ولفظة كان الواقعة في الأحاديث توذن على ما قاله أهل العلم بكثرة الفعل والمداومة عليه.
وجه آخر من الرد على من ظن أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم دبر الصلاة كان سرا لا جهرا أو شك فيه, وهو ما ورد عن أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ, فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي رأيت سكوتك بين التكبير والقراءة
[296/1] ما تقول؟ قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث. والمراد بالسكتة هنا السكوت عن الجهر لا مطلق القول وقوله ما تقول يشعر بأنه فهم أن هناك قولا. وفي مضمن هذا الحديث دلالة واضحة على أن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم دبر الصلاة المكتوبة كانت جهرا, إذ لو كانت سرا لم تنقل على الأوجه المتقدمة, ولكان قد سأل عن مقتضاها أبو هريرة كما قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما رآه سكت بين التكبير والقراءة بأبي أنت وأمي ما تقول؟ أو غير أبي هريرة مثلا من المصلين خلفه, ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم, فدل على انه لم يكن, ورسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الأيمة وفيه الأسوة الحسنة.
فأجاب: إبطال القياس في أحكام شرائع الدين جملة عند العلماء بدعة، وذلك فيمن اعتقده ودان به جرحه، لأن ذلك خلاف ما دل عليه القرآن وتظاهرت به الآثار، وأجمع عليه الصحابة ومن بعدهم من فقهاء الأمصار، وانعقد عليه الإجماع، وقال الله عز وجل:﴿ أفلا يتدبرون القرآن﴾.
[341/2]
[342/2]
وقال:﴿فاعتبروا يأولي الأبصار﴾، والاعتبار تمثيل الشيء بالشيء وإجراء حكمه عليه، وقال:﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾. وقال تعالى:﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ وقال عز وجل:﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون﴾، فوبخهم على أنكارهم النشأة الثانية مع أن لهم طريقا إلى معرفتها وهو القياس على النشأة الأولى التي يقرون بها وهي في معناها. ومثل هذا في القرآن كثير. وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿إني أقضي بينكم بالرأي فيها لم ينزل به وحى﴾، ومصداق هذا الخبر في كتاب الله، قال الله عز وجل:{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله.
=فأجاب : إن كانت السبعة الأولى بعث بها إليها لتنفقها ففعلت ، فلا مطالبة عليها بذلك ، وأما الدنانير الأخرى فإن أرسلها إليها أيضا لانفاقها وهو ظاهر الملأ ولا يحكم بفلسه ، فلا تحاصها المرأة الأخرى فيها بنفقة ولدها ، وإن لم يرسلها لأحد وهي موقوفة على ملكه ، فإن الزوجة مقدمة على الأولاد في الإنفاق حين إفلاس المطلوب باتفاق ، أو كونه لا يجد إلا نفقة شخص واحد ، وذكر في ذلك حديثا عنه (صلعم) ، فإذا كان هذا المقدار قليلا ، وقدر ما يفرض لها عليه عند المطالبة بالانفاقات التي ذكرت ، قدمت فيه ؛ لأن نفقتها على وجه المعاوضة ، ونفقة الأولاد على المواسة ، ونفقة المعاوضة أولى ، للحديث الذي أشرنا إليه .
[من قام غرماؤه عليه بدين ، فقامت زوجة ابنة تطلب المحاصة بصداقها الذي تحمل به]
*وسئل عمن قام غرماؤه عليه بدين ، فقامت زوجة ابنة تطلب المحاصة بصداقها لكونه تحمل به ، فهل لها ذلك أم لا ؟ .
=فأجاب : إذا عقد النكاح على الحمل بالصداق في وقت يجوز له التحمل به من كونه لا دين عليه ، ولا ما يوجب المنع من هذا الحمل ، فللزوجة محاصة الغرماء بصداقها إن لم يستحقوا ماله دونها أعيان من كونها سلعهم ، وبالله التوفيق .
[من طلبته زوجته في مؤخر صداقها وعنده ما يباع عليه لكنه يتضرر في الأثمان]
*وسئل : عمن طلبته زوجته في مؤخر صداقها وعنده ما يباع عليه في[321/3]الحال ، إلا أن عليه مضرة في الأثمان ، فهل يباع في الحال ، أو يضرب له من الأجل بقدر ما يرى التجار لها حتى يستقصى له الثمن من غير ضرر على الجميع .
