تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبلغني عن بعض شيوخنا الفاسيين حفظهم الله أن كتاب اللخمي لم يقرأ عليه, فكان الشيوخ يجتنبون الفتيا منه لذلك. أو يكون خليل نقل من حفظه, وقد بعد عهده بكلامه, وهذ أيضا بعيد. فإن نا اشتهر من ديانته وتحريه يمنع هذا الاحتمال. وأما ادعاء التصحيف في كلام خليل فبعيد والله أعلم . ويمكن أن يتأول بتأويل آخر, وهو وإن كان غاية في التحقيق إلا أنه غاية في التكلف, فلذلك تركناه. وبعد أن كتبنا هذا رأيت نسخة أخرى من خليل بعد قوله فأجاب بأنه يتيمم, ورده ابن بشير بأنه قادر على استعمال الماء, فهو مخاطب باستعماله. وما يرد عليه نمنع كونه ناقضا انتهى. ولا اشكال بعد هذا.

[هل ينوب غسل الجمعة عن الوضوء؟]

وسئل أيضا عما وقع لابن رشد في البيان, وقع له كلام يقتضي إن غسل الجمعة ينوب عن الوضوء, وهو مشكل, وما رأيت من نبه على قوله على فرط اعتناء الناس بكتابه, إلا أنه عول في ذلك على حديث فيه فقال ولو سلمت صحته لكان في استنباط ذلك نزاع, فتأملوا ذلك.

فأجاب الكلام الذي أشرتم إليه هو قوله في توجيه القول الثاني بإجزاء غسل الجمعة عن غسل الجنابة. ووجه القول الثاني ظاهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت, ومن اغتسل فالغسل أفضل. ووجه الدليل منه أنه قال: ومن اغتسل فالغسل أفضل, فجعل الغسل الذي هو سنة يجزي عن الوضوء الذي هو فرض انتهى. ولم يظهر في هذا الكلام إشكال, وكان الأولى أيضا أن تذكروا ما ظهر لكم فيه. أما أولا فإن كلامه هذا ليس فيه ما يقتضي أن نيابة غسل الجمعة عن الوضوء الفرض

[

الوجوه ان الأولى نسيكه حقيقة , وكل نسيكه لا تباع , فالأولى لاتباع . ومما

يوافق الاستدلال بمثل هذا اللفظ من بعض وجوهه قوله صلى الله عليه وسلم

لأبى برده حين قال "عجلت نسيكتى : اعد نسكا ", فسماه نسكا . وهذا للفظ

قوى في تسميته بذلك لانه لم يضفه اليه .

ولا يقال : قوله أعد لما أقتضى عدم الاعتداد بالأولى دل انه لا يسمى

نسكا شرعيا .

لأنا نقول :الاعاده تقتضي مادتها التعلق بمثل المعاد , وادعاء التخصيص

في تلك المثلية يحتاج إلى دليل , الأصل عدمه , إلا ما دل العقل على انه لابد

من التخالف فيه . وأيضا فالمسمى الشرعي ليس معناه الصحيح على ما اختاره

( ابن الحاجب ) من الأقوال فيه حسبما نص عليه في باب المبين والمجمل . ومما

يوافق الوجه الأولى من وجوه هذا الاستدلال ما في أول كتاب الضحايا من

" مسلم " من تسميه الأولى أضحية , وفى آخر الباب أيضا من حديث " أنس " قال :

"خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أضحى فوجد ريح لحم فنهاهم أن يذبحوا , قال من كان ضحى فليعد ,فسماها رسول الله صلى الله عليه

[42/2]

[43/2]

وسلم ضحية بما دل عليها الاشتقاق , والأصل الحقيقة فلا تباع . وأما ترجيح

المجاز بقوله صلى الله عليه وسلم ليس من النسك في شئ فنفى عنها معنى

النسيكه نفيا عاما , فيقال هذا العموم المشار اليه مستفاد من شئ على ما لا

يخفى , فلم يبق إلا ان يستفاد من النسك , وحينئذ تمنع دلاله اسم الجنس

المفرد المحلى بأل على العموم , كما هو أحد القولين فيه . ومثل هذا البحث

( لابن عبد السلام ) في أول كتابه عند قول (ابن الحاجب ) والدم المسفوح نجس .

