وبلغنا عن أحد اتباع المنكر أنه قال ما حاصله: لا نزاع في أصل الأدعية, وإنما النزاع في تحقيق الكيفية, إذ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نص جلي في أن دعاءه بما نقل من الدعوات الواقعة أدبار الصلوات كان جهرا منه, بحيث يتلقاه المصلي خلفه من لفظه في الحال قبل السؤال عن مقتضاه, فالتوقف عن رفع الصوت والتجميع لازم حذرا من الوقوع في الممنوع. والمقصود يحصل من المطلوب باستعمال الدعاء سرا على الانفراد.
والجواب أن الأصل في الأشياء التي تذهب النفوس إلى التلطف بها والإخبار عنها الكلام الذي هو الأصوات المقطعة والعبارات المختلفة, ومن يدعي خلاف ذلك من تغليب الفوع وإدخال الشك في الحاصل من التصديق المحض فعليه بالدليل. ونقول مع ذلك: الأصل في الكلام الحقيقة, ومنها بقاء الألفاظ على أوضاعها, ومبادرة الفهم إلى الحقائق أقوى من مبادرته إلى الكجاز. ونحن نتمسك في أمور باستصحاب الأصول إلى أن يقع النقل بموجب فالترجيع من غير مرجع باطل, والقول فيما يرجع إلى الدين بمجرد الشهوة أيضا باطل. والذي يسبق إلى الذهن ويصح بالاستقراء في العقل أن الإنسان
[
والنوع الثاني من البدع ضلال وزيغ على الحق وعدول على السنة والجماعة. لا يطلق عليه كفر ولا على معتقده كافر، كقول المختارية من الرافضة إن عليا إمام من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصي الله، والأئمة من ولده يقومون مقامه في ذلك. وكقول صنف منهم يفضل عليا على الناس ولا يطعن على أبو بكر وعمر، ويطعن على عثمان بأنه غير، ويقال لهم الزيدية، وكقول الشيعة منهم أبوبكر وعمر أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التقديم وعلى أحب إلينا. فهذه كلها بدع خارجة عن رأي جماعة المسلمين لا نقول إنها كفر وإن معتقدها كافر ولا يمتري ذو حس في خفتها عن التي قبلها ولا في كونها من غير جنسها. ومثل هذا في التنويع كثير في غير الرافضة من المرجئة والجهمية والقدرية وغيرهم. إلا أنا اقتصرنا على هذا التمثيل مجانبة التطويل، وإذ فيه بيان من ذلك التجميل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقول ابن عتاب في جوابه قد قال كثير من أصحاب مالك قد يكون في
[340/2]
[341/2]
=فأجاب : ما قدره الشهود من النفقات وعلم أن الأخت هي الكافلة والمنفقة عليها ، فلها محاسبتها به ، ولابد للشهود من ذكر صفة سكة الدنانير على اختلاف أزمتها ، وما تستحقه من كل سكة ، ويحكم القاضي بها ، وقول الوصي في قدر مالها عندها مقبول ، وما ذكرت أنه زادته لها من مالها في شورتها ، وأسلفتها على حصتها من الدار ، وهذا القدر مما يشبه ما يتشور به ، فلها استيفاؤه من الحصة التي لها .
=وأجاب : غيره القول قول الوصية أنها لم تقبض من التركة غير ما ذكرت ، وتصدق فيما زعمت أنها أدخلتها به ولو سلفا إذا كان لها ذمة يمكن أن تسلف عليها ، وهذا بعد إثبات كونها وصيا ، وما ذكره الخصم من إثبات التركة فقد عينتها ، فإن ادعى زيادة أو طلب إثبات تفصيل أو معنى آخر فليذكر ، وإلا فجواب الوصية كاف ، وقد وقع تقدير القمح وذكر ثمنه دنانير فهو خلل يجب أن يصلح ؛ لأن سكتها في السنين مختلفة ، فيجب أن تذكر باختلافها ومبلغ ثمن القمح فلابد من ذكر كل سنة ومبلغ ثمن الانفاق فيها حتى يجد القاضي معنى صحيحا فيحكم به ، وهذا اللفظ لا يصلح الحكم به ولا تسمع الشهادة عليه ، ويتأمل حال سن هذه الصبية ويصلح في الشهادات .
[من أثبتت غيبة زوجها وعدم نفقتها وأنه لا مال له سوى ربع]
*وسئل : عمن أثبتت غيبة زوجها وعدم نفقته ، وأنه لا مال له سوى ربع وأمرت باليمين ، فحلفت ونودي على الربع واستقر على المشتري ولم ينعقد البيع ، فهل يعديها بالنفقة من يوم الحلف أو من يوم الحكم بالبيع .
