فأجاب: ما أشار غليه الشيخ من النظر ظاهر, لأن تلك المباشرة لما امتنعت حال الحياة وجب أن تمتنع حال الممات, أصله مباشرة غير ما ذكر من أعضاء التيمم. فكما لا تجوز مباشرة كل من الأجنبي أو الأجنبية جسد الآخر بالغسل بعد الموت لامتناع ذلك منهما في الحياة كذلك, لا تجوز مباشرة احدهما الآخر بالتيمم لامتناع ذلك في الحياة. والجواب والله اعلم إنما أباحوا هذا التيمم للضرورة إلى تحصيل طهارة هذا الميت الذي لا ترجى له طهارة بعدها, كما وجهوا به القول بأن الميت أولى بالماء المشترك بينه وبين الجبن الحي منه, وما وجب للضرورة قيد بقدرها. ولما كان التيمم ينوب عن الطهارتين عند الضرورة اقتصر عليه في هذا المحل جمعا بين مصلحة الميت ومصلحة المنع من مس الأجانب, وكان تيمم المرأة إلى الكوع اقتصارا على أقل ما يجزى في التيمم, لأن طلب الستر في حقها بالنسبة إلى الرجل آكد منه في حق الرجل بالنسبة إليها. ولذلك تيممه هي إلى المرفقين فتوصله غاية التيمم. وإنما قلنا إن طلب سترها منه آكد من العكس, لأن عورتها بالنسبة إليه جميع جسدها في قول, وفي آخر ما عدا الوجه والكفين. وحكمها هي فيما تراه منه كحكمه فيما يراه من ذوات محارمه, هذا هو المشهور.
وقال ابن رشد في النكاح من البيان: وقيل كحكمه فيما يراه منها, وهو بعيد, ويلزم عليه أن لا ييمم النساء الرجال الأجنبين إلا إلى الكوع, ولا يوجد في شيء من مسائلنا. انتهى. ومن جهة المعنى ان الذي يدعو إليه هذا اللمس من الفجور هو من الرجل الحي مع امرأته الميتة أمكن من عكسه لوصوله إلى ما يريد من جماعها على التمام دونها. فلما كان الداعي في حقه
[
وسئل أبو القاسم بن الكاتب القروي عن النصراني يسب النبي صلى الله عليه وسلم، هل يرثه المسلمون أو ورثته من أهل دينه؟
فأجاب إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم وجب عليه القتل الا أن يسلم فيسقط عنه. فإذا كان الحكم فيه هكذا مع أنه قد كان قبل اظهاره سب نبينا عليه السلام كافرا دل على أنه يقتل لأمر أحدثه مما لم يدخل في ذمتنا عليه، ووجب ما كان له للمسلمين ليس على جهة الميراث عنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:﴿ لا يرث المسلم الكافر ﴾ ولكن على معني أنه قد أفاء الله على المسلمين بغير ايجاف، لأن المواريث التي يتوراث بها الذميون انما كانت من أصل العهد الذي أعطيناهموه على بقائهم على دينهم الذي أمر الله سبحانه بتركهم عليه مع أنه ايجاف، دين الحق لقوله:﴿ ولا يدينون دين الحق﴾ فإذا انقض أحدهم العهد الذي من أجله يوارثون خرج عن عهدهم ولم يلزمنا لهم حكم الوفاء لهم بوراثتهم إياه بكونه غير ذي عهد وهم ذووه، وكان الحكم
[351/2]
[352/2]
الضرر اللاحق لها إن كان الزوج بادي العذر في إطالة الغيبة ، وهذا أيضا في الكتابة للحاكم تقصير ؛ لأنه ذكر عن الشهود الأولين أن فلانة محتاجة إلى الزوج ، وعليها ضرر في إبقائها بلا زوج ، وهذا كناية عن الحاجة إلى الوطء في الظاهر ، ولكن من شرط التتميم أن يقول الشهود إنها اشتكت إلينا الضرر بذلك ، فعلمنا صدقها ، وأما قولهم عليها مضرة وهي لم تشتكها ، فإن ذلك لا ينفع ولا يعول عليه ، وكذلك قول الآخرين إنها راغبة في فراق زوجها الرغبة الشديدة ، وقد يرغب الانسان في الشيء ولا يطلبه حياء منه ، أو علو همته ، وقصارى ما في الشهادة إثبات الرغبة دون طلب في إيقاع ما رغب فيه ، ثم لم يذكروا أنها وإن طلبت الفراق لأي علة طلبته ، وهذا تقصير من ناحية الكتابة ، وإن كان المراد ما أشرنا إليه من المعاني التي هي تتمة هذا الأمر ، ولكن الأحكام إنما يجب أن تورد بالنصوص ، وأما الحزر والرمز باللفظ اليسير إلى جمل في الكلام لما يتضمنها ، فشغل قوم آخرين ، فليبدأ بما ذكرناه وينظر في الحكم والفتيا وما قلناه فيهما ، والله يعلم المفسد من المصلح .
