وقد يقال إن الشبه بين المسألتين أخص من هذا, لكن إن كان الحدث الذي سأل عنه السائل حدث البول ونحوه, لأنه حينئذ يكون استعمال الماء سببا في حصول النجاسة, واستعمال التراب يومن معه ذلك. وقد قدموا استعمال التراب للسلامة من النجاسة في مسألة الخف, فليقدم ها هنا للسلامة من ذلك. وعلى هذا المسلك كان يسلك شيخنا العلامة المحقق ولي الله تعالى إبراهيم بن إسحاق المصمودي رحمه الله تعالى ورضي عنه, وقد مرض مرضا فرأى أن استعمال الماء معه يؤدي إلى انتشار النجاسة عن محلها المعتبرة هي فيه إلى غير ذلك, فكان يتيمم ويترك الوضوء محتجا بمسألة الخف. وكان بعض أصحابه ينازعه في ذلك, فلما طال تنازعهما بعث إلي وفاوضني في المسألة فحصل الاتفاق على الوضوء. والذي اختاره في مسألة
[36/1] اللخمي الجمع بين الوضوء والتيمم, لأن حالة السائل المذكور, وإن كان الراجح معها التيمم كما قدمنا, إلا أن ما ذكرتموه فيها من البحث وشبهه يوجب شكا, هل هو من أصحاب السلس الذين يسقط في حقهم الوضوء أم لا؟ فعلى تقدير سقوطه لا يحتاج إلى بدله وهو التيمم, وعلى تقدير عدمه يحتاج. وأيضا هل يصدق عليه أنه متيمم مع وجود الماء إن قلنا بعدم سقوط الوضوء؟ أو لا يقال ذلك لعد قدرته على استعماله؟ فهذا شك آخر.
فحاصل أمر هذا أننا شككنا هل هو مأمور بالوضوء أو بالتيمم, والمعهود في مثله على خلاف الجمع بين الماء والتيمم, كواجد ماء قليل حلته نجاسة ولم تغيره, وواجد الماء المشكوك في طهارته, وكأحد الأقوال فيما إذا كان يتضرر بمس الجبيرة إذا مسح عليها, وهي في غير أعضاء التيمم, فهذا السائل لو أمر بالجمع بين الطهارتين لاستقام أمره على كل تقدير والله أعلم.
صام أربعه عن ظهار ين ثم ذكر انه نسى منها يومين مجتمعين لا يدرى
موضعهما انه يصوم يومين يصلهما ويقضى شهرين . ومن ذلك قوله فيمن كان فى
التشهد فشك في محل سجده انه يسجد ويأتي بركعة , وكذلك ما يناسب
الاتيان بركعة من فروع هذه المسالة , ولا يبعد ان يكون من هدا قوله فيمن
صام يوما قضاء عن مثله في رمضان , ثم ذكر في أثنائه انه كان قضاه أنه لا
يتمه . كما لا يبعد ان يكون من جنس هذا الأصل ترتيب أحكام النكاح
الصحيح على الفاسد التي لا ملك فيما العقده فيه للبائع , والجامع لهذا المعنى إعطاء
الفاسد حكم الصحيح . وقد يستدل لهذا الحكم بقوله تعالى ولا تبطلوا
أعمالكم . والمراد ترتيب ما يختص بكل عمل عليه , وهذا عمل يترتب عليه
منع البيع فلا يبطل .
معنى الشرعي يشمل ما هو صحيح وفاسد
لا يقال : الأعمال الشرعية : والفاسد ليس بشرعي
لأنا نقول لا نسلم ان معنى الشرعي الصحيح خاصة . بل ينطلق
شرعا على الصحيح والفاسد على المختار في ذلك , خرج من الايه ما دل
[40/2]
[41/2]
الدليل الشرعي على أبطاله , فيبقى ما لا يدل على ذلك فيه منهيأ عن
أبطاله . وأما دليله من الحديث الكريم فمن قوله صلى الله عليه وسلم خير
نسيكتك من وجوه .