=فأجاب : الاعداء بالنفقة من يوم الحلف لا من يوم انعقاد البيع .
[319/3][من له ولد في كفالة جدته وأشهد الجد للأم أنه متى غاب فقد أسقط نفقته]
*وسئل عمن له ولد في كفالة جدته فشهد عدل ان الجد للأم التزم أنه متى غاب فقد أسقط نفقته ، وإن حضر لم يطلبه إلا بنصف دينار ويقوم بالنفقة ، فهل يلزم الجد ذلك أم لا ؟
سمعه من في البيت، فقالت المرأة أنا سلمت لك وقال أبوها أنا ضمنت لك ذلك فما رد الزوج عليهما جوابا، فقام أهل الدوار فحملوا المرأة وأباها من موقفهما ذلك وغضبت المرأة في بيت أبيها، فلما كان بعد أيام طلب الزوج زوجته، فقيل له مالك فيها زوجة، لأن المرأة وأبها وقفا قريبا من بيتك وسلمت لك وضمن أبوها كما طلبت فلم ترد عليهما كلاما، فقال الرجل ما سمعتهما ولا علمت بموقفهما ولو سمعتهما لطلقتها: فسئل أهل الدوار الحاضرون على ذلك فقالوا كلهم موقف المرأة مع أبيها قريب من بيت الزوج، وكلامهما يسمع من البيت إن لم يكن مانع. وزاد بعضهم إن زمان سليم المرأة وضمان أبيها كان الخصام في بيت الزوج، والكلام والدوي، فهل يقبل قول الزوج إنه لم يسمع أو لا؟ وعلى كل تقدير، هل يلزمه اليوم الطلاق لأن البينة شهدت أن المرأة سلمت وضمن أبوها؟ وما الحكم إن قالت المرأة اليوم لا أسلم فقال أبوها لا أضمن؟
فأجاب: إن لم تحقق البينة أن الزوج سمع كلام زوجته وأبيها، فقوله مقبول إن لم يسمع، ولا يلزمه مع ذلك حنث، ولا يلزم الزوجة أن ترد والله الموفق بفضله.
وأجاب سيدي محمد بن مرزوق: أن كانت المرأة مالكة أمر نفسها فتسليمها لازم لها لا رجوع لها فيه، وضمان أبيها إياها لازم له، والزوج أن لم يطلق فالحرام الذي حلف به يلزمه.
[من خالع زوجته وأوقع عليها طلقة رجعية.]
وسئل شيخنا وبركتنا سيدي محمد بن العباس عمن شارر زوجته وطلبت منه الفراق، وقال لها سلمي لي في مالك قبلي، فقالت له سلمت لك؛ فقال لها أنت طالق طلقة رجعية غير بائن، والفرض أنه استرعى قبل إرسال هذا الطلاق أنه أن طلب منها التسليم فإنما يقصد به استعلامها هل هي راغبة فيه أو تحب فراقه؟ فلما طلقها وزعم أنه إنما طلقها بعد أن سأل عن قضيته هذه بعض الطلبة فقال له ارتجعها، فأشهد برجعتها لقرب الموطن، وتمسك.
[346/4]
[347/4]
القيام، وينبغي أن يقدم حكم قيام السلعة على حكم فواتها لأنه سابق عليه طبعا فينبغي أن يقدم وضعا، ثم يردفه بالكلام على ما ذكرتم من حكم الفوات فنقول: إذا كانت السلعة قائمة فالحكم المتوهم في المسألة لا يعدو عشرة احتمالات، وذلك أن البيع إما أن يمضي من غير اختيار لأحد، أو يفسخ من غير اختيار لأحد، أو يتوقف امضاؤه وفسخه على اختيار مختار، والحصر في هذه الثلاثة ظاهر، أما إمضاؤه من غير اختيار لأحد فإما مع غرم على المشتري أو لا، وأما توقفه على الاختيار فإما أن يكون فيه لغير المتبايعين أو لا، فهذه خمسة أقسام منحصرة، أما القسم الخامس وهو ما يكون الخيار لا يتعدى المتبايعين فينقسم ستة أقسام، لأن الخيار إما للبائع وحده، أو للمشتري وحده، أو لهما، وكل صورة من هذه الثلاثة إما مع غرم على المشتري أو دونه، صارت صورة الخيار في المتبايعين ستا، إلى صورة الخيار الذي يكون فيه غير المتبايعين صارت صورة الخيار سبعا إلى الصور الثلاث الأول وهي إمضاء البيع بلا خيار مع غرم أو دونه، وفسخ البيع، فهذه عشر صور منحصرة، وكلها باطلة إلا إمضاء البيع بلا غرم ولا خيار، أما صورة لزوم البيع مع تكليف المشتري غرما فذلك ظلم عليه، إذ ليس أسوأ حالا من الغاش بالعيب والكذاب في المرابحة، وأما لزوم الفسخ فمن خواص البيع الفاسد، ونحن قد اتفقنا على صحة