301/1] علم أن أبا حنيفة رضي الله عنه إمام من أعلام أيمة المسلمين المقتدى بهم في العلم والدين, فلا يصح أن يضاف إليه هذا القول, لأن ذلك يؤدي إلى خرق اجماع المسلمين, وإلى أن أبا حنيفة من أهل الاعتزال, وكلا الوجهين ممنوع. وما حكي عنه في ذلك فعنه جوابان:
أحدهما: أن نقول لا نسلم صحة النقل, ومساق النووي له يشعر بالتبري من النقل وأنه لا يصح عنده لقوله وحكى عن أبي حنيفة, ولم يقل وقال أبو حنيفة. والظاهر بطلان هذا النقل لأوجه: أحدهما لزوم ما تقدم من خرق الاجماع أو ارتكابه الاعتزال, والثاني أنه قد علم من مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن من ترك صلاة الفريضة عمدا غير كافر ولا يجب عليه قتل وإنما يضرب ضربا زاجرا. فإذا كان لا يكفره بترك الفريضة التي هي ثانية دعائم الاسلام, فكيف يكفره بصلاة ركعتين على غير وضوء. والثالث أن كثيرا ممن اتبعه في الفقهيات على مذهب المعتزلة في الاعتقادات, فقد يكون هذا الحاكي عنه معتزليا ويكذب فيما ينقل عنه ليقوي به مذهب الاعتزال أو يلبس بذلك على الضعفاء ليقتدوا بصحته فيميلوا إليه, أو يكون فاسقا ممن يريد التلبيس على المسلمين. وكثيرا ما وقع مثل هذا في الكتب, فقد وقع في كتاب الأغاني للأصبهاني من النسبة لإمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه ما لا يليق بمنصبه وإمامته ويعلم كذبه قطعا. وكذلك وقع في كتاب المعارف لابن قتيبة وصف أبي حنيفة وسفيان الثوري وغيرهما من الأيمة رضي الله عنهم بما هم منزهون عنه ومبرؤون منه مما اختلقه الفساق المستخفون بالدين الطاعنون في أيمة المسلمين. ومثل هذا في الكتب كثير
وأجاب سعيد بن أحمد بن عبد ربه: قرأت ما ذكرته في كتابك. وأدب مثله وحبسه واجب وليس يبلغ به المبلغ الذي ذكره أبو الحسن حفظه الله، فإني سمعت محمد بن عمر بن لبابة رحمه الله يحكي أن بعض الحكام شاوره في رجل شهد عليه بالشر والتخليق والفساد وضروب الريب والإعلان بها، وشاور أصحابه في قدر أدبه، فقال خالد بن وهب أري أن يضرب أربعمائة سوط. قال ابن لبابة فالتفت إليه فقلت له: لقد قف شعري مما ذكرت. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:﴿ إن الله غضب غضبا فحد حدا فلا تغضبوا فوق غضب الله فتخدوا فوق حدوده﴾. وإن الله تبارك وتعالى يقول:﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾، فمن أين قلت أنت مجازفة أربعمائة سوط؟ ثم حاددت أنا وغيري من أصحابي دون المائة وأخذ لذلك الحكم. هذا الذي أختاره وأقول به، والله اسأله التوفيق.
وسئلوا أيضا: عن نصراني شهد عليه أنه من أهل الشر والفساد وأنه ريء مع امرأة مسلمة وهي سائرة معه، ثم ذهبت المرأة ولم توجد ولم تعرف حيث هي، وقال أخوها إن سعيد العجمي قد أخرجها وثبتت الوثيقة عليه.
وشهد لسعيد بأنه من أهل العافية والاستقامة وحسن المعاملة والمعاشرة
[346/2]
[347/2]
للمسلمين لا يعرفونه مختلطا لأهل الشر ولا ملتبسا بهم، وقد حبسه القاضي منذ خمسمائة عشر يوما.