سلمنا دلالته كذلك على العموم على ما اختاره ( ابن الحاجب ) وغيره , لكن لا

نسلم ان أل فيه للعموم أو لتعريف الجنس , بل هي للعهد , أى ليس من

النسك المجزى في الضحايا أو في شئ من صور الأجزاء لا للفقراء ولا

ينافى أن يكون له غير هذا الحكم من أحكام نسك الضحايا , كتحريم البيع

36/3]ونزلت هنا نازلة منذ خمسين عاما فاختلف فيها شيخاي ، وهي إذا ماتت الزوجة البكر قبل الدخول بها فلما طلبها الأب الصداق ، طلب الزوج الميراث من القدر الذي تتجهز به .

فأفتى عبد الحميد بأن ذلك ليس على الأب ، وأفتى اللخمي : أن ذلك عليه ، وكان الشيخ الأول يقول : هب أن الآباء يفعلون ذلك في حياة بناتهم رفعا لمعرتهن وتكبيرا لشأنهن ، وحرصا على الحظوة عند الزوج ، فإذا وقع موت الابنة فعلى من يجهز ، ولا تقاس عادة على عادة .

وقد تكلمت مع اللخمي لما خاطبني في هذه المسألة وسألني عن وجهها ، فأجبته بما تقدم ، وجرى بيننا كلام طويل ، فإذا تحققت العادة بشهادة الأشكال أن الآباء يلزمون على حد ما يطيقون به في حياة الأبناء ومماتهم نظر في ذلك ، وذكر أن الآباء يلزمون بما يقابل الصداق ، وهذا إنما تتفق الشهرة به لو تكرر القضاء عليهم وشوهد حتى يعلم علمهم به ، ويكتب بالعادة حين عقد النكاح وتاريخه . وهذا فيه تشغيب ، ولعل الصلح أقرب إلى السداد في هذا إن شاء الله . ولابن رشد في أول جنائز الشرح إذا جهز الوصي اليتيمة من مالها وأورده بيت البناء بري من الضمان وتصير اليتيمة قابضة له وإن كانت ممن لا يصلح منها القبض ، إذ ذاك أكثر المقدور عليه .

[من تزوجت وبعد مدة توفي أبوها وبيدها حلي زعمت أن أباها جهزها به]

فوارس لم يغالوا في رضاع ( ) عن أكفهم السيوف (¬1)

قال أبو عمر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: « حتى ذكرت أن فارس والروم يفعلون ذلك فلا يضر أولادهم »، يرد ما قاله الأخفش وحكاه عن العرب، وذلك من أكاذيب العرب وظنونهم، ولو كان ذلك حقا لنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم على جهة الإرشاد والأدب، فإنه كان صلى الله عليه وسلم حريصا على نفع المؤمنين وروفا بهم، وما ترك شيئا ينفعهم إلا دلهم عليه وأمرهم به صلى الله عليه وسلم.

قلت: وفي رد أبي عمر على الأخفش نظر، لأنه قال في جملة ما رد به كلام الأخش إن هذا من أكاذيب العرب لم يقتصر على قول العرب بل عضد ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا فإن الأخفش تكلم على إرضاع الحامل ومالك تكلم على وطء المرضع الحامل، وشتان ما بين المسألتين

[35/4]

[36/4]

وقد نبهناك على أن مسألة الفارق لا يتناولها تقسيم أهل العلم للغيلة، لكون الولد مفطوما مستغنيا بالطعام.

فأجاب: يجوز لمطيل أرض الحبس بيع غرسه قبل تمام مدته ممن يقوم مقامه في تطييل الأرض إلى تمام المدة، ثم يكون حكمه بعد تمامها كحكم الغارس.

