فالجواب له: أخذ المنكر بما فيه مخالفة جماهير المسلمين وتخطيه جميع من عاصره أو مضى قبله من المتقدمين جرأة كبيرة وجسارة عظيمة. وفي الرد على مرتكب هذه الطريقة وجوه كبيرة: منها ما وقع في كتاب البخاري, باب الحجة على من قال أن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهدة النبي عليه السلام وأمور الإسلام. قال أحد الشارحين له وهو ابن اللجام في مجموع: هذا الباب يرد به على الرافضة وقوم من الخوارج زعموا بأن أحكام النبي عليه السلام وسنته منقولة عنه نقل تواتر, وأنه لا سبيل إلى العمل بما ينقل نقل تواتر. وقولهم في غاية الجهل بالسنن وطرقها, فقد صحت الأثار أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بعضهم السنن والأحكام عن بعض, ورجع بعضهم إلى ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وانعقد الاجماع من الجمهور على العمل بخير الآحاد, فبطل قول من خرج عن ذلك.
وفصل آخر منه ما نصه: الاعتصام بالجماعة كالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله, لقيام الدليل على توثيق الله تعالى ورسوله عليه السلام صحة الاجماع وتحذيرها من مفارقته, لقوله تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى. وقوله تعالى كنتم خير
[299/1] أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وهاتان الآيتان قاطعتان على أن الأمة لا تجتمع على ضلال, وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك فهما له من كتاب ربه عز وجل, فقال: لاتجتمع على ضلال, ولايجوز أن يكون أراد جميعها من عصره إلى قيام الساعة, فإن ذلك لا يفيد شيئا, إذ الحكم لا يعرف إلا بعد انقراض جميعها, فعلم أنه أراد أهل الحل والعقد من كل عصر.
وأما إن كان هذا المسؤول عنه لا ينكر القياس جملة وإنما ينكر بعض وجوهه، إذ منه جلي وخفي، ويخالف فيما ينكر من وجوهه ما عليه جمهور الفقهاء وعامة العلماء، فلا يكون ذلك جرحة فيه إن كان من العلماء الراسخين في العلم الذين قد كملت لهم آلات الاجتهاد، فكان فرضه ما أداه إليه اجتهاده. وأما إن كان ما يلحق بهذه الدرجة وكان فرضه التقليد فترك ما عليه الجمهور، وما زال الشذوذ بغير علم ولا معرفة إلا باتباع هواه في اتباع غير المستحسن من الأقوال فما هدي لرشده، ولا جعلت له البشرى من الله عز وجل على فعله، لأن الله عز وجل يقول:﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾، وذلك جرحة فيه لأن الله عز وجل يقول: ﴿ يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب بما نسوا يوم الحساب﴾. وبالله تعالى التوفيق.
[ من سب الله ورسوله قتل مسلما كان أو كافرا]
وسئل شيوخ الشورى بقرطبة عن نصرانية تسمت بدلجة زعمت إنها نصرانية، فاستهلت بنفي الربوبية عن الله عز وجل، وقالت إن عيسى هو الله، تعالى الله عما قالت علوا كبيرا، خرجت إلى أن قالت وإن محمدا كذب فيما ادعاه من النبؤة صلى الله عليه وسلم.
فأجابوا: ما قالت المرأة الملعونة المتسمية بدلجة وما شهد به عليها من نفيها الربوبية عن الله عز وجل وقولها إن عيسى هو الله، وتكذيبها بنبؤة محمد صلى الله عليه وسلم، فالذي نراه قد وجب عليها القتل وتعجيلها إلى النار الحامية، عليها لعنة الله. قال بذلك عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد، وأحمد بن يحيى.