فأجاب ابن حارث: أرى أن يكشف الشاهدان اللذان شهدا في الويثقة في قول أحدهما إن النصراني خرج بالجارية وقول الآخر إنه خلق الجارية فيسأل كل واحد منهما عن تفسير قوله هذا إن كان شاهد ذلك أو أخبره من يوثق به، أو إنما كان ذلك على ما استفاض به القول دور مباشرة حقيقة، أو رأي من كلامه ذلك أو من شواهده ما رأى، فإن مثل هذه الأمور العظيمة الغليظة لا يقبل فيها إبهام الشهادة، فعلى حسب ما يفسران توجه حكمك.
=فأجاب : بأن قال أمد الزوجية بين الزوجين مجهول لا يدرى متى يقع الطلاق أو الموت ، فإذا كان مجهولا وقارن العقد والصداق المبذول ببعضه عوضا عن الاسكان ؛ لأن السكنى من الأعواض المالية وهي أكد في كونها عوضا ماليا من الفرج ، إذا كانت من الأعواض المالية فمحال أن لا يجعل لها حصة من الصداق ، كما أن من المحال أن يشتري رجل سلعتين فلا يجعل لأحدهما عوضا من الثمن ، وإذا ثبت أن ذلك مما يعوض عليه الزوج وهو مجهول ، فسد العقد به وكان عقد النكاح به فاسدا ، فيجب فسخه قبل الدخول على المشهور المعروف من المذهب ، فإن دخل ففي فسخه اختلاف مشهور ، والعقود الفاسدة من المنكر الذي يجب أن يغير ، وتغيير المنكر من أهم أمور الشرع ، وقد خطب النبي (صلعم) في حديث بريرة حرصا على المبالغة في تغيير الشروط الفاسدة وإبانة أحكامها ، وهذا مما يجب تغييره وإنكاره وإن عثر على نكاح تحقق انعقاده على هذا الشرط ، فيقضى بفسخه حسبما رتبناه ، وإن كان اشتراط هذا بعد العقد تدليسا وتلبيسا ، وإنما يكتبه الكاتب تحرزا من أن يوقف من خطوطهم على عقد لا يجوز ، فإنهم يمنعون من كتب هذا ويحذرون منه ، وإن علم أن هذا هو الغالب في عقود البلد المشترط فيها هذا الشرط ، وأن الاسكان لا يقع بعد العقد على حال ، وإن وقع فإنما يقع نادرا من أمد لا يميزون ولا يضبطون ، فلا يمكن منع هذا الشرط الفاسد إلا بحسم المادة ومنع الجميع ، من ذلك ، وقد قال أهل الأصول كل ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب مثله .
والخنزير قد يملك شعره وينتفع به ويصح بيعه لأنه طاهر لعدم حلول الحياة به على المشهور، وقد قال سحنون وابن عبد الحكم بطهارة جلده إذا دبغ فناسب هذا أن يكون الطلاق بائنا، والله أعلم وبه التوفيق.
[الخلع بعبد غير موصوف]
3-ومنها: قولكم في رد الشيخ ابن عرفة وشيخه ابن عبد السلام على ابن شاس وتابعه في قولهما في مسألة الخلع بعبد غير موصوف ويلزم مسمى عبد سليم، فإن مقتضى قول المدونة في الثوب غير الموصوف الوسط، ولا فرق بينهما، أن الرد بالقياس مع وجود نص المدونة في الخلع بالعبد الغير، الموصوف يلزم بالوسط، لقولها وكذلك الخلع قصور صحيح. أن لم يساعدكم نص المدونة فهي محتملة لأن يرجع قوله وكذلك الخلع لما يليه وهو العوض والدنانير التي لم يضربا لها أجلا، أو يرجع إلى الجميع، فليس فيها إذن نص صحيح يرد به على ابن شاس وتابعه، فلعل الشيخ ابن عبد السلام وابن عرفة عدلا عن الرد بها إلى ما وقع ردهما به لاحتماله، والله أعلم وبه التوفيق.
[ونذر هدي ما لا يصح هديه]
4-ومنها: قولكم ما الفرق بين ما إذا نذر هدي عبد أو ثوب يلزمه قيمة عبد وسط يشتري بها هديا، وبين الكفارة؟ والهدي يكفي فيه ما صدق عليه الاسم، وفي كليهما الحق لغير معين، وأن تفريق من فرق بينهما بالإلزام والالتزام.
