تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

308/1] أقوى ناسب أن يحرم عليه مس ما زاد على أقل ما يمكن في التيمم سدا للذريعة. ولما كان هذا الداعي في المرأة أضعف ناسب أن يباح لها الوصول إلى غاية التيمم, وهو في غاية الوضوح. فظهر أن جواز هذا التيمم إنما هو للضرورة لا لجواز المس الذي يستلزمه جواز النظر فيما ليس بعورة كما ذكرتم. ونظير المس هنا للضرورة مس ما يحتاج إلى مداواته من جسد كل منهما, فيقتصر على أقل ما يمكن مما لابد منه ولا يتعدى إلى غيره. وكما قالوا فيما إذا أنكر الرجل الجب وشبهه أنه يمس من فوق الثوب ويبقى الثوب على ما يوالي الداء من المرأة إن كان في غير الفرح, وكالنظر في العورة في المرآة لمن أنكر البلوغ على القول به أو داء الفرج كما وصف ابن عات في طرره ونحو ذلك.

في أن لا يرثوه خاصة لحكم رفع المواريث بين المختلفتين وان كانوا ذوي نسب ورحم لارتفاع كون الموروث ذا عهد مع من يريد ميراثه كان فيمن نقض العهد أولا يدفع ميراثهم منه. وقد قال ابن عمر في ساب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل ذمتنا إنه يقتل لنقضه العهد، ألا ترى أن المرتد من المسلمين إذا قتل على ردته لا يرثه ورثته من أهل الدين الذي ارتد إليه، لأنه لا عهد له عندنا كمالهم، وكان ماله لجماعة المسلمين فيئا لا على سبيل الميراث فإذا وجب سقوط ميراث ورثته الذين على الدين الذي ارتد اليه مع كونهم على دين واحد، وكان عليه سقوط ميراثه ارتفاع بقائه على ذلك الدين، وكان ساب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة لا يجب إقراره على ذلك شابهه في أن ماله لجماعة المسلمين لخروجهم من أن يكون لهم علينا إقرارهم على ما هم عليه من الدين، والله اسأله حسن التوفيق لما يرضيه والعمل بما يقرب منه.

[ لا حد على من غضب فنفى الصلاة على النبي عليه السلام ]

وسئل أصبغ عمن كان له دين على رجل فلزمه حتى أغضبه فقال له صلى على محمد، فقال له الآخر وهو مغضب لا صلى الله على من صلى عليه.

فأجاب ليس كمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة الذين يصلون عليه اذا كان على ما وصفت من وجه الغضب، ولا يكون عليه القتل.

[ ما يحتمل السب وغيره ينظر إلى بساطه ]

وسئل ابن رشد عن رجل شهدت عليه البينة أنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المخرج الذي خرج منه البول، وثبت ذلك من قوله عند الحاكم وهو ينكر ذلك ويكذب الشهود ويقول حاش لله أن أقول مثل هذا، وشهد عليه شاهد واحد أنه قال أنا أقرأ سورة يوسف بالعجمية، وشهد عليه شاهد واحد أيضا أنه قال لعن الله العربية والذي أخرجها، مع ما يسمع منه من التخليط في مثل هذا وفشا عنه في موضعه وقريته. وقال كل من شهد عليه إن الرجل القائل لهذا كله لا يترك الصلوات وكثيرا ما يفعل الخير إلا ما

[352/2]

[353/2]