=فأجاب : بأن الوالد هذا كان يكره حديث ولده ، وقد كان طلق أمه وأبعده عن نفسه وأخرجه من داره ، وكانت أمه تسكن في البادية تخدم وتطعمه وتقوم بأوده ، وامتنع أبوه من نفقته في ذلك الوقت وقال ما تلزمني نفقته ،[324/3]وكان في علمي أنه كان بصفة من تجب عليه النفقة ليسره وملائه ، وشهد الشاهد بذلك كله في تاريخ كذا .
=فأجاب : إذا حقق الشاهد الإطعام أنه كان مما تأخذه من خدمة الناس ، فذلك يوجب لها طلبه إذا كان مثلها ينفق ليرجع به على الأب ، وتحقق منها أنها خاصمته فامتنع من إجراء النفقة .
[من زوج ابنته بألفي دينار ، فعلى والد الزوجة من الجهاز ما يقابل الصداق ]
*وسئل عن رسم مضمنه أنهم يعرفون فلانا وصهره فلانا ، وأن فلانا لما زوجه ابنته البكر فلانة في شهر كذا من سنة كذا ، بصداق جملته نقدا كذا ، ومهرا كذا ، وشرط في عقد النكاح أن يجهزها بالمهر بألفي دينار مهدية ، وقال الشهود : ونعلم أن عادة المهدية وزويلة أن من زوج ابنته البكر وهو ذو مال ، أن يلتزم من الجهاز ما يقابل الصداق المسنى ، ومن الناس من يشترط ، ومنهم من يعتمد على العادة من غير شرط ، والعاقدان متفاهمان بذلك للعادة ، ونعلم أن العادة بزويلة إذا توفي الوالد وقام الزوج وطلب ما يقابل الصداق المسمى ، ومن الناس من يشترط ، ومنهم من يعتمد على العادة من غير شرط ، والعاقدان متفاهمان بذلك للعادة ، ونعلم أن العادة بزويلة إذا توفي الوالد وقام الزوج وطلب ما يقابل الصداق فإنه يقضى به .
6-ومنها أن اللخمي خرج من أحد القولين في الثوب المقطوع غلطا أنه لا يغرم الواطئ في مسألة الأختين، وتحرير قياسه أن يقال جناية سببها تسليط المجني عليه، فوجب إهدارها قياسا على تقطيع المشتري لثوب أخطأ البائع في دفعه إليه، ويرد عليه سؤال المعارضة في الأصل، فيقول المعترض تمنع أن علة الأصل الجناية مطلقا، بل الجناية العرية عن الانتفاع، والجناية بهذا القدر غير موجودة في الفرع، والموجود فيه جناية مقرونة بالانتفاع، ولا يلزم من ترك
[350/4]
[351/4]
المواخذة بجناية عرية عن الانتفاع ترك المواخذة بجناية مقرونة به، وإنما يتم القياس لو لبس المشتري ثوبا لبسا ينقصه كنقصان الافتضاض في مسألة الأختين، ومسألة المشتري أمة فوطئها أنها حرة فلا صداق لها عليه. وفي كلتا المسألتين وطئ حرة مستندا إلى عقد.
فأجاب: الحمد لله وبالله التوفيق، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الهادي إلى أقوم طريق، وعلى آله وأصحابه أولى الفهم والتحقيق. سألتم زاد الله في معناكم، وأنجح في طلب المعلومات مسعاكم، عن مسائل حرية بالسؤال، وجديرة بما ظهر لكم فيها من الاستشكال، حقها أن تعرض على جهابذة العلماء، وأنجاد النبلاء، وأني لمثلي أن يتصدى فيها للجواب، أو أن يكشف عما أبد يتم فيها من الاستصعاب، لكن أرجو الله مولاي بحسن نية السائل، التوفيق للجواب عن المسائل.
[الفرق بين من قال لزوجتيه: إحداكما طالق، أو أنت طالق أو أنت.]