فالجواب فيها، والله أعلم، أن مسألة العتبية وهي الأولى لما نذر فيها هدي ما لا يصح هديه ووجب الانتقال منها إلى ما يصح أن يهدي وفاء بالنذر وجب الرجوع فيها إلى الوسط من قيمة ما عينه في نذره معدلة بينة وبين
[353/4]
[354/4]
مسلم أنه لم يتمكن من البضع إلا بدفع ذلك الحباء، وأن ذلك الحباء قد خرج عن ملكه، وإن ما بقي النزاع فيه بين الزوجة ووليها، وبالجملة الكلام في مسألة النزاع إنما هو مع المبتاع هل أخرج هذا الدرهم عن ملكه أم لا؟ أما مسألة الحباء فالزوج مقر أنه أخرج الحباء عن ملكه، وأنه لم يتصل بالبضع إلا به، وإنما وقع النزاع بين الولي والزوجة، وشتان ما بين المسألتين، ولو سلم المبتاع في مسألة النزاع إن هذا الدرهم خرج عن ملكه وإنه لم يتصل بالسلعة إلا بخروجه عن ملكه كما سلم الزوج في الحباء لما توقف أحد في أن الدرهم من جملة الثمن، انتهى كلامي، ولم يجب رضي الله عنه عن حديثنا على مسألة الحباء بحرف مع أن مسألة الحباء هذه هي التي اعتمدها في فتياه وصرح بها في الفتيا وقاس عليها مسألة الدرهم، وكذلك قاس على مسائل أخرى كلها من معنى مسألة الحباء، ورأينا الجواب عن مسألة الحباء كاف في الجواب عن جميعها، وإنما لم يجب عما بحثناه في مسألة الحباء لأنه كان قاس عليها مسألة الدرهم فجعله ملكا للبائع كما هو في الحباء ملك الزوجة، فلما تبدل الآن عن ذلك الاجتهاد ورجع عن تلك الفتيا رأى والله أعلم أن هذه الإيرادات التي أورناها على القياس لا محيد عنها فتغافل عن جميعها، قلت وأما مسألة المخزن في البيع فجوابها من وجوه: أحدها لا نسلم أنه من جملة الثمن، ومن الذي يقول ذلك، فإن كان قائله ممن يجب اتباعه لزم قصر الحكم على المسألة ومنع القياس عليها لما سنبين من خروج ظاهرها عن صريح الفقه، وإن كان على غير ذلك لم يحتج بقوله، وأما الدليل على إشكال هذه المقالة فيلزم عليها أن من اشترى اشترى سلعة بعشرة دنانير وعليها من المغرم والمخزني ديناران يدفعهما المبتاع يلزم أن يرجع عليه البائع بذينك الدينارين لأنكم قلتم من جملة الثمن فلا يبرأ منهما دافعهما إلى المخزن لأنهما دين على المبتاع والدين يتعلق بالذمة، والغصب يتعلق بعين الشيء
وقال أصبغ: بيعه في المؤجلة فيها في داخل الأجل غير جائز. قال اللخمي: ولم يقل إنه مردود. قال: وأرى أن البيع ماض، لأنه لم يحجر عليه، لأن ذلك هبة ومعروف، فإذا خرجت الإقالة عما علق المعروف به، والهبة بخروجها من اليد سقط المعروف والهبة. وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى: إنما جاز البيع قبل أن يأتي البائع بالثمن، لأن المشتري ينطلق على التصرف، ولا يمنعه ما عقد فيها من الإقالة أن يتصرف في سلعته بأنواع التصرفات. فهذا كله دليل على أنها باقية على ملكه، ما لم يأت البائع بالثمن، له غلتها ومنه ضمانها. ثم سأل السائل هل ترى أن ذلك يلزم ورثة المشتري إذا مات قبل أن يأتي البائع الثمن أم لا؟
والجواب أنه لم يوجد في هذا نص بعينه عل التصريح إلا ما يظهر من أجوبتهم في المدونة وكلام الشارحين عليها. فإن قيل: فقد قال مالك في المدونة: والخيار يورث عن الميت ويكون لورثته ما كان له فيه، فقد جعل مالك الذي حلف لأقضينك حقك إلى أجل كذا إلا أن يشاء أو تؤخرني فقد جعل مالك تأخير الورثة بيد الغريم. وقد كان الشيخ أبو محمد صالح رحمه الله يقول: يؤخذ من قول مالك هذا: أن الخيار في الإقالة يورث.