فانظروا ما يظهر لكم في ذلك، وتأملوا قول ابن السبكي في بعض تآليفه لما تحدث على الباء قال أعم معانيها الإلصاق، وتأتي للمقابلة وهي الداخلة على الأعواض، وأحسن مثال لها قوله عليه السلام الخراج بالضمان، وأثبت ابن مالك مجيئها للتبعيض، وتأتي سببية وتعليلية، وهما غيران، والسبيبة أعم من العوضية، فمعنى بعتك بدرهم بسبب درهم أخذه مقابلة، ومن ثم قيل باء السببية باء العوض ثم قال: فائدة، لا يخفي اعتماد القرينة، فإن فقدت فالإلصاق، وإن تعارضت القرائن اضطرب النظر، مثاله طلقتك بدينار على أن لي الرجعة، فإن الدينار قرينة الخلع وإن الباء للعوض، واشتراط الرجعة تعارضه، فإما أن يتدافعا ويبقى طلقتك، فيقع الطلاق وتثبت الرجعة، لا لكونه اشترطها، بل لأن الواقع طلاق غير بائن وهو الصحيح المنصوص؛ وإما أن لا يدفع واحد منهما ما يوخذ من الباء أن الطلاق ليس مجانا، ومن اشتراط الرجعة انتفاء خصوص الدينار لإيقافه على شرط لا يحصل. وإذا بقي أصل العوض رجع إلى مهر المثل، وكأنه خلع بشرط فاسد، كما لو خالعها على أن لا عدة وحصلت البينونة بالعوض الشرعي وهو أولى من العوض المتعين، لأن ما ثبت بالشرع أولى مما ثبت بالشرط. هذا.
[347/4]
[348/4]
قول المزني والإمام الغزالي؛ وإما أن يثبت الخلع والمسمى وتثبت الرجعة ويجعل المال عوضا عما نقص من عدد الطلاق، وروي عن مالك؛ وإما أن يسقط شرط الرجعة ويثبت المال المعين، وهو عن أبي حنيفة وأحمد ورواية عن مالك أيضا فلله تصرفهم وحرصهم على الأعمال ما وجدوا إليه سبيلا! انتهى.
فانظروا رحمكم الله في هذا برأيكم السديد، ونظركم الرشيد، والله يديم للمسلمين وجودكم.
مع ذلك، ومثال الثاني أن يخير البائع فإذا اختار وأمضى البيع بلا غرم خير المشتري مع ذلك، قلنا قد بينا في بعض الأقسام الماضية أن تخيير المشتري مع سقوط الغرم وتخيير البائع مع ثبوته لا معنى لهما.
واعلم أن التقسيم الذي أردنا في المسألة لا يبقى معه لنفسك اختلاج في حكم المسألة إلا علمت سبب ذلك الاختلاج ما هو فأمره بعد هذا أو نفسه (كذا) انتهى.
قلت ابتداء لو فرضنا أن آخذ هذا المغرم قد ضم الناس لغرمه وعجلهم
[314/5]
ابتداء إهمال للقول بالجواز، والقائل بالمنع معنى كلامه: أنه إذا وقع مخالفا للدليل، كما أن القائل بالجواز معنى كلامه: أنه إذا وقع وقع على وفق الدليل. وإنما يتصور الجمع بين الأمارتين في هذا النحو، إذا كان المنع منع تنزيه لا منع تحريم. إذ لا تضاد في الوقوع بين الجائز والمكروه، وإنما يتضادان في التصوير. وما مثلتم به من الطريقين يجعل عليه أمارات بالبحث من أصله، وارد عليه، لأنك إذا كنت العارف بالأمارات فجاء من أراد سلوك الطريق إلى بلد كذا، فرجح عندك أن الطريق الموصل إليه الطريق ذات اليمن، وعند غيرك الطريق ذات اليسار، فدللته على ما ترجح عندك، ومنعته من سلوك الآخر، فلم تمنعه منه إلا وقد غلب على ظنك أنه لا يوصل إلى البلد. فإن ترك رأيك وأخذ ذات اليسار، ثم سألك كيف يصنع؟ لم يصح أن تنقلب لك غلبة الظن، فتصير الأمارة المرجوحة عندك راجحة، لأن هذا من باب انقلاب الاعتقاد من غير دليل.