فأولها: قولكم الفرق بين القائل لزوجتيه إحداكما طالق يلزم عليه طلاقهما معا من غير تخس، وبين قوله لهما أنت طالق أو أنت بخير في واحدة مع أن المعنى في اللفظين واحد أو كالمرادف لإحداهما فما الفرق؟
قلت: ابتداء أرأيت لو التزم البائعون أن من باع منهم سلعة يخرج درهما يعده لمثل ذلك أكنت تسلم إن هذا الدرهم إنما هو عين ملك البائع ولا حق فيه للمبتاع؟ أم كنت تقول إن هذا الدرهم يعمل البائعون حسابه فلا يخرج أحد منهم سلعته إلا بزيادة درهم على الثمن اللائق بها؟ فإن قلت لا حق فيه للمبتاع لزمك مثل ذلك في مسألة النزاع، فلست تجد فرقا تحاوله بين المسألتين إلا قام معك مثله في المسألة الأخرى، وأكبر ما يحاول فيه أن المبتاع قد دفع هذا الدرهم على أنه من جهة ثمن السلعة فلم يبق له فيه حق، فيقال في مقابلته إن البائع قد سلم السلعة على أنها مبيعة بمجرد ما سمي له، ولم يقع عليه غش، بل عنده من باطن الأمر مثل ما عنده في ظاهره، وقول القائل إن البائعين مضطرون للبيع إذ لا مشتري منهم إلا هؤلاء التجار جوابه أمران: أحدهما أن هذه حجة لا تنفع في البياعات، فكم من المسافرين يضطرهم الحال إلى بيع سلعتهم في الزاد ونحوه فلا يجدون من يشتريها منهم فيبيعونها بأبخس ثمن، بل قد يبيعونها بالماء المبذول عند عامة الخلق بلا قيمة ولا ثمن، ومع هذا لم يقل أحد قط إن لهم في ذلك عذرا يستزيدون به في الثمن أو يسترجعون به السلعة، وثانيهما أن هذه الحجة دائرة من الجانب الآخر، فإن البائعين إذا تمالئوا كلهم على توظيف مثل هذا الدرهم لم يجد المشترون ممن يشترون إلا بزيادة هذا الدرهم على الثمن اللائق بالسلعة، وقول القائل إن البائعين قوم ضعفاء مضطرون إلى البيع بأي ثمن وجدوا وأن المشترين لهم فضول أموالهم فلا يشترون إلا على ما يوافق أغراضهم أو يتركون فهذا كلام ركيك لا يصدر إلا من عامي بعيد عن الفقه
[317/5]
الآخر بتقدم نكاح غيره عليه إلا بعد البناء؛ فأفاتها بذلك عمر ومعاوية والحسن رضي الله تعالى عن جميعهم ونسب مثله أيضا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وكل ما أوردتم في قضية السؤال وارد عليه، فإنه إذا تحقق أن الذي لم يبين هو الأول، فدخول الثاني بها هو دخول بزوج غيره، فكيف يكون غلطه على زوج غيره مبيحا لوطئها على الدوام، ومصححا لعقده الذي لم يصادف محلا، ومبطلا لعقد نكاح مجمع على صحته ولزومه، لوقوعه على وفق الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا، وإنما المناسب أن الغلط يرفع عن الغالط الإثم والعقوبة، لا إباحة زوج غيره دائما ومنع زوجها منها.
