295/1] إذا قال سمعت فلانا يقول كيت وكيت إنما يحمل على أنه تلقاه شفاها منه وسمعه يتكلم جهرا به, وأن سامعه وعى مقاله عند سماعه من لفظ قائله, لا أنه علمه بالتوهم والتوسم, أو بعد استعمال الوسائط والوسائل والسماع من الغير عن القائل. ومن هذا الباب وقع الكلام في المراسل, والمراسل عند المحدثين هو ما أرسله التابعي وقال فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ذكر الصحابي, والمنقطع ما أرسله الراوي دون التابعي. ووقع الإجماع على أن من سمع الحديث من التابعي عن الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان أقوى طمأنينة لصحة حديثه, ثم من سمعه من الصحابي كان أعلى درجة في قوة الطمأنينة وإن كان الوهم والنسيان جائزا على البشر, حتى إذا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ارتفعت أسباب التحذير وانسدت أبواب الاحتمالات. وإذا كان على ما تقرر, فقد ثبت في الصحيح ما فيه الحجة الماحية لشبهة المعترض. ومنه عن زيد بن أرقم أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أنك أنت الرب وحدك لا شريك لك. ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك الحديث بطوله, وعن عبد الله بن الزبير أنه عليه السلام كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله ولا إله إلا الله ولا نعبد إلا الله الحديث وفي بعض طرقه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم من الصلاة قال بصوته الأعلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخ. وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك, إلى غير ذلك مما جاء في هذا الباب.
غير أهل الأهواء من هو أشد من أهل الأهواء هو قول ابن القاسم في تفسير ابن مزين، حكاه عنه عيسى بن دينار، وقال به يحيى بن إبراهيم بن مزين هذا يريد ابن القاسم أن أهل الأهواء فعلوا الأشياء بنية وأرادوا الخير فأخطؤوا، فكأنهم أعذر ممن ركب شيئا بعد معرفته وتقحمه وجرأته على ذلك، فصاروا شرا من أهل الأهواء. وفي هذا التأويل عذر لأهل البدع في تحريفهم لكتاب الله عز وجل ومفارقتهم للسنة والجماعة بتأويلهم. ولا خلاف أنهم غير معذورين في مخالفة سبيل المؤمنين. وقال أبو الحسن علي بن محمد القابسي في كلام ابن مزين: ما أدري ما تفسير ابن مزين هذا، وإنما أراد ابن القاسم أن في غي أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء، وهم الذين يتدينون بالسنة وتكون منهم جهالات من وراء نسك فهم يعرفون به من يسقطونه في جهالاتهم، وأهل الأهواء من الناس لهم منافرون. هذا وجه قوله عندي والله ولي التوفيق.
وكيف يقال لمن يخطىء وجه الصواب في الاعتقادات إنه أعذر ممن سلم له اعتقاده من الخطأ وزل بالجهالة فيما دون الاعتقادات وأتى ذلك تقحما؟ هذا بعيد والله أعلم. وهذا كله كلام أبي الحسن وهو صحيح حسن وبالله التوفيق.
[ اعتقاد الظاهرية وإنكار القياس جرحة ]
وسئل ابن رشد عن رجل من أهل الخير والفضل مشهور بذلك معروف به، شهد بشهادة على رجل من الناس في حق من الحقوق، والشاهد المذكور مع كونه على الصفة المذكورة يأخذ بمذهب أهل الظاهر نفاة القياس، ويعتقد بذلك ويلتزمه ويتمذهب بمقتضاه. فبين لنا وفقك الله هل تقبل شهادة من هو على هذه الصفة؟ وهل اعتقاد المذهب المذكور يسقط شهادته ويكون مجرحا به أم لا؟ واشرح لنا ذلك شرحا بينا إن شاء الله تعالى.