[الجزاء كراء على التبقية]

وسئل ابن منظور عن رجل جزا قاعة من أناس على العادة في ذلك وابتناها دار عمل للفخار، وسكنها أعواما، ثم إنه باعها بعد ذلك واشترط أن

[38/5]

الجزاء هو لاناس سماهم والعدد، ثم بعد هذا بحث أصحاب الجزاء على الأعوام ليعمل العادة في ذلك فوجد تاريخ بيعها منذ نحو ثلاثين سنة دون ما سكنها، فجزيها أولا، فوقع الاختلاف في حد الجزاء ما هو؟ فقال من هي بيده أنه مجزية لأعوام كثيرة، وقال أصحاب الجزاء ما هي إلا كيف جرت العادة الشرعية الثلاثين عاما فقط، بينوا لنا سيدي ما هو حد الجزاء ليقع الفصل فيه بما تقتضيه الشريعة المحمدية.

فأجاب: الجواب أن الجزاء كراء، فيجري فيه حكم الكراء أنه لا بد فيه من مدة معلومة، ولكنه جرت العادة أن الجزاء يمضي حكمه ويستمر، وسكنت نفوس الناس لذلك.

[المناداة على السلعة والمزايدة فيها]

وسئل المواق عن رجل يأتي إلى السوق بسلعة فيدفعها إلى الدلال ينادي عليها في السوق والناس يزيدون فيها حتى تقف على رجل بعشرة مثاقيل مثلا، فيريد صاحبها أن يبيعها ممن كانت بتسعة مثاقيل، فهل له ذلك أم لا؟ وقد يكون الذي كانت عليه بتسعة مثاقيل قد ندم على الزيادة فيها، ويقول قد زاد غيري علي، لا حاجة لي بها، فبينوا لنا ذلك مأجورين.

فأجاب: المنصوص أن له أن يبيع ممن كانت عليه بتسعة، هذا إن كان بالفور، وأما أن تنوع الوقت فلا يتفع هذا عندنا في الحاجة الموقوفة يأتي صاحبها بعد الموسم يحمل الناس على عوائدهم ومقاصدهم.

[من اشترى دارا بثمن منجم

وحين انقضت النجوم أشهد أنه اشتراها لغيره]

عيب، وهو نمل أسود، يفسد الخبز والإدام، ويأكل الأطفال وأخباز الجيران، وهو قديم، يظهر من فصل الربيع إلى الخريف.

فأجاب: إن ثبت العيب المذكور وقدمه ولم يكن البائع أعلم به ولا تبرأ منه، فرد الدار واجب للمشتري إن شاء ذلك.

[ما الحكم في أرض بيعت وبها طريق للغير؟]

وسئل عن رجل باع قطعة أرض وعليها طريق الغير فوقع النزاع في الطريق وفي سعته لأنه للبهائم وغيرها.

فأجاب: الحكم أن يحد لصاحب الطريق بقدر ممشاه بذاته وبهائمه وذلك يعلم بالعادة في مثل ذلك.

[حكم من باع أرضا في أرض سقوية]

وسئل عن رجل باع أرضا في أرض سقوية ولم يشترط المشتري ماء ولا ذكره البائع في العقد.

فأجاب: الحكم في الأرض إذا باعها الرجل ووصفها بأنها سقوية، دون زيادة أن البيع جائز، ولا شيء على البائع، لأن معني الوصف بذلك أن تلك الأرض يجلب إليها الماء، وتسقي به، ينظر في ذلك لها مالكها وإن ذكر البائع أن لها شربا معدا لسقيها باعها به، فقد ألزم الفقهاء العلم به وإبانة قدره، في قلته أو كثرته. وقالوا: إن البيع بدون ذلك ممنوع ولأنه بيع غرر وجهالة بالمبيع لأن الماء بيع ثان مع الأرض.

[هل يؤثر عدم ذكر معرفة القدر في صحة العقود؟]

وسئل عن العقد يسقط منه معرفة القدر، وادعى أحد المتعاقدين الجهل بذلك، هل يصدق أم لا؟

فأجاب: قال أصحاب الوثائق: إذا سقط من العقد ذكر معرفة القدر، ادعى أحد المتعاقدين الجهل بذلك لم يصدق، ولا يمين له على صاحبه

[40/6]

في وجه من الوجوه إلا في وجه احد وهو أن يدعى أن صاحبه كان عالما بجهله، فيجب له اليمين على صاحبه أنه ما علم بجهله إذا أنكر له ذلك. فإن حلف تم العقد، وإن نكل ورد اليمين على الآخر حلف لقد كان جاهلا بما خرج عنه. وفسخ العقد إن شاء. هذا مع عدم ثبوت جهله. أما لو ثبت ذلك أو اعترف به الخصم لثبت الخيار للجاهل في الفسخ، وإن اعترف الخصم أنه كان عالما بجهل صاحبه عند العقد، وجب الفسخ بكل حال لفساده حينئذ.

