وأما قولكم: نعم يجري جوابه على ابن عبد الحكم في الفرع المذكور, فقوة كلامكم تعطي أن فرع ابن عبد الحكم هو الأصل, وفرع اللخمي فرعه, والحكم فيهما ترك فرض إلى ما هو بدل منه, والعلة الجامعة خشية خروج الحدث لتضمنه المحافظة على اشتمال الصلاة على الطهارة من الحدث اللائقة بمناجاة حضرة القدس, وهو حسن لا بأس به, إلا أن فيه أبحاثا يطول تتبعها من جهة تصحيح القياس والتنظير وما يرد عليه من الاعتراضات. وما يمكن أن يقال لا يبعد أن يكون ابن عبد الحكم يرى أن تلك الحالة مرض يوجبه القيام, فصاحبها عاجز عنه لخوف حدوث تلك العلة فينتقل إلى بدله كما قيل في جواب اللخمي سواء, لن العجز الموجب ترك القيام إلى بدله يكون بمشقة أو خوف علة كما ذكر ابن الحاجب, إلا أن في مجرد المشقة نظرا مشهورا.
وأما كلام خليل فهو قوله: سئل اللخمي عن رجل إن توضأ انتقض وإن تيمم لم ينتقض. فأجاب بانه قادر على استعمال الماء فهو مخاطب باستعماله, وما يرد عليه نمنع كونه ناقضا انتهى. هكذا رأيته في نسخة, وظاهره كما ذكرتم نقيض ما قال اللخمي. وأقرب ما يتكلف له في الإعتذار أن يكون سقط للناسخ (غير) قوله (قادر) ويكون الضمير المخفوض باستعمال عائدا على التيمم. وقوله وما يرد إلخ من كلامه قصد به الإعتراض
[37/1] على اللخمي كما هو رأيكم, فتأملوه. وهو إن كان متكلفا إلا أنه يكاد أن يكون متعينا, لأن نص اللخمي في جوابه صريح في أنه أفتاه بالتيمم لا يشتبه على ناظر. نعم من مسائل خليل الاختصار, فربما أوقعه في بعض المواضع في الاختصار المخل, إلا أن تكون النسخة التي نقل منها محرفة, وهذا بعيد لشهرة كتاب اللخمي في هذا الموضع, وإن كان يعتري نسخة الاختلاف في كثير من المواضع, ولذلك تجدني أتوقف عن الفتيا بما فيه.
[اجتناب الشيوخ الفتيا من كتاب اللخمي]
فان قلت : بل تخصيصها بالاضافه اليه دليل على ان تسميتها نسيكه انما
هو بالمجاز لاعتقاد المخاطب ذلك , وإلا لقال خير النسيكتين أو النسكين ونحوه
من دون تقييد بالاضافه إلى المخاطب ليثبت كونه كذلك في نفس الأمر أو
باعتبار الحكم الظاهر المشروع من تحريم بيع وغيره .
قلت : هذا مشترك الالزام , إذ لو صح ما ذكر السائل للزم ان لا
تكون الثانية نسيكه حقيقة , فيجوز بيعها , وبطلان اللازم ظاهر لا لملازمه
ما ذكر المسائل .
لا يقال : مقتضى الأصل ان لا تكون الثانية أيضا نسيكه حقيقة
كالأولى , لأنها من السن الذي لا يجزئ في هذا النسك , وانما ذلك رخصه في
حقه , ولذلك أضيفت اليه , لكن خصصت الثانية بقوله صلى الله عليه وسلم
" تجزئك " , فبقيت الأولى على الأصل الذي اقتضاه تخصيص الاضافه من ان
ذلك ليس بنسك حقيقة .
