الأعلى في حائطه ثمارا مكان ما تحطم من ثماره فلا حجة لصاحب الأسفل عليه في ذلك باتفاق وبالله تعالى التوفيق.

وأجاب ابن الحاج: إذا كان الأمر على ما وصفت فله أن يأخذ حظه من الماء يسقي به ما شاء من خضره أو ثمره أو غرسه الذي اغترسه يصنع من ذلك ما أحب وليس له أن يأخذ فوق حظه المعلوم من الماء شيئا وليس لمن هو أسفل منعه من ذلك.

العاشر وهو آخرها وما ترى أعزك الله إن كان الأعلون إذا سقوا وأرسلوا

[392/8]

[

متعددة، لأن الأصول إنما يحتاج إليها لبيان اعتبار الجامع، فترتيب الحكم على وفقه لأنه إن لم يكن أصل يشهد لذلك كان الوصف مرسلا، الثالث وهو خاص بالدليل، الرابع أنه قال فيه: فقد جعلوا الاسترعاء في العقود التبرعية موجبا لعدم اعتبارها، وأنه لا أثر

[347/9] لدلالتها، فكذلك الوصية، لأنها من التبرعات، وقد أشهد أنه متى رجع فهو مريد برجوعه غير مدلوله اللغوي، والاسترعاء لم يقع في الوصية التي هي تبرع، بل إنما وقع بزعمه في الرجوع عنها، والرجوع ليس بتبرع، وأما القسم الثاني من أصول المعترض وهو مسائل الكنايات الخفية، مثل اسقني الماء وحياك الله، ينوى بذلك الطلاق أو العتاق أو التخيير أو الظهار، فإنما لزمه ذلك على القول به، لأنه نواه ودل عليه بذلك اللفظ فلزمه ما نوى، وأما في صورة النزاع فلم ينو قط بلفظ الرجوع غير مدلوله اللغوي لما قدمناه من عدم الضرورة، فالعلة في الأصل ممنوعة الوجود في الفرع، وقد أطنبنا في الكلام على هذه النكتة العظمى لاعتماد المعترض عليها وغفلتنا عنها.

غ: وظهر أن الحكم بفسخ الوصية إن كان استند في فسخه إياها لجواب هذا المجيب فحكمه منقوض.

ز: قوله فحكمه منقوض إلى قوله قبل النظر في عيوب غيره.

ش: لقد أطنب الخطيب ابن مرزوق حفظه الله بما لا مزيد عليه ولكنا نكمل فائدة كلامه بكلام أئمة الأصول فنقول:

وسئل الشيخ الفقيه المفتي أبو القاسم الغبريني عمن قدمه القاضي على حبس السور وأشهد الذي قدمه على أنه لا يتولى شيئا من السور داخلا ولا خارجا إلا بالشهادة العاملة ، وجعل له على ذلك مرتبا من غلة ربع السور المذكور ، وتمادى على ذلك ثم إن الرجل المذكور طلب القاضي إلى محاسبة دخله وخرجه فحوسب بحضرة الشهود فوجد دخله أكثر بغير شهادة وخرجه بشهادة عاملة ، ووجد في خرجه رسوما بالعدالة أنه دفع الأجرة للبناء والخدمة في السور ولم يضمن الشهود معرفة الخدمة والوقوف عليها ، فهل تحسب له هذه الرسوم أم لا ؟ . ووجد في خرجه أيضا رسوم بالشهادة أنه أنفق في سجن هذه المدينة في البناء والإصلاح وكان بناء السجن المذكور في مدة ليس بالبلد فيها قاض ، وإنما أمره بذلك عامل البلد في الأشغال المخزنية أجبر الناظر على إصلاح السجن من مال السجن المذكور ووجد في مستودع الجامع رسم بجماعة شهود أن العادة الجارية بالمدينة إذا احتاج السجن إلى إصلاح فإنه [331/10] ينفق عليه من المخزن مؤرخ في عام أربعة وأربعين وسبعمائة وتوفي جميع شهوده على العدالة وثبت هذا الرسم عند القاضي المحاسب ، فهل يحسب له ما أنفق في السجن أو لا لثبوت هذا الرسم ، ولكونه غير مستند لإذن من له النظر في الأحكام الشرعية ، وتعد مصيبة نزلت بالناظر لجبر العامل له على ذلك ، وهل يحسب له جميع المرتب أو لا يحسب له لتفريطه في كون أكثر دخله بغير شهادة ، والقاضي الذي قدمه اشترط عليه ما ذكر والسلام .

وأما الجواب عن السؤال الرابع فلا إشكال أن الكتاب له أسماء كثيرة في القرآن، واسمه الأعم في أصله هو الكتاب المنزل ولذلك ذكره الله في أول البقرة وآل عمران وغيرها لأن الكتب السماوية أربعة، الكتاب من الله يطلق عليه بالذات، والقرآن بما عرض له من التلاوة والقراءة، وهذا قريب فالتعبير بالوراثة في الكتاب أمس من الوراثة في القراءة.

وأما الجواب عن السؤال الخامس وهو ما سر التعبير بالموصول ففيه إشارة إلى العهدية التي علموا بها والعلامات التي اختصت هذه الأمة بها وإن ذلك معهود أنه سيظهر أمرهم وحالهم، بخلاف قوله: لمن المصطفين فإن القصد من ذلك غير ما ذكر هنا من العهدية الماضية وهذه مستقبلة وفيه نظر.

وأما الجواب عن السؤال السادس فقال بعضهم: إن عرف القرآن أن العباد إنما يكون في أهل الخصومة والعبيد أعم فناسب ذكر الخصوص هنا فيها وبعضهم بحث في ذلك. والذى يظهر من آيات العباد في القرآن إنما تذكر في أهل الخصوص غالبا ووقع في بعضها إطلاق العباد على العموم أشرنا إلى ذلك في تفسير سورة البقرة. وأما غير القرآن فقد يوتي في ذلك في أصل العموم

[330/11] كالحديث القدسي الذي رواه مسلم في قوله: "يا عبادي إني حرمت الظلم" الحديث، وتخصيص لفظ العباد مع الإضافة إلى ضمير الرب تعالى فيه من التشريف والتعريف ما لا يدركه إلا من له ذوق كما قال ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ وقال أرباب الحقائق إضافة العبودية إلى الله تعالى قد تكون بمعنى الملك والعموم لجميع الخلق وقد تكون لإثبات الخصوصية لأهل الخوض وليس القصد في ذلك إلا التشريف وكذلك الربوبية إذا أضيف إليها مثل قوله تعالى: ﴿وقال ربكم﴾ مع قوله ﴿وربك فكبر﴾ ولا يفهم الفرق إلا أهل الذوق في هذه المقامات.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٩٩