=فأجاب : هذه المسألة بعينها تقدم لي فيها إملاء مبسوط لما ورد علي فيها[332/3]سؤال من تونس حماها الله ، وقد تزوج رجل قرأ علي قديما شيئا من علم الأصول ، إمرأة طلقها ثلاثا ثم استباحها بعد رجل عقد عليها ولم يطأها ، فجاءني من قبل القاضي وفقهاء البلد فيه سؤال فأكثرت النكير عليه ، وبالغت حتى أظن أني سمحت لهم في عقوبته ، وذكرت أن هذا باب إن فتح حدث فيه خروق من الديانات ، وتباعات في تقليد الأحكام والرجوع إلى علماء انقرضوا دون العالم النظار من أهل العصر ، على خلاف بين الأصوليين في تقليد العالم الميت مع وجود العالم النظار ، والذي رأيت من الدين الحازم ، والأمر الجازم ، أن ينهى عن الخروج عن مذهب مالك وأصحابه حماية للذريعة ، ولو شرع هذا لقال الرجل أنا أبيع دينارا بدينارين لما روي عن ابن عباس ، ثم يأتي من يقول أنا ، أتزوج امرأة وأستبيح فرجها من غير ولي ولا شهود تقليدا لأبي حنيفة في الولي ، وفي الشهود لمالك ، وأتزوجها بدانق تقليدا للشافعي ، وهذا عظيم الموقع في الضرر ، وقد كان يحسم مادة هذا في الأعصار الماضية مع ورع أهلها وخوفهم على أعراضهم ودينهم ، فكيف إذا انتهى الأمر إلى زمن قد تقاصر أهله عن حال من مضى تقاصرا لا يخفى على عاقل ، هذا الزمان أحرى أن تحسم مواد التساهل في الديانات ، وهب أني أبحث لهذا السائل أن يفعل هذا في نفسه بنكاحه ، لا يخفى على عاقل فقضاة مكانه وفقهاؤه لا يلتفتون إلى مذهبه ، بل يفسخون ذلك عليه ويبطلون نكاحه ، ولا تسمح نفوسهم بترك مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة ، لاتفاق الأمصار على تقليدهم ، فهذا النكاح يصده عن ذلك ، وكيف تسمح نفسه بفرج يستبيحه اليوم وغدا يحرمه عليه القاضي ، وربما نظر في العقوبة على ذلك ، وأما سؤالك هل هذه المسألة من مسائل الأصول أو الفروع ، فالأصح عندي أنها من مسائل الفروع ؛ لأن سبب الخلاف فيها أمور ظنية لا قطعية يقينة ، وذلك أن الله

ولا يقال: قول السائل في اعتراضه بالجناية وهذا القيد غير موجود إلخ يرد بما أشار إليه المازري فيمن باع أمة بكرا فوطئها المشتري وثبت التدليس، فقال ابن الكاتب لا شيء على المشتري، كمن اشترى ثوبا فقطعه وثبت التدليس مع أن الرواية ثبوت الغرم. قال الإمام قال بعض أشياخي إن قلنا إن الاقتصاص فيه انتفاع فالصواب تغريمه. ثم ذكر الوطء هل هو قوت أو تفكه في باب الرد بالعيب فظاهر هذا أن الوطء مشوك في الانتفاع به، وإن ابن الكاتب بنى عليه قوله.

[358/4]

[359/4]

لأنا نقول: ابن الكابت وقع في قوله بأن الغرامة إنما سقطت لتسليط البائع، ويحقق لك ذلك النظر في فصل التدليس لأن فيه طولا في جلبه.

وأما مسألة الأمة التي أشار إليها السائل فهي مسألة كتاب الاستبراء من المدونة وخالف فيها عبد المالك والمغيرة، وأجابوا فيها عن المعارضة بأن الخراج بالضمان والوطء نوع من الغلة، فكانت للمشتري أصله بما إذا استحقت من يده، واستشكل الضمان فيها بثبوت الحرية. وأجيب بأن الضمان إنما يكون في المثمون ولا يكون في الثمن، لإمكان تفليس البائع، وأجروا منه الخلاف فيما بطل فيه الحبس وأنه لا يرجع على المستغل له والجامع ظاهر. واعترض بتفريق الضمان في الثمن والمثمون وصوابه لا يخفي، وقد عورضت مسألة الأختين بخمس مسائل: الاثنتان المذكورتان، ومسألة من كتاب القذف من طلق قبل البناء ووطئ ظنا أنها لا تبين إلا بالثلاث، ومسألة كتاب العدة ومسألة كتاب الإيمان بالطلاق.

(¬1) لفظه إجماع الخلق من معتزلة وغيرهم على إطلاق هذا اللفظ، قال رضي الله عنه والذي أعرفه بمستقر العادة أنكم لا تحيطون بجميع أقاليم المسلمين شرقا وغربا قبلة وجوفا، أحببت نقل مثل هذا الإجماع لا يتوقف على هذه الإحاطة، ومع ذلك فقد نقل الغزالي الإجماع الذي تقدم نقله عن جميع الطوائف مع تعذر هذه الإحاطة

[323/5]

وما يدل له على أن الإيجاب لم يقع ها هنا على المشتري في حياته، كما يقع عليه في سلعة باعها على خيار المشتري، أنه في مسألة الإقالة المطلقة يجوز له أن يرجع فيها بالبيع والصدقة بعد عقد الإقالة، وقبل إتيان البائع بالثمن. قال ابن رشد: يريد ما لم يكن بقرب ذلك مما يرى أنه أراد قطع ما أوجبه على نفسه. ولو باع سلعة على خيار المشتري لم يجز للبائع أن يرجع فيها ببيع أو هبة أو صدقة فقد بان الفرق بأن السلعة في الإقالة لم يقع فيها الإيجاب. وبذلك صح رجوعه فيها بالبيع، بخلاف مسألة الخيار. قال: ولو كانت الإقالة مؤجلة لم يجز رجوعه فيها بالبيع، فإن باع لم يجز.