[41/2]
[42/2]
لأنا نقول الذي خصصت به الثانية كونها تجزئه . لا تسميها نسيكه ,
وأيضا أخباره صلى الله عليه وسلم بأنهما نسيكتاه دليل انهما نسيكتان في نفس
الأمر , إما مطلقا أو باعتبار المخاطب , وعلى كل حال فانهما من النسك
الشرعي , لقوله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي قضى بكونها
كذلك إما ابتداء فيهما , أو تقريرا لاعتقاد المخاطب فيهما , أو ابتداء في الثانية
وتقريرا لاعتقاده في الأولى وهو الظاهر .
الثالث : قوله صلى الله عليه وسلم خير , فانه أفعل تفضيل , الاصل فيه
اقتضاء المشاركة بين المتفاضلين في الشيء الذي وقع فيه التفضيل إلا مجازا ,
لكن الأصل عدمه وعدم الدليل الدال عليه , فهذا هو الخير الذي وقع فيه
التفضيل هنا هو في الثانية باعتبار الثواب المرجو في القربة اتفاقا فليكن
كذلك في الأولى عملا بهذا الأصل السالم عن المعارض ودعواه , إذ لو كان
المراد بالخير في الأولى خير الدنيا لكان على خلاف الأصل الذي اقتضاه أفعل
من المشاركة إذ لا مشاركة بين خير الدنيا والآخر إلا في الاسم . فثبت بهذه
ليلة دخولها وما قرب منها جدا بحيث لا يمر من الزمان ما يمكن فيه برؤه عادة ، والصحيح مع ذلك عند الفقهاء المتأخرين ألا ينظر إلى البنت في دعوى الزوج الثيوبة لما فيه من صعوبة الوصول إلى حقيقة الأمر في ذلك المحل ، مع حصول الكشف الذي أصله الحظر لا سيما في هذه الأزمنة التي فقدت أمانة القوابل فيها في الغالب في شيء يحتاج إلى التثبت الكير والدين المتين ، والصواب عندي ألا أقول للزوج : ويلزمه جميع الصداق ، لاعترافه بموجبه وهو الوطء ، وبذلك أفتى الشيوخ في النوازل كنوازل ابن الحاج وغيرها ، والسلام من كاتبه فرج على السائل الفقيه القاضي أبي جعفر أحمد الحسيني أعزه الله .
[من زوج ابنته من رجل فتم العقد بينهما ، ثم توفيت البنت قبل الدخول بها]
*وسئل ابن رشد عمن زوج ابنته من رجل فتم العقد بينهما فبقيت مدة وتوفيت قبل الدخول ، فطلب الأب موروثه من الصداق وما لزم زوجها من النفقة والكسوة ، وطلب الزوج موروثه مما اكتسب لها مما يشورها به ، هل يكون لكل واحد ما طلبه من صاحبه أو أحدهما أو لا شيء لواحد منهما .
=فأجاب : إن كان الأب أمضى لابنته ما يجهزها به وسلمه فللزوج ميراثه منه ، وكذا ما سمى لها من الصداق ، فيورث عنها ولا شيء على الزوج من نفقة ولا كسوة انتهى . المازري "أصل الشريعة عدم إلزام المرأة وأبيها جهازا ، والصداق عوض عن البضع وهو المقصود ، ولو كان عوضا عن الانتفاع بالجهاز وهو مجهول لكان فاسدا ؛ لأن الأصل البضع وما سواه تبع ، وفي المذهب رواية شاذة غريبة : أنه ليس على امرأة تجهيز بصداقها فأحرى ما سواه ، وأظنها في وثائق ابن العطار ، والرواية الأخرى تتجهز بالصداق خاصة ، والجهازات الكائنة الآن خارجة عن مقتضى الروايات ، فإذا كانت العادة تقتضيه فينبغي أن يتحقق .