وأما قولك: كيف أرده؟ وهو قد عمل بأمارة لها اعتبار. فيقال: لها اعتبار عندك أو عند غيرك أما عندي فلا. وأما عند غيرك فإنه لم يسأل غيرك، وإنما سألك وإياك قلد في التمادي على سلوك الطريق آخرا كما سألك أولا فمنعته، فصار بمخالفتك عاصيا. فكيف تفرع له على مذهب من أنت غير قائل بمذهبه؟ هذا وإن كان عندك الطريق ذات اليسار توصل إلى البلد، فليس بموصل إلى البلد بدلالتك، بل بدلالة غيرك، ولو كان موصلا إليه بدلالتك لم تمنعه ابتداء. وهذا على القول تصويب المجتهدين، فإن كل واحد يصوب قول صاحبه من حيث نظر صاحبه، لا من حيث نظر مذهب نفسه، إذ لا يجوز له الذهاب إليه، كما لا يجوز للآخر الذهاب إلى غير مذهب نفسه. فالتصويب إضافي. فإذا كان مع القول بالتصويب، فأحرى به مع القول بالتخطئة، وعند ذلك لم يتبين لي أن مراعاة الخلاف تتمشى على قول المصوبين، كما لو يتبين لبعض الناس جريانها على قول المخطئين أيضا.
[391/6]
الحاجة.
[327/7] لا يقال: إن العمرى في مسألتنا قد طال زمانها فلتحمل على الصحة.
لأنا نقول: إذا علم أصل العطية فلا ينتفع فيها بطول الزمان, لأن الحيازة لا تعمل إلا فيما جهل أصله, وأما ما علم أصله فلا تعمل فيه, وهذا أمر متفق عليه وبالله التوفيق, وكتب إبراهيم بن محمد بن إبراهيم اليزناسني انتهى.
ثم وصل المجيب رحمه الله جوابه هذا بصلة نصها: يقول إبراهيم المذكور أعلاه: رأيت أن أضع هنا وجهين تتميما للجواب الأول, أولهما في معنى سؤال, والثاني في تقرير حكمه. أما ما هو في معنى السؤال, فإن لقائل أن يقول, لو تكلفت تشبيه العمرى بالحبس ومذهبه في المدونة في رواية ابن القاسم عند مساواة الحبس والهبة ومساواة الولد الكبير والأجنبي, ونص البراذعي قال ابن القاسم ومن وهب عبدا لآبنه الصغير ولأجنبي فلم يقبض الأجنبي حتى مات الواهب فذلك كله باطل, كقول مالك فيمن حبس على ولده الصغار والكبار فمات قبل أن يقبض الكبار أنه يبطل كله بخلاف ما حبس عليهم وهم صغار كلهم هذا عن مات كان الحبس لهم جائز انتهى النص.... ثم ذكر قول ابن نافع بالفرق بين الصدقة والحبس فأبطل الحبس لأنه لا ينقسم ولا يملك وأمضى نصيب الصغار في الصدقة, وأبطل نصيب الكبار والأجنبي فنقول له لما كان الحبس متفقا عليه في المدونة كما ذكرنا جعلناه أصلا شبهنا به العمرى, وبطريق أخرى كما ذكرنا إذا الأصل المتفق عليه اولى من المختلف فيه بإجماع من أهل الفقه والأصول, وأما الوجه الثاني فلأن شهود رسم العمرى إما أن يكونوا من أهل العلم أو لا, فإن كانوا من أهل العلم فعدم تنصيبهم على معاينة الحوز مع احتياجهم إليه كما ذكرنا في الجواب ولا دليل على عدمه, وإن لم يكونوا من أهل العلم فلا عبرة بقولهم, وأعلى مراتب ألفاظهم أن تستعمل في حقائقها, وقد قدمنا في الجواب الأول أنها لا تفيد الحوز وذلك ما أردنا انتهى.