=فأجاب : يحلف الأب مع شاهده ويحكم على الجد بما عقد على نفسه ؛ لأنه مما يجب على الأب لو حضر ، فيلزم الجد ذلك .
[إذا اشتد الكره بين الزوجين وتفاقم الأمر ، فللحكمين التفريق بينهما بعد إسقاط الصداق عن الزوج]
*وسئل عن امرأة بعث الحكمان بينها وبين زوجها فتفاقم الأمر واشتد الفساد حتى بلغ الأمر إلى اليد الغالبة ، وأعاد القاضي المرأة الى الدار فهربت ، ثم أعادها فهربت مرارا وكسرت اقفل ولم تشك أكثر من كراهتها في الزوج ، فرضيت وهي بالغ ولها منذ بلغت سنتان بترك المهر ومباراة الزوج ، وامتنع الأب من ذلك ، وشهدت بينة بأن من حسن النظر لها مع حالها أن تترك زوجها وتسقط عنه الصداق ، فهل يتم ذلك مع سخط الأب ، ويبرأ الزوج مع هذه القرائن أم لا ؟ .
=فأجاب : إذا لم يقدر على الاصلاح وإزالة الضرر بالضرب أو غيره من وجوه الأدب ، وظهر أنه غير ضاربها ، فإن للحكمين أن يسقطا الصداق عنه إذا كان الضرر من جهتها دون الزوج ، وإن لم يقدر على دفعة إلا بالفراق على إسقاط الصداق ، فالأولى أن يجعل القاضي هذه البينة التي أشار إليها حكمين من أهل الزوج وأهلها إن وجد إلى ذلك سبيلا ، وينظر في الفراق على إسقاط الصداق ، وينفذ حكمهما به إن اضطر إلى الحكمين .
[من غاب وترك زوجة وطفلة منها وطفلا من غيرها مطلقة ، فنفقة الزوجة مقدمة على غيرها]
*وسئل عمن غاب بالأندلس وترك زوجة وطفلة منها وطفلا من غيره[320/3]مطلقة ، فلما كان الآن ، انفذ سبعة دنانير في المركب الأول ، واثني عشر في المركب الثاني ، ولم يترك لأولاده زوجته نفقة ، فقامت أم الطفل تريد مخاصمة الزوجة والابنة برزق ابنها ، وقالت الزوجة أنا أولى وقد كانت قبضت السبعة دنانير وأنفقتها .
الطالب في فتواه هذه بالشاذ في قول ابن الحاجب، فلو وقع النص على رجعية ببذل فبائن على المشهور، وقيل له مسألة ابن الحاجب وقع الشرط بينهما على أن يوقعها رجعية واتفقا معا على ذلك، فهي غير مسألة السائل، فقال هبها غيرها أليس أن اللخمي علل القولين بأن البينونة هل هي شرع لا حق للزوجين فيها، أو هي من حقهما، فالمشهور يقول هي شرع، لأن الطلاق وقع بعوض، والشاذ يقول ليست بشرع فيوفي لهما بشرطهما، ويصرف العوض إلى نقض ما جعل إليه فيها من عدد الطلاق، لا البينونة. ومسألة السائل لم يقع فيها بينهما اتفاق، وعلى البينونة فتكون الطلقة رجعية على الشاذ سيما وقد استرعى أنه إنما يطلب منها التسليم استعلاما كما قدمنا.