ومثل ذلك ما قاله العلماء في مسألة امرأة المفقود أنه إن قدم المفقود قبل نكاحها. فهو أحق لها وإن كان بعد نكاحها والدخول بها فاتت. وإن كان بعد العقد وقبل البناء فقولان. فإنه يقال الحكم لها بالعدة من الأول وإن كان قطعا بعصمته فلا حق له فيها ولو قدم قبل تزويجها أو ليس بقاطع للعصمة، فكيف تباح لغيره وهي في عصمة المفقود؟ وما روي عن عمر وعثمان في ذلك أغرب، وهو أنهما قالا: إذا قدم المفقود يخير بين امرأته أو صداقها، فإن اختارها بقيت له، وإن اختار صداقها بقيت للثاني. فأين هذا من القياس؟ وقد صحح ابن عبد البر هذا النقل عن الخليفتين عمر وعثمان ونقل عن لي أنه قال بمثل ذلك وأمضي الحكم به، وإن كان الأشهر عنه خلافه. ومثله في قضايا الصحابة كثير. ومن ذلك قول ابن المعدل(¬1) لو أن رجلين حضرهما وقت الصلاة، فقام أحدهما فأوقع الصلاة بثوب نجس محانا وقعد الآخر حتى خرج الوقت وصلاها بثوب ظاهر ما استوت حالتهما عند مسلم. ولا تقاربت. يعني أن الذي صلى في الوقت بالنجاسة عامدا أجمع الناس أنه لا يساويه مؤخرها حتى خرج الوقت ولا يقاربه، مع نقل غير واحد من الأشياخ الإجماع على وجوب مجانبة النجاسة حال الصلاة. وممن نقله
[395/6]
وسئل سيدي عيسى بن علال عن ناظر على حبس لنظره أرض بيضاء, اكتراها منه اناس للحراثة, فلما كان من الصيف طلبهم الناظر بالكراء, فزعموا أن زرعهم أصابته جائحة القحط, وأن غلته فسد بسبب ذلك بعضها, وأرادوا ان يخرجوا للنظر في ذلك شهودا من اهل المعرفة ليسوا بمرضيين في دينهم, بحيث تقبل شهادتهم في كل ما تقبل فيه شهادة العدول المرضيين, احتجوا في ذلك بأن أهل البصر لا تشترط عدالتهم, فقال لهم الناظر جائحة الزرع بالقحط لا يخرج إليها إلا في زمن الربيع عند احتياج الزرع إلى الماء وظهور الفساد فيه حينئذ من اجل العطش, واما الآن بعد أن يبس الزرع, وحصد بعضه فلا يمكن أخذ من ادعاء الجائحة انها أصابته في زمن الربيع فإن غاية ما يعرف من ينظر إلى الزرع الآن بعد يبسه أن غلته ناقصة, وانه إنما يرد كذا وكذا وسمى. هذا غاية ما يعرفون, وهل ذلك النقص بسبب العطش أو بسبب البرد والجليد أو غير ذلك فلا يعرفه احد الان, ولأجل هذا قال الموثقون في وثائقهم إنهم نظروا الزرع القائم الأخضر قد اصفرت ورقته وذهب منه كذا بسبب القحط الكائن الآن حسبما ذلك في كريم علمكم, وقال لهم الناظر أيضا إنما يشهد في هذا أهل العدل
[
لأصحابها على المجدد للأخيرة، وإن كان قد بلغت ذلك المبلغ أيضا ويصير المجد لها كمنشىء رحى حيث لا رحى وإن كان أثر تلك الأرحى الأولى حينئذ ظاهرا وبناؤها باقيا ممن يرى في العادة أن صاحبها لم يتركها ولا عطلها جملة بل على ترقب العود إلى الانتفاع بها لكن ترك القيام مع علمه بالتجديد حتى مر من المدة ما تحصل به الحيازة فلا مقال كالأول، وإن قصرت المدة عن ذلك فالظاهر سقوط مقاله أيضا في ذلك بمرور العام فما فوقه مع السكوت والعلم لأن محمل ذلك على التسليم والرضى إلا أن يدعى عدم الرضى ويعتذر بالعذر الذي أشرتم إليه في السؤال فيحلف أن سكوته لم يكن رضى بذلك ولا إسقاط لحقه فيه وأنه كان مجمعا على إعادتها ويكون على ما يجب له من الحق. وأصل المسألة في منتخب الأحكام في آخر السفر الأول منه في ترجمة باب في رحى مقامة فحدث فوقها رحى أخرى أو تحتها.
[رفع سد الرحى القديمة]
وسئل عن رحى أخرى تحت الأخيرة قديمة رفع سدها في غير موضع وهو يضر بالأخرى.