قال اللخمي: أنظر كيف قال لم يجز، ولم يقل يرد البيع؟ قال: وأرى أن يمضي البيع، لأن ذلك هبة إلى آخر ما ذكر. فصل: وفي كتاب الموثقين كلهم أن البيع يفسخ في المؤجلة تأويلا

[403/6]

على أصبغ فهذان تأويلان في فسخ البيع في المؤجلة. ومنشأ الخلاف في ذلك يبنى والله أعلم على ما علل به المسألة ابن رشد واللخمي من أنها معروف عندهما، وهي على حكم الهبة عند اللخمي.

فصل: وإذا صح ذلك فقد اختلف في مجرد الهبة إذا باعها الواهب بعد تفريط الموهوب بالحوز وتراخيه عنه. فقال ابن القاسم: يمضي بيع الواهب والثمن للموهوب. وقال غيره: ينقض بيع الواهب، ويأخذها الموهوب من يد المشتري ما لم يمرض الواهب أو يفلس. وإن باعها مبادرة قبل تفريط الموهوب في الحوز، نقض بيع الواهب وإليه ينحو تفسير ابن رشد بقوله: إن بيعه لها ينفذ ما لم يفتها بقرب ذلك قبل تراخي البائع عن الإتيان بالثمن. ولو باعها بعد تراخيه نفذ بيعه وقد تقدم التنبيه على الخلاف في المؤجلة، هل ينفذ أم لا؟ لأن ذلك بخلاف شرطه. وإنما له أن يفوتها بعد فوات الأجل إذا لم يأت بالثمن، لأن ذلك قد يجاب، إنما كان معلقا بوقت قد مضى فاستحال وجوده.

فأجاب يعمل على غالب عادة الناس الماضية في مواجل المساجد, وما كان يفعل فيها فيما أدركه خلف عن سلف فيعمل فيها بذلك الأمر الذي يعمل فيما مضى لأنهم لم يتواطئوا على عمل إلا وهو قصد المحبس في غالب الحال, وأما اختصاص المؤذن والإمام بشيء فلا, وهم وسائر الناس سواء, وفي علمنا في عادة جرت قديما تفضيل إمام أو مؤذن على غيرهما. وأما شرب الغني منها فإنما جعله للعطشان, كان غنيا أو فقيرا, وقد رأيتهم عندنا يفعلون, واما أخذه القلال لا أدري هل ذلك من أصل كان عندهم أو من امر أحدثوه, ومن منع الناس حقوقهم تعديا من غير تاويل فلا ينبغي أن يصلى وراءه, والغالب في المواجل أنها تفتح في اشتداد الحر ووقت احتياج الناس إلى الماء.

[من حبس كتبا وشرط ألا يعطى إلا كتاب بعد كتاب]

وسئل أيضا رحمه الله تعالى عمن حبس كتبا وشرط في تحبيسه انه لا يعطي إلا كتاب بعد كتاب, فإذا احتاج الطالب إلى كتب وتكون الكتب من أنواع شتى, فهل يعطى كتابين معا أو لا يأخذ إلا كتابا بعد كتاب؟.

فأجاب: إذا كان الطالب مامونا أمينا مكن من هذا, وغن كان غير معروف فلا يدفع إليه إلا كتاب واحد وإن كان من انواع خشية الوقوع في ضياع أكثر من واحد. وظاهر كلام أبي عمران انه لا يتعدى ما شرطه, لقوله المسلمون عند شروطهم, وظاهر ما في هذا السؤال أنه يراعى قصد المحبس لا لفظه, ومنه ما جرى به العرف في بعض الكتب المحبسة على المدارس ويشترط عدم خروجها من المدرسة, وجرت العادة في هذا الوقت بخروجها بحضرة المدرسين ورضاهم, وربما فعلوا ذلك في أنفسهم ولغيرهم, والله

[

وأجاب ابن الحاج: إذا ثبت ما ذكرته من حكم القاضي بقطع الماء عن

[390/8]

[391/8]الطريق من أجل ضرره بالمارة ثبوتا لا مدفع فيه لمن أعذر إليه في شهوده وجب العمل به ورفع الاعتراض عنه.