[
قال القاضي أبو الوليد الباجي: وكذلك هم أن ينهى عن الغيلة لما خاف من إفساد أجسام أمته وضعف قوتهم من أجلها حتى ذكر أن فارس والروم تفعل ذلك فلا يضرهم، يحتمل أن يريد صلى الله عليه وسلم أنه لا يضر ضررا عاما، وإنما ضر في النادر، فلذلك لم ينه عنه ولم يحرمه رفقا بالناس، لما في ذلك من المشقة على من له زوجة واحدة، فيمتنع من وطئها مدة الرضاع فتلحقه المشقة، وهي مشقة عامة، فكان مراعاتها أرفق بأمته من المشقة الخاصة التي لا تلحق إلا اليسير من الأطفال، قال ابن حبيب (¬1): العرب تتقي وطء المرضع أن يعود من ذلك ضرر على الولد وضرر في جسم أو علة على تقدير أن يكون ذلك ضررا يسقط مقال المفارق أيضا، فهذا على أن مسألة المفارق والولد مفطوم فلا مدخل له في شيء من هذا، وقال أبو عمر بن عبد البر: روى
[34/4]
[35/4]
بعض الرواة عن مالك هذا الحديث عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها أبو عامر، وكذلك رواه القعنبي في غير « الموطأ »، وهو عنده في «الموطأ» كما هو عند سائر الرواة عن عائشة، جدامة، وفي رواية عائشة عن جدامة دليل على حرصها على العلم وبحثها عنه، وإن القوم والله أعلم لم يكونوا يرسلون من الأحاديث في الأغالب إلا ما نسوا فيه المحدث لهم أو لوجوه غير ذلك.
أما الغيلة فكما فسرها مالك، وعلى تفسير مالك أكثر الناس من أهل اللغة وغيرهم، وقال الأخفش: الغيلة والغيل سواء، وهي أن تلد المرأة فيغشاها زوجها وهي ترضع فتحمل من ذلك الوطء، لانها إذا حملت فسد اللبن على الطفل المرضع ويفسد به جسمه وتضعف به قوته حتى ربما كان ذلك في عقله، قال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنه ليدرك الفارس عن فرسه »، أي يسقط عن السرج، قال الشاعر:
فأجاب: تأملت السؤال أعلاه ووقفت عليه، والجواب أن الوجه الجائز في شركة العلوفة الذي لا ارتياب فيه هو أن يستأجر صاحب الوزق من يجمع له جزءا مسمى من ورقة شائعا أو معينا أو يعلفه له بجزء آخر منها كذلك يملك الأجير بنفس العقد وذلك بعد ظهور صلاحها وحلية بيعها، ثم يكونان بعد العقد بالخيار بين أن تشترك في الذريعة ويعلفها الأجير مشتركة ويقتسماها حريرا وبين أن يعلف حظ صاحب الورق وحده على حدة ويفعل بجزئه ما شاء من بيع أو غيره، ويتبعها أحكام الإجارة في سائر الوجوه، هذا هو الوجه الذي لا شك في صحته.
وقد أفتى السيد ابن سراج رحمه الله بجواز الشركة فيها على حد المزارعة إذا دعت إلى ذلك الضرورة، ولم يجد صاحب الورق من يعملها له على الوجه
[37/5]
المتقدم ذكره، وكان ترك ذلك يؤدي إلى تعطيلها، فمن قلده لم يعترض، والسلام على من يقف عليه.
[فران ابتاع قصب فول ليحرقه
فنزل عليه مطر فاخضر وأثمر]
وسئل عن فران ابتاع من بدوي قصب فول ليحرقه على الخبز، والقصب باق قائم في الفدان على أصوله، فلما أراد مولانا سبحانه بنزول المطر في آخر السنة حيي القصب المذكور واخضر وتنعم وصنع فولا، فتنازع فيه الفران والبدوي، فلمن يكون الفول؟ هل يكون للفران وعليه كراء المثل لرب الأرض؟ أو يكون لرب الأرض ويفسخ البيع؟ بينوا لنا.