فأجاب: أما مسألة توصيل الماء فيحمل المتنازعون في ذلك على العادة القديمة فمن أخل بشيء منها أجبر على العود إليها إلا أن يأتي من الزمان العلم بالإخلال والسكوت عليه ما يسقط الحق أو يوجب يمينا فيصار إلى ذلك وتفصيل ذلك موكول إلى علمكم.
[الساقيتان ترفعان من واد واحد]
وسئل عن ساقيتين ترفعان من واد واحد إحداهما فوق الأخرى وقع فيهما كلام كثير.
فأجاب: الحكم في الماء الذي هو غير متملك الأصل في الأودية أن يسقي منه الأعلى فالأعلى، فبمقتضى هذا الأصل في هذه النازلة المسؤول عنها أن أهل الساقية العليا يستأثرون بماء تحمله ساقيتهم من ماء الوادي
[381/8]
[
ش مجيبا: أما منع المعترض حكم الأصل على زعمه وهو قصر الوصية على الثلث استنادا منه إلى قول من أجاز الوصية من رأس المال فهو منع لا سند له ولا نعلم من أجاز ذلك، فقد قال صاحب الاستذكار أجمع علماء المسلمين أن الميت إذا مات عن بنين، أو عن كلالة ترثه أنه لا يجوز له أن يوصى بأكثر من ثلثه، وأجمعوا على القول بأنه لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، وإنما اختلفوا فيما يبتله المريض من العطايا، وأجمع الجمهور من
[340/9] فقهاء الحجاز والعراق والمغرب والشام أن ما زاد على الثلث لا يجوز إلا أن يجيزه الورثة، وشذت فرقة لم يجيزوا الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة، هذا كلام صاحب الاستذكار، وقال صاحب المراتب اتفقوا على أنه إن أوصى بأكثر من الثلث أن له من ذلك ما يجوز الثلث وتبطل الزيادة، واختلفوا فيمن لا وارث له.
وقال القاضي عياض: أجمع العلماء أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصى بجميع ماله إلا شيئا روى عن بعض السلف أجمع الناس بعد على خلافه، وجمهورهم على أنه لا يوصى بجميع ماله وإن لم يكن له وارث، وذهب أبوحنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد في أحد قوليه إلى إجازة ذلك، وروى عن بعض سلف الكوفيين وعن على وابن مسعود، فأنت ترى نقل هؤلاء، ولعل المعترض أشار إلى ما نقله عياض عن بعض السلف، فقد أجمع الناس بعد على خلافه اللهم إلا أن يرى أن الإجماع لا ينعقد بعد سبق خلاف، ولعله أشار إلى الخلاف فيمن لا وارث له، وعلى كل تقدير فمرادنا من أوصى بذلك وله وارث، وهذا لا خلاف في المذهب، وذلك كاف في غرضنا، ولو سلمنا وجود الخلاف في المذهب، فالمعروف ما ذكرناه، وعليه أردنا أن نبنى الإلغاء على زعمنا والقياس على زعمه، فإن السائل لم يسألنا عن النظر المطلق في المسألة وإنما سألنا عن مقتضى المذهب، فالحق ما أشار إليه الأخ أبوعبدالله بن مرزوق، وأن ذلك حمل حجة علينا.
غ: إن ما استدل به إلى قوله أجازه أحد.