والجواب أن ذلك كان يقوله في مجلس تدريسه كلما مر به، وقد سمعته منه غير مرة إلا أنه يطلق هكذا على حسب ما أطلقه مالك. ولم أسمع منه ولا بلغني عنه أنه أفتى في ذلك أن ذلك لازم لورثة المشتري بعد موت موروثهم. وإذا لم يكن مجرد الإطلاق أن الخيار يورث عن الميت فهو جواب صحيح مسلم لا مدخل فيه.
وقد وقفت في مسائل ابن أبي حاج الإشبيلي رحمه الله وقد سأل عنها
[398/6]
333/7] انضمت إليها زيادة خدمة فتسوغ, لكن عقد هؤلاء إن كان بحضرة سلطان وفعلوا ما يفعل مضى فيرجع إليه ما يأتي, وإن كان لا سلطان أو كان لكن يعسر تناوله, أو يهمل الأحكام, او يجور فلا يرفع إليه, ويعقدون لأنفسهم, فإذا صح هذا صح أخذ الإجارة على ما تقدم لكن في هذه الإجارة ان الأرض غير مأمونة ومنافعه مقبوضة فهو نقد في كراء أرض مامونة فلا يصح, قيل له لا تجري على معنى الكراء وهو كراء المير, ألا ترى أنه تحتاج إلى أجل, قال لأن المعنى كل شهر أو كل سنة يعمل فله سكناها. وإن كانت دار الأمير على معنى الارتزاق فانظر هل بينهما فرق أم لا؟.
[من افتك من الأسر ليس له الخذ من أحباس الأسارى]
وسئل بعض الشيوخ عمن افتكه المسلمون من الأسارى وخرج من غير رهن ولا حميل, هل يستحق الأخذ من أحباس الأسارى أم لا؟.
فاجاب بانه ليس بأسير وإنما هو مديان لا يستحق الأخذ من أحباس الأسارى والله تعالى أعلم.
[العبرة في الوصية يوم الموت لا يوم المرجع.]
وسئل ابن عرفة رحمه الله عمن أوصت بثلث مالها لعقب ولدها, فإن لم يعقب رجع لاخوة لها, ثم إنها توفيت وتوفي أحد الأخوة بعدها, ثم توفي الولد ولم يعقب, فهل يكون ثلث الوصية لورثة الأم أم لا؟.
فأجاب حظ الأخ الميت من ذلك لورثته لا لورثة الموصية, انتهى.
قيل وبنحوه أفتى الغبريني في هذه المسألة فجعل الحكم فيها يوم الموت لا يوم المرجع.
وسئل أيضا عن حائط محبس على رجلين أراد قسمته قسمة الاغتلال هل يجوز أم لا؟.
فأجاب يجوز قسمة الحبس للإغتلال ولا غير ذلك.
[334/7] [تحبيس أرباب الظهير في إفريقيا هو إعطاء منفعة لا إعطاء رقبة]
وسئل أيضا عن تحبيس أرباب الظهير هل هو جائز أم لا؟.