فأجاب: تصفحت ما كتبت بمحوله ووفقت عليه، والجواب بتوفيق الله أن الفول حين اخضر وأخرج الحب انفسخ البيع فيه، فتكون غلته لصاحب الفدان، وعليه للفران الثمن الذي قبض منه فيه إن كان قد قبض منه شيئا رده عليه، وكتب محمد الجعدالة.
[بيع الغرس يكون بأرض الحبس المطيلة]
وسئل عن الذي يطيل أرض الحبس لعشرين عاما ويغرسها كرما فبعد ستة أعوام أو ثمانية أراد بيع الغرس من غيره فهل يجوز ذلك أم لا؟ وهل يكون بيعه لما بقي من المدة أو بيعة ولا يسمى ما بقي من المدة، بينوا لنا ذلك.
أن مالكا سئل عن قوم كانت بينهم دواب، فباعوها بدارهم مختلفة الوزن، منها الوازن والناقص إلى آخرها. وكلام ابن رشد عليها. فوجه الدليل منها ما وقع فيها مع انتفاء الغرر، مع جري الناقص كالوازن، حتى إن مالكا لم يعتبره ربا الفضل في تلك القسمة، لما كانت الناقصة تجوز بجواز الوازنة على ما بينه ابن رشد فيها. فهي عنده وازنة اعتبارا لفائدتها ومنعتها. وأما ظاهر النقل فمسألة الواضحة. قال ابن حبيب فيما إذا تصادقا في عدد الثمن ولم ينصا ناقصة ولا وازنة: حكم فيها بالوازنة، وإن جرت الناقصة بينهم على التجاوز، لأن ذلك على الطوع. فأما ما يحكم به ويبر به الحالف على القضاء فالوازنة التي ضربت عليها سكة ذلك البلد انتهي.
وقال أيضا: محمل العقود على السكة الوازنة على أصلها. وعلى هذا جرى العرف في العقود. وما يجري بين الناس من المسامحة في التعامل الناجز وعند الاقتضاء، لا تعمر الذمم به، ولا يجوز الدخول في العقود عليه، لأنه مجهول.
وقال أيضا: ثبت من كلام الفقهاء أن الدراهم الناقصة، وإن جرت كالوازنة، لا يحكم بها على صاحب الحق، وإنما يأخذها إن شاء باجتهاده. والاختيار إنما يكون في التصريح به من حقه، وليس في غلبة التبايع بالناقصة، ولا في كثرة الثمن بها. وإنافته عليه بالوازنة لغرض يرجوه المبتاع لم يستثبت فيه لنفسه ما يقتضي على البائع عند قطع النقص، بسقوط حقه في الاختيار الذي جعله الشرع بيده. وكذلك قبضه لما يقبض من الناقصة عند جريانها لا يسقط به حقه فيما يقبضه بعد ذلك. وهكذا اعتقاده لزوم الناقصة الجارية كالوازنة لعادة غلبت، لا يمنعه من القيام بطلب الوازن إذا استشعر الخسارة بقطع الناقص انتهي.
[وجود النمل الأسود بالدار بعد بيعها يعد عيبا]
وسئل عن دار بيعت وسكنها المشتري نحو تسعة أشهر، ثم ظهر له فيها
[39/6]
36/7] استحسنت هذا لأن لابن القاسم وغيره فيمن يكون من (العمران)(¬1) أنه ليس لأحد أن يقتطعه إلا بإذن الإمام فإن فعل وبنى كان في ذلك نظر الإمام. وقال المخزومي قال الشيخ وأحسب ابن كنانة: ليس له ذلك إلا بإذن الإمام فإن فعل وبنى مضى ذلك له, ولم يعترض عليه, وقال الشيخ أبو الحسن رحمه الله في مقبرة قديمة تدارس قبورها فوثب عليه رجل بجانبه, لها حائط فأدخل بعضها في حائطه وغرسه أشجارا وزرعه: إن عليه أن يقلع الأشجار ويرد البقعة إلى ما كانت لجماعة المسلمين, وما قد انتفع به فيما مضى, إنما عليه في ذلك كراء البقعة كم تساوي بالدراهم يتصدق بتلك الدراهم.