الأول تسميتها نسيكه , والأصل في الاطلاق الحقيقة
, فيجب الحمل
عليه عملا بالدليل السالم عن المعارض ودعواه .
قولكم في جمع أحاديث الباب يجب العمل على المجاز , لقوله صلى الله
عليه وسلم " ليس من النسك في شئ "لما في هذا التركيب من المبالغة في نفى
النسيكه عنها على ما لا يخفى . قلنا :سيأتي جوابه .
الثاني أنه صلى الله عليه وسلم سوى بين الأولى والثانية في أضافتها إلى
المخاطب بوصف النسيكه , فوجب اعطاء الأولى حكم الثانية في منع البيع إذ
هو من لوازم النسك . هذا والاشتراك في الملزوميه يوجب الاشتراك في اللازميه
ويؤيد انه لو لم يقصد ترتب أحكام النسيكه على الأولى لقال خير شاتك أو
ذبيحتك ونحوه .
قال صاحب الوثائق المجموعة وغيره : "إن تمادي الزوج على وطئها بعد معرفته بذلك فلا قيام له ، وقيل : إذا أقر الزوج بوطئها وهي سفيهة أو صغيرة ، وأنكرت هي الوطء فإن الصداق كله لها ، بخلاف أن يتقاررا أنه لم يطأها ، فإن هذا قد ينفعه ويبقى في القضية النظر في تلك العصمة ، هل انفصلت بطلاق أم لا ؟ والذي يظهر ببادئ الرأي وعامل الحال ، إن كاتب وثيقة التفاصل ظن بجهله ورعونته ، إن ذلك العيب ليوجب رد الزوجة على أهلها بغير طلاق ؛ لأنه كتب بعد ذكر التفاصل : وانفصلت الزوجية بسبب العيب المذكور على السنة كلها في ذلك ، وليته لم يذكر السنة ، وكيف تكون الجهالة والضلالة سنة في الدين ، هذا تهاون عظيم ، ولا مقال للزوج مع الأم بسبب التزامها ومفاصلتها ؛ لأنها مضطرة بما ظهر من القاضي من أحكام الجور وتركيب الجهل ، فطنت بجهلها أن ذلك حق وعدل ، فصارت مغرورة بحكم القاضي ، والواجب في شأن انفصال تلك العصمة أن يستفصل شهود التفاصل والانفصال ، فإن كانوا قد فهموا من الزوج الطلاق وأدوا على ذلك فهو كذلك ، وإن فهموا إبقاء العصمة وأدوا على ذلك قلدوا في ذلك ، وحلف الزوج أنه ما أراد طلاقها ، ويبقى على زوجيته ، وإلا طلق الآن إن شاء ، وإن لم يؤد الشهود على أحد الوجهين ولم يكن عندهم غير مضمن الوثيقة دون زيادة ، كان الظاهر منها إذا تركناه وإياها إن الطلاق وقع بينهما ، ولا معنى لقوله : "وانفصلت الزوجية بينهما بسبب العيب إلا ذلك" ، ويؤيد ذلك : حالتها إن كان قد أبانها من نفسه من ذلك التاريخ ، ولم يساكنها ولا ولج عليها ، فهذا ما عندي في النازلة ، ولا اعتبار بنظر القوابل إذا نظرن إلى البنت بعد أيام من دخول الزوج ، ,إن شهدن بأن القطع قديم فلا حجة للزوج في ذلك ؛ لأنه قد[35/3]يكون الافتضاض في أول دخوله ، وبرئ الجرح في أيام قلائل ؛ لأن العادة أنه يبرأ بالقرب ، وإنما يعتبر ذلك على ما فيه من الخلاف ، فإذا نظروا إليها صبيحة