[من طلق زوجته ثلاثا وهي بكر تحل له حتى تنكح زوجا غيره]
*وسئل : عمن طلق زوجته بالثلاث وهي بكر هل يسوغ له رجعتها في أحكام الدنيا والآخرة ؟
=فأجاب : مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وهم أيمة الأقاليم ، أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ، ومخالفة هؤلاء في المغرب من جنس طمع أشعب .
[لا يؤخذ بقول سعيد بن المسيب في المبتوتة]
*وسئل : هل يسوغ الأخذ بقول سعيد بن المسيب في المبتوتة وإحلالها بالعقد أم لا ؟ وهل المسألة من مسائل الأصول أو الفروع التي كل مجتهد فيها مصيب ، وإن فعلت هذا وقلدت سعيد بن المسيب ، هل علي اتباعه أم لا ؟
وأما مسألة العبد المنذور فالظاهر أنه كالنذر في الهدي، ويؤخذ فيه بأوائل
[357/4]
[358/4]
الأسماء، لأن حمل النذر على النذر أولى، لأنه من باب واحد، ويجري فيه الخلاف من الأخذ بالأوائل أو بالأواخر، كما اختلف إذا قال لله علي أن أصلي ركعتين هل يبر بالجلوس أم لا؟ وفيه أيضا أبحاث تطول هنا.
وأما الجواب عن مسألة ابن شاس أيضا في الرضاع فنظروه بأوجه كما إذا تزوجها ودخل وطلق ثم راجع مرة أخرى والأمر فيها سهل.
وأما مسألة اللخمي ففي المدونة فيها عدم الضمان، وقال ابن المواز بالضمان والقياس المذكور بسطه ما أشار إليه السائل، فمن الشيوخ من قبل ذلك، ومنهم من رده وهو الشيخ ابن عرفة رحمه الله، وحاصل اعتراضه يرجع إلى الفرق عند أهل الأصول، وهو وجود مانع في الفرع يمنع الإلحاق بالأصل، وهو هنا الاحتياط في الأبضاع والفروج. والجواب عن الثاني عنده يرجع إلى القدح في وجود العلة في الفرع، لأنه قال المسلط في الثوب ربه، وفي الزوجة غيرها غالبا، وما رد به السائل من القسم الثاني من وجهي المعارضة، وهو إبداء وصف يصلح أن يكون جزء علة، واختلفوا في قبوله، ومختار ابن الحاجب قبوله، وهو وارد على اللخمي لأن مذهبه انعكاس العلة وأنها متحدة، ولا يتأتي الجواب كأحد أقسام الجواب من المعارضة هنا، وهو الذي أشار إليه ابن الحاجب من عدم المعارضة في الفرع لأنه يتوهم هنا وجوده ولا يصح بوجه، فانظره.
على أن مقاصدهم كون الثمن ما يسوي المخزن.