البيع، وأما الخيار الذي يدخل فيه غير المتبايعين فباطل باتفاق منا إذ لا حق لغيرهما فيه، وأما تخيير المشتري دون غرم عليه أو تخيير البائع مع غرم المشتري له فلا معنى لهاتين الصورتين، لأن المشتري إذا لم يلزمه غرم فليس له حق يوجب له الخيار في البيع، كما أن البائع إذا استوفى الغرم الذي عينتم له على المشتري فلا يبقى له حق يوجب له الخيار في البيع، وأما تخيير البائع في إمضاء البيع مجانا فذلك إنما يكون لأحد أمور ثلاثة: إما لفقد الرضا من البيع كالمضغوط والفضولي، وإما كونه ممن لا
وبسطه: أن الأدلة الشرعية منها ما تتبين قوته تبيينا يجزم الناظر فيه بصحة أحد الدليلين، والعمل بإحدى الأمارتين فها هنا لا وجه لمراعاة الخلاف، ولا معنى له. ومن الأدلة ما يقوى فيها أحد الدليلين، وتترجح فيها إحدى الأمارتين قوة ما ورجحانا لا ينقطع معه تردد النفس وتشوفها إلى مقتضى الدليل الآخر فها هنا تحسن مراعاة الخلاف فيقول الإمام، ويعمل ابتداء على الدليل الأرجح، لمقتضى الرجحان في غلبة ظنه. فإذا وقع عقد أو عبادة على مقتضى الدليل الآخر لم يفسخ العقد، ولم تبطل العبادة، لوقوع ذلك على موافقة دليل له في النفس اعتبار. وليس إسقاطه بالذي تنشرح له النفس. فهذا معنى قولنا: إعطاء كل واحد من الدليلين حكمه، فيقول ابتداء بالدليل الذي يراه أرجح، ثم إذا وقع العمل على مقتضى الدليل الآخر راعى ما لهذا الدليل من القوة التي لم يسقط اعتبارها في نظره جملة. فهو توسط بين موجب الدليلين. فإذا أخذته هذه المآخذ ذهب التناقض، لأنه لو كان يراعي الخلاف مطلقا، لما ثبت له مذهب بوجه، ولا أصبح أيضا يراعي القائلين، فإنه تارة يراعي قول ابن المسيب، وابن شهاب. وتارة يطرح الجميع ويقول: كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلام صاحب هذا القبر.
ومثال ذلك عندي: سالك طريق، جعل له عليها أمارات يتبعها، فربما عرض له طريقان، على كل واحد منهما أمارة. فإن تساوى في نظره الأمارتان، وقف حتى يجد مرجحا، ,إن رجحت إحداهما عمل عليها. وإن رأى غيره قد مضى على الجهة الأخرى وقطع منها ما يشق رجوعه، فيقول: كيف أرده وهو عمل بأمارة لها اعتبار؟ فلعل طريقه أقصد، وقد قطع منها ما له بال، لاسيما إن علم أن الطريقين معا موصلان إلى المقصود. ونظير هذا
[389/6]
الاحتمال في تصويب المجتهدين. وقد رأى بعض الناس أن مراعاة الخلاف لا تتمكن إلا على القول بالتصويب. وليس كذلك، بل تتمشى على المذهبين معا، ولكنها على التصويب أسهل.
325/7] وأجاب عنها الفقيه القاضي أبو عثمان سعيد بن محمد العقباني بما نصه: الحمد الله. هذا ما نص عليه أئمة المذهب من اشتراط معاينة البينة لا ينفع, وذلك مما يكون حائزه غير الأب لمن في في حجره من بنيه, ومسألتك هذه مما يحتاج إلى حوز غير الأب لدخول الزوجة مع الصغار, وهي أجنبية عن حوز الأب, لكن شرط الحوز من غير الأب معاينة البينة له كما قدمناه, ووثيقتك غير وافية بالمعاينة في حوز أبي عثمان, وظاهره في انتفاء حوز الأب على أنها لو أثبتت حوز الأب لما نفع, أما عروها عن المعاينة فلأن غاية ما قال فيها عند عقد الشهادة شهد على اشهاد أبي عبد الله, أو على لفظ اشهاد ولا ثالث, فإن على أبي عبد الله كان المعنى شهد على إشهاد الزوجة, وعلى أبي عثمان, فالمذكور عنهما, والذي ذكر عنهما القبول والحوز على الزوجة والحوز على أبي عثمان, وقوله شهد على اشهادهما بذلك لا يؤذن بأكثر من إشهادهما بأنهما حازا, أما المعاينة فاللفظ غير واف بها, وأما إن كان عطفا على لفظ اشهاد فإنه يصير المعنى شهد على الزوجة وأبي عثمان انتهى.