وأما حقيقتها، وهي المسألة السادسة، فقد قال في « الموطأ » و« المدونة » وغيرهما: هي وطء المرضع، ولفظه في « الموطأ »: أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع، ولفظه في « المدونة »: قال ابن القاسم: قال مالك في الغيلة-وذلك أنه قيل له: ما الغيلة؟-قال: ذلك أن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع ليست بحامل، لأن الناس قالوا: إنما الغيلة أن يتغالى الصبي بلبن قد حملت أمه عليه، فيكون إذا أرضعته بذلك اللبن قد اغتالته، قال مالك: ليس هذا هو، إنما تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن ترضعه وزوجها يطؤها لا حمل بها، قال القاضي أبو الوليد الباجي: قوله: الغيلة، أن يمس الرجل المرأة وهي ترضع، قال ابن حبيب: عزل عنها أو لم يعزل، قال الشيخ أبو عمران: إنما حقيقة الغيلة: الوطء مع الإنزال، إلا أن يريد ابن حبيبي إذا لم ينزل وأنزلت المرأة أن ماءهما يغير اللبن، وقوله: يغير اللبن، أي: يكثره، وإذا كان له تأثير بالتكثير، جاز أن يون له تأثير بالتغير، وقوله صلى الله عليه وسلم: « لقد هممت أن أنهى عن الغيلة.. » يدل على أنه كان يقضي ويأمر وينهى بما يؤديه إليه اجتهاده دون أن ينزل عليه فيه شيء، قال القاضي عياض في « الإكمال »: وهي مسألة مختلف فيها عند أهل الأصول.
وسئل الفقيه أبو عبد الله الجعدالة عن الوازئع التي جرت عوائد الناس بها في الأماكن هل يجوز لأهل الوزيعة أن يسوقوا سقط الوزيعة فيما بينهم وبين من حضرهم من سائر الناس ممن لم يكن لهم فيها سهم؟ وذلك أبقاكم الله من غير أن يستخلص أحد من أهلها سهمه ولا عرفه، وهل الجزاف في الوزيعة أفضل من الوزن أو الوزن أفضل؟ وهل الجزاف من يد عارف به وبتقسيط جائز؟ ومن غير العارف به غير جائز مع كونه جزافا كله ومجهول الوزن؟ وقد اختلف فيه العامة وجعلوا في النازلة حلالا وحراما، فعسى جوابكم في المسألة.
فأجاب: الجواب، وبالله التوفيق، أن أهل الوزيعة لا يجوز لهم أن يسوقوا الساقطة فيما بينهم قبل قسمتها ولا بعد ذلك لأنه يئول إلى أن يفرد أحدهم بلحم وساقط، وبعضهم بلحم ودراهم، وذلك ربا لا يحل ولا يجوز، وقسم اللحم يجوز على الوزن وعلى التحري، والوزن أولى وأرجح، والتحري رخصة ولا يجوز إلا من عارف، وأما من غير عارف فلا يجوز، لأنه يئول إلى الجهل بالتماثل، وهو فيما يجب فيه التماثل كتحقق التفاضل.
[36/5]
[بيع الحوت بالشعير والعصير]
وسئل ابن منظور عن أهل قرية شدالية فإن المعالج يخدم إليهم بالحوت، فإذا نزل في الموضع يجيء البعض من الناس بأوعيتهم بالشعير والعصير يأخذون من وعاء الحوات ويتنحوا (كذا) ناحية من الموضع حتى يشتري الأولاد والبنات وسائر الناس ويتم الحوت للمعالج، فإذا تم يجيء حينئذ المنحازون بالحوت الذي أخذوه من وعاء الحوات وبأوعيتهم بالشعير والعصير فيكتال الشعير ويزن العصير ثم يزن الحوت.
فأجاب: تأملت السؤال فوقه، والجواب بتوفيق الله سبحانه أن وجه بيع الحوت بالشعير أو العصير أو الطعام أن يكون حاضرا بحاضر يدا بيد، فإن وقع التأخر فهو حرام، فعلى هذا يعمل ويعلم، وكتب أبو عمر محمد بن منظور.
[مسألة في الشركة الجائزة في علوفة الحرير]
وسئل الفقيه الجعدالة عن الشركة الجائزة في علوفة الحرير؟.