[تعليم الصبيان في المساجد لا يجوز]
وسئل رحمه الله عن مساجد بلدة اتخذها قوم يعلمون فيها الصبيان, وبعض هذه المساجد لا يستطاع الصلاة فيها لكثرة من بها من الصبيان لا يصلي فيها جماعة في سائر الصلوات, ومن الناس من يقف عن الصلاة لما يتقي أن يصيب الحصر من النجاسات, فهل ترى لهؤلاء المعلمين سعة في تعليمهم في المساجد ؟ وكيف بهم إن احتجوا أنهم إن خرجوا منها ضاعت وسرق ما بها من الحصر, فهل يكون لهم عذرا أم لا ؟
فأجاب لم يجعل الله المساجد ليكتسب فيها الأرزاق, والذي سألت عنه ووصفته, الواجب على تلك أهل البلدة أن يمنعوا مساجدهم من مثل هذا, وآباء الصبيان في حرج من هذا. ليس ينفرد بالحرج المعلم وحده, فليوعظ المعلمون, وآباء الصبيان ليخرجوا من المساجد إلى بقاع يصلح فيها التكسب, ولا يضروا بالمسلمين, فإن كان المعلم(¬2) فلينزع الصبيان من عنده آباؤهم وغن اعتصم المعلم بأحد فليس يعصمه إلا ظالم, ومن قال المعلم اولى من حق الصلاة ومن حق المسجد, فهذا غلط وجهل ممن فعله ومن استحق أنه ظالم في فعله فهو مردود الشهادة تجتنب الصلاة خلفه, وأما
[
37/8]لينتفع بها المسلمون على العموم، جاز أن يأخذ لأحد(¬1) من الحومات ما ينتفع به من غير أن يضروا بما يكون جل منفعتهم المسلمين كالجامع الأعظم لطهارتهم منع من الأخذ منه. فإن أخذ منه شيء وفيه متسع بحيث يفي به وبغيره جاز أن يعطوهم منه، وكل ذلك لا يكون إلا بإذن القاضي، وله أن يحكم بذلك على المشهور من مذهب العلماء، وإن كان بعضهم يقول ليس للقاضي أن يحكم في مصالح العامة إلا بكف عادية بعض الناس، ولكن المذهب المشهور ما تقدم فينظر القاضي في هذا الماء ويقسم بين الجامعين بحسب ما يراه، وبحسب ما تكثر المنفعة، وليس لأهل الحومة العليا أن يمنعوا من ذلك، لاسيما إذا كانت المنفعة فيه من الأحباس، وإن شكوا أهل الحومة العليا قلة الماء، وكان أزيد فيه بقدر ما يقوم بهما جميعا من القادوس ولم تف المنفعة بالجامع الأعظم زادهم من الثاني من يقوم بالحومتين والله الموفق بفضله، وكتب موسى بن محمد بن معطى لطف الله تعالى به.
[اختلاف أهل تازا في قسمة الماء المجلوب إلى مدينتهم في قواديس]
وسئل يحيى بن يحيى عن دور تهدمت وعفا أثرها فمكث حتى بادت البينة على معرفة مجارى سقفها فيبنى رجل وسط تلك العرص ويريد أن يلقى ماء سقفها خارجا عن بنيانه وداره فيقول أهل تلك العرص للباني لا تجر ماءك علينا أو يريدون رده إن كان أجراه.