وهو مع بعده كالأول وإنما كان بعيدا لأنه عطف على الأبعد من طريق اللفظ, وأما من طريق المعنى فلأن الشهادة بالحوز شاهدة للحائز, إذ الحوز حق له وليس بشهادة عليه فلا يليق أن يقال شهد عليه, ويحسن أن يقال شهد على اشهادهما إذا لم يشهد غيره بما يكون له من الحقوق وأما ما قال بعض الأئمة فيمن حبس على ابنين له كبير وصغير وحاز لهما أن نصيب الصغير يمضي وحده على القول إن الكبير لو مات ما رجع نصيبه للصغير, وعليه فإن نصيب الصغير لا يتزايد فلا يتجه هنا لوجهين:
أحدهما أن الوثيقة صرحت بأن الأب استناب من يحوز للصغار كما لو صرح أني لا أحوز لهم ولو صرح بذلك لما حمل على الحوز هو مما يحمل عليه إذا صرح أنه حاز أو سكت.
[
وهذه الضرورة يدين البائع في دعواها بدليل أنها في الوثيقة المتقدم نصها غير متضمنة في الشهادة بل مسوقة مساق الحكاية خاصة وما عزوه إلى ابن القاسم من إباحة بيع النقض هو قوله في المدونة وقول مالك أيضا في أرض الحبس حسبما وقع في كتاب الشفعة من المدونة والثالث ما حكاه صاحب النوازل المذكورة عن القاضي ابن زرب من كلامه مع ابن دحون حيث منع القاضي بيع الأنقاض القائمة في أرض السلطان إذ المعلوم لولا رجاؤه تركة الأنقاض قائمة فيها لم يعط صاحبها ذلك الثمن فيها فقال ابن دحون فلو باع هذا النقض صاحبه وشرط على المبتاع فتبسم وقال هذه حيلة لو علمها الناس لاحتالوا بها قال ابن سهل فذهب إلى أن ذلك جائز إذا اشترط أنه يقلعه فيقول ابن سهل مذهب القاضي ابن زرب كما ترى الجواز مع رجاء المشتري الترك عند اشتراط القلع عليه وفيه نظر لأن قوله هذه حيلة لا يفيد
[374/8]
[375/8]جواز ذلك شرعا، وإنما يفيد ظهور الصحة عند ذلك حتى يمتنع الحاكم من التعرض له ويبقى ما فعلاه من الزيادة في الثمن لكان ذلك الرجاء على ما كان عليه من المنع وإنما كان كلام ابن زرب هذا معنى ما قاله ابن العطار في وثائقه إذا زاد المبتاع في الثمن لما في باطن الأمر من إرادة البقاء لا يحل لهما ذلك فيما بينهما وبين الله عز وجل وإن كانا أظهرا في العقد أمرا صحيحا ولعل ابن سهل إنما أراد الجواز في الظاهر مطلقا خلافا لما حكاه هو بعد ذلك عن ابن عتاب وابن القطان وابن مالك أنهم أفتوا بقرطبة بنقض البيع على ذلك الوجه أعني على شرط القلع إذا كان المتعارف من فعل الناس إبقاء الأنقاض في مواضعها.