[مبحث معاني «الباء» وتطبيقها على بعض الأحكام الفقهية]
يعتبر رضاه كالصغير، وإما لأنه كشف الغيب أن الحالة التي رضي بها مخالفة للواقع خلافا يحصل عليه ضرر كالاطلاع على العيب وما في معناه، وهذه الأقسام هاهنا كلها باطلة، وأما الحصر فيكفي فيه
[313/5]
الأصل عدم ما سوى ضده، وأما بطلان القسمين الأولين فاتفاقنا على أنه ليس للبائع أن يلزم المشتري فسخ البيع، أما على ما نقوله نحن فظاهر، وأما على ما تقولونه أنتم فلحكمكم أنه إذا أكمل الدرهم لزمه البيع، وأما بطلان القسم الثالث فإنه لم يكشف الغيب هاهنا بخلاف ما دخل عليه البائع لأنه قد علم بذلك من قبل أن يعقد البيع، وأما تخيير المشتري في إمضاء البيع على غرم يغرمه للبائع أو يفسخ فيبطل بما أبطل به الذي قبله قريبا لأن الثلم الذي في البيع إن كان من جهة أصل الرضا فلا غرم في المسألة فإن كان في نقص في العوض فالمنقوص من عوضه قد علم بذلك ودخل عليه، وأما تخييرهما معا مع غرم المشتري وتخييرهما معا دون غرم فهما في الحقيقة يرجعان إلى صورة واحدة، وذلك إذا بدأنا بتخيير المشتري قيل اختر إما إن تغرم ويثبت لك البيع أو تأبى من الغرم فيخير عليك البائع في إمضاء البيع أو فسخه، وإن بدأنا بالبائع قلنا اختبر إما أن تمضي البيع مجانا أو يخير عليك المشتري في أن يغرم لك أو يفسخ عن نفسه، وهاتان الصورتان تبطل كل واحدة منهما بما أبطلنا به الغرم من المشتري وبما أبطلنا به تخيير البائع، وذلك البائع قد رضي مع علمه بالوظيفة، وإذا بطلت هذه الأقسام التسع تعين القسم الباقي وهو لزوم البيع مع قيام السلعة فلا غرم على المشتري، وإذا كان هذا لازما مع قيام السلعة فهو مع فواتها ألزم، فقولكم إن البائع يزيده المشتري قدر ما يرى قد دللنا على أنه لا يزيده شيئا، فإن قيل بقي عليكم من الصور فيما إذا كان الخيار لهما صورتان، وهما أن يكون لهما مع لزوم الغرم، وأن يكون الخيار مع سقوط الغرم، مثال الأول أن يخير المشتري فإن اختار الغرم خير البائع
وأول ما سمعت هذا التعبير من نص بعض محققي من لقيت، ثم رأيته لابن عبد السلام التونسي. ثم وقفت على معناه منقولا عن الشيخ أبي عمران الفاسي فراجعه الإمام أبو إسحاق الشاطبي بما نصه.
وأما مسألة مراعاة الخلاف فإنه بقي علي فيها شيء، وذلك أنكن قسمتم الأدلة الشرعية المتعارضة إلى ما يجزم الناظر فيه بترجيح أحد الدليلين من غير تردد، وإلى ما يبقى له في ترجيحه تردد، وجعلكم مراعاة الخلاف في القسم الأول لا معنى له، وفي الثاني لها اعتبار، كما في الدليل المرجوع عند الناظر إذا ترجحت، فإما أن يكون ترجيحا يقتضي تقديمها على الأخرى أولا، فإن لم يقتض تقديمها فهو معنى التساوي بين الأمارتين، إذ لا معنى لرجحان لا يفيد حكما، ولا ينشئ ظنا. والتساوي يجري على حكمه قبل الوقوع وبعده. إما على الوقف أو على التخيير، حسبما تقرر في الأصول. فإن اقتضى تقديم إحدى الأمارتين، لحقت في الحكم بالقسم الأول الذي لا تردد فيه، إذ لا يسوغ أن يقول المفتي: هذا لا يجوز، مع التردد في عدم الجواز، وقوة إمكان الجواز. ولا أن يقال: إنه قبل الوقوع لا يجوز، وبعد الوقوع جائز، فإن هذا شنيع أن يكون الممنوع، إذا فعل صار جائزا. وأيضا فلا معنى لاعتبار دليل المنع قبل الوقوع، إلا أن دليل الجواز غير معتبر. ولا اعتبار دليل الجواز بعد الوقوع، إلا أن دليل المنع ساقط الاعتبار، فلم يتصور في اعتبار الدليلين، مع ترجيح أحدهما، لأن هذا تضاد.