والثالث جهالة أجل الكراء ومنتهاه إذ لم يدخل فيه على حد معلوم وهذه الأشياء تقتضي المنع من التعرض لهذا العقد ابتداء وقد ذكر ابن العاطر وغيره هذا الوجه الثالث مانعا من بيع النقض والبنيان إذا التزم المشتري خرج القاعة شهرا بشهر إلى السلطان قال فلا يجوز أداء الكراء إلى غير أمد معلوم ولا يخالف هذا نص الوثيقة المجتلبة من وثائق ابن أبي زمنين فإنه لم يذكر أن قاعة الحانوت كان على الإذن في البنيان فيها على التزام كراء إنما ذكر أولا الإذن بعارية ثم بنى عقد الوثيقة على ذلك وباع الباقي على أن صار المشتري بمنزلته فلا يكون عليه شيء لصاحب القاعة مدة بقاء بنيانه فيها وعلى هذا تخرج مسألتنا في الكروم المجزأة على الإلحاق بمسألة ابن أبي زمنين في جواز البيع لوجود الكراء الممنوع شرعا في مسألتنا وفقد في تلك فاندفع القياس ولم يبين لنا في هذه النازلة تعلق بوجه رخصة مبيحة إلا كلام ابن المواز الذي حكاه صاحب النوازل عنه حسبما تقدم فإن المشتري قد دخل على أن يؤدي إلى السلطان كراء أرضه فلا بد كما كان البائع منه يفعل وهو لا يعلم قدره ولا مدته ولا تنزع الأرض من يده مدة بقاء بنيانه لمجرى العادة وقد وجدنا الباني ابتداء والغرس في تلك الأرض يساوي الملك في ملكه بعد حصول البناء والغرس بخلاف الإقدام إذ لا شيء من الضرورة إذ ذاك وهو فرق يعتبر اعتباره ألا ترى أن قول غير ابن القاسم عل طريقة هذا المنحنى نحاه ابن المواز وبه يندفع
[376/8]
[
337/9] لو كان محل النزاع لم تلزم، وإن كانت مندوبة، وذلك أنها لما شرعت على نهج المعاملات إذ هي في الملكيات ذات إيجاب وقبول لم يعمل النذر فيها كالنكاح، فإنه لا يلزم بالنذر وإن كان مندوبا، وقد نقل بعضهم فيه الإجماع على أنه لا يلزم النذر وذلك أنها إنما شرعا على نهج المعاملات ليصحا قربة وغير قربة، ولذلك صحا بغير نية القربة، ومن شرط محل النذر أن يتمحض قربة، ألا ترى أن من نذر عتق عبد لغيره لم يقض عليه به على ما نص عليه في المدونة، وذلك في القضاء عليه بذلك تفويت التقرب به، إذ العتق بالقضاء ليس وفاء بالنذر، ولو سلمنا لزوم الوصية بالالتزام لكان البر فيه حاصلا بالإيصاء الشرعي، ومن شأن الإيصاء الشرعي قبول الرجوع، فلو أوصى ثم رجع لبر في نذره، وأما لزوم تنفيذها وإتمامها بعد الرجوع فيها وهي محل النزاع فلا يلزم أيضا، وإن كان مندوبا، أما أولا فإنه من حكم المعاملات، ألا ترى أنه تصح الوصية بما لا قربة فيه، كما إن أوصى أن يباع عبده من فلان أو ملك من أملاكه فإنه يجب على الورثة تنفيذ وصيته في ثلثه وإن لم يكن فيه قربة إلا أن يمتنع فلان من البيع والشراء، وأما ما قاله اللخمي فيمن قال اشتروا عبد فلان ولم يزد على ذلك أنه لا تنفذ هذه الوصية فقد علل ذلك بأنه لا فائدة فيه لما عرى من أن تتعلق بها حق الله تعالى وحق الآدمي يدل على هذا التعليل أنه إذا تعلق به حق الآدمي وجب تنفيذه وإن لم يكن قربة، وأما ثانيا فإن الالتزام أن لا يرجع في وصيته لا يلزمه وإن كان مندوبا، وأصل الوصية مندوب كما لو تزوج والتزم أن لا يطلق، فإن أصل النكاح مندوب وإبقاؤه عليه محبوب، فإنه ضد الطلاق المبغض إلى الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) وإنما كان البقاء على النكاح لا يلزم بالالتزام لأنه ثمرة المعاملة، فلم يشرع قربة، فكذلك الوصية وإتمامها، وأما ثالثا، وهو سر المسألة، فهو أن