ففي العتبية أن مالكا نهى أن يجبر الإنسان على شيء معين من النفوذ، يعني النقص وأمثالها. وقال ابن رشد: ليس للإمام أن يلزم الناس لأن يتجروا بالناقص، يأخذونه بغير اختيارهم. ومن النظر الفقهي فيما في الذمم من الدراهم الناقصة الحكم بالوازن، وله وجه من النظر ومدخل في ظاهر النقل.
أما وجهه من النظر، فهو أن السكة واحدة باقية لم تتبدل، والذمة انعمرت في ذلك الوقت بذلك الناقص على وصف جوازه بجواز الوازن، إذا كان ذلك هو العرف الجاري والعادة الشائعة، فإن ما كان عليه التعاقد بوصفه لا بنفسه، لأن تنزيل العقود المطلقة على العوائد المتعارفة أصل من أصول الشريعة. ومن المعلوم أن البائع لو قيل له إذ ذاك: أتقبل الدرهم على أنه في مثمونه نصف درهم، ؟ ما قبله ولا رضيه، ولا باع به أحد. فحين انعمرت الذمة بالدرهم على هذا الوصف طرأ عليه وهو في الذمة ذهاب وصف، وصار إلى اعتبار وزنه. فإذا ليس هذا الناقص الآن على الوصف الذي عقد عليه البائع عند بيعه، وكان وقت هذا الطارئ في ذمة المطلوب وفي ضمانه، فيجب أن تكون الخسارة فيه منه، ويجب للطالب درهمه الذي عقد عليه بوصفه الذي قصد. وليس حينئذ بعد عقد الناقص إلا الوازن، وصار بذلك يشبه ما في الذمم من السلع في باب السلم، لا يلزمه صاحب الحق فيه أن يأخذ إلا ما كان موافقا لما وصف، أو لما عينه العرف حيث يعتمد على العرف إذا أطلق والدراهم أمكن في هذا الاعتبار من السلع لأنها لا لنفسها بل لأعراضها. ومسمى الدرهم في العرف الشائع غير مسمى نصفه الذي هو القيراط. ودليل اعتبار ذلك الوصف عند الفقهاء مسألة العتبية وهي:
[38/6]
35/7] القبور من الرجال والنساء بشيء من البناءات, وما حكم ما سألت عنه من الورثة عندي في هذا البناء إلا كحكمهم فيما توهم سهم أن له ان يعمل فيه عملا لينتفع به غيره فاستحق ذلك المكان من هو أولى به, فطرح له بفضله فيكون ذلك لبانيه ولورثته فيتصدق به , لأنه ليس من ماله مثل أن يتصرف فيه كما قد قيل فبمن بنى مسجدا فاستحقت أرضه, بعد ذلك مالكا, ذلك يؤخذ منه نحو العوض المرغب فيه, ومسألتك ليس منها ما يرغب فيه فتصرف الأنقاض إليه, ولا يمكن الآذن ان يأذن في بنائه كالمسجد وقد يجوز رفعا ومسجدا بإذنه, فافهم ما وصفت لك إن وجدت إلى ذلك سبيلا, وإلى احياء الحق فيه وصولا. وكذلك ما ذكرت من التحجير للقبور في المسائل وهي أشد بل لا تترك أصلا ولا ( )(¬1) للتحجير فيعد الدفن عن المسائل المستعدة لمواجل المسلمين, لأنها يضربها ويتقادم الزمان وتندرس القبور ويخرج الموتى فيكون على الناس مواجلهم, وليس ينظر إلى الشيء في مبتدئه وإنما ينظر في عاقبته فيخشى من الأذى في عاقبته, كما يخشى في بدليته. قد شرحت ما حضر في مسألتك فأعمل إن وجدت أعوانا وبالله التوفيق, وقد تقدم بعض هذا في كتاب الجنائز فالتمسه هناك.
[من انفق في بناء مجبنة, فهل لغيره أن يدفن فيها ؟]
وسئل رحمه الله عن الرجل كان قد حاز موضعا في مقبرة المسلمين وبنى فيها بناء فمات الرجل فدفن فيها, وأضافت إليه زوجته حفرة كان يجاورها وأنفقت فيها من مالها وبنت فيها مجبنةفأراد أقارب الميت الذي مات أن يدفنوا في تلك المجبنة ميتا مات لهم فهل لهم ذلك ؟.