فأجاب: إن كان هذا فالبينة على الباني أنه كان مجاره حيث أجراه وإلا رده في دار نفسه، قيل له فالأرض يبنى فيها رجل فيلقى ماءه على أرض غيره؟ فقال الأرض البيضاء أحق أن لا يلقى عليها ماءه إلا في حق نفسه، قيل له أرأيت الماء الذي يسقط من سقف رجل على دار رجل من جيرانه ذلك معروف قديم من مجرى مائه فيضر ذلك بجاره الذي يسقط الماء في داره ويريد أن يحتال له بقناة ويريد أن يدفعها قريبا من سقف صاحب الماء عن نفسه وداره ويأبى ذلك صاحب الماء؟ فقال لا يصرف الماء على حاله إلا برضي صاحب الماء قيل له فإن أراد الذي سقط الماء في داره أن يبنى ويلصق بنيانه ببنيان صاحب الماء فقال ليس له أن يلصق بنيانه بنيانا إلا أن لا يبنى على وضع مجرى مائه ويبنى دون ذلك إن أحب إلا أن يأذن له صاحب المال.
[مسألة فيمن بنى دارا وجعل بابها قبالة أندر لغيره]
وسئل أبوبكر بن وافد عن رجل أراد أن يبنى دارا في أرضه ويفتح بابها إلى سكة نافذة للمسلمين طريقا مفتوحا قديما وأمام الطريق أندر لرجل فلما أن بدأ بالبنيان منعه صاحب الأندر وقال: إنك تضر بأندري وقت الزرع
[39/9] ويمنعني عند نسفي بالريح ويضر في ذلك بأمور كثيرة والرجل ليس له أن يبني إذا منع ذلك الموضع ولا مضرة له غير ما احتج به صاحب الأندر.
فأجاب: هذه اختلف فيها فروى أنه يبنى في أرضه وإن منع البنيان الريح عن أندر جاره،وقد روى أنه يمنع من ذلك لأنه ضرر والاجتهاد في ذلك إلى الحاكم إن شاء الله.
[مسألة فيمن كان ميزاب سقفه في قاعة لغيره]
وأما الطائفة الثالثة فهي التي تصح لها الفتوى عموما بالاجتهاد والقياس على الأصول التي هي الكتاب والسنة وإجماع الأمة بالمعنى الجامع بينهما وبين النازلة ، أو على ما قيس عليها إن عدم القياس عليها أو على ما قيس عليها . ومن القياس جلي وخفي ، لأن المعنى الذي يجمع بين الفرع والأصل قد يعلم قطعا بدليل قاطع لا يحتمل التأويل ، وهو على وجوه ، وقد يعلم بالاستدلال فلا يوجب إلا غلبة الظن ، وهو أيضا على وجوه ، ولا يرجع إلى القياس الخفي إلا بعد عدم الجلي . وهذا كله يتفاوت العلماء في التحقيق بالمعرفة به تفاوتا بعيدا أو تتفرق أحوالهم أيضا في جودة الفهم لذلك وحدة الذهن فيه افتراقا بعيدا ، إذ ليس العلم الذي هو الفقه في الدين بكثرة الرواية والحفظ ، وإنما هو نور يضعه الله حيث يشاء . فمن اعتقد في نفسه أنه ممن تصح له الفتوى بما آتاه الله عز وجل من ذلك النور المركب على المحفوظ المعلوم ، جاز له إن استفتي أن يفتي . وإذا اعتقد الناس ذلك فيه جاز أن يستفتى ، فمن الحظ للرجل أن لا يفتي حتى يرى نفسه أهلا لذلك ويراه الناس أهلا له ، على ما حكى مالك من أن ابن هرمز أشار بذلك على من استشاره السلطان فاستشاره في ذلك . وقد أتى ما ذكرناه على ما سألت عنه ببيان ما جرى في المجلس من غلط إن كان . وهذا بيان صفة المفتي الذي ينبغي أن يكون عليها في هذا العصر ، إذ لا تختلف صفة المفتي الذي يلزم أن يكون عليها باختلاف الأعصار . وأما السؤال عن بيان ما هو اللازم في مذهب مالك لمن أراد في هذا الوقت أن يكون مفتيا على مذهب مالك ، فإنه سؤال فاسد ، إذ ليس أحد بالخيار بأن يفتي على مذهب مالك ولا على مذهب غيره من العلماء ، بل يلزمه ذلك إذا قام عنده الدليل على صحته ، ولا يصح له إن لم يقم عنده الدليل على صحته . والسؤال عن الحكم في القاضي إذا كان ملتزما للمذهب المالكي وليس في قطره من نال درجة الفتوى ولا هو في نفسه أهل للفتوى .