قال رضي الله عنه لقد أوردتم في مسألة المخزن أبحاثا تليق بالمعروف من قبلكم حسنة حتى جاء هذا الإجماع المبارك فتعجبت من صدوره من مثلكم
[322/5]
أجبت قد بينا بما لا يستطاع مدافعته إطباق الخلق من موثق أو مستوثق فقيه أو عامي مؤمن أو كافر على ارتكاب هذه الطريقة في الوثائق، وبينا أن أهل العلم عالمون بذلك وبشهادة الشهود به، ولا منكر لذلك، وراجعوا أنفسكم فأنتم أحد أهل العلم والدين وافقتم على ذلك ولم تتكلموا قط بكلمة وتذكروا ما مضى لكم من كتب وثيقة أو استكمالها، وما مضى لكم من أحكام حكمتموها بين الخصوم في أثمان الدور ونحوها، فستجدون ذلك كله صادرا منكم على وفق ما قلناه، فإن كانت محاولته معيشة القضاء والشهادة قدرا صالحا من الزمان لا يفقدان يقع له هذا، وقد بينا ما ذكر الغزالي في مسألة الإرادة في غير موضع من تواثيقنا وأثبت أصلا يبنبني عليه الكفر والإيمان، ولست ترى بين الإجماعين فرقا فكيف لا تثبت به فرعا من الفروع، فهذا إجماع قد أظهرنا لكم بركته، فإن كان حديثكم في الطعن في عصمة هؤلاء المجمعين فلن تستطيعوه، فإن إجماع العلماء وحدهم محصن بالشريعة من هذا الطعن، وإن كان حديثكم في طريقه فستحدث عليه، قال رضي الله عنه وليته يتم لكم في عصر من الأعصار فكيف بعمومه من لدن حدثت المغارم على ما التزمتم؟ أجبت طريقة إثباته عندنا هو الطريق الذي أثبت به الغزالي الإجماع الذي نقلنا عنه، فإنه نقله عن الخلق كافة، ومعلوم أنه لا يستطيع الإحاطة بما عند جميع الخلق، وسننبهك على محاولة طريق في إثباته، فإن قيل إنما يعني الغزالي بالخلق طوائف العلماء، وإنما أراد انعقاد الإجماع على هذا الاعتقاد، وهو أن الحادثة تابعة للإرادة، قلنا لم يرد ذلك، فإنه إنما استدل بهذا الإجماع على المعتزلة ليثبت به هذا الاعتقاد، فلا يمكن أن يثبته عليهم بالإجماع وهم مخالفون، وإنما أراد وهو ( ... )
ومسألة الإقالة على هذا أحرى أن لا يلزم وارث المشتري، إذ ليس في ذلك إلا حق المتبايعين خاصة، فهي أضعف من مسألة الأمة، لأنه فيها أيضا إنما أوجب على نفسه الإقالة عتقها بعد أن يقبض منها المال. فكذلك فسر اللخمي مقصده حيث قال: إن بائعها جاز بيعه، يريد لأنه إنما قال: وهي قائمة بيده، فدليله إذ زالت اليد عن السلعة بأي وجه كان، فقد سقطت الإقالة واستحالت، قال: لأن ذلك معروف وهبة ممن خرجت عما علق
[402/6]
المعروف والهبة به بخروجها من اليد، فقد سقطت الهبة والمعروف. وبذلك علل ابن رشد في البيان لزومها للمشتري فقال: إنما لزمت المشتري بعد إتيان البائع بالثمن، لأن ذلك معروف أوجبه على نفسه. قال: والمعروف عند مالك لازم لموجبه على نفسه، يعني أن ذلك معروف مجهول، ولذلك قال اللخمي: إن ذلك المعروف يجري حكمه على حكم الهبة المجهولة، تلزم مع وجود شرطها على الوجه الذي أوجبه الموجب على نفسه.
فصل، فإن قيل: فهلا كانت لازمة لوارث المشتري بعد موته، كما يلزمه ما أوجبه موروثه على نفسه في حياته من العقود اللازمة؟ فالجواب عن ذلك: أن هذا إنما يلزم أن لو أوقع الإيجاب على نفسه في حياته، حتى يكون ذلك عقدا قد تم. وهذا لم يقع فيه الإيجاب بعد في حياته، إنما يقع عليه بعد وجود شرطه كما قدمناه. وهذا قد مات قبل وقوعه، فاستحال وقوع الإيجاب باستحالة وجود شرطه.
قال ابن عبد السلام وليس له عزله عن النظر إذ ليس بنائب عنه, وإنما هو حبس قبض بشرط نظر شخص معين فيوفى له به, فإن لم يقدم أحدا بعينه قدم القاضي ناظرا عليه, قيل فعلى هذا لا يصح عزله إلا بموجب عند القاضي فيقدم حينئذ غيره للأوقاف, وهذا رأي بعض المتأخرين, وكان ابن عرفة رحمه الله يقدم ويعزل حتى في مرضه ولعله رأى أن نظره طريق نظر القاضي, وأن هذا هو الحكم عنده, وأنه لا يفسد الحيازة.
وعليه مسألة الاستشارة, وقد نزلت بحبس الشيخ ابن عرفة رحمه الله, واعترض عليه بعض الجهلة بأن كون المقدم يشاوره في بعض الجزئيات أنه قدم في حبسه, وكان ذلك في مرضه الذي توفي فيه فأحضر عنده رسم التحبيس عند كماله بالحوز والصرف وأنه على يد غيره وحكم القاضي بذلك وأشهد على نفسه بإمضاء الحكم ونفوذه فيه, ولعله أخذ ذلك مما حكاه ابن الحاج قال: من أراد أن يخرج في الحبس من الاختلاف أثبته عند قاض يجيزه ويقضي به, لأن العراقيين يرون أن القاضي إذا حكم بالمختلف فيه مضى.