وقولكم: إن الفعل بعد الوقوع وقع على وفق دليل له في النفس اعتبار. لو كان ذلك، لم يصح إطلاق القول بالمنع ابتداء، بل القول بالمنع
[390/6]
326/7] وثانيهما أن المشهور في الصدقة والهبة أن حوز الأب للصغير في مثل هذا لا ينفع, ولا اعرف خلافا في الحبس أنه لا يقع, والعمرى لا تخرج على أحد الوجهين فهي ميراث والله تعالى أعلم. وكتب سعيد بن محمد بن محمد العقباني.
وأجاب الفقيه القاضي أبو سالم إبراهيم بن محمد بن إبراهيم اليزناسني عن المسألة بما نصه: الحمد لله , طلبتم أيدكم الله ما عندي في المسألة, فاعلموا أن العمرى فما بعدها باطل, ويرجع جميع ذلك ميراثا, والدليل على ذلك من وجوه كثيره يكثر تعدادها, واللائق بهذا الطرس أن الوثيقة لم تتضمن معاينة- البينة- الحوز, بل ثبت فيها الإشهاد على المعمر والزوجة وسعيد الحائز لذلك المعمر, ولا خلاف في بطلان كل عطية تفتقر إلى الحوز تكون بهذه الصفة إذا وجدت في غير يد المعطي, كما أن المشهور من المذهب بطلانها وإن وجدت بيد المعطي, وعليه حمل الشيوخ ما في المدونة وآخرهم في ذلك أبو الفضل عياض رضي الله عنهم, بل ثبت في اختصار البراذعي أنه صريح مذهب مالك في رواية ابن القاسم, لا يقال إن الأب هو الحائز لبنيه والإشهاد للأب, لأنا نقول لما شارك الأب من لايحوز له الأب وهي الزوجة فجميع العطية باطل, كقول مالك في المدونة وغيرها في الذي يحبس على ولده الصغير والكبير أو أجنبي مع الولد الصغير ولم يحز الكبير أو الأجنبي أن الجميع باطل, بخلاف الصدقة والهبة يمضي نصيب الصغير ويبطل حظ الكبير أو الأجنبي لملكية المعطي للهبة والصدقة, وعدم الملكية في الحبس والعمرى في مسألتنا كالحبس لأنها تمليك منفعة بل العمرى آكد في ذلك لما كانت ترجع بعد انقراض المعطي أو عقبه إلى المعطى فيتمخض فيها عدم الملكية قطعا, ويؤكد عدم معهاينة البينة الحيازة عدم التصريح بها على ما شرطه الموثقون, فمن نصهم واللفظ للوثائق المجموعة: فمن عاين دفع فلان للعمرى المذكورة أي إلى المعمر فلان وقبض المعمر لها واحتيازه في صحة المعمر فلان وجواز أمره انتهى موضع
وقد بقي في هذه المسألة شيء للنظر وهو أن الناس يحكون خلاف ابن القاسم وغيره في بيع الأنقاض على الفلاح قائمة هل يجوز وهو مذهب ابن القاسم؟ أو يمتنع وهو قول أشهب وسحنون؟ هكذا حكى الخلاف ابن رشد في المقدمات أعني بالنص على القلع وزاد جماعة عن سحنون إباحة ذلك عند الضرورة إلا ابن أبي زمنين في وثائقه على ما تقدم من النقل عنه، فإنه حكى عن غير ابن القاسم أن إباحة البيع عند الضرورة هي مع التبقية حسبما هو مسطور في نص الوثيقة وفي مساق عبارته في إيراد الخلاف مأخذ يقال إنه يظهر منه أن لا بيع مع التبقية هو مورد الخلاف بين ابن القاسم وغيره وأن ابن القاسم لا يقصر إباحة ذلك على الضرورة وغيره يقصرها عليه وعلى صحة هذا الظاهر إن كان قصره على هذا الوجه فحينئذ يكون ابن القاسم عند ابن أبي زيد زمنين جواز بيع الأنقاض والغراسات في أرض غير البائع على التبقية الموصوفة في الوثيقة دون تقييد بحالة ضرورة ومذهب غيره تقييده بذلك ولم يقع في المدونة ذكر القلع إنما ذكر فيها بيع البنيان والنقض من غير زيادة فهي تحتمل التفسيرين.