فأجاب عن ذلك بما نصه: الجواب والله الموفق للصواب ينبني على مقدمة أن تكون الأدوية إذا جرى فيها الماء فهو كالماء الجاري في الفلوات فالأصل أن لا حق فيه لأحد دون أحد إلا أن يثبت لأحد فيه ملك صحيح بابتياع أو ميراث أو غير ذلك مما يثبت الأملاك فإذا حازه أحد بأن يعتمر عليه من غير أن يملكه فهو أحق بما يحتاج إليه منه فإن اعتمر عليه جماعة وتشاحوا في الماء سقى الأعلى فالأعلى على ما جرت السنة وإن ملكه فلا يستحق أحد فيه شيئا إلا أن يفضل عن حاجته شيء ليحتاج إليه من قرب منه فإنه يستحقه من غير ثمن إن لم يوجد له ثمنه باتفاق، وحكاه ابن رشد وباختلاف إن وجد له ثمن هذا أصل وأصل ثان وهو أن مياه الفلوات وفي معناه وقد ترد الماشية مياه غير أهلها فيريد أهل الماشية أن يستحقوا ذلك بورودهم ماشيتهم عليها ورعيها فيها فلا يكون لهم ذلك فإذا مجرد الانتفاع بالماء غير المملوك الأصل مدة الحيازة أو أقل أو أكثر لا يكون سببا في التملك وأصل ثالث وهو أن من استخرج في أرضه المملوكة له ماء أو نبع له فيها من غير اكتساب فهو له ملك لأنه حادث في ملكه فيكون حكمه ما تقدم فإن حدث ذلك في بطن واد فحكمه حكم
[384/8]
[385/8]مياه الأودية هذا مقتضى المذهب عندي فإذا ثبتت هذه الأصول سهل إن شاء الله المخرج من النازلة.
وسئل ابن رشد عن قوم ابتاعوا ملكا من مالك واحد في وقت واحد والملك على نهر قريب منبعه ثم اقتسموا الملك على قدر أشربتهم فصار بعض المتبايعين فوق بعض في حصة كل واحد منهم ثمان أرحى وقد نصب بعض ماء النهر وليس يفوت الكل أتراهم يقتسمون الماء على قدر حصصهم إذ رب الملك واحد؟ أم يكون حكم السقي وغيره للأعلى؟ بين لنا ذلك.
فأجاب بأن قال الأعلى فالأعلى أحق بالتبدية في السقي إذا لم تكن قسمتهم على أن يكون السقي بينهم على حصصهم وبالله التوفيق.
[أجوبة القاضي عياض عن عشرة أسئلة تتعلق بالمياه]
342/9] على الثلث بطل كهبة مات واهبها قبل أن تقبض قال وعند أشهب أن ذلك ماض للموصى له وإن مات المجيز، قال التونسي والصواب أنها كالهبة من الابن تبطل بموته إذا لم تحز، قال: وكلام أشهب ضعيف، لأن إيصاء الميت بأكثر من الثلث إذا مات صار ما فعل في الزائد على ثلثه كالواهب مال الوارث وهو في يد الواهب، فإذا أجاز ذلك صار كأنه الواهب، قال: إلا أن يفرق أشهب بين هبة وإجازته فإن الموصى به في حين الإيصاء كان الثلثان على ملك الموصى حتى يرد ذلك الوارث بعد موت الموصى، فإذا أجاز ذلك فكأنه أمضى ما فعل، ولم يستقر للوارث على الزائد ملك لإجازته، قال وفي هذا بعد، وهذا كلام التونسي، ووجه اللخمي قول ابن القاسم بأن الزيادة على الثلث ملك للوارث، ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم للميت من تركته إلا الثلث، وإذا كان كذلك كانت الزيادة عطية، فأنت ترى اختيار هذين الشيخين وأيضا فقد قال أشهب بقول ابن القاسم في المجموعة عن ابن القاسم وأشهب في مسألة المدونة وهي: إذا أجاز الوارث وعليه دين محيط بماله لا تمضى إجازته، قال أشهب لأنه هبة للثلثين وتحقيقه ما قدمناه من أن أصل القياس فلا حق للموصى في الزائد، فبقي حق الوارث فيه خالصا، ولذلك قال عليه السلام: ((إن الله أعطاكم ثلث أموالكم بعد وفاتكم زيادة على أعمالكم)) وإذا كان الزائد على الثلث ملكا للوارث على الخلوص حين الموت كانت إجازته ابتداء عطية وهو الذي بسطناه، وهو الذي أشار إليه اللخمي والتونسي، وأما قول المعترض في الرد على هذا الذي جعله بزعمه قياسا والتزمنا تسليمه بقوله فنحن نجيب عنه بوجهين إلى آخره.