والثامن وكيف إن نزل أعزك الله أن تعارضت شهادة الشهود لأصحاب الجنات بما ذكر مع شهادة من شهد في تسجيل الحكم بأن جريه يحدث كما تقدم وأيتهما تغلب؟ وهل ترى هنا تغليب أخف الضررين إذ ضرر الجنات بيبس ثمارها لا سيما والمياه الأخرى التي كانوا يسقون بها قد انقطعت في هذه المدة أشد وأضر من ضرر الماء بالمارة في الطريق من بلل أرجلهم ونعالهم وتلوث ثيابهم من رش الماء؟ جاوب على ذلك مأجورا إن شاء الله تعالى. وهل يراعى هذا وإن لم يثبت لهم في الماء المتنازع فيه حق إذا ثبتت حاجتهم ونضب الماء الآخر الذي كانوا يسقون منه قبل؟

فأجاب عليه: تصفحت السؤال ووقفت عليه وشهادة من شهد في التسجيل بالحكم هي العاملة فلا يلتفت معها إلى شهادة من شهد لأصحاب الجنات بما ذكرت من أنهم لم يزالوا يسقون بالماء قبل الحكم وبعده لأن سقيهم به قبل الحكم يبطله الحكم وسقيهم به بعد الحكم لا يبطله الحكم وليس هذا عندي موضع تغليب أكبر الضررين لما يتعلق بذلك من حق أصحاب الأرحى وبالله التوفيق.

وأجاب ابن الحاج: ما ثبت من حكم القاضي هو أعمل في قطع الضرر إن شاء الله.

والتاسع وجوابك أعزك الله في ماء غير متملك يسقي بها أعلون وأسفلون على قديم الأيام فأحدث أصحاب العلو خضرا ومباقل سقوها مع ثمارهم أضر ذلك بالأسفلين وحبسوا عنهم الماء فمنعوا من ذلك وقصروه على السقي للثمار والأصول حتى يتموا ثم يرسلوه لمن تحتهم فقال: بعض الأعلون أنا آخذ قدر ما أسقي به ثماري من الماء أسقي به خضري ومباقلي وأعطل ثماري هل يباح له هذا أو يقال له: إما أن تسقي ثمارك الواجب لك سقيها أو

[391/8]

[

346/9] الأصل في الإنسان أن يكون تصرفه في أحواله كلها قولا وفعلا خبرا وإنشاء صادرا منه عن رضا واختيار، كما أن الأصل في الألفاظ أن تكون مستعملة فيما عهد من مدلولاتها اللغوية حقيقة أو مجازا بشروطهما، فإذن لا يخرج الإنسان عن هذين الأصلين إلا لضرورة تدعوه إلى ذلك، فتكون الضرورة تدعوه إلى التلفظ بلفظ ما، ثم إن كان ظاهر اللفظ عليه لأنه سلب اللفظ دلالته الظاهرة بإيداع أو استرعاء أو إكراه فإن كان اللفظ ليس مما تدعوه الضرورة إلى التعبير به لم يحتج إلى التلفظ به، وإن كان ظاهره ليس عليه فيه ما يتوقع، لم يحتج إلى سلبه دلالته، وأيضا مع هذا كله فإنه لا يمتنع عليه في العقل ولا في العادة بعد الإيداع والاسترعاء أن يخطر بباله ما دل عليه ظاهر لفظه، ثم يعزم فيه ثم يعبر عنه باللفظ المعهود لا مانع في العقل ولا في العادة يمنعه من ذلك، فإذا تقرر هذا فنقول: الرجوع عن الوصية لا ضرورة تدعوه في انصرافه عن محل الوصية إلى التلفظ به، ثم لا ضرورة تدعوه إلى سلب مدلول ظاهره، لأنه حق له لا عليه، بخلاف الألفاظ المذكورة في الإيداعات والاسترعاءات لأن الضرورة داعية إلى التلفظ بتلك الألفاظ فيها أولا وبعد ذلك فالضرورة داعية سلب مدلولاتها لأنها على المتكلم لا له، فقد ظهر الفرق بين صورة النزاع وبين المسائل المذكورة، وإذا كان ذلك وجب حمل لفظ الرجوع فيها على أصله، إذ هو غير ممتنع في العقل والعادة، والأصل فيه سالم عن معارضة الضرورة، ومما يعترض به على المعترض في قياس صورة النزاع على مسائل الإيداعات والاسترعاءات أوجه ثلاثة: أولها أن هذا الحكم الذي رام إثباته بالقياس وهو سلب الدلالة عن هذه الألفاظ ليس حكما شرعيا، والثاني أن المعترض عدد الأدلة، وإنما هو كله دليل واحد وهو القياس، اتحد فيه الحكم والفرع والعلة، وتعدد الأدلة، فلو قال قائل في التفاح أنه ربوي لأنه مطعوم، فكان ربويا كالبر والشعير والتمر لم تكن هذه أدلة