وأفتى ابن الحاج بأن لا تصح حيازة الملاك بالحبس إذا كانت ليست بمحدودة ولا موصوفة في عقد الحبس بغير شهود الأصل وهم قد بادوا كما ذكرناه, فلا سبيل إلى نفوذ الحكم بالتحبيس, وقاله ابن رشد قبل بينة الحيازة قد لا يأتي على الموضع المحبس, لأن الشهادة على المجهول من شرطه أن تكون على عينة كما حكاه ابن عرفة عن شيخه ابن عبد السلام أنه لا تجوز الشهادة على الخط إلا بحضوره لأنه مجهول, وقول الشهود ووقف على رسم كذا غير نافع.
[340/7] [مواجل المساجد يطبق في شأنها حكم العادة]
وسئل الشيخ أبو الحسن القاتبسي رحمه الله عن مواجل المساجد إذا عدم قصد المحبس كيف كان.
390/8]فلان وحده والماء المذكور لا يصل إليهم إلا على الطريق المذكورة الذي حكم بقطع الماء عنها وثبت أن فلانا أحدث جريه فيها أو أثبتوا أنه لم تزل جناتهم تسقى من ذلك الماء بأمد يقتضي قبل الحكم وبعده إلى الآن ودعوا إلى طلب المنافع في شهود العقد بالضرر والإحداث الذي حكم به الحاكم إذ لم يجر ذكر أعذار لواحد منهم سوى من حكم عليه. ولقد بينت على هذا الماء من طريق أخرى أرحى منذ سنين فنازعهم صاحبها في ما أثبتوه وقام بحيازته الماء لأرحائه وشهد له بذلك وحكم الحاكم من قطع الماء على طريقهم وطلب المدفع فيمن شهد لهم هل يجب وقف هذا الماء من الأرحى والجنات حتى يفصل فيه الحكم وتنقضي الآجال وتعادله إلى طريق آخر؟ أم حكم الحاكم المتقدم على بعضهم يمنع من ذلك حتى يثبت لهم أمر لا مدفع فيه؟
فأجاب عليه: تصفحت السؤال ووقفت عليه ولا يرد حكم الحاكم بما شهد به لأصحاب الجنات من أنه لم يزالوا يقون من ذلك الماء منذ كذا لأمد يقتضي قبل الحكم وبعده إلى الآن فلا سبيل لهم إلى السقي به إلا أن يثبتوا أن ذلك ليس بضرر على الطريق ببينة هي أعدل من التي قضى بها الحاكم أو يجرحوا شهود العقد الذي ثبت به الضرر عند الحاكم أو يقدروا على رفع ذلك الضرر عن الطريق بتحصين مجرى الماء فيه تحصينا يعلم انقطاع الضرر عليه به فيكونوا حينئذ أحق بالماء لسقي جناتهم زمن حاجتهم إلى سقيها وإن كانت محدثة بعد الأرحى ولا يجب توقيف الماء في مدة الخصام إلى انقضاء الأجل كما يجب توقيف الشيء المدعى فيه إذ ليس بملك وإنما هو غيث ساقه الله إلى الناس وصرفه بينهم. ووجه الحكم في ذلك أن يكون كل واحد من أصحاب الأرحى وأصحاب الجنات أحق بالماء في مدة الإعذار إلى أصحابهم ولا يوقف الماء عنهم جميعا وإنما ينتقل من بعضهم إلى بعض بحسب انتقال الإعذار من بعضهم إلى بعض فيما يثبته بعضهم على بعض وبالله التوفيق.