[

37/7] العذر بحرز المسجد فإن المساجد لا تسرق وإنما يسرق ما فيها, وليس لعذر ما فيها يمنع من الصلاة فيها, يكنس ويصلي على الأرض ومن يتطوع بخلف الكسوة يؤجر إن شاء الله, وإذا تضغط من غلق الأبواب (وعيث لم يعث)(¬1) عليها وإذا جعل فيها أقل ما يجزىء لم يطمع فيه أحد, وليس على هذه المعاذير تسقط حرمة المسجد وبالله التوفيق.

[كتب ومصاحف حبست على موضع, هل يجوز لمن احتاجها أن يخرجها إلى داره؟]

وسئل عن كتب ومصاحف تحبس باسم قصر بعينه أو بمسجد هل يجوز لمن يأخذ منها شيئا أن يمضي به إلى داره يقرأ فيه أو ينسخه ويرده.

فأجاب: أما كتب العلم فإنها من أصلها من باب الحبس, فوضعها في مكان بعينه إنما المراد منه تعريفها بذلك المكان, وفاذدة من يصلح له النظر فيها فيه, فإذا انتفع بها في غير ذلك الموضع في حيطة حتى ترد إليه فما به بأس إن شاء الله, وأما المصاحف فهي على شرط محبسها إن عرف شرطه, وإن لم يعرف فتولى من استغنى عنها أحسن ولو أنها بمكان يخاف عليه الفساد والتغير لقلة الساكنين وعدم المتفقدين, لكن النظر عندي فيها أن تؤوى إلى مكان حرز لها وحسن انتفاع بها هو أولى, وهذا إضا نظر فيها من يريد السلامة ويعرف وجوه النظر الذي يستبقي به ما يحسن له أن يصنع فيها.

[حصن حبست عليه أرض تنبت الحلفاء, ثم حولت إلى الزراعة]

وسئل رحمه الله عن حصن حبست عليه أرض تنبت الحلفاء تباع كل عام بثلاثة دنانير أو أكثر أو أقل, فعمد أهل المنزل فاطلقوا فيه النار وزرعوها على أن يعطوا للحصن ربع الزرع ويسقوا بمائة, وضيقوا على الحصن حتى سقوا الزرع به, حتى منعوا بهائم الحصن من الرعي, فقال لهم أهل الحصن اجعلوا لزرعكم لئلا تضرها بهائمها(¬2) فتمنعوا من ذلك, وقالوا احتاطوا

[

وسئل رحمه الله من تازا عن أهل زقاقين من أزقتها رفعوا إلى القاضي بالمدينة المذكورة أن نقيرا للماء كان فيه أربعة قواديس، اثنان منها لحظهم، وقادوس آخر يختص ( )(¬1) وقادوس آخر يختص ثلاثة ديار يملى منهم جبابهم. فجاء أهل زقاق آخر وطلبوا من أحد أصحاب الديار الثلاثة المذكورة أن يأذن لهم في أخذ ماء القادوس المذكور ليسيروا به حتى يتصل لهم بساقية زقاقهم المختصة بهم لينتفعوا بذلك من ماء جبابهم، لكون ساقيتهم التي أرادوا توصيل الماء إليها بعيدة وأسلموا خدمتها من حين الوباء إلى الآن، فأذن لهم رب الدار المذكورة في أخذ الماء من عنده، فجعلوا ساقية من داره حتى وصلوا إلى ساقيتهم المذكورة منذ عامين، فتضرر أهل الزقاقين بما أخذ لهم هؤلاء من الماء، فإن الماء في فصل الصائفتين يقل وتقع عليه

[37/8]

[

وسئل سحنون عن رجل يكون له مجرى ميزاب سقفه في قاعة لرجل فأراد صاحب القاعة أن يبنى قاعته بيتا ويسقفها، فقال له صاحب الميزاب أنا أتخوف إذا صار على ميزابي سقفك أن تقلع ميزابي وكيف يجرى ميزابي في بيت.