وأما ما سألتم عنه من الإقدام على الغراسة في أرض السلطان على ما فيها من الكراء إلى غير أجل وأنه لا يعلم متى يوظف الكراء لارتباط التوظيف بخروج العامل فأقول: إن الغارس ابتداء ليس بمتعد على مالك الأرض في
[375/8]
[376/8]أرضه للعن بإباحته بذلك بحسب العادة المستمرة فذلك إذن علم بالعادة فهو كالتصريح لكن يبقى حق الشرع في صفة هذا العقد وفيه مما يظن مانعا ثلاثة أشياء.
أحدها الدخول على كراء مجهول القدر في الحال فبغرسه في الأرض صار ملتزما لكراء تلك الأرض بما سيوظفه العامل ويختلف باختلاف نظر العامل عند خروجهم واختلاف السنين.
والثاني الدخول على الجهالة بابتداء لزوم الأداء لوجيبة الكراء متى يكون فربما يرجو تراخي التوظيف ولذلك غرس فيستعجل عليه فيه.
إذا تقرر هذا فنقول: لا يتأتى إلحاق الوصية المقترن بها الالتزام بالبيع المقترن به اشتراط الخيار، لأن اللزوم حكم وجودي يقتضيه البيع، فإذا تخلف عنه لاشتراط عدمه مدة الخيار صح أن يعتبر ذلك الاشتراط فيه اعتبار المانع، وأما الوصية فالحكم فيها باللزوم لها عن حقيقتها إلى حقيقة أخرى فوقها وهي الهبة، فصار الموصى الملتزم كأنه قال: وهبت ثلث مالي لفلان هبة لازمة على أن لا يقبضها إلا بعد الموت، وذلك كالمندوب إذا التزمه المكلف فإنه يصير بالنذر واجبا ويخرج عن حقيقته الأولى، ولو سلمنا بقاء حقيقة الوصية فلا يصح اعتبار شرط اللزوم فيها على نحو اعتبار شرط الخيار في البيع، لأن اللزوم حكم وجودي، ومن شرط المانع أن لا يعمل فيه.
فإن قيل: نحن نسلم ذلك، ولكنا نقول: يعتبر اشتراط اللزوم فيها اعتبار الأسباب وقد عهد في الشرع ذلك في المندوبات، فإن الالتزام فيها سبب اللزوم، فإن الوصية مندوبة فإتمامها بالتنفيذ مندوب.