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب عن رجل رغب الناس فيه طريقة فقراء زماننا في المسجد له عظم على رؤوس الناس وقد قال: هذا الذي يذم الفقراء. إن ذمهم لأجل حلق الذكر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثنى عليها ورغب فيها فحمل الذكر الوارد في الحديث على فقراء زماننا، ثم قال: وإن ذمهم لأجل الغناء والسماع، فإن عائشة رضي الله عنها كانت أغنى الناس وأعرفهم بالشعر، وكذا أبوها أبو بكر وأختها أسماء، فأنكر عليه فقال: ما أردت بأغنى الناس إلا غنى المال، ثم تأمل مقالته، وعلم أن المساق لا يعطي ذلك فأنكر وقال: إنما قلت أعرفهم بالشعر، ثم قال: وأيضا فإن القرآن يقرأ بالتلحين والترجيع، وجعل ذلك كله دليلا على جواز الغنا فيهم.
ووجهه بأن دليلي القولين لا بد أن يكونا متعارضين، كل واحد منهما يقتضي ضد ما يقتضيه الآخر، وهو معني مراعاة الخلاف، وهو جمع بين متنافيين. وبمراعاته قال اللخمي وابن العربي. قال ابن العربي: القضاء بالراجح لا يقطع حكم المرجوح بالكلية، بل يجب العطف عليه بحسب مرتبته لقوله عليه السلام:﴿ الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة﴾. قال وهذا هو مستند مالك فيما كره الله، فإنه حكم بالتحليل لظهور الدليل وإعطاء المعارض أثره، فتبين مسائله تجدها على ما رسمت لك. ومعني مراعاة الخلاف على هذا القول أنه إذا أراد أن يتصف بأعمال الصالحين وصفات الأبرار من توفي الشبهات راعى قول من قال بالتحريم وتبرأ من الشبهات.
وقيل إنما يراعى الخلاف إذا كان قويا، ولا يراعى إذا كان شاذا ضعيفا. ابن عبد السلام: والذي تحمل عليه مسائل المذهب أن الإمام رحمه الله إنما يراعي من الخلاف ما قوي دليله، وإذا حقق فليس بمراعاة للخلاف البتة، وإنما هو إعطاء كل من دليلي القولين حكمه مع وجود المعارض انتهى. واختلف مذهب ابن القاسم في ذلك، فمرة لم يراعه جملة، ومرة راعاه جملة، ومرة راعى القوي ولم يراع الشاذ. وفي المدونة لجملة هذه الأقوال مآخذ وأصول.
ثم إذا قلنا بمراعاة المشهور وحده، وهو المشهور، فالمشهور اختلفوا فيه، فقيل هو ما قوي دليله، وهو المشهور في المشهور، قال ابن عبد السلام وأصله لابن خويز منداد. وقد أجاز مالك الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وأكثرهم على خلافه، وأباح بيع ما فيه حق توفية من غير الطعام قبل قبضه، وأجاز أكل الصيد وإن أكلت الكلاب منه إلى غير ذلك من المسائل، ولم يراع في ذلك خلاف الجمهور. وهذا يدل على أن المراعى عنده إنما هو الدليل لا كثرة القائل انتهى.
وقيل: المشهور هو ما كثر قائله، وعليه فلا بد من أن تزيد نقلته على ثلاثة. وقال بعض الشيوخ أقول إنه يراعي المشهور والصحيح قبل الوقوع
[37/12]
[38/12]