فأجاب: ليس له أن يمنعه أن يسقف قاعته ويجعلها بيتا، ولكن لصاحب الميزاب أن يشهد على صاحب القاعة أن مجرى ميزابه في بيته بحقه ويدخلهم حتى يروه فإن أراد يوما أن يقلع ميزابه ويعتقله في ذلك منع وكان علم ذلك عند البينة، قيل له فإن خشبا من خشب السقف صارت على الميزاب ولصقته بالميزاب فمسته، فقال له صاحب الميزاب اقلع خشبك لا يمس ميزابي فقال ليس له أن يقلع خشبه وليس يضر مسها ميزابه.

[من أراد أن ينظر إلى حائطه من دار جاره]

وسئل عن الرجل يريد أن ينظر حائطه من دار جاره فمنعه جاره من الدخول إلى حائطه.

فأجاب: ليس لجاره أن يمنعه يدخل داره ينظر حائطه ويجبر على ذلك. وكذلك لو أن ريحا قلعت ثوب رجل عن ظهره فألقته في دار رجل أكان له أن يمنعه أن يدخل يأخذ ثوبه؟ ليس له أن يمنعه ولا يخرج إليه ثوبه ويمنعه من الدخول ليس له ذلك. قال يحيى بن عمر: هذا صواب حسن، وله أن يدخل الحجارة والطوب والطين على دار جاره مما يحتاج إليه في بنيانه ولابد له من ذلك.

[40/9] ... ... ... [من ابتنى فرنا بين كروم لغيره]

وسئل ابن المكوي عن ذلك فقال: له منعه.

وسئل أحمد بن عبدالله اللؤلؤي عن رجل ابتنى في كرم له بين كروم لغيره فرن قراميد، فشكا جيرانه إضراره بمن يجمع إلى الفرن ومن يرد عليه.

فأجاب: ليس ذلك بضرر، ولا يمنع من إحداثه إلا أن يضر بنيانه أو تؤذي تلك النار الكروم المجاورة لها من قيمتها وما يندفع منها.

[مسألة في الحائط يكون بين الرجلين]

وسئل عن الحائط يكون بين الرجلين فينهدم ويبنيه أحد الشريكين دون أمر صاحبه فيريد الذي لم يبن الدخول عليه فيه ومقاسمته إياه دون أن يدفع شطر النفقة.

وقد مضى القول عليه فيما وصفناه من حال الطائفة التي عرفت [35/10] صحة مذهب مالك بما بان لها من صحة أصوله وتفقهت فيما حفظته من أقواله فعرفت الصحيح منها من السقيم ، ولم تبلغ درجة التحقيق بمعرفة قياس الفروع على الأصول ، لأنه لا يكون ملتزما للمذهب المالكي إلا بما بان له من صحة أصوله التي بناه عليها ، ولأنه إذا لم يكن في نفسه أهلا للفتوى فإنما ذلك من أجل أنه لم يبلغ درجة التحقيق بقياس الفروع على الأصول . فمثيل هذا القاضي فيما يمر به من نوازل الأحكام التي لا نص عنده فيها من قول مالك أو قول بعض أصحابه ، فقد بانت له صحته ألا يقضي فيها إلا بفتوى من يسوغ له الاجتهاد ويعرف وجه القياس إن وجده في بلده ، وإلا طلبه في غير بلده . فإن قضى فيها برأيه ولا رأي له أو برأي من لا رأي له كان حكمه موقوفا على النظر ، ويأمر الامام القاضي إذا لم يكن من أهل الاجتهاد ولا كان في بلده من يسوغ له الاجتهاد ألا يقضي فيما سبيله الاجتهاد إلا بعد مشورة من يسوغ له الاجتهاد ، وبالله التوفيق .