فأجاب من أذن لها في المجبنة حتى يدفن فيها هؤلاء, ثم قال: ما عندي فيها رواية, لكني استحسن أن يكون إذا وجد هؤلاء لميتهم موضعا غير هذا يدفنوه فيه فليس لهم أن يدفنوه فيما أنفقت هذه فيه وعملته, وإنما
[
36/8]فأجاب بأن تلك الخدمة التي احتاجت إليها الساقية إن كانت منفعتها قاصرة على تلك الساقي التي احتاج إليها الزرع في ذلك فنفقتها على أصحاب الأرض المزدرعة دون من سواهم ممن ليس له زرع في ذلك الوقت وإن كانت منفعتها راجعة إلى أهل الساقية عامة لكل من يسقي عليها في كل وقت بعد ذلك فالنفقة على الجميع، لكن على أصحاب الأرض المزدرعة منها بقدر منفعتهم العاجلة والآجلة وعلى غيرهم بقدر منفعتهم الآجلة إذ لا تتأجل الآن منفعته بتلك الخدمة. والأقرب في هذا الحكم بين أن يكون الماء متملكا لهم أو غير متملك، هذا الواجب في الحكم، ولهم بعد ذلك أن يتفقوا على ما شاءوا والله أعلم.
[جلب الماء في القواديس للمساجد]
وسئل سيدي موسى العبدوسي رحمه الله تعالى عن ماء كان يجلب في قادوس إلى مسجد من المساجد في مدة قاض من القضاة والمسجد المجلوب إليه الماء المذكور هو قديم وتحت نظر القاضي واتصل ذلك إلى أن عزل القاضي المذكور، فقام جماعة من المسلمين كانوا في حومة أخرى من المسجد المذكور وادعوا أن ذلك الماء المجلوب إلى المسجد المذكور غصبوا فيه أهل تلك الحومة وأن ذلك الماء كان لمسجدهم ولسائر أهل تلك الحومة، فهل تطرح دعواهم أنه مغصوب لجماعة المسلمين ينتفعون به؟ أو هو مغصوب لكونه يسقى من المعدة الكبرى التي يفرق منها الماء لمستحقه؟ أو يمنع الماء من المسجدين المذكورين ويعود إلى أصله وإلى مستحقه من أصل المعدة لكونه غصب لجماعة المسلمين ويؤخذ من أفضل؟ بينوا لنا الحكم في هذا الماء مأجورين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بما نصه: أكرمكم الله. الجواب أن الماء المجلوب في القواديس وهي التي جلبها الناظر للمسلمين هي على وجهين، فإن كان جلبها لمنفعة مخصوصة لم يجز لأحد أن يأخذ منها شيئا، وإن كان إنما جلبها
[36/8]
[
37/9] الجيران الذين حولها أخذهم بكنسها قال أبوبكر كلام سحنون في الجيران استحسان لأنه قد يرمى فيها غير الجيران.
[جواب ثان في المسألة السابقة]
وسئل عنها القاضي على الجماعة بتلمسان أحمد بن سعيد المديوني.
فأجاب بأن قال على جميع من جاور الخربة رمى زبلها على عدد ديارهم أو على عدد الساكنين في الدار على الخلاف في كنس المراحيض ولا يضر سكوت صاحبها.
[مسألة في الأبنية]
وسئل عن الحائط إذا كان عقده من ناحية رجل من ثلاثة مواضع ومن ناحية جاره من موضع واحد فاختصم فيه إلى الحكم كيف يكون بينها أعلى عدد العقود أم على نصفين؟
فأجاب: هو بينهما على عدد العقود.
[مسألة فيمن أدخل شيئا من الزقاق في داره]
وسئل عن رجل يدخل من زقاق المسلمين شيئا في داره والزقاق نافذ فلا يرفع ذلك الجيران إلى الحكم ولا يشهدون به إلا من بعد عشرين سنة.