الحديث ودع ما يريبك الحديث وقول من قال : لا يلزم الوكيل إحضار موكله صواب ، والقول بإلزام ذلك مطلقا لا يعقل ، لأن يد الوكيل كيد موكله ، وهو نائبه ، فما ألزمه يلزمه حضر أغاب ، وإلا فأي فائدة للوكالة إن لم يكن كذلك ، هذا إذا كان المراد إحضاره ليتكلم أو يخاصم وهذا يستلزم مخاصمة الواحد اثنين ، وهم قد منعوا ذلك ، وإن سقط الوكيل بحضور الموكل ، إذ لا يجتمع نائب ومنوب عنه ولا معوض ومعوض عنه كما في سائر العلوم ، فذلك عزل له ، ولا يعزل الوكيل بعد المناشبة ، وإن كان إحضاره لغرم المال إن تعين عليه مما يتعين على الوكيل فالوكيل لا يلزمه ذلك ، وكذا اليمين إن توجهت عليه كما ذكر في الغائب ، وأظن مستند من فعل ذلك أو يراه أو يقول به رفع الخلاف في لزوم الموكل ما أقربه وكيله مطلقا أو ما يرجع إلى الخصومة التي وكل عليها دون غيره ، أو لا يلزمه مطلقا ، وهو مفرع على القول بأن الوكالة لا تصح إلا باشتمالها على الإقرار والإنكار ، فيحضر الموكل ليوافق على أقرار وكيله ، فيرتفع الخلاف ، وصواب العبارة حينئذ يلزم الموكل لا إلزام الوكيل إحضاره وكذا على القول بصحتها بدونها يحضر ليوافق ، ولزوم حضوره هنا أبين ، ومما هو كالنص على صحة اعتبار كون ما ذكرته مستند من فعله قول ابن رشد في البيان آخر مسألة من الوكالات من نوازل أصبغ قول أصبغ تقبل الوكالة وإن لم يكن فيها إلا المرافعة خلاف قول ابن العطار لا بد فيها من الإقرار والإنكار ، ونزلت فقضى أن لا تقبل إلا أن يحضر مع وكليه ليقر بما يوقف عليه خصمه ، [322/10] أو يكون وقت الحكم قريبا من مجلس القاضي ، انتهى . وفعله من الاحتياط أيضا ، وإزالة الاشتباه واعتباره معهود كما ذكر في البيان ، ونقله المتيطي أنه ينبغي أن يقر الرقيق المبيع بالرق حال البيع لئلا يدعي الحرية بعد رفع الخلاف كون الصمت رضى .
320/11] مقيد، وقد ذكر في الآية مقيدا أفلا يدخل تحته ظلم الكفر؟ لأنه لم يقل في الآية منهم ظالم الذي هو أعم منهما، فتأمله مع ما ذكر من الأقسام الثلاثة ثم ما تقع المناقشة به، إن الظالم الذي لم يقيد يقع العموم فيه، فإن صح ذلك فيكون منع خلو لا منع جمع، لأن المصطفى مع الظالم بينهما عموم وخصوص، وربما يقال: ذكر في الآية ما يصلح أن يكون جوابا عن سؤال على تسليم إن الظالم لنفسه أعم، فيقال: إن الآية ذكر فيها: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ وهذه مهملة في قوة الجزئية، ولم يقل فيها فمنهم كل ظالم لنفسه فما سر ذلك؟ فيقال في الجواب: لو قيل كذلك لكان قسيم الشيئ قسما منه وما اختاره الشيخ المذكور من أن إطلاق الظلم في حق المؤمن إذا عصى مجاز وعينه بما ذكر فيه ما يبحث. أما ما ذكره من دليل الآية في قوله : ﴿والكافرون هم الظالمون﴾، فالنص للمذكور، ولا يعين الحقيقة في ظلم الكافر، بل ذلك أعم والأعم لا إشعار له بالدلالة على أخصه المعين. وبيان الأعمية أن الحصر مفهم لأحد معنيين: إما لأنه لا يصدق حقيقة إلا بمعنى الكفر، أو لا يصدق قوة إلا على الكفر كما تقول: ما البياض إلا في الثلج، فلا ينبغي صادقية البياض عن العاج، ثم إن قوله إنه مجاز في المعصية فهو مردود، وكيف يصح؟ مع أن أرباب اللغة وأصول الشرع ذكروا أن الظلم وضع الشيء في غير محله.