[الاجتهاد والتقليد عند القرافي]

وفي الفرق الثامن والسبعين من قواعد شهاب الدين القرافي رحمه الله ما نصه : اعلم أن طالب العلم له أحوال ،

الحالة الأولى أن يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مفيدة في غيره وعمومات مخصصة في غيره ، ومتى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك وجوز عليه أن يكون كذلك حرم عليه أن يفتي بما فيه ، وإن أجاده حفظا وفهما إلا في مسألة يقطع فيها أنها مستوعبة للتقييد وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب آخر ، فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان ، وتكون هي عند الواقعة المسؤول عنها ، لأنها تشبهها ولا تخرج عنها ، بل هي حرفا بحرف ، لأنه قد يكون هنالك فرق يمنع من الإلحاق وتخصيص أو تقييد يمنع من الفقه المحفوظ ، فيجب الوقف .

فأجاب: هذا المكتوب قد وقع فيه أشياء فمنها تفسير المتكلم لحلق الذكر بالاجتماع للذكر بالأصوات كما يفعله فقراء هذه الأوقات. والغالب في مجالس الذكر المذكورة في الأحاديث التي يتلى فيها كتاب الله تعالى، كقوله عليه السلام: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة)). الحديث والتي يتعلم فيها العلم والدين كوصاة لقمان لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء والتي تعمر بالوعظ والتذكير بالآخرة والجنة والنار كما قال حنظلة: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالجنة حتى كأنها رأي العين وهذه من مجالس العلم الباعث على العمل كمجالس سفيان الثوري، والحسن، وابن سيرين وأضرابهم. وأما مجالس الذكر اللساني بالتهليل والتحميد والتقديس. فقد صرح بها حديث الملائكة السياحين. لكن لم يذكر جهر فيها بالكلمات، ولا رفع صوت ومثله حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده مجلس يدعون الله ويرغبون إليه والاخر يتعلمون الفقه ويعلمونة فقال عليه السلام كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه أما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل، وإنما بعثت معلما ثم أقبل

[36/11] فجلس معهم. فهذا في الدعاء، وهو ذكر من الأذكار وقد أمر الله بالذكر وأثنى على أهل: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾. ومن الاعتداء في الدعاء: العالي المفرط. وقد قال تعالى في عبده زكريا: ﴿إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ .

خلافا لصاحب المقدمات توقيا واحترازا كما في الماء المستعمل، وفي قليل النجاسة على رواية المدنيين، وبعده تبريا وإنفاذا كأنه وقع عن قضاه أو فتيا، لا فيما يفسخ من الأقضية ولا يتقلد من الخلاف. وقال بعضهم يراعي الخلاف في ثلاثة أشياء: في إنشاء حكم لا يراعي فيه إلا المشهور رعيا لمن قال لا يراعى من الخلاف إلا المشهور، وفي الإمضاء بعد الوقوع يراعى فيه ما دونه في الشهرة وأحرى المشهور؛ وفي درء الحد يراعي فيه كل خلاف لغرض الشارع في الستر، ولأن حق الأدمي أقوي من حق الله على مذهب أهل السنة. ثم إذا قلنا بمراعاة الخلاف مطلقا أو المشهور، وهو المشهور، فهل ذلك عام في حق كل أحد أو خاص بالمجتهد؟ فيه قولان. وهل مراعاته أيضا مطلقة سواء قلنا بأن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد؟ أو إنما ذلك إذا قلنا بتصويب كل المجتهدين، وأما على القول بأن المصيب واحد فلا يراعى أصلا؟ فيه قولان للمتأخرين، وللثاني ميل الأكثرين. ثم من شرط مراعاة الخلاف أيضا عند القائل به أن يترك المذهب من كل الوجوه احترازا من مثل أن يتزوج زواجا مختلفا فيه ومذهبه فيه ومذهب إمامه الذي قلده أنه فاسد ثم يطلق فيه ثلاثا، فقال ابن القاسم يلزم فيه الطلاق ولا يتزوجها إلا بعد زوج، فلو تزوجها قبل أن تتزوج غيره لما فرق بينهما لأن التفريق بينهما حينئذ إنما هو لاعتقاد فساد نكاحها، ونكاحهما عنده صحيح وعند المخالف فاسد، ولا يمكن أن

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٤٠