بطلت بموت الواهب بشائبة الركنية ووجب عليه الإقباض عند المطالبة به بشائبة الحكمية، وهي إن لزمت عندنا قبل القبض فليس لزومها تاما، ألا ترى أنه ينفذ فيها تصرف الواهب قبل الحوز بالعتق والبيع والهبة المحوزة على تفصيل في ذلك واختلاف رأى وكذلك لا يتم اللزوم بعد القبض من حيث الاعتصار فكانت هذه التبرعات متقاصرة عن البيع في اقتضاء اللزوم، إلا أنها
[336/9] لما اقتضته تمليكا ناجزا في الشيء المتبرع به وكان للمتبرع عليه ولاية التصرف حين النفوذ كانت جارية على أصل القياس لأنها تصرفات صادرة من الأصل في المحل ودون الوصية، فإنها مع كونها تبرعا إنما تنفذ حين تنقطع ولاية الموصى وذلك بعد الموت، فلذلك كانت على خلاف الأصل والقياس، فلم تنتهض أن تقتضى شيئا من اللزوم، فاختلاف هذه الأسباب في الأحكام إنما هو لتفاوتها في القوة والضعف تفاوتا ذاتيا لا لوجود مانع في بعضها وعدمه في البعض، ويترجح ذلك أيضا بالوجه العام، وهو أن التفاوت لو كان لمانع لزم التعارض بينه وبين المقتضى، والأصل عدم التعارض، وإنما التفاوت بين هذه العقود في الاقتضاء كالتفاوت الذي بين طبقات الطب في الاقتضاء، فليس لقائل أن يقول: إنما يختلف اللزوم عن الندب لوجود مانع فيه دون الوجوب بل اللزوم إذن لأن الندب ذهب به إلى حقيقة أخرى وهو الوجوب، وأما الوجوب في نفسه فلا يقبله إذ من ضرورة القابل بقاؤه مع المقبول، ولا بقاء للندب مع اللزوم.
وقال ابن رشد في المسائل الخلافية له بعدما حكى الأقوال الثلاثة المذكورة وموضع الخلاف هل إطلاق الوكالة على الخصومة يقتضي الاقرار عليه كما يقتضي الانكار أو لا يقتضي إلا الإنكار فقط إلا أن يشترط الاقرار . انتهى . ولم يقع في شيء من هذه النصوص المجتلبة أن الاقرار المجعول لوكيل الخصومة يتقيد أعماله بمجلس الحكم ، ولا يتقدم خصومة قبله ، وقد ذكر أصحاب الخلافيات أن اعتبار مجلس الحكم دون غيره في وكالة الخصام أصل خفي فيما إذا اقتصر في الوكالة على الخصام دون تقييد وروده عليه . قال ابن رشد المجتلب كلامه المتقدم ولا فرق عند الشافعية والمالكية بين مجلس الحكم وغيره ، وقال ابن العربي في الحجة لهم دليلنا أن الاقرار ليس من الخصومة فلا يستفيده الوكيل منها ، أصله تأدية المال ، أو تقول : كل ما ليس للوكيل أن يفعله في غير مجلس الحكم ليس له أن يفعله في مجلس الحكم أصله إقباض المال ، وهذه عمدة الطوائف كلها ، ليس لهم سواها ، ثم قال أيضا في طرق الاحتجاج طريقة أصبهان ( كذا ) قالوا من لا يقبل إقراره في مجلس غير الحكم لا يقتبل إقراره في مجلس الحكم . انتهى .
الثالثة الظالم الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، والمقتصد هو الذي يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف، والسابق الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد.
[315/11] الرابعة الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.
الخامسة الظالم التالى للقرآن غير العالم به، العامل بموجبه، والمقتصد التالى العالم، والسابق التالي العالم العامل.
السادسة الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.
السابعة الظالم أصحاب المشأمة، والمقتصد أصحاب الميمنة، والسابق المقرب ﴿السابقون أولائك المقربون﴾.
الثامنة الظالم الذي يحاسب فيدخل النار، والمقتصد الذي يحاسب فيدخل الجنة، والسابق الذي يدخل الجنة بغير حساب.
التاسعة الظالم المصر على المعصية، والمقتصد التائب، والسابق المقبول التوبة.
العاشرة الظالم الذي أخذ القرآن ولم يعمل به، والمقتصد الذي عمل به، والسابق الذي أخذ القرآن وعمل به وبين للناس العمل به، ففعلوا، فهو كامل وهو مكمل، والمقتصد كامل، والظالم ناقص.
والمختار عند الفخر: أن الظالم هو المخالف أوامر الله، المرتكب مناهيه، فإنه واضع الشيء في غير موضعه. والمقتصد هو المجتهد في ترك المخالفة، وإن لم يوفق لذلك، وصدر عنه إثم فإنه اقتصد واجتهد وقصد الحق. والسابق الذي لم يخالف بتوفيق الله. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بإذن الله﴾. أي اجتهد ووفق لما اجتهد فيه، وفيما اجتهد فهو سابق بالخيرات يقع في قلبه، فيسبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فترده النفس، والظالم تغلبه نفسه. وبعبارة صوفية: من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها فهو ظالم، ومن جاهد نفسه فغلب تارة وغلب أخرى، فهو المقتصد. ومن قهر نفسه فهو سابق. ذلك هو الفضل الكبير. وصل اللهم على سيدنا محمد بخير أنوارك، ومعدن أسرارك، ولسان حجتك، وعروس مملكتك، وإمام
[