وسئل أبو سعيد ابن لب عن رجل مات وأحاط الدين بماله ، وكانت زوجته قد أمتعته في أملاكها ، ثم باعها وقبض ثمنها بحكم توكيلها إياه على ذلك وصار الثمن بيده بالبينة ولا تعلم براءته منه ، وذلك منذ عشرة أعوام ، فقامت الآن الزوجة تطلب ذلك من تركته فهل لها ذلك ، إذ عادة النساء [324/10] الصبر على أزواجهن في مثل هذا مع ما انضم إلى ذلك من إمتاعها إياه في تلك الأملاك ، وقد كان أيضا عند بيعه لما ذكر اشترى قطعة من الأرض وشهد من يعرف حاله أنه ما اشتراها إلا من ثمن المبيع المذكور ، وأشهد في مرضه الذي مات منه أنه ما اشتراه إلا من مال زوجته ولها وهو في ذلك نائب عنها ، وأشهد بذلك أيضا شاهدا واحدا في صحته فهل تختص به الزوجة دون الغرماء أم لا ؟ .
فأجاب بأن الثمن الذي قبضه الزوج لزوجته بالبينة لازم لتركته بعد وفاته إذا لم يقم موجب ببراءته منه لكن بعد يمين القضاء من الزوجة وإشهاده بالشراء لها من مالها نافذ صحيح لأن المريض إذا وجه لما يقربه في مرضه وجها يعرف إذا كان الإقرار لوارث مضى الإقرار ونفذ لارتفاع تهمة التوليج بما عرف من ذلك الوجه ، وها هنا قد توجه لذلك وجه لقيام الشهادة بما باع عليها وقبضه من الثمن لها بإشهاده للشاهد الواحد في الصحة ، والله الموفق .
[للموكل نقض البيع إذا دلس عليه وكيله]
وسئل المازري عمن وكل على شراء علق من أعلاق رجل معين بخصوصية فيها ففعل ثم تبين أن ذلك العلق لآخر أدخله في أعلاق هذا الرجل هل هو عيب أم لا ؟ .
فأجاب : إذا ثبت هذا فللموكل القيام بنقض البيع وينقض .
[الوكيل يكون بينه وبين الخصم عداوة]
الأول أنه يلزم تعميم اللفظ في الحقيقة والمجاز وهو مجاز، والأصل عدمه.
[322/11] الثاني إنهم لم يقولوا أينا لم يتشبه بل لم يظلم، والأصل الحقيقة.
الثالث تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك على ظاهره ولم ينكر الظاهر في الإطلاق، والأصل الحقيقة، ولو كان مجازا لبين لهم ذلك. وما ذكره الشيخ المذكور في ترجيح المجاز ذكر مثله أرباب الأصول. وما أورد على ذلك أشار إليه الفخر، وما أورد على الإيراد فليبحث. والجواب الحق عن ذلك الإيراد أن ذلك إذا كان تجويزا أو احتمالا ضعيفا من غير استناد إلى ما يرجع في أمر ثبت فيه الاشتراك بالوضع في حقائق خارجية، كالعين مثلا، وأما إن ذكر في ذلك ما يرجح الدعوى من الاستعمال أو قرائن في قدر مشترك، فيرجح بذلك بلا ريب. وقد وقع للشيخ الإمام الشيخ ابن عرفة شيخ شيوخنا أسكنه الله دار السلام في كتاب الإيمان وفي كتاب العدة من مختصره لما تكلم على الحقائق الشرعية، ما وقع للأشياخ البحث فيه وأشرنا إليه في شرح الحدود وذكرنا فيه ما يبحث به هنا، وما ذكرناه هو الذي اعتمد عليه، فإن المؤمن يقال له عاص إذا عصى حقيقة، وإذا ظلم نفسه حقيقة وما رجح به المجاز من التقييد قد وقع التقييد به في الكفر في آيات مثل قوله: ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾(¬1). وهي في أهل الكفر بإجماع. فتأمله. وما ذكره الشيخ المذكور في علاقة المجاز وقرينته، لا بد من التأمل فيه في محل شروط العلاقة وذلك قريب.
فإن قلت: إذا تحققت أن الوضع يقع للماهية المطلقة، فحيث أطلق الظلم على ظلم النفس الشخصية، هل يكون مجازا؟ لأن ذلك من إطلاق الأعم وإرادة الأخص.