لا بما جعل له الخصام ولا بما سواه وإن ذلك هو المذهب ، وهذا ما لا يقوله أحد على أن ظاهر انقطاع صاحب الظن لما اقتطع من كلام أبى عمر يقتضي أنه أخذ كلام ابن خويزمنذاذ متصلا المعنى بما يليه وهو مشكل ، وقوله في الكافي ، بعد هذا قال : وقد اتفق الفقهاء فيمن قال : ما أقربه فلان علي فهو لازم لي أنه لا يلزمه ، وقد بينه المازري بيانا شافيا فقال [318/10] إنه إذا أورد هذا القول مطلقا هكذا فلا يلزم الموكل ما أقر به عليه لإمكان أن يكون أراد غير الحقوق المالية إخبار عن حال من الأحوال أو غير ذلك مما في معناه ، ثم ذكر في ذلك وجهاء آخر يلزم فيه الاقرار قال ولا يتصور فيه خلاف إذا قال أقر عني في خصام في حقوق ومراجعة ومحاورة في ذكر مال والطالب به ، ثم ذكر أن ذلك الاطلاق إذا فهم منه أن المراد به كالمراد من التقييد الذي هو قوله أقر عني بمال فهو بمنزلته في اللزوم ، فهذا الكلام الذي قاله المازري يخرج مسألتنا عن موضع سقوط الإقرار الذي ذكره في الكافي ، فقد سئل ابن رشد رحمه الله حسبما وقع في نوازله عن رجل وكل وكالة خصام جعل له فيها الاقرار والإنكار وأن يوكل من شاء بمثله في طلب ميراثه في ملك فأقر الوكيل الثاني أن المتوفى لم يترك ذلك الملك ميراثا فتقيد عليه هذا القول ، فجاوب بقوله ما تقيد على وكيل الخصام من المقالات لازم لمن وكله ما لم يقله عند الحاكم الذي وكله عنده على الخصام ، ومن مختصر التعليقة ما نصه : الوكيل على الخصومة لا يصح إقراره على موكله مثل أن يدعى على موكله مال فيقول نعم ، هو عليه ، أو يوكل على الخصومة على القبض فيقول قد قبض موكلي ونحو ذلك سواء نهاه عن الاقرار أو سكت وسواء أقر في مجلس الحكم أو غيره إلا أن يوكله على الاقرار ، وبمذهبنا قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة يصح إقراره في مجلس الحكم ولا يصح في غيره ، لأن الإقرار عنده هو من الخصومة وعندنا ليس منها وفي العتبية لأصبغ فيمن وكله رجل
317/11] وكافر. والمومن قسمه إلى ثلاثة أقسام الثلاثة في الجنة. وهذا هو مذهب أهل السنة، خلافا للمعتزلة الذين لا يطلقون على العاصي مومنا وأنه لا يدخل الجنة، وإنما يطلقون عليه فاسقا وهو مخلد في النار. وقد ذكر أولا أنهم استووا في دخول الجنة الأقسام الثلاثة وهذا حق لا شك فيه. ومعناه استووا في الخلود فيها. والاستواء في دخولها هو أعم من دخولها ابتداء ودخولها بعد النار. وإذا صح ذلك فكيف ينسب الإرجاء إلى قائل ما ذكر، وليس فيها ما يشار إليه بوجه. وهذا جلي ونزيده وضوحا بعد. ثم إن الذي قرره هو مقتضى ظاهر الآية فما تتأول به الآية يتأول به كلام هذا القائل. وعندي أن هذا الاعتراض وضع في غير محل، والحق أبلج، لا يمنع من فهمه إلا عليل، فكيف يفتقر النهار إلى دليل؟ وما قرره الشيخ الفقيه العالم أبو عبد الله صحيح، جار على ما قلناه، والأمر فيه جلي ظاهر كما أشرنا إليه وأشار إليه الشيخ المذكور. وذلك مشهور عند أهل السنة ومنشور، وأما إشكال ذكر الاصطفاء من الله تعالى لمن ذكر، فلا أظن أن ذلك يرد على قلب سليم من الأكدار صاف، ولا لمن هو بالعهود واف، لأن الله تعالى يقول: ﴿يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب﴾. فاصطفاؤه واجتباؤه لأهل الإيمان ثابت في طائعهم وعاصيهم، وهذا ضروري من الدين. ومن الاصطفاء لهم استغفار حملة العرش لهم في كتابه.