قلنا: أما لزوم أصل الوصية بالالتزام فليس محل النزاع، بل نقول
[
وما يقتضيه [317/10] مفهوم الكلام الذي وقع في الكافي يظهر لي أنه ليس بصريح في المعارضة فرده إلى موافقة ما تقدم من كلام غيره ممكن وقريب إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال أولا : واختلف قول مالك في إقرار الوكيل بالخصومة عند القاضي على موكله فمرة أجازه ومرة أباه وقال لا يلزم موكله ما أقر به عليه ولا يقبل القاضي ذلك منه ، والظاهر أن هذه المسألة هي مسألة أصحاب الخلاف العالي المجتلب فيها التي هي وكالة على مطلق الخصومة حسبما تحقق من كلام المازري وغيره ، زاد أبو عمر فيها قولا بموافقة مالك أبا حنيفة وإلا فكيف يأبى مالك اللزوم إذا جعل له الاقرار وأقر عند القاضي ، هذا ما لا يقوله مالك ولا غيره فهذا يعين أن المسألة على ما ذكر ، وقوله وجرى العمل عندنا على أنه إذا جعل له الاقرار عليه لزمه ما أقربه عند القاضي وهو يخالف مفهومه ما تقدم اجتلابه من الكلام ، لكنه يحتمل أن يكون لأنه محل الخلاف ، ولا لأنه قيد في الكلام ، فكأنه أراد أن يعرف في محل الخلاف المذكور عن ذلك الخلاف عند وجود هذه الضميمة في وكالة الخصومة وهي جعل الاقرار للوكيل فكأنه قال وجرى العمل عندنا أن ذلك الموطن الذي اختلف فيه لا يلزم الاقرار فيه حتى يجعله إليه الموكل ويكون قوله عند القاضي يتعلق باللزوم لا بالإقرار جاء به وإن كان ذلك اللزوم يغني عنه كما قال في القول الثاني لمالك ولا يقبل القاضي ذلك منه بعد قوله لا يلزم موكله ما أقر به عليه مع أنه مغن عنه ومع هذا كله غاية ما يعطيه هذا اللفظ إذا لم يتأول مفهوم ضعيف ، فالحق الرجوع في حكم ما سكت عنه إلى كلام غيره ، ثم ما حكاه ابن خويزمنذاذ عائد إلى أول المسألة حيث الخلاف المذكور أفاد أن القول الثاني تحصيل المذهب لأنه هو الذي ناظر عليه أهله كما تقدم ، وإلا فإذا لم يكن على هذا الوجه فهو يفيد أن وكيل الخصام وإن جعل له الاقرار لا يلزم الموكل إقراره مطلقا لا في مجلس القاضي ولا في غيره
316/11] حضرتك، وخاتم أنبيائك، حاء الرحمة، وميمي الملك، ودال الدوام، السيد الكامل، الفاتح الخاتم، عدد ما هو في علمك كائن، أو قد كان، عدد ما ذكرك وذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكرك وذكره الغافلون، صلاصة دائمة بدوامك، باقية ببقائك، لا منتهى لها دون علمك، إنك على كل شيء قدير.
وكتب عبيد الله أحمد بن زكري لطف الله به.
وتقيد بعقب هذه الأجوبة المسطورة سؤال طوله به مقام مفتي الحضرة التونسية الشيخ الإمام العالم العامل، الصالح البركة الخاشع لله المؤلف الرواية المسند، أبي عبد الله محمد بن قاسم الرصاع نصه: الحمد لله سيدي رضي الله عنكم تأملوا هذه الأجوبة من هذه السادات الكرام، الأيمة الأعلام، وما تختارونه منها. وأيها أجرى على طريق العلماء، وما يظهر لكم من الفوائد فيها والله تعالى يسددكم ويجعل لنا في عمركم البركة بفضله. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
فأجاب مبتغيا من الله جزيل الثواب بما نصه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة صادرة من قلب سليم، ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبده ورسوله عزيز القدر عنده صاحب الخلق العظيم، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم أزكى الصلاة وأفضل التسليم.
أما بعد، فإني لما رأيت ما بعث به إلي من هذه الأجوبة المباركة، لمشايخ حضرة بلد تلمسان، أدام الله بها الإسلام والإيمان، وحرسها عن أغيار الأزمان، يظهر لي أنه لا بد من الإشارة إلى ما ذكره السائل وطلبه، وبيان ما يدل به على ذلك من فوائد يحتاج إليها، وفوائد ينبغي لطالب العلم الوقوف عليها فنقول: أما ما ذكر عن تكملة الأبرار، فهو كلام صحيح حق جار على مذهب أهل السنة الأخيار، لأن غاية أمره أنه قسم الناس إلى قسمين: مومن
[