فأجاب: يهدم بناؤه ويرد إلى الزقاق إذا صحت البينة ولا تملك الأزقة ولا تحاز وليس فيها حيازة.
[مسألة فيمن فتح كوة ترى منها غرفة جاره]
وسئل عن دارين بينهما زقاق مسلوك وفي إحدى الدارين كوة يرى منها ما في الدار الأخرى التي بينهما الطريق فبنى صاحب الدار التي ليس فيها كوة غرفة قبالة الدار التي فيها الكوة وفتح كوة قبالة الكوة القديمة، فقام صاحب الكوة القديمة على صاحب المحدثة فقال له ترى منها ما في غرفتي فسد عني الكوة التي أحدثتها على، فقال له بل هي قديمة منذ أربع سنين
[38/9] أو خمس، وإنما تركتها لحسن الجوار وغير تارك لحقي، فبعث سحنون من ينظر داريهما فزعم أنه يرى من كوة هذا ما في غرفة هذا.
فأجاب: يحلف صاحب الكوة الجديدة بالله الذي لا إله إلا هو ما ترك هذه الكوة منذ أربع سنين أو خمس سنين إلا لحسن الجوار غير تارك لحقه ثم يسد بعضها على بعض إن أراد ذلك.
[مسألة فيمن يلقى ماء سقفه خارج بنيانه]
فأما الطائفة الأولى فلا تصح لها الفتوى بما علمته وحفظته من قول مالك أو قول أحد من أصحابه ، إذ لا تصح الفتوى بمجرد التقليد من غير علم ، ويصح لها في خاصتها إن لم تجد من يصح لها أن تستفتيه أن تقلد مالكا أو غيره من أصحابه فيما حفظته من أقوالهم ، وأن تعلم من نزلت به نازلة بما حفظته فيها من أقوال مالك أو قول غيره من أصحابه ، فيجوز للذي نزلت به النازلة أن يقلده فيما حكاه من قول مالك في نازلته ، ويقلد مالكا في الأخذ بقوله فيها ، وذلك أيضا إذا لم يجد في عصره من يستفتيه في نازلته فيقلده فيها . وإن كانت النازلة قد علم فيها اختلافا من قول مالك وغيره فأعلمه بذلك كان حكمه في ذلك حكم العامي إذا استفتى العلماء في نازلته فاختلفوا عليه فيها . وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال ، أحدها أنه يقول بما شاء من ذلك ، والثاني أنه يجتهد في ذلك فيأخذ بقول أعلمهم ، والثالث أنه يأخذ بأغلظ الأقوال .
وأما الطائفة الثانية فيصح لها أن تفتي إذا استفتيت بما علمته من قول مالك وقول غيره من أصحابه إذا كانت قد بانت لها صحته ، كما يجوز لها في خاصتها الأخذ بقوله إذا بانت لها صحته ، كما يجوز لها في خاصتها الأخذ بقوله إذا بانت لها صحته ، ولا يصح لها أن تفتي [34/10] بالاجتهاد فيما لا تعلم فيه نصا من قول مالك أو قول غيره من أصحابه وقد بانت لها صحته ، إذ ليست ممن كمل لها آلات الاجتهاد التي يصح لها بها قياس الفروع على الأصول .