وسئل ابن عرفة رحمه الله عن صاحب حبس حوسب فشط دخله على خرجه بدنانير ، فادعى أن بعض الدنانير الشائطة لم يقبضها ، وأنها لم تزل باقية عند سكان ربع الحبس ، واعترف رجال سكنوا ببعض الربع ببقاء بعض الدنانير في ذمتهم ، وبقية الدنانير التي ادعى بقاءها عند السكان لم يجد بها معترفا ، واطلع على هذا بعد وفاة صاحب الحبس بأعوام كثيرة ، واستقر الآن ميراثه بين غائب وسفيه وغيرهما ، فهل ترون يمينا على من يظن به العلم من الورثة ؟ وهل يحلف السفيه البالغ إن ظن به العلم في هذا أم لا ؟ وان توجهت يمين فهل يصالح فيها عن الحبس أم لا ؟ وكيف إن نزل هذا وصاحب الحبس حي فادعى عدم القبض والبقاء عند السكان ولم يعينهم ، أو عينهم وقد ماتوا معدمين ، أو غابوا ، فهل يقبل قوله بيمين أو بغير يمين ؟ فسروا لنا ذلك تفسيرا [330/10] واضحا ، وكيفية العمل فيه ، وما يتصل بذلك ويفتقر إليه مما يقع السؤال عنه والسلام .

فأجاب : الحمد لله ، السؤال على توجه اليمين كالدليل على وضوح عدم تضمينه ، وفيه نظر ، والصواب - إن قام دليل على تفريطه - تضمينه ، ونزلت هذه أو قريب منها أيام الشيخ الفقيه القاضي ابن عبد السلام رحمه الله فقضى بتضمينه ، وأظن دليله في مسألة التضمين بالترك المشهور ذكرها في كتاب الصيد ، وما ذكره ابن سهل في باب الوصايا إن الوصي إذا بور أرض اليتيم وأهمل عمارتها حتى نقصت أن عليه غرم ما نقصته ولللخمي ما يقرب من هذا في دلالين للطعام ، وأما توجه اليمين على من يظن علمه فواضح ، وحلف السفيه ظاهر المذهب عدمه ، خلافا للأصيلي وموافقيه ، والصلح عن اليمين حسن ، وحكم نزول هذا وصاحب الأحباس حي واضح مما تقدم ، وحيث لا ينهض دليل غرمه فاليمين تلزمه إلا أن يظهر دليل براءته بمقتضى حاله وحسن سيرته .

[رجل قدمه القاضى على حبس سور البلد]

وأما الجواب عن السؤال الثاني فهو يؤخذ مما قدرناه في الفرق بين الإعطاء والوراثة لا محالة، والوراثة لها مدخل وخاصية لم توجد في غيرها ولذا قيل: إن العلماء العاملين ورثوا عن الأنبياء، وذلك يستدعي تخلقهم بأخلاقهم الظاهرة والباطنة في جميع حالاتهم، من أكلهم وشرابهم، وحركاتهم وسكناتهم، فيجري الله ينابيع الحكمة على لسانهم ويروثهم علم ما لم يعلموا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم" حتى قيل: ويورثهم التحمل والتصبر لأن الأعداء لا بد أن تنال منهم كما نالت من الموروث قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا﴾ فإن صبروا كما صبروا ظفروا، والعاقبة للمتقين، فكان التعبير بالوراثة فيه دقائق جليلة، وفوائد جميلة. وهنا كلام للقوم رضي الله عنهم الفاهمين عن الله الوارثين عن رسوله ما لا يحصى ولا يستقصى.

[329/11] وأما الجواب عن السؤال الثالث وهو ما سر العدول عن الاختيار إلى الاصطفاء؟ فنقول: الذي يظهر من كلامهم أنهما متقاربان في المعنى إلا أنهما يختلفان بالنسبة والذي تميل النفس إليه، أن الاصطفاء يدل على كمال إكمال الرفعة، ولذلك ذكره الله تعالى في أهل العصمة فقال: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ وقال: ﴿إن الله اصطفى آدم﴾ وقال: ﴿إن الله اصطفاك وطهرك﴾ إلى غير ذلك، فكان ذلك الاصطفاء في أهل كتاب الله من هذه الأمة وفي الأمة له مدخل عظيم في التعظيم وإظهار المنزلة ومن أسماء نبينا صلى الله عليه وسلم المصطفى لأنه وقع في الحديث: "إن الله اصطفاه". أي اصطفاه اصطفاء مطلقا على سائر المخلوقات الأرضية والسماوية فعلم من هذا أن الاصطفاء يطلق في الخصوص، والاختيار يطلق في الخصوص والعلوم، مثل قوله: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٩٨