ش: أما ما أشار إليه المعترض من النكتة العظمى التي أغفلناها فبناها على أن دلالة الظاهر مسلوبة عن اللفظ في صورة النزاع، كما هي مسلوبة عن اللفظ في المسائل التي ذكروا، والمسائل المذكورة قسمان: الأول مسائل الإيداعات، والاسترعاءات، والثاني مسألة الكناية الخفية مثل اسقني الماء وحياك الله، أما القسم الأول فيمنع أولا حكم الأصل ونقول بأن دلالة ظاهرها على مدلولاتها اللغوية باقية، وإنما عمل الإيداع والاسترعاء في سلب الرضا، بحكمها فقط، والذي يدل على ذلك أن أقوى الأسباب الموجبة لعدم اللزوم في هذا الباب الإكراه المحقق، ثم هو لا يسلب الدلالة وإنما يسلب الرضا فقط، فإن كان الحكم مما يتوقف على الرضا لم يلزم، وإن لم يتوقف لزم، وإن لم يرض فالكافر الحر إذا أكره على الإسلام، والمرتد أيضا لزمهما الإسلام بنطقهما بالشهادتين، لأن لزوم الإسلام لا يتوقف على رضاهما، وأما المسلم إذا أكره في دار الحرب على الكفر والذمي في دار الإسلام إذا أكره على الإسلام لم يلزمهما ذلك، فلذلك نقول في الأسير المكره لا تبان منه زوجته ولا يفوت عليه ماله، وصورة الإكراه في المسألتين واحدة وإن اختلف المكره عليه بل قد اتحد المكره عليه في الحربي والذمي يكرهان على الإسلام، لكن أحد الإكراهين سائغ شرعا، فلذلك لزم حكمه وإن لم يرض والآخر ليس بسائغ فلذلك لم يلزمه حكمه فلو كانت صورة الإكراه تسلب الدلالة لم يلزم الحربي الإسلام بالإكراه لأنه يصير كالناطق بالألفاظ المهملة فلما لزم دل على أن عمل الإكراه في سلب اللزوم من جهة سلب الرضا بالمدلول لا من جهة سلب الدلالة ثم لو سألنا سلب الدلالة، فالفرع وهو صورة النزاع ليس في معنى المسائل المذكورة، ويتبين ذلك بهذا الذي نذكره بحمد الله، فنقول:
[
فأجاب : اختلاف قوله يوجب عليه الضمان ، فهو ضامن .
[من باع دارا ببلد ، وقبض بعض الثمن ، ووكل على قبض الباقى]
وسئل أبو محمد البرجيني عمن باع دارا له ببلد ، وقبض بعض الثمن ، ووكل على قبض الباقي وسافر لبلده ، وتوفي البائع بعد سنين ، وطلب ورثته [329/10] بقية الثمن ، فادعى وصوله ، وأنه لا يلزمه الجواب عن هذه الدعوى ، فهل يلزم البيان في الوصول ؟ أو هل يتعلق به يمين أم لا ؟ .
فأجاب : الوكيل مأمون على قبض ما وكل على قبضه ، ما لم يظهر غير ذلك ، فإن ادعى القبض والبعث قبل قوله وصدق إن طال أمده لا سيما ان كان ظاهر الأمانة .
وأجاب ابن البرا : لا يمين على الوكيل إذا طال إلا أن يعلم عدم الوصول فيلزم أو يدعي خلاف العادة فيحلف وينظر في الغالب فإن اتصلت الطرق بينهما والبائع قريب الموضع ، أو علم من حاله الحرص على حفظ ماله وصونه وتنميته وطال ذلك سنين فلا يمين ، وإن تعذرت الطرق وليس للموكل حرص على ما ذكر فيمين الوكيل لامة لأن عادة قابلت عادة ، فتساقطتا فبقي مدعى عليه ومدع فتتوجه اليمين وترد إن شاء طالبها .
وأجاب البرقي عن شبيهتها : يصدق الوكيل مع طول الأمد لأنه مؤتمن كالمودع يدعي الرد .
[صاحب حبس حوسب فشط دخله على خرجه]
328/11] قلت: وحي الكتاب، لما كان القصد منه النذارة والبشارة، وبيان الأحكام، ناسب ما يناسب ذلك من الأخبار، بأن الأعمال من العباد والأقوال، قد أحصاها الله تعالى، ولذلك ذكرت الجملة مؤكذة مستأنفة لأن فيها نوعا من التعليل، لأن في قوة ذلك جملة مقدرة وهي: اعملوا وأخلصوا لأن الله مطلع عليكم كما قال قوله: ﴿فسيرى الله عملكم ورسوله﴾ الآية.
فإن قلت: فهلا قيل إن الله بعبيده لأن العبيد أعم والعباد أخص؟
قلت: سر العدول إشارة إلى أن المراد بقوله: ﴿إن الله بعباده﴾ الإشارة إلى ما ادخره لهم، لأنه ذكر قبل ما يقتضي ذلك في قوله ﴿ليوفيهم أجورهم﴾ الآية. فما قبل الآية وما بعدها يرجح أن المراد أخص عباده أهل النظرة في الحضرة وذكر هاتين الصفتين إشارة إلى ذلك، وعبر بالخبير قبل البصير، لأنه أعم من بصير باعتبار تعلقه، لأن البصر إنما يتعلق بالموجود من المبصرات، بخلاف العلم الأعم، فإنه يتعلق بالمعقول، وهو أعم من الموجود والمعدوم المستحيل، فوقع التغاير بين ذكر الصفتين المذكورتين. وفي ذلك أبحاث تخرج عن المقصود.