قد نص أهل العلم فيما ذكرت من أحوال بعض الناس من الرقص والتصفيق، على أن ذلك بدعة وضلال. وقد أنكره مالك وتعجب ممن يفعل ذلك لما ذكر له أن أقواما يفعلون ذلك فقال: أصبيان هم أم مجانين؟ ما سمعنا أحدا من أهل الإسلام يفعل هذا يغتر من لا يميز الأمور بما يذكر عن بعض أهل الصدق من الصوفية مما يقع لهم عند السماع عند صفوه من حالة صادقة من التواجد، وربما لا يملكون أنفسهم عن القيام والحركة، لغلبة ما يرد عليهم. وقد تخلصوا من مذام أنفسهم وقبائحهم وقوموا على منهاج الشريعة فكيف يتشبه بهم من هو في غمرات الجهل لم يستخلص من أداء فرض، ولا اجتناب محرم، ثم يأكل حتى يملأ بطنه، ثم يقوم ويصفق ويشطح ويتمايل، وقد قال القرطبي: إن ذلك مما لا يختلف في تحريمه. وقد انتهى التواقح بأقوام إلى أن يقولوا: إن تلك الأمور من أبواب القرب وصالح الأعمال وإن بذلك يتم صفاء الأوقات وسنيات الأحوال، فنعوذ بالله من البدع والضلال. وهذا الذي يقولون هو الذي يعتقده أهل زماننا في غالب ظني. وأما أن يفعل ذلك لأجل ما ذكرت من دفع المفاسد وكف الظلمة عن بغيهم وعدوانهم، وأن ذلك إنما جرت العادة أن يتصدى له من يقتدي به عندهم من مشايخهم في مجامع الناس، فلا يعتقد العوام في ذلك من صالحات الأعمال كما تقدم، فلا يرتكب أمر ممنوع لمصالح موهمة، نعم لو تحقق أن ذلك تصان به الدماء والأموال ولا أدري ما أقول فيه. والله الهادي.
[35/11] [ما أجاب به ابن لب عن سؤال من معنى ما سبق]
يكون الحق فيه بين العبد وغيره من العباد فليس له أن يحكم فيه لنفسه بالشاذ فيقول لا حق له على لقول من يراه إلا. حكم الحكم، إذ بحكمه يرتفع الخلاف ويرجع القولان قولا واحدا إما نفيا أو إثباتا.
وأما قولكم إن رضى أحد الخصمين بالشاذ بمنزلة حكم الحاكم إلى آخره فكلام صحيح، والأمر كما ذكرتم، لكنه مشروط بأمرين، أحدهما أن لا ينزع أحدهما، وأما إن نزع أحدهما عن رضاه فالمشهور أنه لا يمكن من ذلك، وتراضيهما أولا بتقليد أحد القولين يصيره كقول مجمع عليه. وخالف ابن لبابة وابن العطار وغيرهما فقالوا لا يرفع الخلاف من ذلك إلا حكم الحاكم. وكذلك اختلف إذا كان في النازلة قولان هل يجوز الفتوي لمن سبق إليها من الخصمين؟ أم لا يجوز أن يفتي لأحدهما على الآخر إلا بحكم يرضيان به أو السلطان؟ والثاني أن يكون التقليد فيما لا ينقض فيه قضاء القاضي، كمخالفة الإجماع أو القواعد أو القياس الجلي أو النص الصريح، فلا يرفع الخلاف لعدم ضحة التقليد إلا إذا كان لها معارض راجح عليها، أعني للقواعد والقياس الجلي والنص الصريح، فإنه يتم التقليد ولا ينقض الحكم إلا إذا كان على وفق معارضتها الراجح إجماعا، كالقضاء بصحة عقد القراض والمساقاة والسلم والحوالة ونحوها، فإنها على خلاف القواعد والنصوص والأقيسة، لكن الأدلة خاصة مقدمة على القواعد والنصوص والأقيسة.
وأما قولكم: لا سيما ومن أصل إمام هذا المقلد مراعاة الخلاف.
فجوابه أن القول بمراعاة الخلاف قد عابه جماعة من الأشياخ المحققين، والأيمة المتفننين، منهم أبو عمران، وأبو عمر، وعياض. قال عياض: القول بمراعاة الخلاف لا يعضده القياس، وكيف يترك العالم مذهبه الصحيح عنده ويفتي بمذهب غيره المضاد لمذهبه، هذا لا يسوغ له إلا عند عدم الترجيح وخوف فوات النازلة، فيسوغ له التقليد ويسقط عنه التكليف في تلك المحادثة. انتهى. واختار أيضا هذا بعض شيوخ المذهب من المتأخرين،
[36/12]
[37/12]